مشاهدة النسخة كاملة : %%تاملات قرانيه%%
ابو ضاري
06-12-2009, 05:22 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الابحار في القرآن الكريم و التأمل بآياته الكريمة يمنح للنفس اطمئنانها
و للعقول نورها و للأفئدة خشوعها ...
لكي نتمكن من قراءة القرآن لا بد لنا من تأمله و الابحار في معانيه وتفاسيره
المختلفة التي وردت عن العلماء الافاضل ..
لن نضيف في عالم التأمل جديد لكن سوف نصنع موسوعة مفيدة للجميع
فيها قطوف من كافة التأملات و التفاسير الواردة عن العلماء الافاضل ..
ولا يمنع أن نسطر خواطرنا و تأملاتنا الانطباعية لعل فيها بارق لضوء
منبعث من النفوس و العقول.
ابو ضاري
06-12-2009, 05:22 PM
وقفات مع هدهد سليمان
إن الله عز وجل خلق الخلق , وجعل لكل صنف منهم حاجة عند الآخر , فالفقير محتاج للغني , والغني يحتاج للفقير , والخلق يحتاج بعضهم إلى بعض , رأى الإمام أحمد رجل يدعوا الله "اللهم لا تحجني إلا إليك " قال الإمام أحمد: دعا على نفسه بالموت , ولذالك لا يحتقر شيء من مخلوقات الله لا لصغر جسمه ولا لضعفه , فله منافعه في هذه الدنيا.
ومن هذا المنطلق أحببت أن أبحث وأستقصي عن خلق من مخلوقات الله ألا وهو الطير ومن أسباب تقديم الطير على جميع الحيوانات الأسباب التالية:
1)إن أكثر الطيور غذائها الحشرات التي يتأذى منها بنو آدم , فلوا انقرضت الطيور لنتشرت هذه الحشرات ولأدى ذالك إلى أذيتنا.
2) أن لحمه طعام للإنسان في الدنيا والآخرة , كما ذكر الله سبحانه وتعالى.
3)أنها تبعث للإنسان الراحة كلما رآها بألوانها الباهرة.
4)أنه كان يستخدم في نقل الرسائل في الماضي قبل وسائل النقل الحديثة.
ومن العجيب أن الاختراعات الحديثة تحاكي ماهو موجود في الطبيعة , ومن هذه الاختراعات اختراعهم لطائرات فهم يحاكون خلقة الطير في رأسه وأجنحته وكيف يطير وكيف يهبط ,
وصدق الشاعر عندما قال:
لله في الحركات ينتهى عجبـي * ومن عجائبه جـرى الجمـادات
سبحان من جعل الطيار من جمد * كهيئة الطير يسمـو للسمـاوات
ينهضُ ينْقَضُ كالبازى على عجل * وكـم يواصِِـلُ رنـاتٍ بأنـات
يحكى الطُّيورَ جئاجئا واجنحـة *والرعْد يحكيه في ترديد أصوات
لله ما فيه من هولٍ ومن عَجَـبٍ *ومن شيـات وءايـات وءالات
والطيور أمم وجماعات وأنواع منها المهاجر ومنها المستقر ومنها الجارح ومنها غير الجارح , والطير يطلق على ما يطير في السماء.
وأول ما أبداء من أصناف الطيور هو (الهدهد)
وقد ورد ذكر الهدهد في القرآن في موضع واحد قال تعالى {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ }النمل20
الهدهد: طائر مشهور بقنزعته المنتصبة , ذات اللون البندقي المحمر , والمنتهي ريشاتها بالسواد وبمنقاره المقوس , ريش الرأس والرقبة بندقي محمر , والرداء يميل إلى البني. الظهر والكتف والجناحان مقلمة بمناطق سوداء وعسليّة عريضة , العجز أبيض , والذنب أسود يقطعه من الوسط شريط أبيض عريض.
طوله 25-26سنتم , وبسطته 44-47سنتم , ووزنه 51 -80 غراماً , منقاره طويل معقوف إلى الأدنى , يقتات الخنافس , والديدان , والعناكب , والحشرات.
تضع الأنثى 4-8 بيضات تحضنها 15 – 19 يوماً , وتترك الفراخ العش بعد 22-28 يوماً من التفريخ. ويعتبر الهدهد من الطيور جزيلة النفع الواجب حمايتها.
أسماؤه: الهدهد , الهُداهد , النّباح , أبو الأخبار , أبو سجاد , أبو ثمامة
صوته: الهَدهَدة , العَندَلة , القَرقَرة , النُباح.
ولنستمع لابن عباس وهو يحدث عن الهدهد
حدث يوما عبد الله بن عباس وفي القوم رجل من الخوارج يقال له نافع ابن الأزرق وكان كثير الاعتراض على ابن عباس فقال له قف يا ابن عباس غلبت اليوم قال ولم , قال إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ ويحثو على الفخ ترابا فيجئ الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ فيصيده الصبي فقال ابن عباس لولا أن يذهب هذا فيقول دررت على ابن عباس لما أجبته ثم قال له ويحك إنه إذا نزل القدر عمى البصر وذهب الحذر فقال له نافع والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبداً.
ومن الفوائد التي يستاقها المؤمن من قصة سليمان عليه السلام والهدهد مايلي:
أ*)إنكار الهدهد لمّا رأى أمرآة تقود رجال, وهذه من الأمور التي جعلها الله فطرة في الإنس والجن والهوام, أن الرجل هو الذي يقود النساء.وفيها أيضاً حسن التدرج في الإبلاغ فقد أبلغ الهدهد سليمان من الأصغر إلى الأكبر من قيادة المرآة لرجال إلى الشرك بالله وهذا فيه حسن أدب وفطنة
ب*) عندما رأى الهدهد قوم سبأ يشركون بالله ذهب مباشرة إلى سليمان داعياً إلى الله , واليوم يرى العالم أقوام يعبدون البقر ولا يتحرك ساكناً.
ت*)نقل الهدهد الصورة كما كانت ولم يحكم عليهم , بل ترك الحكم لسليمان عليه السلام.
ث*) ولما أرسله سليمان إلى قوم بلقيس لم يحرف ولم يبدل بل أدى الرسالة كما كانت.
ج*)ولنتأمل أنهم أشركوا بالله وسجدوا لشمس ومع ذالك لم يشتمهم ولم يقبحهم , لأن السب ليس من صفات الداعية المسلم , فهوا هدفه الأول أن يقيم التوحيد.
ح*)واستخدم الهدهد في هذه الآية القاعدة الفقهية المشهورة "إذا تزاحمت المصالح يقدم الأعلى من المصالح " فقدم الدعوة إلى الله على الحضور عند سليمان.
خ*)وفي الآيات دليل على أن الذي يعلم حجة على الذي لا يعلم.
د*)وفي الآيات دليل على سموا أخلاق نبي الله سليمان عليه السلام , في تواضعه في قبول خبر الهدهد وحسن ظنه عندما قال { سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ }النمل27.
ذ*)قال القرطبي: فيه دلالة على أن الأنبياء لايعلمون الغيب.
ر*)قال ابن العربي: وفي الآيات دليل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد.
ز*)كتاب سليمان لبلقيس قال {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }النمل30 {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ }النمل31. مع كونه ملك لم يذكر مدحاً له قبل الاسم أو بعد الاسم , بل ذكر اسمه فقط وهذا من كمال تواضعه , وكمال بلاغته.
س)ذكر الهدهد {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ }النمل25 , فيه أن الهدهد أعظم ما يعلم هذا الأمر فلذالك لا يرى أعظم منه في نظره.
ش) لم يعاقبه لأنه اعتذر له ولا أحد أحب إليه العذر من الله ولذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين.
ص) قال العلماء فعل سليمان يدل على تفقده أحوال الرعية والمحافظة عليهم فانظروا إلى الهدهد وإلى صغره فإنه لم يغب عنه حاله فكيف بعظائم الملك.
وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين
المصدر الموسوعة الاسلامية في الاعجاز العلمي للقرآن الكريم .
شبيه اللول
06-12-2009, 09:55 PM
جزاك الله الجنه
وجعلها بميزان حسناتك يوم لا ينفع لا مال ولا بنون
الا من اتى بعمل صالح
تحيتي
..
غريبة الاوطان
07-12-2009, 04:54 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبارك الله فيكم جميعا
نعيش اليوم فى رحاب آية من كتاب الله
وأدعو الله أن ينفعنا بها
بسم الله الرحمن الرحيم
]يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا[ (النساء: 59)
سبب النزول:
قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس إذ بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سرية، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطباً، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، قال: فرجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه فقال لهم: {لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف} رواه الشيخان
أطيعوا الله: أي اتبعوا كتابه
وأطيعوا الرسول: أي خذوا بسنته
وأولي الأمر منكم: أي فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال ابن عباس: يعني أهل الفقه والدين، وقال أبو العالية: العلماء، قال ابن كثير: والظاهر والله أعلم أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم قال - تعالى - ((لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت)) وقال - تعالى - ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)) وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني} فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء[1]
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول: أي إلى الكتاب والسنة، قاله مجاهد وغير واحد من السلف، كما قال - تعالى -: ((وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله))، فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما، أو عمومهما، أو إيماء أو تنبيه أو مفهوم أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه؛ لأن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - عليهما بناء الدين[2] حكي أن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال لأبي حازم: ألستم قد أمرتم بطاعتنا بقوله ((وأولي الأمر منكم))؟ فقال أبو حازم: أليس قد نزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق بقوله ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ـ أي إلى القرآن ـ والرسول ـ في حياته وإلى أحاديثه بعد وفاته))؟ [3]
فإن تنازعتم: فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء من أمور الدين
فردوه إلى الله والرسول: أي ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة
إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر: أي إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان[4]
ذلك: أي التحاكم إلى الكتاب والسنة
خير: عاجلا
وأحسن تأويلا: وأحسن عاقبة ومآلا
الأحاديث في وجوب السمع والطاعة للأمير :
1ـ عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة} رواه الشيخان.
2ـ عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: {إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان} رواه الشيخان.
3ـ عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: {اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة} رواه البخاري.
4ـ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدوع الأطراف. رواه مسلم.
5ـ عن أم الحصين - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب في حجة الوداع يقول: {ولو استعمل عليكم عبد حبشي يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا} رواه مسلم.
6ـ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {سيليكم ولاة بعدي فيليكم البر ببره والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم} رواه ابن جرير
7ـ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: {كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: أوفوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم} رواه الشيخان.
8ـ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية} رواه الشيخان.
9ـ عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول {من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية} رواه مسلم.
10ـ عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فنزلنا منزلاً فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره إذ نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الصلاة جامعة) فاجتمعنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: {إنه لم يكن نبي من قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرفق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر، قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي؛ فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله - تعالى - يقول: ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً)) قال: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله. رواه مسلم
من فوائد الآية:
1ـ وجوب طاعة الله - عز وجل - وطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
2ـ طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - تجب استقلالاً.
3ـ وجوب طاعة ولاة المسلمين من حكام وأمراء.
