سلطان الرواد
12-05-2010, 06:07 PM
المواكب هي القصيدة الخالدة للشاعر جبران خليل جبران.
الكواكب هي قصيدة المعارضة ل سلطان الرواد
إلى قلوبكم
/
\
/
\
جبران:
الخير في الناس مصنوع إذا جبروا = والشر في الناس لا يفنى وان قبروا
واكثر الناس آلات تحركها = أصابع الدهر يوما ثم تنكسر
فلا تقولن هذا عالم علم = ولا تقولن ذاك السيد الوقر
فأفضل الناس قطعان يسير بها= صوت الرعاة ومن لم يمش يندثر
ليس في الغابات راع = لا ولا فيها القطيع
فالشتا يمشي ولكن = لا يجاريه الربيع
خلق الناس عبيدا = للذي يأبا الخضوع
فإذا ما هب يوما = سائرا سار الجميع
أعطني الناي وغن = فالغنا يرعى العقول
وأنيني الناي أبقى = من مجيد وذليل
سلطان:
الناسُ أرضٌ بها أرواحُهم شجرُ = والخير والشر في أغصانها الثمرُ
لا تعجبن من الأضداد إن جمعت = فالصخر يندى وفي أحشائه الشرر
والدهر قيثارةٌ والغيب يضربها = أوتارها بشرٌ، ألحانها بشر
والناس بين يدي مرآة حاضرهم = أشباح أمسٍ وتقليدٌ لمن غبروا
ليس في الغابات حاضر = لا ولا الأمس الوضيع
فالشتا يأتي ولكن = لم يسل أين الربيع
إنما الوقت إله = يركب النجم الرفيع
يطرح التذكار نعشا = فوق اكتاف الجميع
اترك الريح تغني = فالغنا خصب الحقول
وحنين الريح أبقى = من ترانيم الفصول
جبران:
وما الحياة سوى نوم تراوده = أحلام من بمراد النفس يأتمر
والسر في النفس حزن النفس يستره =. فان تولى فبالأفراح يستتر
والسر في العيش رغد العيش يحجبه = فان أزيل تولى حجبه الكدر
فان ترفعت عن رغد وعن كدر = جاورت ظل الذي حارت به الفكر
ليس في الغابات حزن = لا ولا فيها الهموم
فإذا هب نسيم = لم تجئ معه السموم
وغيوم النفس تبدو = من ثناياها النجوم
أعطني الناي وغن = فالغنا يمحو المحن
وانين الناي يبقى = بعد أن يفنى الزمن
سلطان:
وما الحياة سوى غيثٍ بمعصرة = بل التراب فهاج العشب والشجر
لكنه بعد حينٍ عاد ذا يبسٍ = وما عليه أما الشمس منكسر
أو إنها خمرة صهباء نازفة = من كأس وردٍ بماء الطل يدّّثر
فكل ضيف بهذا القصر عاقرها = والموت بالباب يدعوهم إذا سكروا
ليس للغابات حزن = ليس للغاب هموم
تضحك الأزهار فيها = بينما تبكي الغيوم
إنما الأحزان طير = صادح دون النجوم
فإذا ما صرت نجما = بدل الصدح وجوم
أترك الريح تغني = فالغنا يمحو الشجن
وحنين الريح أبقى = من حكايات الزمن
جبران:
وقل في الأرض من يرضى الحياة كما = تأتيه عفوا ولم يحكم به الضجر
لذاك قد حولوا نهر الحياة إلى = أكواب وهم إذا طافوا بها خدروا
فالناس أن شربوا سروا كأنهم = رهن الهوى وعلى التخدير قد فطروا
فذا يعربد أن صلى وذاك إذا = أثرى وذلك بالأحلام يختمر
فالأرض خمارة والدهر صاحبها = وليس يرضى بها غير الألي سكروا
فإن رأيت أخا صحوا فقل عجبا! = هل استظل بغيم ممطر قمر؟
ليس في الغابات سكر = من مدام أو خيال
فالسواقي ليس فيها = غير إكسير الغمام
إنما التخدير ثدي = وحليب للأنام
فإذا شاخوا وماتوا = بلغوا سن الفطام
اعطني الناي وغن = فالغنا خير الشراب
وانين الناي يبقى = بعد أن تفنى الهضاب
سلطان:
والناس صنفان متبوعٌ ومُتّبِعٌ = والأمر سيان إن غابوا وإن حضروا
كل الرعاة بلا قطعانهم هلكوا = كذا القطيع بلا راعيه يحتضر
والناس أحجار وهمٍ ضمها هرم = أعلاهمُ حجرٌ، أدناهمُ حجر
وكلهم آخذ في ذيل لذته = فما يكون ترى في عينه الظفر
والناس مثل الصدى والأرض مصدره = أما تراه أمام الطود يندحر
وشرعة الناس سيف في يدي وثن = فليس للخير أو للشر ينتصر
ليس في الغابات ذل = لا ولا فيها عِظام
فخيول الريح تعدو = فوق أسراب الغمام
وحقول القمح تملا = نصف أفواه الأنام
إن شرع الغاب روح = بين صقر وحمام
اترك الريح تغني = فالغنا روح الشباب
وحنين الريح أبقى = من أهازيج السحاب
جبران:
والدين في الناس حقل ليس يزرعه = غير الألي لهم في زرعه وطر
من آمل بنعيم الخلد مبتشر = ومن جهول يخاف النار تستعر
فالقوم لولا عقاب البعث ما عبدوا = ربا ولولا الثواب المرتجى كفروا
كأنما الدين ضرب من متاجرهم = أن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا
ليس في الغابات دين = لا ولا الكفر القبيح
فإذا البلبل غنى = لم يقل هذا الصحيح
أن دين الناس يأتي = مثل ظل ويروح
لم يقم في الأرض دين = بعد طه والمسيح
أعطني الناي وغن = فالغنا خير الصلاة
وانين الناي يبقى = بعد أن تفنى الحياة
سلطان:
والدين في الناس محتوم بفطرتهم = وكل قوم لهم من ربهم أثر
والدين مكيال عقل كال عاطفة = ياويح من ربه الأحجار والبقر
لا يقبل الدين بيعا أو مساومة = أو فاجرا في ثياب الطهر يستتر
فليس لله دكان يبيع بها = صكا لمن أذنبوا، صبرا لمن ضجروا
ليس في الغابات كفر = لا ولا دين صريح
فإذا ما الفجر صلى = أقبل الديك يصيح
وإذا الليل تسجى = أسلم البدر المليح
إنما الإسلام أصلا = دين موسى والمسيح
اترك الريح تغني = فالغنا صوت الحيات
وحنين الريح يبقى = وقع أقدام الجهات
جبران:
والعدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا = به ويستضحك الأموات لو نظروا
فالسجن والموت للجانين أن صغروا = والمجد والفخر والإثراء أن كبروا
فسارق الزهر مذموم ومحتقر = وسارق الحقل يدعى الباسل الخطر
وقاتل الجسم مقتول بفعلته = وقاتل الروح لا تدري به البشر
ليس في الغابات عدل = لا ولا فيها العقاب
فإذا الصفصاف ألقى = ظله فوق التراب
لا يقول السرو هذي = بدعة ضد الكتاب
أن عدل الناس ثلج = أن رأته الشمس ذاب
أعطني الناي وغن = فالغنا عدل القلوب
وأنيني الناي يبقى = بعد أن تفنى الذنوب
سلطان:
والعدل في الناس موجود ومُفتقد = كأنه الحب منسي ومدّكر
