المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مَسْحُ الزمكان بالمستعرات الأعظمية


عارف الشعيل
17-07-2010, 04:59 PM
مَسْحُ الزمكان بالمستعرات الأعظميه

إن النجوم المتفجرة التي تُرى عبر مسافات شاسعة تبين أن التمدد
الكوني ربما كان متسارعا، وهذه علاقة تدل على أن الكون قد يكون
مدفوعا إلى التمدد بفعل شكل جديد غريب من أشكال الطاقة.

قبل زمن طويل (يقدر بنحو خمسة بلايين سنة)، وفي مجرة قصيّة (يفصلنا عنها نحو 2000 ميگاپارسيك(1))، انفجر نجم ميت منذ أمد بعيد، مصدرا وميضا أسطع من ضوء بليون شمس. وقد انتشر ضوؤه عبر الفضاء منقبضا ومنبسطا مع الكون المتمدد، وذلك قبل أن يدرك بعضُه الأرض. وخلال 10 دقائق، في إحدى الليالي المظلمة من عام 1997، حطّ بضع مئات من الفوتونات التي انطلقت من هذا المستعر الأعظم supernova على مرآة مقراب telescope في جمهورية تشيلي. وعندئذ ولّد حاسوب في المرصد صورة رقمية بيّنت وصول صورة ضوئية ضعيفة على شاشته. ومع أن النظر إلى هذه البقعة الباهتة لم يكن شيئا مثيرا للإعجاب، فقد كان منظرها بالنسبة إلينا في منتهى الإثارة ـ إذ إنها مثلت منارة جديدة نهتدي بها لمسح الزمكان space-time.


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N11_H09_008312.jpg

http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N11_H09_008313.jpg
أين يقع المستعر الأعظم؟ إن هذا الزوج من الصور الذي حصل عليه فريق مؤلفي هذه المقالة باستعمال مقراب بلانكو (الذي قطره أربعة أمتار والموجود في مرصد سيرو تولولو الأمريكي في تشيلي)، قدّم أول دليل على وجود مستعر أعظم. في الصورة اليسرى، والتي حصلنا عليها بعد ثلاثة أسابيع من حصولنا على الصورة اليمنى، يمكن رؤية المستعر الأعظم يغيِّر (بقدر لا يكاد يُدرك) مظهر إحدى المجرات. هل يمكنك العثور عليها؟ ويعود حدوث بعض الفروق إلى الظروف الجوية المتقلبة. وكي تتوثق من صحة إجابتك، انظر الصفحة التالية.



هذا وكنا، بالتعاون مع زملائنا في جميع أنحاء العالم، نترصّد وصول ضوء من عدة دستات من مثل هذا المستعر الأعظم، واستعملنا هذه الأرصاد لرسم الشكل الإجمالي للكون وتحديد التسلسل الزمني لأوقات تمدده. وما اكتشفناه حديثا، مع فريق آخر من الفلكيين، يتعارض مع المعتقد السائد طوال عقود، إذ يبدو أن الكون أكبر وأكثر خواء ممّا كان يظن. وزيادة على ذلك، فإن تمدده المتواصل لا يتباطأ كما كان يتوقع العديد من الكوسمولوجيين، بل قد يكون هذا التمدد متسارعا.

اللغات النجمية
لقد كان تاريخ التمدد الكوني، ومازال، موضوعا يحظى باهتمام شديد طوال معظم هذا القرن، لأنه يعكس كلا من هندسة الكون وطبيعة مكوّناته، وهي المادة والضوء وربما أشكال أخرى من الطاقة. وتربط نظرية النسبية العامة لآينشتاين بين هاتين الخاصيتين الأساسيتين للكون، وتفسر كيفية تأثيرهما في حركة المادة وانتشار الضوء، مقدِّمة تنبؤات لأشياء محددة يمكن للفلكيين قياسُها فعلا.