4ـ طاعة ولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
5ـ وجوب رد المتنازع فيه عقيدة أو عبادة أو قضاء إلى الكتاب والسنة.
6ـ العاقبة الحميدة والمآل الحسن في ذلك الرد.
-----
المراجع
1- تفسير ابن كثير 1/445
2- تيسير الكريم الرحمن /148
3- مدارك التنزيل وحقائق التأويل 1/232
4- مدارك التنزيل وحقائق التأويل 1/232
عبدالكريم أبو زهره
07-12-2009, 06:43 AM
اللهم اهنا على طاعتك وحسن عبادتك ..
أماني ..
بـآرك الله فيك.. وجـزـآك الله عن خير الجـزـآء ..
طرح رآئع اختي .. وفوائده جميله ..لاهنتي على هذا الطرح ..
موفقه بإذن الله ...
تقييم ..++
رامي الفاعور
07-12-2009, 12:19 PM
اللهم اهنا على طاعتك وحسن عبادتك ..
جزاكي الله كل خير...وجعلها الله في موازين أعملك
فوائد جميلةجداً....وطرح رائع
غريبة الاوطان
07-12-2009, 01:03 PM
اخى عبد الكريم جزاك المولى خير جزاك
شكرا لمرورك
ودي
غريبة الاوطان
07-12-2009, 01:03 PM
اخى رامي جزاك الله خيرا وشكرا لتواجدك
ودي
موسى المطرفي
07-12-2009, 01:16 PM
جعلها الله في موازين حسناتك ...
غريبة الاوطان
07-12-2009, 02:34 PM
بارك الله فيك اخى موسى الف شكر لمرورك
ودي
نواف العنزي
07-12-2009, 02:59 PM
جزاك الله كل خير وبارك الله فيك على هالطرح القيم
ودي
نواف العنزي
07-12-2009, 03:00 PM
جزاك الله كل خير وبارك الله فيك على هالطرح القيم
ودي
غريبة الاوطان
07-12-2009, 04:26 PM
وجزاك المولى اخى نواف خير جزاء
الف شكر لمرورك
ودي
ابو ضاري
07-12-2009, 04:47 PM
في موضوع تاملات قرانئيه
نتمنى من جميع الاخوان اي ايه او ايه تفسير توضع هنا مع هذا الموضوع
وانا دمجت موضوع اختنا اماني عمر مع هذا الموضوع
للاهميه
ابو ضاري
07-12-2009, 07:25 PM
تأملات في قصة طالوت وجالوت
قال تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ { 246} وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {247} وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ { 248}فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ {249} وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {250} فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾.
قصة طالوت وجالوت من القصص القرآنية الداعية للتأمل، وهي من القصص التي يجب أن نقف عندها كثيراً، وأن نبحث من خلال آياتها عن الدروس والعبر المستفادة من القصة، لأنها تبين:
1-طبيعة اليهود واعتراضهم على أمر الله تعالى ومن ثم أمر نبيه، وطلباتهم المتكررة.
2-طرق ووسائل الاختبار، لتمحيص وتنقية الصف المؤمن.
3-مقدار السمع والطاعة من جانب المؤمنين لقائدهم.
4-إن النصر يأتي بعد الصبر والثبات والتحمل وقبلها إخلاص النية لله تعالى.
5-إن النصر لا يأتي مع كثرة العدد بل يأتي مع مقدار الاتصال بالله تعالى ومع مقدار الإيمان والتقوى الذي في القلوب.
6-أهمية الدعاء وأثره في ساعات المواجهة.
بعد هذه الآيات الكريمات، نأتي إلى أهم التأملات فيها:
أولاً: طبيعة النفس الإسرائيلية
1-سؤالهم الذي يحمل طبيعة الكبر لأنبيائهم وخاصة من قبل كبرائهم وساداتهم.
2-الاعتراض على أوامر نبيهم ورفضها.
3-امتناعهم عن القتال تحت راية ذلك النبـي، لذلك سألوه أن يدعو اللـه تعالى أن يبعث لهم ملكاَ، يقاتلوا تحت إمرته.
4-الاعتراض على أوامر الله تعالى، وقد قال لهم نبيهم ]هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَ تُقَاتِلُواقَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُفَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَ قَلِيلاَ مِنْهُمْوَمَا لَنَا أَلاَ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَاوَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُوَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُإِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُفَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَ قَلِيلاَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَفَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَ قَلِيلاَ مِنْهُمْفَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249)وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَربّنا افرِغ عَلينا صبراً َوثبّت أقدامناوَانصُرنا عَلى القومِ الكافِرين[ .
دروس وعبر
1-عدم الاشتراط للإيمان باللـه أو الدعوة إليه.
2-عدم التذمر من قبول الأوامر القيادية.
3-السمع والطاعة لأوامر القيادة.
4-عدم إهمال الفقراء والبعيدين عن الأضواء من الدعوة والاتصال بهم.
5-الابتعاد من جعل المال هو المقياس في التقييم.
6-معرفة أساليب المواجهة، وكيفية مواجهتها وعلاجها.
7-طريق الدعوة يحتاج إلى اختبار وصبر.
8-إحضار النية قبل العمل والثبات عليها إثناء العمل والاستغفار من التقصير بعد الانتهاء.
9-معرفة طرق ووسائل زيادة الإيمان.
10-عدم زعزعة الصفوف ببث روح الخوف والقلق.
11-الابتعاد عن الإشاعة بالتهويل والصياح.
12-عدم اعتماد العدد كمقياس النجاح والنصر، بل التوفيق الإلهي بعد الإيمان الثابت والراسخ.
13-معرفة مداخل الشيطان إلى النفس البشرية (المال، الطعام، الشهوة، الكسل، الشهرة، الخوف، الظهور، التكبر.. ..).
14-الجدية والحرص والانضباطية والايجابية في تنفيذ الأوامر.
15-استحضار أجر العمل عند الله تعالى.
16-الدعاء وخاصة أثناء الأزمات، واختيار أوقات الإجابة.
17-الأخذ بالعزائم والابتعاد عن الرخص.
18-الدعاء للذين سقطوا بالهداية والعودة، ومن ثم الاتصال بهم.
19-ظهور قادة جدد في الأزمات بتسجيلهم مواقف بطولية مشرفة (وقتل داود جالوت).
20-الاعتماد على الله تعالى في تحقيق النصر بعد استكمال الوسائل الدنيوية وتنقية الإيمان من الشوائب.
21-عدم تضخيم عدد وعدة الطرف المقابل (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله).
22-الثقة بالقيادة في كل ما تقول وتعمل وتوجه لأنها أكثر علماً وخبرة.
23-الأخذ من شهوات الدنيا بقدر الحاجة (إلّا من اغترف غرفة بيده)وعدم الإسراف والتبذير في ذلك.
24-النصر مع الصبر، كافأ اللـه تعالى طالوت وجنوده بالنصر على العدو، لصبرهم وثباتهم، وان النصر آتٍ مهما طال الزمن واعتلى الظلم، وهو لا يأتي بمجرد الكلام والحديث عنه، بل باتخاذ الأسباب.
25-عدم الالتفات إلى ما يقوله المفسدون، وخاصة إذا كان من قبيل اللغو في الكلام، وإذا كان هناك رد فبالحسنى والموعظة الحسنة التي بها تفتح القلوب.
26-قلة الكلام إلا في مواطن الحق أو الدعوة إلى الخير.
27-التكاتف حول القيادة والتي ترى فيها، بأنها هي القادرة على تحقيق مصالح الجماهير.
28-معرفة أسباب السقوط، والحذر منها.
29-تنوع أساليب الاختبار لتمحيص الصف المؤمن.
30-انكشاف أصحاب النيات الفاسدة وخاصة إذا طال الطريق.
31-نجاح القيادة في إدارة الأزمة والمواجهة.
32-حرص القيادة على تحقيق آمال الجماهير.
33-دراسة السنن الإلهية في الكون.
34-معرفة ودراسة قانون التدافع بين الحق والباطل.
ابو ضاري
10-12-2009, 11:33 AM
من وحي آيات البصر
يقول سبحانه في الآية الثالثة والعشرين من سورة الملك قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ).
ويقول عز من قائل في الآية السادسة والثلاثين من سورة الإسراء:
( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ).
وهناك آيات أخرى تعد بالعشرات، تقرن بين السمع والبصر.. وأول ما يلفت النظر فيها هو ذكر السمع قبل البصر، مع أن البصر لا يقل عن السمع أهمية، وقد يفوقه في الأهمية أحياناً. وقد سبقنا إلى هذه الملاحظة كثيرون، وتولى المهتمون بالإعجاز العلمي للقرآن شرح السبب في هذا الترتيب القرآني، وأثبتوا أنه مطابق للترتيب الزمني لتكامل حاستي السمع والبصر في الإنسان، فبينما يصبح الجنين سميعاً وهو في الشهر الثالث من الحمل، نراه لا يصبح بصيراً إلا بعد الولادة بحوالي أسبوعين.. وإذا كان لي أن أضيف شيئاً فهو شرح حكمة الخالق وراء ذلك الترتيب: فاكتمال حاسة السمع في هذا الطور المبكر يعطي الجنين فرصة الاستماع إلى دقات قلب أمه فترة كافية تجعله يستوعبها تماماً بحيث يتذكرها بعد الولادة كلما ضمته إلى صدرها، وبهذا يهدأ ويطمئن إلى حضنها خصوصاً في وقت الإرضاع.. وبديهي أن الطمأنينة هي من أهم دواعي رفع مستوى الاستفادة التغذوية.. على عكس ما كان يمكن أن يحدث لو تأخرت حاسة السمع إلى ما بعد الولادة فيفاجأ الرضيع بصوت لم يسبق له سماعه يشبه قرع الطبول ينبعث من صدر أمه ويُصَب في أذنه مباشرة.. هذا عن حاسة السمع... وأما حاسة البصر فإن أعضاء الإبصار لا تمارس وظائفها إطلاقاً طوال الحياة الجنينية ـ رغم اكتمال تكوينها ـ لسبب بسيط هو انعدام الضوء اللازم لنقل صور المرئيات.. فضلاً عن أن الجنين ليس في حاجة إلى ممارستها أصلاً.. ولهذا فإن جفونه تظل مغلقة لحماية العينين من السائل الرهلي الذي يغمر أصلاً.. ولهذا فإن جفونه تظل مغلقة لحماية العينين من السائل الرهلي الذي يغمر جسمه... وهو لا يبدأ فتح جفونه إلا بعد خروجه إلى عالم النور حيث يكون لأشعة الضوء أثرها في تنبيه أعضاء جهاز الإبصار إلى بدء ممارسة وظائفها ثم في تحسين هذا الأداء تدريجياً بالتكيف مع شدة الضوء وأبعاد المرئيات.
· وإذا كنت ـ بحمد الله ـ لم أجد صعوبة في العثور على الأسانيد العلمية لهذا الترتيب بين السمع والبصر في عشرات الآيات التي تقرن بينهما.. فإن الآيات التي تختص البصر وحده بالذكر كان لي معها وكان لها معي شأن آخر..