والعدل أسطورة عن أمة هلكت = في أرض بابل لا ترك ولا تتر
فالبعض قال بأن العدل مبتدأ = والبعض يرجم غيبا أنه الخبر
فالعدل والظلم والإنسان أمثلة =كالشمس يبعثها من لحدها القمر
ليس في الغابات ذنب = لا ولا فيها صواب
فإذا البدر تجلى = هان في عين الكلاب
وإذا ما الصبح غنى = فض أستار الضباب
إن عدل الله شمس = فوق هامات السحاب
اترك الريح تغني =فالغنا يمحو الذنوب
وحنين الريح يبقى = مثل أسرار القلوب
جبران:
والحق للعزم، والأرواح أن قويت = سادت وان ضعفت حلت بها الغير
ففي العرينة ريح ليس يقربه = بنو الثعالب غاب الأسد أم حضروا
وفي الزرازير جبن وهي طائرة = وفي البزاة شموخ وهي تحتضر
والعزم في الروح حق ليس ينكره = عزم السواعد شاء الناس أم نكروا
فان رأيت ضعيفا سائدا فعلى = قوم إذا ما رأوا أشباههم نفروا
ليس في الغابات عزم = لا ولا فيها الضعيف
فإذا ما الأسد صاحت = لم تقل هذا المخيف
أن عزم الناس ظل = في فضا الفكر يطوف
وحقوق الناس تبلى = مثل أوراق الخريف
أعطني الناي وغن = فالغنا عزم النفوس
وانين الناي يبقى = بعد أن تفنى الشموس
سلطان:
والحق مثل شعاع الضوء أو قبس = أمامه الليل مهزوم ومنقهر
هو القوي فلا يخشى مواجهة = لكنه في جمام الماء ينكسر
هو الأبي فلا يرضى مساومة = ولا تراه بقبح الذنب يعتذر
هو الفصيح فلا ألفاظه عُجُمٌ = هو النسب فلا اعيانه غجر
أما أخذت من التاريخ موعظة = الحق يعلو وإن أعيا به البشر
ليس في الغاب قوي = ليس في الغاب ضعيف
فالنسيم العذب عندي = مثل إعصار عنيف
ورقيق المزن أعمى = صوته رعد مخيف
ليس للإنسان رزق = غير ماء أو رغيف
اترك الريح تغني = فالغنا راح النفوس
وحنين الريح أبقى = من تعاليم المجوس
جبران:
والعلم في الناس سبل بان أولها = أما أواخرها فالدهر والقدر
وأفضل العلم حلم أن ظفرت به = وسرت ما بين أبناء الكرى سخروا
فان رأيت أخا الأحلام منفردا = عن قومه وهو منبوذ ومحتقر
فهو النبي وبرد الغد يحجبه = عن أمة برداء الأمس تأتزر
وهو الغريب عن الدنيا وساكنها = وهو المجاهر لام الناس أو عذروا
وهو الشديد وان أبدى ملاينة = وهو البعيد تدانى الناس أم هجروا
ليس في الغابات علم = لا ولا فيها الجهول
فإذا الأغصان مالت = لم تقل هذا الجليل
أن علم الناس طراً = كضباب في الحقول
فإذا الشمس أطلت= من ورا الأفق يزول
أعطني الناي وغن = فالغنا خير العلوم
وأنين الناي يبقى = بعد أن تطفى النجوم
سلطان:
والعقل حقل به الأفكار جارية = والقائمان عليه السمع والبصر
والعلم جمع غلال أمر قسمتها = كما بذرت، وللباقين ما بذروا
والجهل ريح عقيم أهلكت أمما = إذا أثيرت، فلا تبقي ولا تذر
أما النبوة خيل ذات أجنحة = بيضاء كالعاج في أعناقها الدرر
تمشي ولا شيء غير الله يوقفها = أمامها الغيب أما خلفها القدر
تطوف بالكون والأنواء تتبعها = أما على الأرض فهي الذكر والخبر
ليس في الغابات وحي = لا ولا فيها رسول
فكما في الناس جهل = كان في الغاب جهول
وكما للأرض مغنى = كان للورد ذبول
وغصون اللوز تزهو = حسب أعراف الفصول
اترك الريح تغني = فالغنا عرس الكروم
وحنين الريح أبقى = من أحاديث النجوم
جبران:
والحر في الأرض يبني من منازعه = سجنا له وهو لا يدري فيؤتسر
فان تحرر من أبناء بجدته = يظل عبدا لمن يهوى ويفتكر
فهو الأريب ولكن في تصلبه = حتى وللحق بطل بل هو البطر
وهو الطليق ولكن في تسرعه = حتى إلى أوج مجد خالد صغر
ليس في الغابات حر = لا ولا العبد الذميم
إنما الأمجاد سخف = وفقاقيع تعوم
فإذا ما اللوز ألقى = زهره فوق الهشيم
لم يقل هذا حقير = وأنا المولى الكريم
أعطني الناي وغن = فالغنا مجد أثيل
وانين الناي أبقى = من زنيم وجليل
سلطان:
والحر مثل خيول الريح عادية = أو كالسحاب أمام البؤس ينهمر
والعبد مثل فتات العهن تحمله = كف الهبوب، فلا يأبى فيندثر
كل ابن آدم مدعيٌ لحاجته = بعبدها، وكذا الأسماء تنحدر
ليس الغني بمن فاضت خزائنه = بل من تسامى فلا يعدو ولا يزر
ليس في الغابات حر = لا ولا عبد زنيم
إنما الأشجار تسمو = فوق أكتاف الاديم
وجلي الصبح عندي = يشبه الليل البهيم
هل أتى الإنسان حين = كان هبوا لا يقيم
اترك الريح تغني = فالغنا طب العليل
وحنين الريح يبقى = كظلال في أصيل
جبران:
واللطف في الناس أصداف وان نعمت = أضلاعها لم تكن في جوفها الدرر
فمن خبيث له نفسان: واحدة = من العجين وأخرى دونها الحجر
ومن خفيف ومن مستأنث خنث = تكاد تدمي ثنايا ثوبه الإبر
واللطف للنذل درع يستجير به = أن راعه وجل أو هاله الخطر
فان لقيت قويا لينا فبه = لأعين قد فقدت أبصارها البصر
ليس في الغاب لطيف = لينه لين الجبان
فغصون البان تعلوا = في جوار السنديان
وإذا الطاووس أعطي = حلة كالأرجوان
فهو لا يدري أحسن = فيه أم فيه افتتان
أعطني الناي وغن = فالغنا لطف الوديع
وأنيني الناي أبقى = من ضعيف وضليع
سلطان:
واللطف مثل حَبَاب الماء مختلط = أو همسة الورد في نيسان تنتشر
أو كاعب تخطف الألحاظ في عجل = عند اللقاء وخمر الخد يُعتصر
أو طفلة الضوء فوق الطل راقصة = أو ناقة المزن إذ يحدو بها المطر
أو سبعة من جذوع الشمس ينحتها = كف السحابة قوسا ليس ينكسر
ليس في الغابات عنف = لا ولا فيها أمان
فإذا الورد تناجى = هام قلب السنديان
وإذا البحر تمادى = كان بالشط حنان
تنظم الأمواج ليلا = كل أطواق الجمان
اترك الريح تغني = فالغنا خلق بديع
وحنين الريح يبقى = مثل انفاس الربيع
جبران:
والظرف في الناس تمويه وأبغضه = ظرف الألي في فنون الإقتدا مهروا
من معجب بأمور وهو يجهلها = وليس فيها له نفع ولا ضرر
ومن عتي يرى في نفسه ملكا = في صوتها نغم في لفظها سور
ومن شموخ غدت مرآته فلكا = وظله قمرا يزهو ويزدهر