وقبل نشر نظرية آينشتاين عام 1916 والأرصاد الأولى للتمدد الكوني التي أُجريت خلال العقد التالي، كان معظم الفلكيين يظنون أن الكون بقي طوال وجوده محافظا على الحجم نفسه. وجدير بالذكر أنه حتى آينشتاين نفسه لم يثق بمعادلاته حين أدرك أنها تقتضي أن يكون الكون ديناميا. لكن قياسات جديدة للحركات المجرية أجراها <P .E .هَبل> وآخرون لم تدع مجالا للشك في أن المجرات الباهتة النائية كانت تندفع بعيدا عن الأرض بسرعات أعلى من سرعات المجرات الساطعة القريبة، وهذا ينسجم مع تنبؤات نظرية النسبية العامة التي تفيد بأن الكون يتوسع ويدفع المجرات بعيدا عنا. وقد تمكّن هؤلاء الباحثون من تحديد سرعات المجرات المتجهة نحو الخارج انطلاقا من انزياح الخطوط الطيفية المرئية إلى أطوال موجية أكبر (تسمى انزياحات حمراء redshifts). ومع أن الانزياح الأحمر الكوسمولوجي يُعزى غالبا إلى مفعول (تأثير) دوپلر ـ وهو الظاهرة المسؤولة عن تغير طبقة الصوت pitch لصفارة قطار عابر أو بوق سيارة مارة ـ فإنه يُفسَّر تفسيرا أصح بأنه يحدث نتيجة للتمدد المستمر للكون الذي يَمُطُّ الطول الموجي للضوء المار بين المجرات. وبما أن إصدارات الأجسام البعيدة، تسير مدة أطول فلها انزياح أحمر أكبر من الانزياح الأحمر للإشعاع الصادر عن الأجسام القريبة.

إن التقانة التي كانت سائدة في أيام هَبل قَصَرَت سبر التمدد الكوني على المجرات التي كانت قريبة منا نسبيا. وخلال الوقت الذي استغرقه الضوء للوصول من هذه المجرات القريبة إلى الأرض، لم يتمدد الكون إلا بنسبة صغيرة من حجمه الكلي. وفيما يتعلق بهذه التغيرات الطفيفة، فإن الانزياح الأحمر يتناسب طردا مع المسافة؛ وتُسمى النسبة الثابتة لهما ثابت هَبل Hubble's constant، وهو يمثّل المعدّل الحالي للتمدد الكوني. لكن الفلكيين توقعوا طويلا ألا تخضع المجرات البعيدة لهذه العلاقة البسيطة بين الانزياح الأحمر والمسافة، إمّا لأن سرعة التمدد تغيرت مع الزمن وإما لأن الفضاء ملفوف warped، ومن ثم فإن قياس هذا الأثر يمثل هدفا مهما للكوسمولوجيين ـ لكنه هدف صعب؛ لأنه يتطلب الوسائل الملائمة لتحديد المسافات الهائلة التي تفصلنا عن المجرات البعيدة جدا.

لقد قدّر هَبل ورواد آخرون المسافاتِ إلى المجرات المختلفة بافتراضهم أن لها جميعا سطوعا ذاتيا intrinsic brightness واحدا. ويقتضي منطقهم أن المجرات التي تبدو ساطعة قريبةٌ منا نسبيا، وأن تلك التي تبدو معتمةً بعيدةٌ. بيد أن هذا الأمر لا يصح إلا تقريبيا، ويردّ ذلك إلى أن المجرات تختلف في خاصياتها. وإنه لمن الخطأ تماما الزعم بأن ضوء المنابع النائية، الذي يستغرق وقتا طويلا ليبلغ الأرض، يُظهر المجرات البعيدة كما كانت منذ بلايين السنين (أي في حداثتها)؛ لأن سطوعها الذاتي ربما كان مختلفا تماما عن السطوع الذاتي للمجرات الأنضج القريبة منا. ومن الصعب استبعاد هذه التغيرات التطورية عن آثار التمدد، لذا بحث الفلكيون طويلا عن "شمعات قياسية" standard candles لها سطوع ذاتي معروف على وجه أفضل.

وكي تكون هذه المنارات مرئية على بُعْد بلايين من السنين الضوئية، لا بد من أن تكون ساطعة جدا. وخلال أوائل السبعينات جرّب بعض الذين يقومون بمسح الكون استعمال الكوازارات، وهي منابع ذات طاقات هائلة (وربما كانت مزودة بالطاقة من الثقوب السوداء التي تبتلع النجوم والغازات). لكن تبين أن الكوازارات التي درسوها أكثر تنوعا من المجرات، ومن ثم لم يكن لها فائدة تذكر.