· وأول ما استوقفني وحيّرني في عشرات الآيات التي تخص حاسة الإبصار بالذكر هو اختلاف اللفظ المستعمل للتعبير عنها: فهو أحياناً يكون مشتقاً من لفظ ( بصر )، وأحياناً أخرى من لفظ ( رأى )... وفي أحيان أخرى من لفظ: ( نظر )..
وإليكم مثالاً لكل حالة:
· فالتعبير بلفظ الأصالة ( بصر ) يتمثل في قوله تعالى على لسان السامريّ مخاطباً نبي الله موسى عليه السلام بعد دعوته من لقاء ربه ( الآية السادسة والتسعين من سورة طه ).
(قال بصرت بما لم يبصروا به ).
· والتعبير بلفظ: ( نظر ) يتمثل في الآية 101 من سورة يونس:
(قل انظروا ماذا في السماوات والأرض )
· والتعبير بلفظ: ( رأى ) يتمثل في الآية الخامسة من سورة الحج:
(وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) .
والألفاظ الثلاثة مختلفة تماماً في البنية اللغوية وليس بينها حرف واحد مشترك سوى حرف الراء.. كما أنها ليست من المترادفات بحيث يصح استعمال أي لفظ منها مكان أي لفظ آخر دون الإخلال بالمعنى... فهذا خطأ يتنزه كلام الله عن مجرد التعرض للقليل منه.. وليس صحيحاً أن استعمال الألفاظ الثلاثة هو من قبيل التنويع الدال على الثراء اللفظي، خصوصاً إذا وردت مجتمعة في آية واحدة كما في الآية 198 من سورة الأعراف:
(وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ).
فالقارىء المتدبر لا بد وأن يستكشف وراء هذا التنويع اللفظي وظيفة أهم هي دقة التعبير عن خصوصية المعنى.. ولكي يتحقق لنا ذلك نستعرض معاً أهم الحقائق العلمية الأساسية:
1ـ إن وظيفة الإبصار (visio عملية مركبة من شقين متكاملين هما: النظر )looking)وتقوم به العين والرؤية (sight)ويقوم بها مركز عصبي خاص في قشرة المخ (الدماغ brai وهو متصل بشبكية العين عن طريق العصب البصري.. وبقيام هذا المركز بإدراك ما يرد إليه من الشبكية تتم عملية الإبصار ( ولهذا فهو يسمى أيضاً مركز الإبصارcenter of visio ..ومن الممكن إذن تعريف عملية الإبصار بأنها: ( الإدراك الحسي لمعالم المرئيات ذات الكيان المادي بعد النظر إليها في الضوء ).
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/eye/phpto.jpg
آلية عمل العين تشبه آلية عمل آلة التصور ولكن أشد تعقيداً
2ـ أن الصور التي تسقط على الشبكية لا تنطبع عليها مثلما تنطبع الصورة الفوتوغرافية على سطح ( الفيلم الخام )، ولا حتى على الورق الحساس بعد ( تحميض ) الفيلم.. وإنما تنتقل فوراً ـ على شكل ومضات عصبية ـ عبر العصب البصري لتصل بسرعة لحظية إلى مركز الرؤية.. ولكنها ـ هنا أيضاً ـ لا تتراكم وإنما يتم ترحيلها أولاً بأول إلى مركز عصبي آخر في المخ ( متصل عضوياً بمركز الإبصار ) حيث يتم تصنيفها و( فهرستها ) وحفظها في ( أرشيف الكتروني ).. ( والقياس مع الفارق ).
3ـ أن المخ قادر على استحضارأي عدد من تلك الصور المخزونة في أي وقت لا حق بحيث يقوم مركز الرؤية بإعادة مشاهدتها أي استعراضها بعد زوال الأجسام التي تمثلها بوقت يتناسب عكسياً مع قوة الملاحظة والقدرة على الاستيعاب والتذكر.
4ـ أن التكامل الوظيفي بين العين والمخفي إتمام عملية الإبصار لا يمنع من أن يقوم كل منهما ـ في أي وقت ـ بعمله مستقلاً عن الآخر ( مع اختلاف النتيجة وفقاً للجزء الذي يعمل).
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/eye/brain_sight.jpg
هناك تكامل وظيفي بين العين والدماغ للقيام بعملية الإبصار
نظر بلا رؤية؟ أو رؤية بلا نظر؟.
وبناء على تلك الحقائق الأساسية فإن عملية الإبصار لا تتم إذا انعدام أحد شقيها.. ولكن الشق الذي يتم أداؤه يأخذ شكل ظاهرة غير مألوفة لأنها تمثل عملية فسيولوجية ناقصة.
والظاهرتان المحتملتان كنتيجة لهذا الانفصال الأدائي بين العين والمخ هما:
النظر بلا رؤية:وهنا يحدّق الناظر بعينين سليمتين مفتوحتين في الجسم الموضوع أمامهما ـ مغموراً في الضوء ـ ولكن الناظر إذا سئل عما أمامه لأنكر أن أمامه شيئاً على الإطلاق ( وهو في ذلك صادق لأنه بالفعل لا يبصر شيئاً بسبب عدم قيام مركز الإبصار بعمله في وقت النظر ).. والنظر بلا رؤية ـ وبالتالي بلا إبصار ـ يحدث عندما يكون الناظر شارد الذهن أو في حالة رعب شديد مفاجىء أو واقعاً تحت تأثير الخمور أو المخدرات... فكل هذه تسبب عطلاً مؤقتاً لخلايا المراكز العصبية في المخ ( بما فيها مركز الأبصار ).. والنتيجة هي حالة عمى مؤقت يزول بزوال أسبابه.. أما إذا أصيبت خلايا مركز الإبصار بتلف عضوي فالنتيجة هي العمى الدائم ( على الرغم من سلامة العينين ).... والعمى الدائم يمكن أن يحدث أيضاً رغم سلامة العينين وسلامة مركز الرؤية أيضاً وذلك في حالة تلف العصب البصري.. والسبب في هذه الحالة هو أن عملية الإبصار تتوقف عند الحد الفاصل بين النظر والرؤية ( أي: أن الصورة الواقعة على الشبكية لا تجد ما ينقلها إلى مركز الرؤية ).
وحالات النظر بلا رؤية معناها عدم القدرة على الإبصار بسبب انعدام الركن الفعلي أو الإدراكي وهو الرؤية... تماماً مثلما أن الصورة الفوتوغرافية تظل خافية على الفيلم الخام ما لم يتم ( تحميضه ). [ وبالمناسبة هذه العملية التي نسميها ( تحميضاً ) يطلق عليها في لغات أخرى غير عربية اسم آخر أكثر دقة في التعبير عن طبيعتها هو (development) بالإنجليزية أو (entwicklung)بالألمانية ومعنى الكلمتين بالعربية هو تكوين.. وهو نفس اللفظ المستعمل علمياً في جميع اللغات للتعبير عن عملية تخليق الجنين في ظلمات الرحم ].
الرؤية بلا نظر:وهي تحدث نتيجة عطل في عضو النظر ( العين )، أو عضو نقل الصورة ( العصب البصري ).. أو كليهما، بشرط بقاء المراكز العصبية ( وأولها مركز الإبصار ) سليمة عضوياً ووظيفياً... والرؤية بلا نظر يمكن أن تحدث أيضاً رغم عدم وجود ما يمكن النظر إليه أصلاً.. وذلك باستحضار بعض المشاهد القديمة من الرصيد المخزون من عمليات إبصار سابقة، وهذا يدخل في باب ( أحلام اليقظة ).. قياساً على الأحلام التي ( نراها ) أثناء النوم...
وللتعليل على انعدام ركن النظر ( وبالتالي انعدام أهمية العين ) في هذه الأحوال، يكفي أن أذكر بأن استحضار المشاهد القديمة يتم بصورة أفضل إذا أغمض المرء عينيه. لأنه عند فتح العينين فإن ما تقعان عليه من ( منظورات ) تتداخل صورها مع الصور التي يستحضرها المخ ( وهي مجرد مرئيات )... ولهذا يحدث ( تشويش ) على مركز الرؤية.
من وحي آيات البصر:
والآن إلى النصوص القرآنية التي تتحدث عن النظر والبصر والرؤية نتدبرها في ضوء هذه الحقائق العلمية الثابتة ونبدأ بنص قرآني يتضمن لفظ ( بصر ) بمعناه البيولوجي الكامل: ذلك هو الآية الحادية عشرة من سورة القصص حيث يقول عز وجل على لسان أم موسى:
( وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون )
الموقف هنا حدثت فيه عملية إبصار تامة الأركان: فأخت موسى أولاً قامت بالنظر هنا وهناك بحثاً عن أخيها الطفل المنشود والذي سبق لها النظر إليه ورؤيته وبالتالي إبصاره، فلما وقعت عيناها عليه في هذا المكان الجديد تكونت له في مخها صورة مطابقة لتلك التي اختزنها عقلها الباطن في مرات سابقة... فتعرفت عليه... أما والحالة هذه فأي الألفاظ الثلاثة ـ تعبيراً عن هذا الموقف؟ لا شك هو لفظ ( بصر ) الذي ورد في النص القرآني للتعبير في إيجاز معجز عن اكتمال أركان عملية الإبصار...
وفي الآية الثلاثين من سورة النور يقول سبحانه وتعالى:
(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ).
والأبصار المذكورة هنا والمأمور بغضها ( أي: خفضها ) هي العيون التي هي النوافذ التي نطل منها على الموجودات.. والعين ـ علمياً ـ هي عضو النظر... فلماذا لم يستعمل لفظ الأنظار واستعمل بدلاً منه لفظ الأبصار؟ لو اقتصرنا على الجانب اللغوي لقلنا إن هذا نوع من البلاغة التي يستعمل فيها ما سوف يكون محل ما هو كائن ( على غرار قوله تعالى في سورة يوسف: )إني أراني أعصر خمراً ()... ولكن هذه البلاغة لها أيضاً سند علمي إذ إن النظر هو بوابة البصر، ومنع عملية الإبصار يتم بسهولة أكبر لو بدأنا بإغلاق الباب المؤدي إليه وهو العين... ومن مظاهر عدالة الله أن جميع العضلات المتحكمة في تحريك كرة العين وفي فتح الجفون وإغلاقها هي من النوع الإرادي الخاضع لسيطرة المخ وهو الذي يحوي مركز الإبصار كما يحوي مراكز الحركة أي أنه هو المتحكم الفعلي في حركة تلك البوابات التي تنفذ عن طريقها صور المرئيات إلى المخ ومن ثم يتحول النظر المجرد إلى إبصار فعلي... إذن فالأمر بالغض في آية سورة النور مقصود به الأصل والمنبع تجنباً للشر من أول الطريق المؤدية إليه...
من وحي آيات النظر:
من حيث إن عملية الإبصار هي محصلة خطوتين هما النظر والرؤية... لهذا فإن الدقة العلمية لا تتوفر أركانها إلا إذا استعمل كل من هذين اللفظين للتعبير عن الخطوة المقصودة بالذات.. فتعالوا بنا نستعرض بعض النصوص القرآنية لنرى كيف أن كلاًّ من اللفظين ( نظر ) أو (رأى ) قد استعمل بإحكام للتعبير عن الجزء الذي يخصه من عملية الإبصار.