ليس في الغاب ظريف = ظرفه ضعف الضئيل
فالضبا وهي عليل = ما بها سقم العليل
أن بالأنهار طعما = مثل طعم السلسبيل
وبها هول وعزم = يجرف الصلد الثقيل
أعطني الناي وغن = فالغنا ظرف الظريف
وأنين الناي أبقى = من رقيق وكثيف
سلطان:
واللهو والظرف مثل العتر في رجب = أو مثل نوم الضحى والبرد مبتدر
فاللهو بعد صراع الفكر ذو أثر = والظرف بعد احتدام الأمر مُختبر
وللظريف قلوب الناس مائلة = والعكس يثبته المغرور والوعر
فليس أكرم عند الله من جمل = يُنسى بها الهم أو يجلى بها الكدر
ليس في الغاب كريم = لا ولا فيه البخيل
يابس الأعشاب يغذو = كل ضخم وضئيل
أكفوف النحل أسخى = أم عراجين النخيل
أو ثغور الورد أشهى = أم شفاه السلسبيل
اترك الريح تغني = فالغنا نبع نظيف
وحنين الريح أبقى = من وريقات الخريف
جبران:
والحب في الناس أشكال وأكثرها = كالعشب في الحقل لا زهر ولا ثمر
وأكثر الحب مثل الراح أيسره = يرضي وأكثره للمدمن الخطر
وان الحب أن قادت الأجسام موكبه = إلى فراش من الأغراض ينتحر
كأنه ملك في الأسر معتقل = يأبى الحياة وأعوان له غدروا
ليس في الغاب خليع = يدعي نبل الغرام
فإذا الثيران خارت = لم تقل هذا الهيام
أن حب الناس داء = بين لحم وعظام
فإذا ولى شباب = يختفي ذاك السقام
أعطني الناي وغن = فالغنا حب صحيح
وأنين الناي أبقى = من جميل ومليح
سلطان:
والحب مثل بريق الطل في فنن = أو كالزجاج أمام الضوء ينبهر
أو كالغيوم غروب الشمس يحرقها = أو كالنجوم تباهى فوقها القمر
هو الطيور إلى أعشاشها رجعت = هو السرور هو النسيان مبتدر
هو الفتور وصوت الآه مطرد = هو الخصور مع الإيقاع تنهصر
ليس في الغابات كره = ليس في الغاب وئام
تُطرق الغدران عينا = عندما يشدو الحمام
ويُلين البان خصرا = بينما يقسو الحطام
ويهيم البدر تيها = في أكاليل الغمام
اترك الريح تغني = فالغنا لفظ فصيح
وحنين الريح يبقى = مثل آهات الجريح
جبران:
فان لقيت محبا هائما كلفا = في جوعه شبع في ورده الصدر
والناس قالوا هو المجنون ماذا عسى = يبغى من الحب أو يرجو فيصطبر؟
أفي هوى تلك يستدمي محاجره = وليس في تلك ما يحلوا ويعتبر!
فقل هم البهم ماتوا قبلما ولدوا = أنى دروا كنه من يحيى وما اختبروا
ليس في الغابات عذل = لا ولا فيها الرقيب
فإذا الغزلان جنت = إذ ترى وجه المغيب
لا يقول النسر واها = أن ذا شيء عجيب
إنما العاقل يدعى = عندنا الأمر الغريب
أعطني الناي وغن = فالغنا خير الجنون
وأنيني الناي أبقى = من حصيف ورصين
سلطان:
أما المحبة فهي الروح إن صبأت = أو برعم في هبوب الريح ينفطر
أو أيكة بعد طول العري قد لبس = استبرقا، وربت للشمس تفتخر
أو نرجس في ربى لبنان قد ملآت = كأس الندى ودموع الفجر تنحدر
أو هامة في احتضار الأرض قد صرخت = مات الربيع فهل أبناؤه ثأروا
ليس في الغابات حب = لا ولا فيها حبيب
يغزل الشحرور عشا = بينما البوم كئيب
وتُثير الريح نقعا = بينما العصر منيب
ويهيم الورد عشقا = بينما الشمس تغيب
اترك الريح تغني = فالغنا قلب حنون
وحنين الريح يبقى = مثل سكرات المنون
جبران:
وقل نسينا فخار الفاتحين وما = ننسى المجانين حتى يغمر الغمر
قد كان في قلب ذي القرنين مجزرة = وفي حشاشة قيس هيكل وقر
ففي انتصارات هذا غلبة خفيت = وفي انكسارات هذا الفوز والظفر
والحب في الروح لا في الجسم نعرفه = كالخمر للوحي لا للسكر ينعصر
ليس في الغابات ذكر = غير ذكر العاشقين
فالألي سادوا ومادوا = وطغوا بالعالمين
أصبحوا مثل حروف = في أسامي المجرمين
فالهوى الفضاح يدعى = عندنا الفتح المبين
أعطني الناي وغن = وانس ظلم الأقوياء
إنما الزنبق كأس = للندى لا للدماء
سلطان:
أما المحب فجاني الورد يشبهه = أو حامل المسك أو كرم له ثمر
أو نافخ الكير أو من كان يصحبه = أو زارع السبخ أو عطشان محتضر
فالمرء عند خضم الحب ذو نصب = بين الحياة وبين الموت يُختبر
إن عاش عاش فلا ري ولا شبع = إن مات مات فلا عدن ولا سقر
ليس في الغابات شوق = لا ولا فيها حنين
فخدود الورد تبدو = كخدود العاشقين
وغصون الورد تبدو = كسيوف الحاقدين
تنبت الغابات شوكا = أو غصون الياسمين
اترك الريح تغني = فالغنا وحي السماء
وحنين الريح أبقى = من حنين الغرباء
جبران:
وما السعادة في الدنيا سوى شبح = يرجى فأن صار جسما مله البشر
كالنهر يركض نحو السهل مكتدحا = حتى إذا جاءه يبطي ويعتكر
لم يسعد الناس إلا في تشوقهم= إلى المنيع فإن صاروا به فتروا
فان لقيت سعيدا وهو منصرف = عن المنيع فقل في خلقه العبر
ليس في الغاب رجاء = لا ولا فيها الملل
كيف يرجوا الغاب جزءا = وعلى الكل حصل؟
وبما السعي بغاب = أملا وهو الأمل؟
إنما العيش رجاء = إحدى هاتيك العلل
أعطني الناي وغن= فالغنا نار ونور
وانين الناي شوق = لا يدانيه الفتور
سلطان:
أما السعادة وجه من تعاستنا = كالليل يظهر فيه النجم والقمر
فالعود يزداد طيبا حين نحرقه = والنار تزداد حسنا حين تستعر
أما علمت بأن السم ذو رحم = منه الدواء وفيه الداء والخطر
إن الجواهر عند الناس مكرمة = لكنها في عيون الأرض تُحتقر
ليس في الغابات جد = لا ولا فيها هزل
سيكون الغد فيها = مثلما كان الأزل
ويظل المزن أسمى = حيثما الغيث نزل
إن صوت الرعد فيها = بعض أنواع الغزل
اترك الريح تغني = فالغنا أصوات نور
وحنين الريح أبقى = من أساطير العصور
جبران:
وغاية الروح طي الروح قد خفيت = فلا المظاهر تبديها ولا الصور
فذا يقول هي الأرواح أن بلغت = حد الكمال تلاشت وانقضى الخبر
كأنما هي أثمار إذا نضجت = ومرت الريح يوما عافها الشجر
وذا يقول هي الأجسام أن هجعت = لم يبق في الروح تهويم ولا سمر