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N11_H09_008314.jpg




يظهر قرب السهم مستعر أعظم بعيد، انزياحه الأحمر z=0.66. ويؤثِّر انفجار هذا النجم في بضعة عناصر من الصورة التي أُخذت بعد حدوثه.



وفي الوقت نفسه تقريبا، بدأ فلكيون آخرون يفكرون في الاستعانة بالمستعرات الأعظمية ـ وهي نجوم متفجرة ـ كشموع قياسية للدراسات الكوسمولوجية. وقد كانت هذه الطريقة موضع جدل بين الفلكيين؛ لأن المستعرات الأعظمية أيضا تبدي اختلافات واسعة في خاصياتها. بيد أن البحوث التي أجراها في العقد الماضي أعضاء فريقنا مكّنت العلماء من تحديد السطوع الذاتي لنوع من هذه المستعرات الأعظمية ـ من النمط Ia ـ تحديدا دقيقا تماما.

نجم الموت
لكن ما هو المستعر الأعظم من النمط Ia؟ إنه، جوهريا، الانفجار الذي يحدث حين يصبح نجم ميت قنبلةً نووية حرارية طبيعية. ولا يقل إثارة عن هذا التحول الأخير تاريخُ النجم الميت الذي يبدأ حياته نجما عاديا، أي كرة مستقرة مكونة من غاز معرّض للحرارة الناجمة عن التفاعلات النووية المستقرة التي تَجري في قلبه، والتي تحوِّل الهيدروجين إلى هيليوم وكربون وأُكسجين ونيون وعناصر أخرى. وعندما يموت النجم، يلتحم الرماد النووي مكوّنا جمرة متوهجة تضغط بفعل الثقالة لتصبح جسما بحجم الأرض، كثافته أكبر من كثافة المادة العادية ملايين المرات.

إن معظم هذه النجوم التي هي من نوع الأقزام البيض white dwarf تبرد وتذوي، ثم تموت وهي تئن. بيد أنه إذا كان أحدها يدور في فلكه قريبا من نجم فإنه يقضم مادة من رفيقه القريب ليصبح أكثف فأكثف، إلى أن تندلع فيه عواصف نارية نووية حرارية شديدة. وتقوم هذه الجائحة النووية بنفخ هذا النجم القزم، كما تجعله يقذف مادة بسرعة 000 10كيلومتر في الثانية تقريبا. ويستغرق توهج هذه الكرة النارية المتمددة زهاء ثلاثة أسابيع لتبلغ سطوعها الأعظم، ثم يخبو هذا السطوع خلال أشهر.

وتختلف المستعرات الأعظمية قليلا في تألقها، بيد أن الانفجارات الأقوى والأسطع تدوم مدة أطول إلى حد ما، من الانفجارات الأضعف والأبهت. ومن ثَمّ فإن مراقبة المدة التي تحدث خلالها هذه الانفجارات مكّنت الفلكيين من تحديد هذه الاختلافات واستنتاج السطوع الذاتي للمستعرات بنسبة 12 في المئة. هذا وإن الدراسات التي أُجريت على المستعرات الأعظمية القريبة من النمط Ia باستخدام المِحَسّات الحديثة جعلت هذه الومضات أفضل شمعات قياسية معّروفة للفلكيين.