هذا فيما يتعلق بالشق الأول وهو ( النظر )... والنظر كما نعرف جميعاً قد يكون خاطفاً وقد يطول بهدف تأمل المنظور ( إما لدراسته أو للاستمتاع بمنظره )... كما أن النظر قد يكون مقروناً بالتدبر وقد لا يكون.. وكل هذه الأحوال عبّر عنها القرآن الكريم في مواضع عديدة متفرقة وإليكم بعض الأمثلة:
يقول سبحانه وتعالى في الآية الثامنة والثمانين من سورة الصافات:
(فنظر نظرة في النجوم )
( والحديث عن خليل الله إبراهيم عليه السلام بعد طول جداله مع قومه حول قضية الإيمان ).
وفي الآية رقم 101 من سورة يونس يقول جل وعلا:
( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض )
أما في الآية السابعة عشرة من سورة الغاشية فيقول عز من قائل:
( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ).
إن الهدف من النظر في هذه الحالات الثلاث هو تأمل خلق الله واستشعار عظمته... وهذا هو شأن من أراد الله لهم الهدى.. أما النظر بلا تفكير فهو غفلة يتصف بها من عطلوا عقولهم شأن كفار قريش الذين أغلقوا قلوبهم فختم الله عليها، وعنهم يقول سبحانه وتعالى ـ مواسياً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ـ في الآية رقم 198 من سورة الأعراف:
(وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون )
مع ملاحظة أن البصر في هذه الآية ليس البصر الحسي وإنما هو مقصود بمدلوله المعنوي وهو البصيرة التي بها يمكن التمييز بين الحق والباطل.
· ونعود إلى النظر بمعناه الحسي المجرد فنقول: إن إدامته إلى ما حرم الله إثم وإلى ما يصرف عن ذكر الله لهو...
أما إدامته إلى ما أحل الله تعالى بهدف التلذذ برؤية الجمال فهو مباح.
ـ يقول سبحانه وتعالى في الآية رقم 143 من سورة الأعراف:
( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك. قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ) .
ذلك لأن الناموس الساري في الحياة الدنيا هو أن الله لا تدركه الأبصار، وهي صفة خاصة بذاته العلية ولكن يسبغها الله على من يرتضى من عباده إذا كان في معيته.. ولعل هذه المعية هي التي أعمت أبصار كفار قريش الواقفين على باب غار ثور وبداخله محمد الذي يبحثون عنه ومعه رفيقه الصديق قبيل انطلاقهما إلى المدينة.. يقول سبحانه وتعالى في الآية الأربعين من سورة التوبة:
( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذا يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )
بهذه المعية مع الله لم تدرك أبصار كفار قريش ضالتهم المنشودة وهي قريبة من أرجل خيلهم... وهذه المعية نفسها هي التي أعمت أبصارهم عنه فمحمد يوم خروجه من داره بمكة وهو يمر من بين صفوفهم وأمام أعينهم مردداً قوله تعالى: ( الآية التاسعة من سورة يس ):
( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون )
وعموماً فنحن في كلتا الحالتين أمام معجزة تتعطل أمامها كل القوانين السارية في الأحوال العادية.
بيولوجية الرؤية في القرآن:
عرفنا منذ قليل أن الرؤية هي الخطوة التالية للنظر، وأنها هي التي تتم بها عملية الإبصار.. فهي إذن الخطوة الحاسمة.. ونظراً لأهميتها فإن القرآن كثيراً ما يعطي لفظ ( رأى ) ومشتقاته الأولوية في التعبير عن عملية الإبصار كلها... خصوصاً إذا كان الهدف الرئيسي منها هو التدبر والاعتبار... وهذا التفضيل يتناسب مع كون الرؤية من الوظائف العليا التي يقوم بها المخ الإرادي وهو المتحكم في الجوارح والتصرفات... وإليكم بعض الأمثلة الدالة على ما أقول:
ففي الآية السادسة والسبعين من سورة الأنعام يقول رب العزة عن رحلة خليله إبراهيم عليه السلام مع الإيمان:
( فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين )
وفي الآيتين التاليتين في نفس السورة يتكرر استعمال لفظ ( رأى ) نائباً عن اللفظين الآخرين في التعبير عن عملية الإبصار.. وهذا مناسب لكون الهدف منها هو إثبات قضية عقلية.
وفي سورة النمل أكثر من آية استعمل فيها لفظ ( رأى ) تفضيلاً له على لفظ ( نظر ) لأهميته ودقته في التعبير عن الجزئية المقصودة من عملية الإبصار... ففي الآية العشرين يقول سبحانه:
( وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين )
من المؤكد:أن نبي الله سليمان قد استخدم عينيه في النظر هنا وهناك بحثاً عن الهدهد المنشود ـ قبل أن يصرح بعدم رؤيته. وأنه ـ عليه السلام ـ وهو يتفقد الطير كان يستحضر في ذهنه صورة الهدهد الغائب، وهي التي عرفها واستوعبها من عمليات إبصار سابقة.. وهذا الاستحضار هو عملية ذهنية خالصة يقوم بها مركز الرؤية.. ولهذا كان لفظ ( رأى ) أدق من أي من اللفظين الآخرين في التعبير عن هذا الموقف الذي يبدو مثل موقف أخت موسى في البحث عن شيء منشود.. ولكن في حالة أخت موسى كان المنشود موجوداً فنظرته وبالتالي أبصرته ( ولهذا استعمل القرآن لفظ البصر في قوله تعالى: )فبصرت به (أما هنا فالشيء المنشود ـ وهو الهدهد ـ ليس له وجود أي: أن النظر لم يحقق وظيفته وبالتالي لم تتم عملية الإبصار... ولم يبق إلا اللفظ الثالث الذي استعمل هنا في موضعه تماماً: )ما لي لا أرى الهدهد (.
وفي الآية الثامنة والثلاثين وما بعدها من سورة النمل يأتي ذكر عرش ملكة سبأ الذي تم نقله من مكانه في اليمن إلى مجلس سليمان في الشام في أقل من طرفة عين... وطرفة العين هي المدة الزمنية اللازمة لإلقاء نظرة واحدة.. وتعبيراً عن هذه السرعة الخارقة كان هذا الإيجاز الخاطف في التعبير متمثلاً في قوله تعالى في الآية الأربعين:
)قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي )
هنا نلاحظ ما يمكن أن نسميه ( تجسيداً بلاغياً ) للسرعة وهو يتمثل في إغفال ذكر جميع الأحداث التي تمت منذ تعهد المتكلم بإحضار العرش إلى أن رآه سليمان عليه السلام مستقراً أمامه يعني: رآه شيئاً مادياً ملموساً أمام عينيه ... ولا شك: في أنه قد ألقى عليه نظرة ( بل وربما نظرات ) ليتأمله ( خصوصاً وهو يراه لأول مرة )... ولكن التعبير القرآني أغفل عملية النظر تماماً، وتخطى هذه المرحلة ليصل بنا رأساً إلى ما بعدها وهي الرؤية التي تمت بها عملية الإبصار. وهنا يا إخواني أرجو ألا أكون بهذا التحليل قد اجترأت على قدرة الله التي يتحقق جزء ضئيل منها بصورة تذهل عقولنا عندما تحدث المعجزات الخارقة لكل قوانين الطبيعة.
الرؤى... والأحلام:
وقبل أن نختتم الحديث عن الرؤية كإحدى وظائف المخ لا يفوتنا التحدث عن إحدى صورها المذكورة بكثرة في القرآن الكريم.. تلك هي الرؤية المنامية أي: ( الرؤيا )... وهي ما نعبر عنها عادة بالأحلام حيث يقتصر العمل على ما يقوم به العقل الباطن الذي ينشط عند ضعف السيطرة على الجوارح، ولا تستعمل العين كعضو نظر ( بل لا إمكانية أصلاً لقياسها بهذه الوظيفة فإغلاق الجفون من الأعمال المصاحبة للنوم ).
وتتصدر سورة يوسف جميع سور القرآن من حيث عدد الآيات التي ورد فيها ذكر الرؤى المنامية والتي نذكر منها ثلاث نصوص، تكرر التعبير فيها عن الحدث بلفظ: ( رأى ).
وتقول الآية الرابعة من سورة يوسف:
( إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً )
وتقول الآية السادسة والثلاثون:
( ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما: إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي حبزاً تأكل الطير منه )
وتقول الآية الثالثة والأربعون:
(وقال الملك: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف )
وفي سورة أخرى هي سورة الصافات تقص علينا الآية الثانية بعد المئة موقف خليل الله إبراهيم مع ابنه:
)فلما بلغ معه السعي قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك (.ففي هذه النصوص القرآنية كلها كما في غيرها من النصوص التي تتحدث عن الأحلام كان استعمال لفظ رأى تعبيراً دقيقاً عن حقيقة الأحلام بوصفها استحضاراً لمشاهد قديمة مختزنة في الذاكرة وإعادة مشاهدتها بواسطة مركز الرؤية في المخ دون حاجة إلى عضو النظر... لأن كل مشاهد الأحلام إنما هي مرئيات مجردة ليس لها كيان مادي مجسم يمكن النظر إليه، ومن ثم ألغيت عملية النظر وبالتالي لا يحدث إبصار...
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/grap/macular-degen.jpg
الأحلام يتم بعضها باستحضار مشاهد قديمة مختزنة في الذاكرة وإعادة مشاهدتها
وهنا أرجو أن نتوقف قليلاً لتتأمل معاً التشابه الذي يكاد يكون تطابقاً ـ في البنية ولنتلمس ما في هذا التشابه من بلاغة ودقة في التعبير عن التناظر بين العمليتين المقصودتين، وكلاهما في جوهرهما من وظائف مركز الرؤية في المخ.
ثم لنتأمل اللفظ الآخر المستعمل في الفصحى والعامية للتعبير عن الرؤى المنامية وهو لفظ (أحلام )... لنجد أنه هو نفسه اللفظ الذي يعني العقول، التي يؤكد علماء النفس البيولوجي (biopsychologists)على أن الجزء الباطن منها هو مصدر المشاهد التي يتألف منها (سيناريو ) الحلم أو الرؤية المنامية..
أليس من حقنا بعد هذا أن نعتز بأن لغتنا العربية هي سيدة اللغات بدليل أن الله قد شرفها باختيارها ( وعاء ) لمعاني القرآن الكريم الذي هو سيد الكتب السماوية؟... جل من هذه مشيئته وسبحان من هذا كلامه...
هذه هي بعض الخواطر البيولوجية التي سنحت لي وأنا أتدبر معاني كلام الله سبحانه وتعالى في مجال الإبصار بشقيها الرئيسيين ( النظر والرؤية ) بوصف أن حاسة البصر هي من أعظم نعم الله علينا...
ابو ضاري
11-12-2009, 09:58 AM
تأملات إيمانية في سورة يس
أ.د. ســلامه عبد الهادي
أستاذ في علوم إدارة الطاقة وعميد سابق للمعهد العالي للطاقة بأسوان
إنـنـا نحيـا في ملكوت الله... كون محكم بإتقـان... كلمـا تأملنـا فيه رأينـا الكمال و الجمـال و الحكمة و العلم... وكمـا أتقن الله مـلكه و أحكم آياته في خلقه و نظـامه بقدرته و علمـه... فقد أحكم آيات كتابه وجعلهـا رمـزا إلى آياته في مخلوقاته بقدرته و علمه ...