كأنما هي ظل في الغدير إذا = تعكر الماء ولت وامحى الأثر
ظل الجميع فلا الذرات في جسد = تثوى ولا هي في الأرواح تحتضر
فما طوت شمأل أذيال عاقلة = إلا ومر بها الشرقي فتنتشر
لم أجد في الغاب فرقا = بين نفس وجسد
فالهوا ماء تهادى = والندى ماء ركد
والشذى زهر تمادى = والثرى زهر جمد
وظلال الحور حور = ظن ليلا فرقد
أعطني الناي وغن = فالغنا جسم وروح
وأنيني الناي أبقى = من غبوق وصبوح
سلطان:
والروح بذرة نور تربها بدن = إن بلها الحب تنمو ثم تزدهر
والروح أنثى أمام الله واقفة = حليها العقل أما ثوبها المدر
والروح ماء وذود الجسم واردها = خمسا فخمسا ويمضي فيهما العمر
والروح عارية جلبابها جسد = ألفاظها الحس أما حسها الوطر
والروح جاءت لبيت الطين مكرهة = كما ستتركه يوما فيندثر
والروح مثل رياح أنشأت سحبا = أصابت الأرض واستلقى بها الزهر
والروح أمر عظيم نحن نجهله = وليس فيها لنا من ربنا خبر
ليس في الغابات روح = لا ولا فيها جسد
للبراغيث وجود = رغم إنكار الأسد
وغصون الورد تشكو = من نكايات الحسد
إن غض الليف عندي = مثل حبل من مسد
اترك الريح تغني = فالغنا راح وروح
وحنين الريح يبقى = نازفا مثل الجروح
جبران:
والجسم للروح رحم تستكن به = حتى البلوغ فتستعلي وينغمر
فهي الجنين وما يوم الحمام سوى = عهد المخاض فلا سقط ولا عسر
لكن في الناس أشباحا يلازمها = عقم القسي التي ما شدها وتر
فهي الدخيلة والأرواح ما ولدت = من القفيل ولم يحبل بها المدر
وكم على الأرض من نبت بلا أرج = وكم علا الأفق غيم ما به مطر
ليس في الغاب عقيم = لا ولا فيها الدخيل
أن في التمر نواة = حفظت سر النخيل
وبقرص الشهد رمز = عن قفير وحقول
إنما العاقر لفظ = صيغ من معنى الخمول
أعطني الناي وغن = فالغنا جسم يسيل
وأنين الناي أبقى = من مسوخ ونغول
سلطان:
والجسم لوح حروف الله قد نقشت = عليه نورا، فكان الخلق وانتشروا
والجسم فخارة عجراء فارغة = صبت بها الروح والحاجات والصور
والجسم راحلة بالروح راحلة = وفي مضارب موت ينتهي السفر
وديعة الأرض يوما سوف نرجعها = شئنا أبينا فإن الأرض تنتظر
نعود فيها بذارا ثم تُنبتنا = خلقا جديدا بأمر الله يأتمر
ليس في الغاب بديل = ليس في الغاب أصيل
فأسود الغاب تعدو = لا تبالي بالهزيل
بينما الغزلان تعدو = لا تبالي بالقتيل
سيظل الفجر فجرا = مثلما كان الأصيل
اترك الريح تغني = فالغنا طرف خجول
وحنين الريح يبقى = همس أزهار السهول
جبران:
والموت في الأرض لابن الأرض خاتمة = وللأثيري فهو البدء والظفر
فمن يعانق في أحلامه سحرا = سيبقى ومن نام كل الليل يندثر
ومن يلازم تربا حال يقظته = يعانق الترب حتى تخمد الزهر
فالموت كالبحر، من خفت عناصره = يجتازه، وأخو الأثقال ينحدر
ليس في الغابات موت = لا ولا فيها القبور
فإذا نيسان ولى = لم يمت معه السرور
أن هول الموت وهم = ينثني طي الصدور
فالذي عاش ربيعا = كالذي عاش الدهور
أعطني الناي وغن = فالغنا سر الخلود
وأنين الناي يبقى = بعد أن يفنى الوجود
سلطان:
والموت حبل تدلى فوق هاوية = فمن تمسك وهما راح ينحدر
والموت موج خفيف الوزن يركبه = أما الثقيل فتحت الماء ينغمر
والموت فصل خريف والورى ورق = اصفر ثم غدا في الأرض ينتثر
والموت باب أمام الخلق منتصب = مضوا إليه فلا شاؤوا ولا شعروا
ليس في الغاب قصور = ليس في الغاب قبور
ساكنو الأعشاش فيها = مثل سكان الجحور
إن أسرار البراعم = مثل أسرار البذور
تحمل الأغصان صيفا = بعض أحلام الجذور
اترك الريح تغني = فالغنا يعني الوجود
وحنين الريح يبقى = موكبا نحو الخلود
جبران:
أعطني الناي وغن = وانس ما قلت وقلتا
إنما النطق هباء = فأفدني ما فعلتا
هل تخذت الغاب مثلي = منزلا دون القصور
فتتبعت السواقي = وتسلقت الصخور؟
هل تحممت بعطر = وتنشفت بنور
وشربت الفجر خمرا = في كؤوس من أثير؟
هل جلست العصر مثلي = بين جفنات العنب
والعناقيد تدلت = كثريات الذهب
هي للصادي عيون = ولمن جاع الطعام
وهي شهد وهي عطر = ولمن شاء المدام
هل فرشت العشب ليلا = وتلحفت الفضا
زاهدا في ما سيأتي = ناسيا ما قد مضى؟
وسكوت الليل بحر = موجه في مسمعك
وبصدر الليل قلب =خافق في مضجعك
أعطني الناي وغن = وانس داء ودواء
إنما الناس سطور = كتبت لكن بماء
ليت شعري أي نفع = في اجتماع وزحام
وجدال وضجيج = واحتجاج وخصام؟
كلها أنفاق خلد = وخيوط العنكبوت
فالذي يحيا بعجز = فهو في بطء يموت
سلطان:
اترك الريح تغني = بعض ما قلتُ وقلتا
ضاع عمري يا رفيقي = باحثا عما سألتا
كنت في الغابات وحدي = حالما بين الزهور
سامعا عزف السواقي = صامتا مثل القبور
باكيا نفسي بنفسي = ضاحكا مثل العبير
شاربا أنداء فجري = هائما مثل الأثير
كنت فوق الريح وحدي = سائحا بين السحب
فرأيت الشمس قرصا = مثل دينار الذهب
فهي للناس عيون = وسراج في الظلام
وهي للأرض حياة = وهي للورد غرام
كنت في الغابات ألهو = بين يأسي والرضا
فتسربلت الليالي = وتوسدت الفضا
ورأيت الحزن نبعا = ماؤه في مدمعك
وسمعت اليأس طبلا = قرعه في أضلعك
اترك الريح تغني = كل صبح ومساء
إنما الناس غناء = سال من فم السماء
آه لو يدرون مابي = من خصام ووئام
وظنون ويقين = وحروب وسلام
لمشوا في الأرض مثلي = وارتدوا أوراق توت
لا نبالي من سيحيا = أو غدا من سيموت
جبران:
العيش في الغاب والأيام لو نظمت = في قبضتي لغدت في الغاب تنثر
لكن هو الدهر في نفسي له أرب = فكلما رمت غابا قام يعتذر
وللتقادير سبل لا تغيرها = والناس في عجزهم عن قصدهم قصروا
سلطان:
أيقنت أن المنايا مثل طارقة = باب الكريم فهل يأبى ويعتذر
والشعر مرآة نور بين أضلعنا = أبعادها الكون والإنسان والقدر