وتضيء إحدى هذه الشمعات مكانا ما من مجرة نموذجية مرة كل 300 سنة تقريبا. ومع أن مثل هذه الانفجارات النجمية في مجرتنا هي أحداث سماوية نادرة، فإنك إذا راقبت بضعة آلاف من المجرات الأخرى، فيمكنك التوقع بأن مستعرا أعظم، واحدا فقط تقريبا، سيظهر كل شهر. وفي الحقيقة، ثمة عدد كبير من المجرات في الكون التي لو أخذنا قسما منها في رقعة من السماء، لرأينا أن المستعرات الأعظمية، التي يسمح سطوعها بدراستها، تنفجر كل بضع ثوان. وما يتعين على الفلكيين عمله هو العثور عليها ودراستها بدقة. وفي السنوات القليلة الماضية، قامت بهذا العمل مجموعتنا البحثية التي أُطلِق عليها اسم "High-Z Team" (نسبة إلى الحرف الذي يستخدمه الفلكيون لتعيين انزياح أحمر)، وفريق منها كان يعمل باستقلال نسبيا منذ عام 1995 بإشراف<P .B. شميت> [من مرصدي ماونت ستروملو Mount Stromlo وسايدينگ سپرينگ Siding Spring في أستراليا] ومجموعة منافسة تسمى مشروع كوسمولوجيا المستعرات الأعظمية، بدأت عملها عام 1988، ويرأسها< S. پيرلمتر> [من مختبر لورنس بركلي الوطني].

ومع أن للفريقين برنامجين مستقلين، فإنهما يستفيدان من هذا التطور الأساسي، وهو نشر محسات ضوء إلكترونية كبيرة على مقاريب ضخمة، ومن شأن هذه المجموعة من الأجهزة توليد صور رقمية للأجسام الخافتة النور المنتشرة على رقع كبيرة من السماء. ومن الأمثلة الرئيسية على هذه الأجهزة الجديدة (التي استعملها كلا الفريقين) آلة التصوير الشاملة الضخمة Big Throughput Camera التي ابتكرها <M .G. بيرنشتاين> [من جامعة ميتشيگان] و<A .J. تايسون> [من شركة Lucent Technologies]. فعند وضع آلة التصوير هذه في محرق مقراب بلانكو، الذي قطره أربعة أمتار والمقام في مرصد سيرُّو تولولو الأمريكي في تشيلي، فإن بإمكان تعريض exposure واحد أن يغطي مساحة تماثل تقريبا مساحة القمر حين يكون بدرا، ويولِّد هذا التعريض خلال عشر دقائق صورة لنحو 5000 مجرة.

وعملية العثور على مستعر أعظم بعيد ليست إلا أخذ صور للرقعة نفسها من السماء بعد انقضاء بضعة أسابيع والبحث عن تغيرات فيها قد تكون نجوما متفجرة. ولمّا كان بمقدور محسات الضوء الرقمية أن تحصي عدد الفوتونات في كل عنصر من الصورة، فباستطاعتنا، ببساطة، طرح الصورة الأولى من الثانية والبحث عن الفروق المهمة المغايرة للصفر. وبسبب قيامنا بفحص آلاف من المجرات في كل زوج من الصور، فبإمكاننا أن نكون واثقين من أن البحث في هذه الأزواج العديدة سيتمخض عن العثور على عدة مستعرات أعظمية ـ مادام الطقس جيدا. ولحسن الحظ، فإن موقع المرصد، على سفوح جبال الأنديز في الحافة الجنوبية من صحراء أتاكاما في تشيلي (وهي واحدة من أشد المناطق جفافا في العالم)، يمتعنا عادة بسماوات صافية. وبعد أن أجرينا رهانا على التوصل إلى بعض الاكتشافات الجيدة، وضعنا برنامجا محدد المواعيد لإجراء أرصاد مسبقة تقوم بها سلسلة من المقاريب الأخرى في جميع أنحاء العالم، وذلك لنتمكن من متابعة القياسات قبل اختفاء المستعرات الأعظمية.

وما يحدث فعلا هو أن البحث عن نجوم متفجرة في السماوات يُرافقه انطلاق نشاط على الأرض؛ لأنه يتحتم علينا الحصول على مئات من الصور الرقمية الواسعة ومقارنة بعضها ببعض بسرعة كبيرة. ومن أجل ذلك نجنِّد حواسيب موزعة في أرجاء مرصد سيرو تولولو لمهمات تنظيم الصور، ومراعاة الفروق في شفافية الجو وحجم الصور، وطرح المسحَيْن. وإذا ما سارت الأمور على ما يرام، فإن معظم المجرات ستختفي تاركة اختلافات طفيفة بين الصورتين. وتشير الاختلافات الأكبر إلى وجود جسم ما جديد أو متغير، كأن يكون نجما متغيرا أو كوازارا أو كويكبا ـ وفي حالات نادرة، مجرة.