وكما قال الحق أن هذا الكتاب هو آيات تهدينـا إليه فقد ذكر سبحانه أن في هذا الكون أيضـا آيــات تبصرنا به و تدلنا عليه ... وكمـا أبدع الله في آياته في هذا الكون الذي أبدع خلقه فكان اسمـا من أسمائه بديع السموات والأرض... أبدع أيضا في كتابه فجـاء بإبداع لا يقدر أن يأتي بمثله أحدا... كمـا وصف الحق كتابه بقوله " قل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا ".
و نستعرض في هذا المقال بعضا من آيات سورة يس، و هي في القرآن من القلب كما حدثنا رسول الله... ونبدأ أولا بتناول أربعة آيات في قلب السورة (من الآية 37 إلى الآية 40 ) تتعرض لآيات الله في الليلو النهـار و الشمس و القمر، ثم نأتي إلى آيات أخرى في نهـاية السورة ( من الآية 77 إلى الآية 80 ) وهي تدحض أقوال منكري البعث بآيات الله في هذا الكون البديع...
و لنبدأ بالأربعة آيات الأولى، حيث يقول الحق.. "وآية لهـم الليـل نـسلخ منه النهـار فٌإذا هم مظلمون، والشمس تـجرى لمـستقر لهـا ذلك تقدير العـزيز العليم، والقمـر قدرنـاه منـازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سـابق النهـار وكل في فلك يسبحـون " صدق الله العظيم.
نرى الآية الأولى تصف وصفا جلياً عملية تعاقب الليل والنهـار، فالأرض في أي لحظة أو توقيت، يكون نصفهـا معرض لأشعة الشمس ونورهـا، والنصف الآخـر يكون بعيداً عن أي شموس أو نجوم أخـرى، فهـو يرقد في ظـلام يشمل الكون كله كما توحي إليه هذه الآية الكريمة كحقيقة علمية رآهـا رواد الفضاء مؤخراً، و جاءت بهذا الإعجاز في الآية الكريمة حيث تشير أن الظلام هو الأصل وأن الحادث هو النهـار، ولهذا فإن النهار هو الذي ينسلخ عن الأرض فتنغمر الأرض في ظلام الكون مرة أخرى، فعندمـا تدور الأرض حول محورهـا يبتعد هذا الجزء المنير الذي شمله ضوء الشمس رويدا رويدا فيتحول نصف وجـه للأرض من النهـار إلى الليل، و لن يجد العلماء أيضـا وصفا علميا لهذا التعاقب أدق وأعمق من هذا النص الذي جـاء به القرآن لكريم وآية لهم الليل نسلخ منه النهـار فإذا هم مظلمـون .
و تـضعنـا هذه الآية أمام قاعدة علميه لحساب اليوم الكامل تبصرنا بحكمة الخالق وعزته، وهو الفرق الثابت بين كل انسلاخين للنهار أو زوالين أو غروبين للشمس، فنجد أن هذا الفرق ثابتا لا يتبدل ولا يتغير مهما تغيرت الفصول والشهور والسنوات، و أيضـاً أمام حقيقة أخرى علمناها مؤخراً، و هي أن حدوث هذا الانسلاخ لايتأتى إلا إذا كانت الأرض تدور حول نفسهـا في ثبات كامل أمام الشمس بحيث تنغمس في الظلام عند نهاية النهار، و أنهـا أيضاً تدور بسرعة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير رغم تعاقب السنين والقرون والدهور، بحيث لا يسبق الليل النهار كما تعبر عن هذا آية تـالية " ولا الليل سـابق النهـار، وكل في فلك يسبحون "، من صنع هذا الثبات لكل شيء في فلكه، للأرض وللشمس ولكل كوكب ونجم، إنـنـا أمام حقائق جاءت بدقة متناهية بحيث تعبر عن آية لا تقبل الشك عن علم الخالق وقدرته وعظمته ، فكيف يتأتى الحفاظ على هذا الفرق الثابت بين الانسلاخين وعلى هذا الفلك الثابت للأرض رغم حركتهـا المركبة حول محورهـا المائل وحول الشمس ومع الشمس ومع سقوطهـا ضمن المجموعة الشمسية بسرعة هـائلة في الفضـاء الهائل من حولنا، إن هذه الآيات الكونية لا تتأتى إلا بتقدير إله عزيز عليم كما تنبأنــا الآية التـالية بهذه الأسماء الحسنى لله خالق هذا الإعجاز، عزيز ومنفرد في قدرته و علمه، إن هذه الدورة المحتومة للأرض حول نفسهـا وهذا التعاقب لليل والنهـار دون تقديم أو تأخير بهذا الثبات والدقة قـاد الإنـسـان إلى تعريف الزمان والوقت، حيث قسم الزمـن الذي تدور فيه الأرض حول نفسهـا إلى أربع وعشرون سـاعة، و بهذا استطاع البشر أن ينظموا أوقاتهم وحياتهم، و هل يتأتى هذا الانتظـام من تلقـاء نفسه، و إذا تدبرنـا هذه الآية ونظرنا إلى البشر عندما يطلقون عربة صغيرة يسمونها بالأقمار الصناعية وهي لا تزيد في وزنها عن أصغر الأحجار و تدور حول الأرض لمدة محدودة ويطلقون معها معدات كي تمدهـا بالطاقة المطلوبة لاستمرار حركتهـا والحفاظ عليهـا، ومعدات للتحكم وظبط مسارها حول الأرض وتصحيح انحرافاتها الدائمة، ثم نجدهم يعجزون في معظم الأحوال عن الاحتفاظ بهذا المسار لهذا الشيء التافه حجماً و وزناً لأي مدة تزيد عن عدة شهور ... و قارنا بين هذا الجسم وهذه الأرض الهـائلة الحجم والمنبعجة الشكل والتي يصل قطرهـا إلى 12742 كيلومتراً... من الذي احتفظ لهـا بهذا المسار للأرض ولكل كوكب نراه في مجموعتنا الشمسية طوال ملايين وبلايين السنين دون انحراف أي شيء عن مساره، إنه حقاً خالق عزيز عليم... لقد جاء القرآن بهذه الأدلة من الله الذي يعرف السر في السموات و الأرض ويوجهنا إلى هذه الحقائق والأسرار بأدق التعبيرات أو الكلمـات، التي نـراهـا أمامنا في هذه الآيات حتى يهدينا إلى عظمته وجلاله، ونـشعر أمامهـا بعظمة قائلهـا وصانعها ونرى عجزنـا عن أن نأتي بمثلهـا صنعا و عملا و قولا فنهتدي إليه وإلى وحدانيته.
ثم تأتى الآية التالية من هذه الآيات بإعجاز عن حركة الشمس وكيف جعلها الله في جري دائم حتى تستقر في نهاية الأمر طبقا لأوامر خالقها " والشمس تجرى لمستقر لهـا ذلك تقدير العزيز العليم، " ، لقد اعتقد العلماء في القرن الماضي أن الشمس هي مركز الكون وأنها ثابتة في حجمها وكتلتها ومكانها وأن كل شيء يتحرك من حولها، و اعتقدوا ببقاء المادة وعدم نفاذها، واعتقدوا أن للمـادة دورات وللزمان دورات فلا ينتهيان، ولكن تأتى هذه الآية لتبين بهذا النص المعجز منذ 14 قرنا من الزمان أن ما يجرى لكل شيء في الكون يجرى على الشمس و على المادة وعلى الزمان أيضـا، فالشمس تجرى وتتحرك وتهوي في هذا الكون السحيق، وهي تتوهج الآن ثم سوف تخبو وتستقر بعد حين ... فالشمس تتناقص حجما ووزنا حتى تستقر وتتلاشى بعد حين، والشمس وهي تجرى أيضا فإنهـا تجرى معها أعضاء مجموعتها المرتبطة بها من الكواكب، فالشمس تدور حول نفسها وتديرنا حولهـا، فهي حقا تجرى وكواكبها يجرون من حولهـا إلى أن تـستـقر حركتها فيستقرون معها، وهذا ما أكده العلم الحديث في مشاهداته الفعلية، وأرضنا التي نعيش عليها ليست إلا كوكباً من كواكب المجموعة الشمسية التي تجري في ركب الشمس وتنقاد معها وفقـاً لتقدير الخالق العزيز العليم، وسوف تستقر حر
http://www.55a.net/firas/ar_photo/4/sun.jpgالشمس كرة من غـاز الهيدروجين تصل درجة الحرارة في بـاطنهـا إلى أكثر من 15 مليون درجـة
كة الشمس بعد هذا الزمن، و حين تأتى هذه اللحظة سيتوقف الزمـان بالنسبة لأهل وسكان المجموعة الشمسية، ولن يدور الزمـن دورته ولن تبقى المادة على حالهـا كمـا كان يدعى المـاديون والكـافرون والملحدون، فللشمس ميقات ستستـقــر عنده بأمر خـالقهـا وسينتهي عنده كل شيء، هذا مـا أكده الـعـلم ومـا تـأتى به هذه الآية من خالق الشمس ... آية تنص على أن هذه الشمس سوف تستقر بعد هذا الجري الدءوب، و قد أثبت العلماء أن الشمس كرة من غـاز الهيدروجين وتصل درجة الحرارة في بـاطنهـا إلى أكثر من 15 مليون درجـة ويحدث بهـا أعقد التفاعلات النووية الاندماجية التي سوف تحولها في النهاية من كرة متوهجة إلى كرة مستقرة... حيث تساعد درجة حرارة باطن الشمس المرتفعة في اندماج ذرتين من ذرات غاز الهيدروجين الذي يشكل كتلة الشمس، فتتحولان إلى ذرة واحدة من غاز آخر.. ذرة تقل كتلتهـا عن كتلة ذرتى الهيروجين، حيث يتحول الفرق في الكتلة إلى طاقة تبعثهـا الشمس إلينـا... وقد حاول الإنسان أن يحاكي هذا التفاعل الاندماجى الذي يحدث في الشمس، و لكنه عجز عن التحكم في هذا التفاعل في مفاعلاته النووية، وأدت أبحاثه في هذا المجـال إلى اكتشافه للقنابل الهيدروجينية التي تنتج كما هائلاً من الطاقة ينشأ عنهـا انفجارات مدمرة، وهكذا لم يتمكن البشر إلا في استخدامها للتدمير وليس لعمارة هذا الكون كما يحدث في شمسنا بأمر الله... وكي ترسل الشمس كل هذه الحرارة فإنهـا تحرق في كل ثانية 600 مليون طن من مكوناتهـا من الوقود الهيدروجينى، تحترق في ثبات دون توقف على مدى الثواني والأيام و القرون و الدهور، و ينطلق من الشمس مع هذا التحول في كل ثانية كما من الطاقة يكفى ما تحتاجه الأرض لمدة مليون سنة كاملة، ولكن هذا الكم يتوزع على الكون بأكمله ويكون نصيب الأرض من هذا الكم قدر محدد لها يكفيهـا دون زيادة أو نقصـان لا يمثل سوى 1 على 10 أمامهـا عشرة أصفار على الأقل.... وهكذا فإن الشمس تتغير وتبدأ من غاز الهيدوجين الذي يجرى له أو به هذا الكم الهائل من التفاعلات والاندماجات، ثم ينتهي إلى كرة من غاز ساكن أو خامل هو الهليوم، ولا يبقى لها في النهاية وقود يقاوم قوة جذب كتلة هذا الغاز الخامل، فيتقلص نجم الشمس بتأثير وزنه، و تصـير الشمس في النهاية قزماً ساكناً أبيض أو ثقباً أسود في هذا الكون كما حدث في ملايين النجوم الأخرى التي كانت مثل شمسنا و جرى لهـا مـا سيجرى لشمسنـا بعد فترة قدرها العلماء بحوالى 500 بليون سنة كي تتحول إلى هذا القزم السـاكن، و هذا بعد أن وصل عمرهـا الآن 450 بليون عامـاً، والآن ما الذي يحتفظ للشمس بهذا الجري والتفاعل بهذا الثبات الممتد عبر بلايين السنين التي والتي تكونت خلالها الأرض ثم نشأت الحياة عليهـا، إن الشمس لو بردت درجتهـا بأقل من مليون درجة مثلا، فسيؤدى هذا إلى انخفاض معدلات الاحتراق بها إلى النصف، وهذا ما يؤكده العلم الحديث، وبهذا تقل الطاقة التي تصل إلى الأرض فتتجمد الأرض، و لو زادت أيضـاً لتضاعفت معدلات الاحتراق وتزيد معها الطاقة التي تصل إلى الأرض فــتـحترق أيضا الأرض، ثم إذا نظرنـا إلى الشمس وهي تحترق وتقل كتلتهـا بملايين الأطنان في كل ثـانية ، فلنـا أن نتعجب : هل هذا النقص الدائم في كتلة الشمس له الأثر على أفلاك الكواكب من حولهـا، النظريات العلمية تؤكد أن هذه الأفلاك تتأثر فتبتعد الأرض عن الشمس، ولكن لو حدث هذا فستـتجمد الحياة على الأرض، وهذا لم يحدث خلال الملايين من السنين التي هي عمر الأرض، لقد حار العلماء في فهم أسرار هذه الشمس بحيث تظل بهذا الثبات لهـا ولمن حولهـا، و جاء هذا النص من الخالق أنه هو الذي قضى عليهـا بهذا الثبات فأودع هذا التعبير في كتابه بأرفع المعاني والكلمات "و الشمس تجرى لمستقر لهـا، ذلك تقدير العزيز العليم "، حقـا إنه عزيز في قدرته و تقديره، عليم يحيط بعلمه كل شيء، و العلم لا يستطيع أن يصل إلى سر جرى الشمس بهذا الثبات في تفاعلاتها و فيمن تجريهم حولها ، و يأتي كتاب الله ليعلن أن هذا جاء بتقدير إله قدير عزيز عليم " ذلك تقدير العزيز العليم" ، فهو من صنعه وحده وتقديره وحده وبعلمه وحده، وهذه الكلمات جاءت منه وحده .