والخط آثار درب سارها قلم = في مهمه الطرس فانقادت لها الفكر
الكواكب هي قصيدة المعارضة ل سلطان الرواد
إلى قلوبكم
/
\
/
\
جبران:
الخير في الناس مصنوع إذا جبروا = والشر في الناس لا يفنى وان قبروا
واكثر الناس آلات تحركها = أصابع الدهر يوما ثم تنكسر
فلا تقولن هذا عالم علم = ولا تقولن ذاك السيد الوقر
فأفضل الناس قطعان يسير بها= صوت الرعاة ومن لم يمش يندثر
ليس في الغابات راع = لا ولا فيها القطيع
فالشتا يمشي ولكن = لا يجاريه الربيع
خلق الناس عبيدا = للذي يأبا الخضوع
فإذا ما هب يوما = سائرا سار الجميع
أعطني الناي وغن = فالغنا يرعى العقول
وأنيني الناي أبقى = من مجيد وذليل
سلطان:
الناسُ أرضٌ بها أرواحُهم شجرُ = والخير والشر في أغصانها الثمرُ
لا تعجبن من الأضداد إن جمعت = فالصخر يندى وفي أحشائه الشرر
والدهر قيثارةٌ والغيب يضربها = أوتارها بشرٌ، ألحانها بشر
والناس بين يدي مرآة حاضرهم = أشباح أمسٍ وتقليدٌ لمن غبروا
ليس في الغابات حاضر = لا ولا الأمس الوضيع
فالشتا يأتي ولكن = لم يسل أين الربيع
إنما الوقت إله = يركب النجم الرفيع
يطرح التذكار نعشا = فوق اكتاف الجميع
اترك الريح تغني = فالغنا خصب الحقول
وحنين الريح أبقى = من ترانيم الفصول
جبران:
وما الحياة سوى نوم تراوده = أحلام من بمراد النفس يأتمر
والسر في النفس حزن النفس يستره =. فان تولى فبالأفراح يستتر
والسر في العيش رغد العيش يحجبه = فان أزيل تولى حجبه الكدر
فان ترفعت عن رغد وعن كدر = جاورت ظل الذي حارت به الفكر
ليس في الغابات حزن = لا ولا فيها الهموم
فإذا هب نسيم = لم تجئ معه السموم
وغيوم النفس تبدو = من ثناياها النجوم
أعطني الناي وغن = فالغنا يمحو المحن
وانين الناي يبقى = بعد أن يفنى الزمن
سلطان:
وما الحياة سوى غيثٍ بمعصرة = بل التراب فهاج العشب والشجر
لكنه بعد حينٍ عاد ذا يبسٍ = وما عليه أما الشمس منكسر
أو إنها خمرة صهباء نازفة = من كأس وردٍ بماء الطل يدّّثر
فكل ضيف بهذا القصر عاقرها = والموت بالباب يدعوهم إذا سكروا
ليس للغابات حزن = ليس للغاب هموم
تضحك الأزهار فيها = بينما تبكي الغيوم
إنما الأحزان طير = صادح دون النجوم
فإذا ما صرت نجما = بدل الصدح وجوم
أترك الريح تغني = فالغنا يمحو الشجن
وحنين الريح أبقى = من حكايات الزمن
جبران:
وقل في الأرض من يرضى الحياة كما = تأتيه عفوا ولم يحكم به الضجر
لذاك قد حولوا نهر الحياة إلى = أكواب وهم إذا طافوا بها خدروا
فالناس أن شربوا سروا كأنهم = رهن الهوى وعلى التخدير قد فطروا
فذا يعربد أن صلى وذاك إذا = أثرى وذلك بالأحلام يختمر
فالأرض خمارة والدهر صاحبها = وليس يرضى بها غير الألي سكروا
فإن رأيت أخا صحوا فقل عجبا! = هل استظل بغيم ممطر قمر؟
ليس في الغابات سكر = من مدام أو خيال
فالسواقي ليس فيها = غير إكسير الغمام
إنما التخدير ثدي = وحليب للأنام
فإذا شاخوا وماتوا = بلغوا سن الفطام
اعطني الناي وغن = فالغنا خير الشراب
وانين الناي يبقى = بعد أن تفنى الهضاب
سلطان:
والناس صنفان متبوعٌ ومُتّبِعٌ = والأمر سيان إن غابوا وإن حضروا
كل الرعاة بلا قطعانهم هلكوا = كذا القطيع بلا راعيه يحتضر
والناس أحجار وهمٍ ضمها هرم = أعلاهمُ حجرٌ، أدناهمُ حجر
وكلهم آخذ في ذيل لذته = فما يكون ترى في عينه الظفر
والناس مثل الصدى والأرض مصدره = أما تراه أمام الطود يندحر
وشرعة الناس سيف في يدي وثن = فليس للخير أو للشر ينتصر
ليس في الغابات ذل = لا ولا فيها عِظام
فخيول الريح تعدو = فوق أسراب الغمام
وحقول القمح تملا = نصف أفواه الأنام
إن شرع الغاب روح = بين صقر وحمام
اترك الريح تغني = فالغنا روح الشباب
وحنين الريح أبقى = من أهازيج السحاب
جبران:
والدين في الناس حقل ليس يزرعه = غير الألي لهم في زرعه وطر
من آمل بنعيم الخلد مبتشر = ومن جهول يخاف النار تستعر
فالقوم لولا عقاب البعث ما عبدوا = ربا ولولا الثواب المرتجى كفروا
كأنما الدين ضرب من متاجرهم = أن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا
ليس في الغابات دين = لا ولا الكفر القبيح
فإذا البلبل غنى = لم يقل هذا الصحيح
أن دين الناس يأتي = مثل ظل ويروح
لم يقم في الأرض دين = بعد طه والمسيح
أعطني الناي وغن = فالغنا خير الصلاة
وانين الناي يبقى = بعد أن تفنى الحياة
سلطان:
والدين في الناس محتوم بفطرتهم = وكل قوم لهم من ربهم أثر
والدين مكيال عقل كال عاطفة = ياويح من ربه الأحجار والبقر
لا يقبل الدين بيعا أو مساومة = أو فاجرا في ثياب الطهر يستتر
فليس لله دكان يبيع بها = صكا لمن أذنبوا، صبرا لمن ضجروا
ليس في الغابات كفر = لا ولا دين صريح
فإذا ما الفجر صلى = أقبل الديك يصيح
وإذا الليل تسجى = أسلم البدر المليح
إنما الإسلام أصلا = دين موسى والمسيح
اترك الريح تغني = فالغنا صوت الحيات
وحنين الريح يبقى = وقع أقدام الجهات
جبران:
والعدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا = به ويستضحك الأموات لو نظروا
فالسجن والموت للجانين أن صغروا = والمجد والفخر والإثراء أن كبروا
فسارق الزهر مذموم ومحتقر = وسارق الحقل يدعى الباسل الخطر
وقاتل الجسم مقتول بفعلته = وقاتل الروح لا تدري به البشر
ليس في الغابات عدل = لا ولا فيها العقاب
فإذا الصفصاف ألقى = ظله فوق التراب
لا يقول السرو هذي = بدعة ضد الكتاب
أن عدل الناس ثلج = أن رأته الشمس ذاب
أعطني الناي وغن = فالغنا عدل القلوب
وأنيني الناي يبقى = بعد أن تفنى الذنوب
سلطان:
والعدل في الناس موجود ومُفتقد = كأنه الحب منسي ومدّكر
والعدل أسطورة عن أمة هلكت = في أرض بابل لا ترك ولا تتر