وتسجِّل برمجياتنا software مواقع الأجسام الجديدة وتحاول تحديد ما هو بالفعل مستعر أعظم. لكن الاختبارات المؤتمتة تكون عادة غير كاملة، ولا بد لنا من إنعام النظر في الصور بالعين المجردة لنقرر كون مستعر أعظم متعارف حقيقيا أو لا. وبسبب اضطرارنا إلى القيام مباشرة بمتابعة مكتشفاتنا بالاستعانة بمقاريب أخرى، فإن التحليل يجب أن ينفَّذ بسرعة. وفي تلك الأوقات المضنية، يتحول المرصد إلى مكان مرهق للفلكيين والطلبة الزائرين، الذين يعملون بكل حماس ليل نهار طوال أيام.

بعد ذلك نستهدف أفضل المستعرات الأعظمية التي رشحناها باستعمال أضخم الآلات الضوئية في العالم، وهي مقاريب كيك Keck التي أقيمت حديثا في هاواي. وتقرر هذه الأرصاد الحاسمة إنْ كانت هذه الأشياء المكتشفة هي حقا مستعرات أعظمية من النمط Ia، كما تعاير سطوعها الذاتي بدقة أكبر، وتحدّد انزياحاتها الحمراء.

على الجانب المظلم
وثمة آخرون من مجموعتنا، يشتغلون على مقاريب في أستراليا وتشيلي والولايات المتحدة، ويقومون بمتابعة المستعرات الأعظمية لمعرفة كيف يصل تألقها إلى ذروته ثم يذوي ببطء. إن الحملة الرصدية للعثور على مستعر أعظم واحد تستغرق شهورا، كما أن التحليل الأخير يتطلب غالبا عاما أو أكثر، وعندئذ يكون ضوء النجم المنفجر قد اختفى، وهكذا نحصل على صورة جيدة للمجرة المضيفة. ونستعمل هذا المنظر الأخير لطرح التوهج الثابت للمجرة من صور المستعر الأعظم. ونحصل على أفضل قياساتنا من مقراب هَبل الفضائي الذي ينتزع بعض التفاصيل الدقيقة التي تميز النجم المنفجر عن المجرة التي تستضيفه.


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N11_H09_008315.jpg




يمكن نظريا للتمدد الكوني أن يحدث وفق واحد من ثلاثة أنماط بسيطة: فقد يكون ثابتا (في اليسار)، أو متباطئا (في الوسط)، أو متسارعا (في اليمين). وفي كل من هذه الحالات يتضخم جزء معين من الكون مع مرور الزمن (من الأسفل إلى الأعلى). لكن عمر الكون (وهو الزمن الذي انقضى منذ بداية التمدد) أكبر في حال كون متسارع وأصغر في حال كون متباطئ، وذلك مقارنة بعمره في حال التمدد الثابت.



لقد درس الفريقان حتى الآن ما مجموعه بضعة عشرينات من المستعرات الأعظمية التي تنفرد بانزياح أحمر كبير، وهي تلك التي ثارت قبل ما بين أربعة بلايين وسبعة بلايين سنة، وذلك عندما كان عمر الكون نصف أو ثلثي عمره الحالي. بيد أن الفريقين أصيبا بدهشة شديدة حين وجدا أن المستعرات الأعظمية أخفت مما كانا يتوقعانه. لكن الفرق طفيف، إذ إن المستعرات الأعظمية البعيدة أعتم بنسبة 25 في المئة فقط مما كان يتنبأ به. بيد أن هذه النتيجة كافية لوضع النظريات الكوسمولوجية التي كانت قائمة زمنا طويلا موضع تساؤل.