و قبل أن ندخل إلى القمر تعالوا أولا نعقد مقارنة بينه وبين الشمس، فالقمر كوكب صغير سخره الله للأرض، وإذا أردنا أن نتخيل المسافات والأبعاد الخاصة بالشمس والقمر بالنسبة للأرض، فيمكن إذا تخيلنـا أن الشمس كرة قطرهـا متراً واحداً، فإن الأرض تكون كرة صغيرة أو بلغتنـا العامية بلية صغيرة يقل قطرهـا عن 1سم، و تدور هذه الكرة حول الشمس في دائرة نصف قطرهـا 120 مترا دورة كاملة كل 365.25 يومـا (السنة الشمسية )، أما القمر فإنه بالنسبة لهذه الأبعاد يكون بلية (قطعة حجر صغيرة) أصغر جداً لا يزيد قطرهـا عن 4مم و تدور حول الأرض في دائرة نصف قطرهـا 30 سم فقط دورة كاملة كل 27.3 يوما ( محددة شهراً قمرياً )، هذه الأبعاد تقربنا فقط من تصور النسب بين هذه الأجسام، لكن قطر الأرض مثلا 12800 كم وقطر الشمس حوالي 1.400.000 كم و قطر القمر 34676 كيلومتر، فلا يزيد قطر الأرض عن ضعفي قطر القمر كما لا تزيد كتلة الأرض عن 80 ضعف فقط كتلة القمر، و بينما نجد الأرض قزم صغير يدور حول الشمس بكل الالتزام، فإن القمر يبدو كأنه لا يدور حول الأرض و لكن كأنهمـا يدوران حول بعضهمـا أو كما لو كانا كما تذكر المراجع الأجنبية يرقصان حول بعضهمـا حيث يدور كل منهما حول الآخر و يدوران معا حول الشمس، وحيث وجدوا أن القمر يواجه الأرض دائما ويلازمها بوجه ثابت، وهي من قواعد الرقص عند الغرب، كما لو كان منتظراً لتلبية حاجاتهـا، ويبدوان أيضا لمن يراهما من بعيد كما لو أن القمر يتمايل حول الأرض في حركته المحدودة حولهـا كما تتمايل الأغصان في حركتهـا حول الأشجار. كما يدور القمر في مستوى يميل مع مستوى خط الاستواء في الأرض بزاوية قدرهـا 23.5 درجة، و هي نفس الزاوية التي يميل بهـا محور دوران الأرض حول نفسهـا مع مستوى دورانهـا حول الشمس، و يأتي من هذا التطابق في الزاويتين تطابق مستويي أفلاك الأرض وأفلاك القمر، و لهذا فإن مساحة الجزء المعرض من القمر لضوء الشمس، و الذي يعكس ضوء الشمس و ينير الأرض في المساء ويحدد شكل القمر من الهلال إلى البدر والعكس، يعتمد فقط على ما تحجبه الأرض عن الوصول إليه من ضوء الشمس، ولتطابق الزوايا فإن كل سكان الأرض تراه بنفس الشكل، ولو اختلفت هاتين الزاويتين عن بعضهما ولو بأقل الكسور من الدرجة لمـا حدث هذا التطابق في أشكال القمر بالنسبة لكل سكان الأرض، و لرأى أهل الشمال القمر بدراً بينما يرى أهل الجنوب القمر هلالا، وسنظل أياماً نرى القمر كاملا، و أياما لا نراه، و الشهر القمري يبلغ 29.5 يوما وهو يزيد عن مدة دورة القمر حول الأرض بأكثر من يومين حيث تشارك الأرض في الحركة حول القمر أثنـاء تحركه حولهـا، إنه انضباط في الزوايا والتحركات يتوه في حساباته فقط أعظم العلمـاء، فمـا بالك بالتحكم فيه وتدبير أمر مساري هذين الكوكبين التي لا تقل أقطـارهما عن بضعة آلاف من الكيلومترات، مسارات معقدة و منضبطة.. ينشأ عنهـا هذا الانضباط في الشهور القمرية و أشكال القمر المتتابعة، التي لا تتبدل و لا تتغير، ويتم معهـا انضباط مواقيت و حركة الأحياء عليهـا.
هكذا ينبهنـا الخالق إلى تدبر هذه الحقائق بما يذكرنا بهـا في كتابه، فيشير القرآن بعبارات بسيطة أن كل ما ذكرناه عن حركة القمر حول الأرض وملازمته للأرض في حركتهـا حول الشمس، وسرعة القمر حول الأرض وسرعة الأرض حول الشمس، وأفلاك القمر وأفلاك الأرض وأفلاك الأرض والقمر معاً والمستويات والزوايا والأبعـاد والمسافات والسنة الشمسية والشهر القمري ثم السنة القمرية التي تختلف عن السنة الشمسية بمدة 11 يوما لا تزيد أو تنقص، وأن يكون للقمر هذه الأشكال المتدرجة صعوداً وهبوطـا واتساعاً وضيقـاً، فنراه هلال ثم بدرا ثم هلالا في مواقيت محددة وبحركات دقيقة وتم حسابهـا بأدق الحسابات و التحكم فيهـا بأعظم القدرات .. يشير إلى أن كل هذا لم يأتي بالصدفة أو بالطبيعة.. فأي طبيعة هذه التي تحدد السرعات و الأبعاد والمسافات و الأقطـار و الأحجـام والزوايا والحركات والسرعات وتحافظ عليهـا بهذه الدقة المتناهية طوال هذه القرون والدهور.. نعم لا يتركنا خالق الأرض والسماء نتخبط ونحتـار... و لكن يأتي بآيات القرآن معلنـاً بإعجاز أنه هو الله الذي هيأ الأبعـاد
http://www.55a.net/firas/ar_photo/3/Moon.gif الشكل التالي يبين كيفية دوران القمر حول الأرض ومنازله وتكون البدر حتى العرجون القديم
والمسافات والزوايا وقدر للقمر وسخر له هذه الأفلاك والمسارات... فيقول الحق والقمر قدرناه منازل... أي أن كل هذا قد جـاء بتقدير إله قدير قدر لهذا القمر هذه التحركات احتوتهـا كلمة قدرناه. .. و نأتي إلى كلمة منازل.. فهذه الكلمة إشارة إلى أفلاك القمر ومنازله التي أنزلهـا الله فيهـا له كي يكون لنـا من أشكاله ما نراه عندمـا يعكس لنـا ضوء الشمس من مواقع مختلفة أمامـهـا... وقد تكون هذه الكلمة تصحيحـا للتعبير الذي شبه به بعض العلمـاء حركة القمر و قالوا أنه يراقص الأرض، فهو لا يراقصهـا ولكن التعبير الأشمل والأجمل أنه ينازلهـا.. فمن قواعد المنازله أن يواجههـا أيضاً بوجه ثابت ولكنه يجب أن يبتعد عنهـا بعداً كافيا يتيح له تسديد وصد ضوء الشمس إلى الأرض كلما حانت له انفراجة في مسار الأرض عن الشمس.. و لكن الرقص الذي أطلقه بعض العلمـاء الغرب يعنى انضمامهمـا، وهو تشبيه يجافى الحقيقة... أما المنازلة فلا تسمح بهذا، وتنطبق حقاً على من يرى حركة القمر الملزمة للأرض في دورانه معهـا حول الشمس وفي نفس الوقت يدور حولهـا ويقترب و يبتعد أثنـاء هذا الدوران وبوجه ثابت كما لو أنه ينازلهـا دون أن يحيد عنهـا..... ثم نأتي إلى تشبيه حركة القمر وهو يتحرك من يمين الأرض إلى يسارهـا ومن يسارهـا إلى يمينهـا في حركة محدودة بالنسبة لحركتهما حول الشمس، و بسرعة بطيئة بالنسبة لسرعة دورانهمـا معاً حول الشمس... وكما ذكرنا أنه يبدو لمن يراه كما لو أن القمر يتمايل حول الأرض وهو يدور معـها ويدور حولهـا أو ينازلهـا... وتأتى الآية فتطلق هذا التشبيه... عاد كالعرجون القديم... و يطلق العرب اسم العرجون على فرع شجرة التمـر... وعند تقادمه على شجرته بسبب الجفاف من تسلط أشعة الشمس عليه زمنا طويلا نجده يتمايل مع الرياح أينمـا توجهه لأنه يصير غير قادر على الثبات أمامهـا بعد قدمه... إن هذا التشبيه يقرب من رؤيتنـا حركة القمر وهو يتحرك أو يقفز في سهولة ويسر على جانبي الأرض كقفزات وحركات بمثل تقلبات العرجون على جانبي شجرته، و ينشأ من هذا التمايل المقدر والاستمرار الاعتياد عليه أشكال القمر المختلفة.... منازل إشارات إلى حكمته وقدرته وأن كل ما وجدنـاه ورأيناه وعلمنـاه جـاء بتقديره
http://www.55a.net/firas/ar_photo/4/moon1.jpg الشكل التالي يبين منازله القمر حول الأرض
سبحـانه وقوله الحق والقمر قدرنـاه... منازل ... حتى عـاد... كالعرجون القديم... فنرى أن كلمة "قدرنـاه" قد جاءت بكل السمو كي تبدد حيرتنـا... لأن الخالق هو الذي قدر للقمر هذه الزوايا والسرعات والأبعـاد والمسافات والمستويات، فصـار إلى ما صار إليه من ملازمته للأرض أو منازلتهـا والقفز على جانبيهـا حتى اعتـاد هذه المنازل كما اعتاد العرجون في التحرك والتطوح على جانبي الشجرة كلما تعرض للقدم والجفاف... أي إعجـاز هذا في الخلق و القول... إنه إعلان حي من الخالق، أنه هو الذي دبر و" قدر للقمر منازله " بتقدير العزيز العليم... في دورات مستقرة وثابتة ينشأ عنهـا هذه الأشكال المتكررة للقمر من هلال إلى بدر إلى هلال تنبئ عنهـا كما ذكرنا كلمة " عاد "... فهي تفيد العودة والتكرار كما تفيد الاعتياد والاستمرار والاستقرار..... أية دقة علمية هذه في سردهـا لحقائق علمية متكاملة بأبسط العبارات وأدق التشبيهات التي تعيد كل شيء في هذا الكون لتقدير الخالق منزل القرآن على عبده بالعلم والحكمة وبما يظهر الحق و يبدد الحيرة في هذه الحركة المعقدة للقمر مع الأرض و الشمس بما قدره من قول و فعل.