فالبعض قال بأن العدل مبتدأ = والبعض يرجم غيبا أنه الخبر
فالعدل والظلم والإنسان أمثلة =كالشمس يبعثها من لحدها القمر
ليس في الغابات ذنب = لا ولا فيها صواب
فإذا البدر تجلى = هان في عين الكلاب
وإذا ما الصبح غنى = فض أستار الضباب
إن عدل الله شمس = فوق هامات السحاب
اترك الريح تغني =فالغنا يمحو الذنوب
وحنين الريح يبقى = مثل أسرار القلوب
جبران:
والحق للعزم، والأرواح أن قويت = سادت وان ضعفت حلت بها الغير
ففي العرينة ريح ليس يقربه = بنو الثعالب غاب الأسد أم حضروا
وفي الزرازير جبن وهي طائرة = وفي البزاة شموخ وهي تحتضر
والعزم في الروح حق ليس ينكره = عزم السواعد شاء الناس أم نكروا
فان رأيت ضعيفا سائدا فعلى = قوم إذا ما رأوا أشباههم نفروا
ليس في الغابات عزم = لا ولا فيها الضعيف
فإذا ما الأسد صاحت = لم تقل هذا المخيف
أن عزم الناس ظل = في فضا الفكر يطوف
وحقوق الناس تبلى = مثل أوراق الخريف
أعطني الناي وغن = فالغنا عزم النفوس
وانين الناي يبقى = بعد أن تفنى الشموس
سلطان:
والحق مثل شعاع الضوء أو قبس = أمامه الليل مهزوم ومنقهر
هو القوي فلا يخشى مواجهة = لكنه في جمام الماء ينكسر
هو الأبي فلا يرضى مساومة = ولا تراه بقبح الذنب يعتذر
هو الفصيح فلا ألفاظه عُجُمٌ = هو النسب فلا اعيانه غجر
أما أخذت من التاريخ موعظة = الحق يعلو وإن أعيا به البشر
ليس في الغاب قوي = ليس في الغاب ضعيف
فالنسيم العذب عندي = مثل إعصار عنيف
ورقيق المزن أعمى = صوته رعد مخيف
ليس للإنسان رزق = غير ماء أو رغيف
اترك الريح تغني = فالغنا راح النفوس
وحنين الريح أبقى = من تعاليم المجوس
جبران:
والعلم في الناس سبل بان أولها = أما أواخرها فالدهر والقدر
وأفضل العلم حلم أن ظفرت به = وسرت ما بين أبناء الكرى سخروا
فان رأيت أخا الأحلام منفردا = عن قومه وهو منبوذ ومحتقر
فهو النبي وبرد الغد يحجبه = عن أمة برداء الأمس تأتزر
وهو الغريب عن الدنيا وساكنها = وهو المجاهر لام الناس أو عذروا
وهو الشديد وان أبدى ملاينة = وهو البعيد تدانى الناس أم هجروا
ليس في الغابات علم = لا ولا فيها الجهول
فإذا الأغصان مالت = لم تقل هذا الجليل
أن علم الناس طراً = كضباب في الحقول
فإذا الشمس أطلت= من ورا الأفق يزول
أعطني الناي وغن = فالغنا خير العلوم
وأنين الناي يبقى = بعد أن تطفى النجوم
سلطان:
والعقل حقل به الأفكار جارية = والقائمان عليه السمع والبصر
والعلم جمع غلال أمر قسمتها = كما بذرت، وللباقين ما بذروا
والجهل ريح عقيم أهلكت أمما = إذا أثيرت، فلا تبقي ولا تذر
أما النبوة خيل ذات أجنحة = بيضاء كالعاج في أعناقها الدرر
تمشي ولا شيء غير الله يوقفها = أمامها الغيب أما خلفها القدر
تطوف بالكون والأنواء تتبعها = أما على الأرض فهي الذكر والخبر
ليس في الغابات وحي = لا ولا فيها رسول
فكما في الناس جهل = كان في الغاب جهول
وكما للأرض مغنى = كان للورد ذبول
وغصون اللوز تزهو = حسب أعراف الفصول
اترك الريح تغني = فالغنا عرس الكروم
وحنين الريح أبقى = من أحاديث النجوم
جبران:
والحر في الأرض يبني من منازعه = سجنا له وهو لا يدري فيؤتسر
فان تحرر من أبناء بجدته = يظل عبدا لمن يهوى ويفتكر
فهو الأريب ولكن في تصلبه = حتى وللحق بطل بل هو البطر
وهو الطليق ولكن في تسرعه = حتى إلى أوج مجد خالد صغر
ليس في الغابات حر = لا ولا العبد الذميم
إنما الأمجاد سخف = وفقاقيع تعوم
فإذا ما اللوز ألقى = زهره فوق الهشيم
لم يقل هذا حقير = وأنا المولى الكريم
أعطني الناي وغن = فالغنا مجد أثيل
وانين الناي أبقى = من زنيم وجليل
سلطان:
والحر مثل خيول الريح عادية = أو كالسحاب أمام البؤس ينهمر
والعبد مثل فتات العهن تحمله = كف الهبوب، فلا يأبى فيندثر
كل ابن آدم مدعيٌ لحاجته = بعبدها، وكذا الأسماء تنحدر
ليس الغني بمن فاضت خزائنه = بل من تسامى فلا يعدو ولا يزر
ليس في الغابات حر = لا ولا عبد زنيم
إنما الأشجار تسمو = فوق أكتاف الاديم
وجلي الصبح عندي = يشبه الليل البهيم
هل أتى الإنسان حين = كان هبوا لا يقيم
اترك الريح تغني = فالغنا طب العليل
وحنين الريح يبقى = كظلال في أصيل
جبران:
واللطف في الناس أصداف وان نعمت = أضلاعها لم تكن في جوفها الدرر
فمن خبيث له نفسان: واحدة = من العجين وأخرى دونها الحجر
ومن خفيف ومن مستأنث خنث = تكاد تدمي ثنايا ثوبه الإبر
واللطف للنذل درع يستجير به = أن راعه وجل أو هاله الخطر
فان لقيت قويا لينا فبه = لأعين قد فقدت أبصارها البصر
ليس في الغاب لطيف = لينه لين الجبان
فغصون البان تعلوا = في جوار السنديان
وإذا الطاووس أعطي = حلة كالأرجوان
فهو لا يدري أحسن = فيه أم فيه افتتان
أعطني الناي وغن = فالغنا لطف الوديع
وأنيني الناي أبقى = من ضعيف وضليع
سلطان:
واللطف مثل حَبَاب الماء مختلط = أو همسة الورد في نيسان تنتشر
أو كاعب تخطف الألحاظ في عجل = عند اللقاء وخمر الخد يُعتصر
أو طفلة الضوء فوق الطل راقصة = أو ناقة المزن إذ يحدو بها المطر
أو سبعة من جذوع الشمس ينحتها = كف السحابة قوسا ليس ينكسر
ليس في الغابات عنف = لا ولا فيها أمان
فإذا الورد تناجى = هام قلب السنديان
وإذا البحر تمادى = كان بالشط حنان
تنظم الأمواج ليلا = كل أطواق الجمان
اترك الريح تغني = فالغنا خلق بديع
وحنين الريح يبقى = مثل انفاس الربيع
جبران:
والظرف في الناس تمويه وأبغضه = ظرف الألي في فنون الإقتدا مهروا
من معجب بأمور وهو يجهلها = وليس فيها له نفع ولا ضرر
ومن عتي يرى في نفسه ملكا = في صوتها نغم في لفظها سور
ومن شموخ غدت مرآته فلكا = وظله قمرا يزهو ويزدهر
ليس في الغاب ظريف = ظرفه ضعف الضئيل