وقبل استخلاص أي نتائج حاسمة، بدأ الفلكيون من كلا الفريقين يتساءلون عما إذا كان ثمة تفسير مقبول للإعتام النسبي لهذه المستعرات الأعظمية القصيّة. وقد وُجِّهت التهمة إلى الغبار الكوني الذي يمكنه حجب بعض الضوء. بيد أننا نظن أن بالإمكان استبعاد هذا الاحتمال، ذلك أن حبيبات الغبار تسعى إلى ترشيح الضوء الأزرق أكثر من الأحمر، وهذا يجعل المستعرات الأعظمية تبدو بلون أكثر احمرارا ممّا هي عليه في الواقع (بالطريقة نفسها التي تتلون بها الشمس عند الغروب بسبب غبار جو الأرض)، لكننا لا نلاحظ مثل هذا التغير. ويمكن أن نتوقع أيضا أن الغبار الكوني يُحدث قدرا كبيرا من التغييرات في القياسات، ما لم يكن منتشرا انتشارا منتظما جدا في الفضاء، وهذا أمر لم نشاهده كذلك.

وثمة اضطراب محتمل آخر، ألا وهو التعدس(3) التثاقلي gravitational lensing، أي انحناء الأشعة الضوئية خلال مرورها في جوار المجرات. ويُحدِث هذا التعدس، من وقت لآخر، زيادة في السطوع، لكنه يخلِّف في أغلب الأحيان تصغيرا، ومن ثم يمكنه الإسهام في إعتام المجرات الأعظمية النائية. لكن الحسابات تبين أن هذا الأثر لا يصبح مهما إلا في المنابع الأبعد حتى من المستعرات الأعظمية التي ندرسها، ومن ثم يمكننا استبعاد هذا التعقيد أيضا.

وأخيرا، كنا نخشى من كون المستعرات الأعظمية البعيدة مختلفة إلى حد ما عن القريبة منها، وربما كانت مكونة من نجوم أصغر سنا تحتوي على قدر أقل من العناصر الثقيلة مما هو نموذجي في المجرات الأكثر نضجا. ومع أننا لا نستطيع إسقاط هذا الاحتمال، فإن تحليلنا يسعى إلى إدخال هذه الفروق في الاعتبار. ويبدو أن هذه التعديلات تكون مهمة عندما نطبقها على المجرات القريبة التي تختلف اختلافات كبيرة في أعمارها ومكوّناتها وأنواع المستعرات الأعظمية التي تُرى فيها.

ولمّا لم يكن أي من هذه الآثار الأرضية متفقا مع الأرصاد الجديدة، فإننا نتجه مع علماء آخرين كثيرين إلى الظن بأن سبب شحوب المستعرات الأعظمية البعيدة هو بنية الكون. وقد تسهم في هذا الأمر خاصيتان مختلفتان للمكان والزمان.

إحدى هاتين الخاصيتين هي أنه قد يكون للفضاء تقوس سالب. ويمكن تقريب مثل هذا اللف إلى الأذهان بتشبيه ثنائي البعد. إن المخلوقات التي تعيش في عالم منبسط ثنائي البعد (مثل الشخوص التي أوردها <A .E. أبّوت> في روايته الكلاسيكية بعنوان الأرض المنبسطة Flatland) ستجد أن لدائرة نصف قطرها r محيطا قدره 29r بالضبط. لكن إذا حُني عالَمهم واتخذ شكل سرج الحصان، كان له تقوس سالب صغير [انظر: "تضخم في كون منخفض الكثافة"، في هذا التقرير الخاص]. وقد يكون المقيمون ثنائيو البعد في أرض سرجية الشكل غيرَ واعين لهذا التقوس إلى أن يقيسوا دائرة كبيرة لها قطر محدّد ويكتشفوا أن محيطها أكبر من 2πr.