ثم تأتى الآية الرابعة لتؤكد أيضاً بإعجاز شامل أن حركة كل شيء في هذا الكون تتم فعلا بانضباط كامل ومقدر بقول الحق ( لا الشمس ينبغي لهـا أن تدرك القمـر ولا الليل سابق النهار، و كل في فلك يسبحون )، هكذا جاء قول الحق عن هذا الثبات لكل شيء من حولنا في أفلاكه، فللشمس أفلاكها الثابتة وللقمر أفلاكه الثابتة و بالرغم من أن الأرض من توابع الشمس تدور حولهـا وحجم الشمس أو وزنهـا يزيد آلاف المرات عن حجم الأرض و وزنهـا، لكن لا تطغى الشمس على القمر هذا التابع الضئيل للأرض الصغيرة والتابعة لهـا، فلا تحوله إليها أو تدركه بقوتها وحجمها ووزنهـا وجذبهـا الجبار الذي يتضاءل أمامه جذب الأرض، ليس هناك سببا ألا يحدث هذا إلا أن يكون هناك التزاماً من الشمس والقمـر بالسير والسباحة أو التسبيح المحدد بالكلمات أو بالحركـات في أفلاك ثـابتة لا حيود عنهـا.
والأرض لهـا تعاقبهـا ودورانها حول نفسـهـا، ولا يختل هذا الدوران مهمـا تعاقبت السنين والقرون، فزمن الدورة أربع و عشرون سـاعة و لا يأتي ليلين أو نهـارين متعاقبين، بل ليل يعقبه نهـار، و يكونان معاً اليوم من أربع و عشرون سـاعة في ثبات تام يعجز عن تخيل أسبابه العقل البشرى، وكذلك الأرض ويصاحبهـا قمرهـا تدور دورة كاملة كل سـنة أو كل 365 يومـاً وربع اليوم حول الشمس، لا يتبدل أو يتغير زمن هذه الدورة على مدى القرون والدهور، وكذلك الشمس و معها منظومـتها الشمسية كلهـا بمـا فيهـا الأرض و الكواكب الأخرى تدور حول مركز المجرة مرة كل 200 مليون سنة، و مجرتنا البالغ عدد النجوم فيهـا أكثر من خمسة بلايين نجم و تمثل المجموعة الشمسية إحدى أفرادهـا لهـا أيضـا دورتهـا حول نفسهـا و حول مركز الكون الذي لا يعرف سـره سوى الخـالق... و الآن ... مـن يحفظ هذا الثبات والاستقرار في دورات الشمس و القمر ودورات الليل و النهـار وكل الدورات الأخرى، لقد قربنا العلم لأن نرى مسارات الشمس والأرض والقمر، ولكن هذه الرؤيا زادتنا إحساسا بالجهل عن أسرار ما رأيناه أو علمنـاه... وزدنا يقينا أنه لا تعليل لهذا إلا أن كل هذه السباحة لكل كوكب أو نجم ما هي إلا نوعـاً من أنواع التـســابيح يسبح بهـا هذا الكون لخـالقه كمـا جـاءت الآية الكريمة (و إن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ... إنــه تسبيح دائم و مستمـر لكل مـا في هذا الكون... و( كل قد علم صـلاته و تسبيحه ) ...و( إن من شيء إلا يسبح بحمده، و لكن لا تفقهون تسبيحهم ).
هكذا جاءت كلمات الله معبرة بكل إعجاز عما يعجز الإنسان عن فهم أسبابه في هذا الكون، فتتبدد حيرته عندما يكون القائل هو خالق هذا الإعجاز الذي أرسل إليه هذا الكتاب رحمة من عنده لهدايتنـا و الخروج بنـا من الحيرة و الضلال ، و إذا أمعنـا التدبر في كلمة يسبحون بالباء المفتوحة و يسبحون بالبـاء المشددة و المكسورة ، فسنجد أن القرآن قد جـاء بهذه الكلمة الجـامعة لمـا تؤديـه الكواكب و النجوم و الشمس و القمر من سباحة منتظمة في أفلاك ثـابتة و أن هذا ليس إلا تسبيح أو طـاعة ملزمة لكل الكواكب و النجوم لخـالقهـا ومسيرهـا.
و السؤال الآن: هل نستطيع كبشر بعد أن علمنا عن الأرض و القمر و الشمس و الليل و النهـار و الأفلاك و المسارات أن نعبر عن معجزات هذه الأشياء و دلالاتها في بضعة سطـور يفهمها العالم المتعمق بقدر علمه والإنسان البسيط بقدر نقائه، و هذا على مر العصور دون توقف، و بهذا الإعجاز التام دون أن يأتيهـا الباطل في أي من هذه الأزمـان، لقد عرضت هذه الآيات الحركات و الأفلاك التي تتحرك فيها الأرض و الشمس و القمر و أعطت التشبيهـات التي لا يستطيع أن يأتي بمثلهـا سوى خالقهـا و محددهـا و محدد أبعـادهـا و حركاتهـا... إنهـا جميعـا تدور بإعجـاز إلـه عـزيز عليم تسبيحا له و طاعة و التزاما و انصياعا لأوامره، فلـه وحده النهـار و الليل و الحركات و السكنات و الأقدار و المصائر، إنهـا آيـات إلــه يـرى الكون الذي خلقه كله بإمداده و جمـاله و إعجـازه وإبداعه، ثم يـركز أبصـارنـا على ما يمكن أن نراه من هذه الآيات التي تدل كلهـا على جلاله و عظمية ... آيات يراهـا الناس في كل العصور و لا يستطيعون إنكار صانعهـأ مهمـا بلغ علمهم و رؤاهم، و لهذا تبدأ الآية بـقول الحق و آيــة لهـم ... إنهـا فقط إحدى الآيـات التي يبصـرنـا بهـا لخالق في الكون الذي خلقه و سيره بقدرته و تقديره.. و لكن في الكون آيـات و آيــات يجب أن نتدبرها حتى نستحق مـا أنعم الله به علينـا من نعمـة العقل والعلم.. ويكفى هذه الإشــارة من الخـالق التي جـاءت بهذه السمو وهذا الإعجـاز...