فالضبا وهي عليل = ما بها سقم العليل
أن بالأنهار طعما = مثل طعم السلسبيل
وبها هول وعزم = يجرف الصلد الثقيل
أعطني الناي وغن = فالغنا ظرف الظريف
وأنين الناي أبقى = من رقيق وكثيف
سلطان:
واللهو والظرف مثل العتر في رجب = أو مثل نوم الضحى والبرد مبتدر
فاللهو بعد صراع الفكر ذو أثر = والظرف بعد احتدام الأمر مُختبر
وللظريف قلوب الناس مائلة = والعكس يثبته المغرور والوعر
فليس أكرم عند الله من جمل = يُنسى بها الهم أو يجلى بها الكدر
ليس في الغاب كريم = لا ولا فيه البخيل
يابس الأعشاب يغذو = كل ضخم وضئيل
أكفوف النحل أسخى = أم عراجين النخيل
أو ثغور الورد أشهى = أم شفاه السلسبيل
اترك الريح تغني = فالغنا نبع نظيف
وحنين الريح أبقى = من وريقات الخريف
جبران:
والحب في الناس أشكال وأكثرها = كالعشب في الحقل لا زهر ولا ثمر
وأكثر الحب مثل الراح أيسره = يرضي وأكثره للمدمن الخطر
وان الحب أن قادت الأجسام موكبه = إلى فراش من الأغراض ينتحر
كأنه ملك في الأسر معتقل = يأبى الحياة وأعوان له غدروا
ليس في الغاب خليع = يدعي نبل الغرام
فإذا الثيران خارت = لم تقل هذا الهيام
أن حب الناس داء = بين لحم وعظام
فإذا ولى شباب = يختفي ذاك السقام
أعطني الناي وغن = فالغنا حب صحيح
وأنين الناي أبقى = من جميل ومليح
سلطان:
والحب مثل بريق الطل في فنن = أو كالزجاج أمام الضوء ينبهر
أو كالغيوم غروب الشمس يحرقها = أو كالنجوم تباهى فوقها القمر
هو الطيور إلى أعشاشها رجعت = هو السرور هو النسيان مبتدر
هو الفتور وصوت الآه مطرد = هو الخصور مع الإيقاع تنهصر
ليس في الغابات كره = ليس في الغاب وئام
تُطرق الغدران عينا = عندما يشدو الحمام
ويُلين البان خصرا = بينما يقسو الحطام
ويهيم البدر تيها = في أكاليل الغمام
اترك الريح تغني = فالغنا لفظ فصيح
وحنين الريح يبقى = مثل آهات الجريح
جبران:
فان لقيت محبا هائما كلفا = في جوعه شبع في ورده الصدر
والناس قالوا هو المجنون ماذا عسى = يبغى من الحب أو يرجو فيصطبر؟
أفي هوى تلك يستدمي محاجره = وليس في تلك ما يحلوا ويعتبر!
فقل هم البهم ماتوا قبلما ولدوا = أنى دروا كنه من يحيى وما اختبروا
ليس في الغابات عذل = لا ولا فيها الرقيب
فإذا الغزلان جنت = إذ ترى وجه المغيب
لا يقول النسر واها = أن ذا شيء عجيب
إنما العاقل يدعى = عندنا الأمر الغريب
أعطني الناي وغن = فالغنا خير الجنون
وأنيني الناي أبقى = من حصيف ورصين
سلطان:
أما المحبة فهي الروح إن صبأت = أو برعم في هبوب الريح ينفطر
أو أيكة بعد طول العري قد لبس = استبرقا، وربت للشمس تفتخر
أو نرجس في ربى لبنان قد ملآت = كأس الندى ودموع الفجر تنحدر
أو هامة في احتضار الأرض قد صرخت = مات الربيع فهل أبناؤه ثأروا
ليس في الغابات حب = لا ولا فيها حبيب
يغزل الشحرور عشا = بينما البوم كئيب
وتُثير الريح نقعا = بينما العصر منيب
ويهيم الورد عشقا = بينما الشمس تغيب
اترك الريح تغني = فالغنا قلب حنون
وحنين الريح يبقى = مثل سكرات المنون
جبران:
وقل نسينا فخار الفاتحين وما = ننسى المجانين حتى يغمر الغمر
قد كان في قلب ذي القرنين مجزرة = وفي حشاشة قيس هيكل وقر
ففي انتصارات هذا غلبة خفيت = وفي انكسارات هذا الفوز والظفر
والحب في الروح لا في الجسم نعرفه = كالخمر للوحي لا للسكر ينعصر
ليس في الغابات ذكر = غير ذكر العاشقين
فالألي سادوا ومادوا = وطغوا بالعالمين
أصبحوا مثل حروف = في أسامي المجرمين
فالهوى الفضاح يدعى = عندنا الفتح المبين
أعطني الناي وغن = وانس ظلم الأقوياء
إنما الزنبق كأس = للندى لا للدماء
سلطان:
أما المحب فجاني الورد يشبهه = أو حامل المسك أو كرم له ثمر
أو نافخ الكير أو من كان يصحبه = أو زارع السبخ أو عطشان محتضر
فالمرء عند خضم الحب ذو نصب = بين الحياة وبين الموت يُختبر
إن عاش عاش فلا ري ولا شبع = إن مات مات فلا عدن ولا سقر
ليس في الغابات شوق = لا ولا فيها حنين
فخدود الورد تبدو = كخدود العاشقين
وغصون الورد تبدو = كسيوف الحاقدين
تنبت الغابات شوكا = أو غصون الياسمين
اترك الريح تغني = فالغنا وحي السماء
وحنين الريح أبقى = من حنين الغرباء
جبران:
وما السعادة في الدنيا سوى شبح = يرجى فأن صار جسما مله البشر
كالنهر يركض نحو السهل مكتدحا = حتى إذا جاءه يبطي ويعتكر
لم يسعد الناس إلا في تشوقهم= إلى المنيع فإن صاروا به فتروا
فان لقيت سعيدا وهو منصرف = عن المنيع فقل في خلقه العبر
ليس في الغاب رجاء = لا ولا فيها الملل
كيف يرجوا الغاب جزءا = وعلى الكل حصل؟
وبما السعي بغاب = أملا وهو الأمل؟
إنما العيش رجاء = إحدى هاتيك العلل
أعطني الناي وغن= فالغنا نار ونور
وانين الناي شوق = لا يدانيه الفتور
سلطان:
أما السعادة وجه من تعاستنا = كالليل يظهر فيه النجم والقمر
فالعود يزداد طيبا حين نحرقه = والنار تزداد حسنا حين تستعر
أما علمت بأن السم ذو رحم = منه الدواء وفيه الداء والخطر
إن الجواهر عند الناس مكرمة = لكنها في عيون الأرض تُحتقر
ليس في الغابات جد = لا ولا فيها هزل
سيكون الغد فيها = مثلما كان الأزل
ويظل المزن أسمى = حيثما الغيث نزل
إن صوت الرعد فيها = بعض أنواع الغزل
اترك الريح تغني = فالغنا أصوات نور
وحنين الريح أبقى = من أساطير العصور
جبران:
وغاية الروح طي الروح قد خفيت = فلا المظاهر تبديها ولا الصور
فذا يقول هي الأرواح أن بلغت = حد الكمال تلاشت وانقضى الخبر
كأنما هي أثمار إذا نضجت = ومرت الريح يوما عافها الشجر
وذا يقول هي الأجسام أن هجعت = لم يبق في الروح تهويم ولا سمر
كأنما هي ظل في الغدير إذا = تعكر الماء ولت وامحى الأثر