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N11_H09_008316.jpg




تظهر تجربة الشريط المطاطي العلاقة الخطية بين سرعة التقهقر والمسافة. وتُعرض هنا لقطتان فوتوگرافيتان لشريط مطاطي سُحِب نحو الأعلى بسرعة معينة. إن سرعة النقاط المختلفة المعلَّمة على الشريط تعطَى بطول الأسهم الملونة. وعلى سبيل المثال، فإن أقرب نقطة من المبدأ تتحرك بأقل قدر ممكن خلال المدة الواقعة بين لقطتين، ومن ثم فإن سرعتها هي الأصغر (السهم الأصفر). وفي المقابل، تتحرك أبعد نقطة بأكبر قدر ممكن، لذا فإن سرعتها هي الأكبر (السهم البنفسجي). وميل المستقيم الحاصل هو معدل التمدد (البيان الأيسر). وإذا تغير المعدل بمرور الزمن، فإن الميل أيضا سيتغير (البيان الأيمن). وتتجه الأزمان المبكرة في الرسم نحو أعلى اليمين، ذلك أن الضوء الصادر عن الأجسام الأبعد يستغرق زمنا أطول لبلوغ الأرض، وهي نقطة الأصل في الرسم. ولو كان المعدل أبطأ في الماضي ـ الأمر الذي يعني أن التمدد كان متسارعا ـ لتقعَّر الخط نحو الأعلى (الخط الأحمر). وإذا كان المعدل أسرع ـ كما هي الحال في تمدد متباطئ ـ فإن الخط يتقعّر نحو الأسفل (الخط الأزرق).



ولأسباب نظرية مختلفة، افترض معظم الكوسمولوجيين أن فضاءنا الثلاثي البعد، شأنه شأن الأرض المنبسطة، ليس مقوسا. بيد أنه لو كان له تقوس سالب، لكان للقشرة الكروية الكبيرة من الإشعاع الصادر عن مستعر أعظم قديم مساحة أكبر من مساحتها في فضاء منبسط هندسيا، مما يجعل المصدر يبدو شاحبا شحوبا غريبا.

وثمة تفسير ثانٍ للإعتام غير المتوقع للمستعرات الأعظمية البعيدة مفاده هو أنها مما توحي به انزياحاتها الحمراء. وبعبارة أخرى، يبدو أن للمستعرات الأعظمية الواقعة على هذه المسافات الهائلة انزياحا أحمر أصغر مما كان يُتوقع. ولتفسير هذا الانزياح الأحمر الأصغر، يفترض الكوسمولوجيون أن الكون لا بد من أن يكون قد تمدد ببطء أكبر في الماضي مما كانوا يتوقعون، وهذا يولّد تمددا إجماليا أصغر للكون وللضوء الذي ينتشر فيه.

القوة
تُرى، ما هي أهمية أن يكون التمدد الكوني قد حدث ببطء أكبر مما كان يظنّه الفلكيون سابقا؟ لو كان العالم مكوّنا من مادة عادية، لتعين على الثقالة أن تبطِّئ تمدده باستمرار. ويقتضي بطء التمدد أن تكون الكثافة الإجمالية للمادة في الكون منخفضة، وهذا أمر تدل عليه قياسات المستعرات الأعظمية.

ومع أن هذه النتائج تقوّض النظريات التي كانت سائدة سابقا، فإنها تتفق مع سياقات أخرى عديدة من الأدلة. وعلى سبيل المثال، لاحظ الفلكيون أن بعض النجوم تبدو أكبر سنا من العمر المقبول للكون ـ وهذه استحالة بيّنة. بيد أنه إذا كان الكون يتمدد ببطء أكبر في الماضي، كما تشير إلى ذلك الآن المستعرات الأعظمية، فإن عمره يجب أن يكبَّر، وهذا قد يحل المشكلة. وتتوافق أيضا النتائج الجديدة مع محاولات حديثة أخرى للتوثق من الكمية الكلية من المادة في الكون [انظر: "نشوء الحشود المجرية وتطورها"، مجلة العلوم، العدد 4(1999)، ص 16].


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N11_H09_008317.jpg




إن الأرصاد التي أجراها فريق مؤلفي هذه المقالة للمستعرات الأعظمية (النقاط الحمراء) تنحرف انحرافا طفيفا، لكن مهمًا، عن النمط الذي توقعه كثير من النظريين ـ ونعني بذلك أن تباطؤا سريعا إلى حد ما (الخط الأزرق) يجب أن يحدث إذا كان الكون "منبسطا" وليس له ثابت كوسمولوجي. وتشير هذه الأرصاد إلى أن الكون لا يحوي سوى 20 في المئة من المادة اللازمة لجعله منبسطا بسبب كونه يتباطأ أشد مما كان متوقعا (الخط الأسود). وتوحي القياسات بأن التمدد متسارع، وربما يكون ذلك بسبب ثابت كوسمولوجي مغاير للصفر (الخط الأحمر)