ظل الجميع فلا الذرات في جسد = تثوى ولا هي في الأرواح تحتضر
فما طوت شمأل أذيال عاقلة = إلا ومر بها الشرقي فتنتشر
لم أجد في الغاب فرقا = بين نفس وجسد
فالهوا ماء تهادى = والندى ماء ركد
والشذى زهر تمادى = والثرى زهر جمد
وظلال الحور حور = ظن ليلا فرقد
أعطني الناي وغن = فالغنا جسم وروح
وأنيني الناي أبقى = من غبوق وصبوح
سلطان:
والروح بذرة نور تربها بدن = إن بلها الحب تنمو ثم تزدهر
والروح أنثى أمام الله واقفة = حليها العقل أما ثوبها المدر
والروح ماء وذود الجسم واردها = خمسا فخمسا ويمضي فيهما العمر
والروح عارية جلبابها جسد = ألفاظها الحس أما حسها الوطر
والروح جاءت لبيت الطين مكرهة = كما ستتركه يوما فيندثر
والروح مثل رياح أنشأت سحبا = أصابت الأرض واستلقى بها الزهر
والروح أمر عظيم نحن نجهله = وليس فيها لنا من ربنا خبر
ليس في الغابات روح = لا ولا فيها جسد
للبراغيث وجود = رغم إنكار الأسد
وغصون الورد تشكو = من نكايات الحسد
إن غض الليف عندي = مثل حبل من مسد
اترك الريح تغني = فالغنا راح وروح
وحنين الريح يبقى = نازفا مثل الجروح
جبران:
والجسم للروح رحم تستكن به = حتى البلوغ فتستعلي وينغمر
فهي الجنين وما يوم الحمام سوى = عهد المخاض فلا سقط ولا عسر
لكن في الناس أشباحا يلازمها = عقم القسي التي ما شدها وتر
فهي الدخيلة والأرواح ما ولدت = من القفيل ولم يحبل بها المدر
وكم على الأرض من نبت بلا أرج = وكم علا الأفق غيم ما به مطر
ليس في الغاب عقيم = لا ولا فيها الدخيل
أن في التمر نواة = حفظت سر النخيل
وبقرص الشهد رمز = عن قفير وحقول
إنما العاقر لفظ = صيغ من معنى الخمول
أعطني الناي وغن = فالغنا جسم يسيل
وأنين الناي أبقى = من مسوخ ونغول
سلطان:
والجسم لوح حروف الله قد نقشت = عليه نورا، فكان الخلق وانتشروا
والجسم فخارة عجراء فارغة = صبت بها الروح والحاجات والصور
والجسم راحلة بالروح راحلة = وفي مضارب موت ينتهي السفر
وديعة الأرض يوما سوف نرجعها = شئنا أبينا فإن الأرض تنتظر
نعود فيها بذارا ثم تُنبتنا = خلقا جديدا بأمر الله يأتمر
ليس في الغاب بديل = ليس في الغاب أصيل
فأسود الغاب تعدو = لا تبالي بالهزيل
بينما الغزلان تعدو = لا تبالي بالقتيل
سيظل الفجر فجرا = مثلما كان الأصيل
اترك الريح تغني = فالغنا طرف خجول
وحنين الريح يبقى = همس أزهار السهول
جبران:
والموت في الأرض لابن الأرض خاتمة = وللأثيري فهو البدء والظفر
فمن يعانق في أحلامه سحرا = سيبقى ومن نام كل الليل يندثر
ومن يلازم تربا حال يقظته = يعانق الترب حتى تخمد الزهر
فالموت كالبحر، من خفت عناصره = يجتازه، وأخو الأثقال ينحدر
ليس في الغابات موت = لا ولا فيها القبور
فإذا نيسان ولى = لم يمت معه السرور
أن هول الموت وهم = ينثني طي الصدور
فالذي عاش ربيعا = كالذي عاش الدهور
أعطني الناي وغن = فالغنا سر الخلود
وأنين الناي يبقى = بعد أن يفنى الوجود
سلطان:
والموت حبل تدلى فوق هاوية = فمن تمسك وهما راح ينحدر
والموت موج خفيف الوزن يركبه = أما الثقيل فتحت الماء ينغمر
والموت فصل خريف والورى ورق = اصفر ثم غدا في الأرض ينتثر
والموت باب أمام الخلق منتصب = مضوا إليه فلا شاؤوا ولا شعروا
ليس في الغاب قصور = ليس في الغاب قبور
ساكنو الأعشاش فيها = مثل سكان الجحور
إن أسرار البراعم = مثل أسرار البذور
تحمل الأغصان صيفا = بعض أحلام الجذور
اترك الريح تغني = فالغنا يعني الوجود
وحنين الريح يبقى = موكبا نحو الخلود
جبران:
أعطني الناي وغن = وانس ما قلت وقلتا
إنما النطق هباء = فأفدني ما فعلتا
هل تخذت الغاب مثلي = منزلا دون القصور
فتتبعت السواقي = وتسلقت الصخور؟
هل تحممت بعطر = وتنشفت بنور
وشربت الفجر خمرا = في كؤوس من أثير؟
هل جلست العصر مثلي = بين جفنات العنب
والعناقيد تدلت = كثريات الذهب
هي للصادي عيون = ولمن جاع الطعام
وهي شهد وهي عطر = ولمن شاء المدام
هل فرشت العشب ليلا = وتلحفت الفضا
زاهدا في ما سيأتي = ناسيا ما قد مضى؟
وسكوت الليل بحر = موجه في مسمعك
وبصدر الليل قلب =خافق في مضجعك
أعطني الناي وغن = وانس داء ودواء
إنما الناس سطور = كتبت لكن بماء
ليت شعري أي نفع = في اجتماع وزحام
وجدال وضجيج = واحتجاج وخصام؟
كلها أنفاق خلد = وخيوط العنكبوت
فالذي يحيا بعجز = فهو في بطء يموت
سلطان:
اترك الريح تغني = بعض ما قلتُ وقلتا
ضاع عمري يا رفيقي = باحثا عما سألتا
كنت في الغابات وحدي = حالما بين الزهور
سامعا عزف السواقي = صامتا مثل القبور
باكيا نفسي بنفسي = ضاحكا مثل العبير
شاربا أنداء فجري = هائما مثل الأثير
كنت فوق الريح وحدي = سائحا بين السحب
فرأيت الشمس قرصا = مثل دينار الذهب
فهي للناس عيون = وسراج في الظلام
وهي للأرض حياة = وهي للورد غرام
كنت في الغابات ألهو = بين يأسي والرضا
فتسربلت الليالي = وتوسدت الفضا
ورأيت الحزن نبعا = ماؤه في مدمعك
وسمعت اليأس طبلا = قرعه في أضلعك
اترك الريح تغني = كل صبح ومساء
إنما الناس غناء = سال من فم السماء
آه لو يدرون مابي = من خصام ووئام
وظنون ويقين = وحروب وسلام
لمشوا في الأرض مثلي = وارتدوا أوراق توت
لا نبالي من سيحيا = أو غدا من سيموت
جبران:
العيش في الغاب والأيام لو نظمت = في قبضتي لغدت في الغاب تنثر
لكن هو الدهر في نفسي له أرب = فكلما رمت غابا قام يعتذر
وللتقادير سبل لا تغيرها = والناس في عجزهم عن قصدهم قصروا
سلطان:
أيقنت أن المنايا مثل طارقة = باب الكريم فهل يأبى ويعتذر
والشعر مرآة نور بين أضلعنا = أبعادها الكون والإنسان والقدر
والخط آثار درب سارها قلم = في مهمه الطرس فانقادت لها الفكر