تُرى، ما الذي يمليه الفهم الجديد لكثافة المادة في الكون بالنسبة إلى تقوس هذا الكون؟ إن مبادئ النسبية العامة تُفيد بأن التقوس والتباطؤ مرتبطان. وبصيغة مبسطة لما قاله <A .J. ويلر>، الذي كان أستاذا في جامعة برنستون، نقول: إن المادة تخبر الزمكان كيف ينحني، والزمكان يخبر المادة كيف تتحرك، وتقتضي كثافة صغيرة للمادة تقوسا سالبا وتباطؤا طفيفا. وإذا كان الكون خاويا تقريبا، فإن هذين الأثرين الإعتاميين يكونان قرب قيمتيهما العظميين النظريتين.

لقد كانت المفاجأة الكبرى هي أن المستعرات الأعظمية التي نراها أكثر شحوبا مما توقعنا حتى في عالم خاو تقريبا (الذي له تقوس سالب أعظمي). وظاهريا، يبدو أن أرصادنا تتطلب أن يكون التمدد متسارعا فعلا مع الزمن. والكون المؤلف من مادة عادية فقط، لا يمكن أن يكبر على هذا النحو لأن ثقالته تجذب دائما. لكن نظرية آينشتاين تذهب إلى أن التمدد يمكن أن يتسارع إذا ملأ شكل غريب من الطاقة فضاء خاويا في أي مكان. وتتجسد "الطاقة الخلائية" vacuum energy هذه في معادلات آينشتاين، كالذي يُطلق عليه اسم الثابت الكوسمولوجي. وخلافا للأشكال المألوفة للمادة والطاقة، فإن الطاقة الخلائية تضيف ثقالة تنافرية repulsive يمكن أن تدفع الكون بسرعات متزايدة أبدا [انظر: "اللاتثاقل الكوسمولوجي"، في هذا التقرير الخاص]. وإذا ما سلّمنا بهذه الإمكانية غير المألوفة، فيمكننا تفسير أرصادنا تماما، حتى وإن قبلنا بالهندسة المنبسطة التي يؤثرها المنظِّرون.

إن الدليل على وجود شكل غريب من الطاقة يمنح قوة تثاقلية تنافرية هو أهم النتائج المثيرة التي كنا نتطلع إلى تحقيقها، بيد أن ما يذهلنا جدا هو أننا وآخرين مازلنا متشككين في هذه النتيجة. ولحسن الحظ، فإن التطورات في التقانة المتاحة للفلكيين، كالمحسات تحت الحمراء الحديثة والجيل التالي من المقراب الفضائي Next Generation Space Telescope، ستسمح لنا قريبا باختبار نتائجنا بتقديمها قدرا أكبر من الدقة والوثوقية؛ كما ستسمح لنا هذه التجهيزات الرائعة برصد حتى منارات أخْفَتَ نورا توهجت فجأة منذ زمن أبعد كثيرا في مجرات تفصلنا عنها مسافات أكبر وأكبر.
(1) megaparsec أو ميگافرسخ فلكي = 106 × 3.08572 × 1013 كم؛ حيث إن الفرسخ الفلكي يساوي 3.258 سنة ضوئية
أو 308572 × 108 كم.

الشاهين
17-07-2010, 11:30 PM
ثقافه مطلقه وموضوع رائع

شاكر كل جهودك بالقسم

عويد بدر الهذال
18-07-2010, 01:45 AM
قرأت واستفدت جدا ً

شكرا ً لـ هالة الابداع والتميز

كل التقدير أخي الكريم

ودي ....~

عارف الشعيل
18-07-2010, 05:51 AM
الاخوان
الشاهين
عويد بدر الهذال
اسعدكم الله وادامكم
كرمت بردكم

الزير سالم
18-07-2010, 08:43 AM
اخي / عارف

شكرا لك على هذه المعلومات القيمة

غريبة الاوطان
27-08-2010, 05:44 PM
يعطيك الف عافية على الطرح