و الآن نتوقف ثانية أمام آيات أخرى جاءت قرب نهـاية هذه السورة الكريمة بقول الحق:( أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، و ضرب لنا مثلا و نسى خلقه، قال من يحيى العظام و هي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة و هو بكل خلق عليم ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون، أوليس الذي خلق السموات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ، بلى و هو الخلاق العليم )
هناك من يجرأ و يدعى أنه ليس هناك بعث بحجج مختلفة، و في هذه الآيات يناقش الحق بالحجة و المنطق هؤلاء المتنطعون، فيأتي باستفسـارات منطقية و يسأل هؤلاء المنكرون أسئلة منطقية و يستشهد الخالق في إثارة تفكيرهم من واقع ما يبصرونه في مختلف الأزمنة... و يأتي السؤال الأول... هل من لديه القدرة على خلق الأجسـام لا تكون لديه أيضا القدرة إعادة هذه الأجسام مرة أخرى بعد أن تتحول إلى رميم و تراب... سؤال منطقي و رباني... و لا شك أن هؤلاء المتنطعون كما كانوا في عصر الرسول صلى الله عليه و سلم، نراهم أيضـا في عصرنا هذا ينكرون البعث باسم العلمانية و العلم... و لكننا كمسلمون نرى أن التقدم البشرى و العلمي يجعل الرؤية التي طالبنا بهـا الخالق في بدأ هذه الآيات تكون أقوى و أوضح و أظهر، فالخـالق يذكرنـا بعد هذا الاستفسـار أن بدأ خلقنـا كان من نطفة.... و قد أثبت العلم الحديث أن بداية تكوين الجنين في بطن الأم تكون بتخصيب بويضة الأم، و تمثل هذه البويضة نصف خلية من خلايا جسمها وتحمل جميع صفاتها الوراثية، ويتم تخصيب هذه البويضة بالحيوان المنوي للأب، وهذا الحيوان يمثل أيضاً نصف خلية من خلايا جسم الأب، ويحمل أيضا كل الصفات الوراثية للأب... ومن هذا التخصيب تأتى النطفة أو أول خلية كاملة تحمل صفات وراثية مشتركة من الأب والأم لمخلوق جديد... هذا ما نراه الآن في معاملنا بالمجهر وبالصورة و تعرضه أفلام علمية و طبية و ثقافية... والآن لا ندرى بالرغم من ادعائنا العلم و الفهم.. من علم هذه النطفة ورتب لها هذا التحول من نطفة أو خلية واحدة إلى إنسان كامل عبر أطوار وأطوار داخل رحم الأم، لا تدرى الأم منها شيئا وليس لها أي تدخل أو تداخل فيهـا، كيف استطاعت هذه الخلية الواحدة أن تتكاثر إلى بلايين من الخلايا المتطابقة للخلية الأولى صفاتا ونوعا و شكلاً في منظومات هائلة مكونة الأنسجة والأجهزة والأعضاء، كيف استطاعت أن تستمد غذائها وهوائها وهي داخل ظلمات ثلاث، من صمم لها هذه الأطوار كي يكون لها خياشيم في أحدى الأطوار كي تحصل على الأكسيجين من داخل السائل الذي تسبح فيه في داخل الرحم، و كيف جاء لها هذا التكوين الفريد في الحبل السري الذي يمد جسم هذه النطفة بكل ما تحتاجه من غذاء في كل لحظة ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى، من الذي أودع الأسرار في مجموعة من الخلايا أن تتحول إلى عظام ومجموعة أخرى أن تتحول إلى عضلات، ومجموعة أخرى أن تتحول إلى دماء أو جلد أو أغشية أو شعر... وكل له وظيفة محددة وأعمال مرتبة وأهداف ثابتة تختلف شكلا وموضوعاً عن الخلايا الأخرى وإن اتحدت في كروموزماتهـا وجيناتهـا التي تميز كل إنسان عن أخيه وعن سائر المخلوقات... من رتب لها هذا التكوين وعلمها هذه الوظائف وقرر لها هذه الأعمال و بين لهـا هذه الأهداف... من الذي جعل القاعدة العامة هي الانتظام في هذا الترتيب وجعل هناك القليل الذي يشذ حتى نرى قدرة الله في خلقه وأن العملية ليست عملية
http://www.55a.net/firas/ar_photo/5/human211528.jpg صورة للجنين البشري في أشهره الأولى
ميكانيكية ولكن كل شيء بقدر معلوم، فنرى التصاق قلبين أو جسمين أو رأسين، و نرى ما لا يكتمل نموه ونرى من يولد بعد 7 أشهر ومن يولد بعد 9 أشهر و نرى من يموت في رحم الأم ومن يكتب له الحياة الممتدة، ونرى قدرة الله وحكمته في أن يجعل هذه النطفة ذكرا أو أنثى في إحدى هذه الأطوار ثم نرى الاتزان بين عدد الذكور والنساء في الجنس البشرى خاصة، ونرى حكمة الله وقدرته في أن يهبة نعمة السمع والبصر والعقل خلال هذه الأطوار كي يتحول هذا المخلوق الحيواني، الذي وهبه الله الحياة منذ أن كان نطفة لينمو داخل رحم الأم كأي حيوان ثديي، إلى إنسان عاقل يدرك ويعي ما يراه بعينيه أو يسمعه بأذنيه، بميز الأصوات و الألوان و الحروف و الكلمات و الصور و الظلالات، ثم يميز بين الخير و الشر وبين النور والظلام، بفطرة فطر الله عليها هذه النطفة منذ أن بدأها و وهب لهـا الحياة و الاستمرار.
نعم... لقد رأينا في معاملنا هذه الخلية الأولى أو النطفة التي أودعها الله في رحم الأم ثم نمت بقدرة الله التي وهبتها الحياة وبحكمته التي أودعها الله في هذه النطفة حتى تخوض في هذه الأطوار وبإرادته التي تجعل هذا ذكراً أو أنثى أو لا شيء على الإطلاق أو أن تصير هذا الإنسان الكامل العاقل القادر ... و بالرغم من هذا فيأتي هذا الإنسان بعد أن زاد شعوره بالجهل في عصر العلم متبجحـاً أن أصله جاء نبتاً من هذه الخلية الواحدة عندما أراد لها خالقها الحياة والنمو وكتب لهـا هذه الأطوار... جاء يقول من هو القادر على أن يعيد عظمه أتى بهـا إلى رسول الله لتصير بشراً مرة أخرى... أنه بهذا التصرف الأبله وهذا القول الساذج يصير خصماً لله سبحانه و تعالى الذي أخذ على نفسه هذا العهد و قرره في آيات القرآن الكريم بلسان عربي مبين ... كم تحوي هذه العظمة من الخلايا... إنهـا بلايين الخلايا وقد جاء خلق الإنسان من نطفة أو من خلية واحدة فقط من هذه الخلايا... إن العلم الحديث يقرر أنه يمكن من خلية واحدة استنساخ حيوان هو صورة طبق الأصل من الحيوان الأصلي.. فكيف بخالق الإنسان نفسه... أو ننكر له هذه القدرة... و من هنا جاء هذا الرد الرباني العجز على هذا الاستفسار الإنساني الجاحد و الجاهل بقدرات الله عز و جل: (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، و ضرب لنا مثلا و نسى خلقه، قال من يحيى العظام و هي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة و هو بكل خلق عليم ).
ثم يأتي البيان الثاني...الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون... كيف ننكر قدرة الخالق الذي دبر شئون هذا الكون و دبر عمارته على أن يحيي العظام و هي رميم... أشار الله في هذه الآية إلى قدرته التي عمر بها هذا الكون وأعطى بها الإنسان والحيوان القدرة على الحركة والانطلاق... إن من ينظر إلى هذا الكون وقدرة الإنسان على السعي فيه وعمارته، يجد أنهـا جاءت من هذا الشجر الأخضـر، فالشمس تطلق طاقتهـا.. ولكن هل يستطيع الإنسان أن يمتص هذه الطاقة كي يتحرك بهـا... إن أعضـاء المملكة الحيوانية كلهـا ومنهـا الإنسان لا يستطيعون الاستمرار والحركة بدون مصدر للطاقة.. كمـا أن السيارات والمحركات لا تستطيع أيضـاً أن تتحرك بدون مصدر للطـاقة... ومن أين تتأتى لهم هذه الطاقة التي سيتحرك بهـا الإنسان و من ثم تتحرك بهـا دوابه و أنعـامه ثم تحركان عرباته وآلاته ... هل سأل أحدنا نفسه مرة كيف تأتـيه هذه الطاقة ومن أين تأتيه... الجواب في هذه الكلمات المحددة في الآية التي بين أيدينـا... إن هذه الطاقة تأتى من الشمس التي جـاء ذكرهـا في منتصف هذه السورة.. ثم من الذي يعد ويجهز لنا هذه الطاقة كي نستفيد منهـا ولتبعث الدفء والطـاقة في أجسادنا عند احترقهـا ناراً، و هي التي تدفع الطاقة أيضاً في أجساد دوابنـا عند احتراقهـا ناراً، و هي التي تطهي لنـا الطعام عند احتراقهـا ناراً، وهي التي تدفع عرباتنا عندما تتحول في باطن الأرض إلى بترول وغـاز طبيعي ثم تحترق في عرباتنا ناراً... إنهـا هذا الشجر الأخضر... إن هذه المقابلة في الآية الكريمة التي صاغهـا الحق بين النار والشجر الأخضر مقابلة معجزة، تستوعب كل دروسنا في الطاقة ... حيث يقوم الشجر من خلال اخضراره واخضرار أوراقه بدوره ومهـامه في تخزين وإعداد هذه الطاقة في طعام ذو مذاق جميل وفي نفس الوقت في الصورة التي يمكن امتصاصهـا داخل جسم الإنسان أو الحيوان... إن من يتعمق في الكيفية التي يمتص بهـا هذا الشجر الأخضر من خلال أوراقه الخضراء طاقة الشمس، لا يسعه إلا أن يسجد للخالق الذي قدر هذا الصنع و أبلغ عنه بأعظم الكلمـات و أدق العبارات، في مقابلة معجزة و متكاملة... لقد حاول العلمـاء محاكاة ما يحدث في هذا الورق الأخضر.. فوجدوا أنه يتم في هذه الورقة أكثر من ثلاثة آلف تفاعل كهرو فوتو كيميائي كي يمتص أشعة الشمس الفوتونية ويخزنهـا كطاقة كيميائية في المواد الكربوهيدراتية في عملية حيوية تسمى بعملية التمثيل الكلوروفيللى أو الأخضر نسبة لاعتمادها على ورقة الشجرة الخضـراء.. و لو حاول هؤلاء العلمـاء تنفيذ هذا التفاعل في معامل يعدونهـا، فإنهم يحتاجون إلى معمل يعادل حجمه عشرة أضعاف حجم عمارة المجمع كي يؤدى
http://www.55a.net/firas/ar_photo/5/fire.jpgسبحان الذي خلق من الشجر الأخضر ناراً
فيه هذه التفاعلات و يصنع ويخزن الطاقة التي تخزنهـا ورقة نبات خضراء في اليوم الواحد، و لكنه سوف يستهلك في تخزين هذه الطاقة طاقة أخرى تعادل طاقة طلمبات منخفض توشكا بأكملهـا... و تأتى كلمة "جعل لكم" لتبلغ حقيقة أخرى، فلن تكون للنبات الأخضر هذه القدرة بذاته... حيث أنه بدون أشعة الشمس التي يمتصهـا وبدون الهواء الذي يستخلص منه غـاز ثاني أكسيد الكربون، وبدون الظروف الجوية المواتية من ضغط ودرجة حرارة ودرجة رطوبة لن يستطيع النبات أن يقدم لنـا هذه الطاقة التي باحتراقها ناراً تسير عجلة الأحياء والحياة على وجه الأرض... و لهذا جاءت كلمة جعل.. ولم تأتى كلمة خلق.. إن من يتابع كيف تنطلق نار هذه الشجر الأخضر في أجسامنا، فسيرى أن الله أعد في خلايا الجسم القدرة على استعادة هذه الطاقة بثلاثة آلاف تفاعل في عكس تفاعلات الشجر الأخضـر... من علم هذه الورقة القيام بهذه التفاعلات.. ومن علم خلايا الإنسان والحيوان هذه التفاعلات... الرد هو أن ما علمناه وما نعلمه يزيدنا يقينـا أننا أكثر جهلا بكل شيء وأن هناك خالقـاً هو الذي جعل هذا... فعلومنا تقربناً من معرفة قدرة الله، و تقدم لنـا الدليل المؤكد لقدرته وعزته.. و أنه سخر لنـا كل هذا الكون بعلمه و قدرته... ثم يتطاول الخلق ويسألون.. من يعيد هذه العظام وهي رميم.. هل من أعد هذه التفاعلات وسير هذه العمليات كي نحيا ونستمتع بطاقتنا غير قادر على أن يعيد هذا الخلق.. وهذا المنطق الثاني كي يبطل الله حجج المنكرين الذين لا يفكرون و يتدبرون.
ثم نأتى إلى الدليل الثالث .. و فيه يذكر الحق بكل الدقة و القوة دليلا لا يمكن إنكـاره ... أو ليس الذي خلق السموات و الأرض بقـادر على أن يخلق مثلهم ... فإذا عقدنا مقارنة بين خلق السموات و الأرض و خلق الإنسان فهي محسومة حقا لخالق السموات و الأرض.. و لن نعيد تأملات قول الحق في سورة النازعات، ففيهـا مقارنة كافية لدحض حجج الكافرين... و لكن هناك وقفة أمام كلمة واحدة في هذه الآية، وهى كلمة " مثلهم "... فإذا كان الخالق جاء بخلق السموات والأرض وخلقهم من لا شيء.. ألا يكون قادراً على أن يأتي بخلق مثلهم... أي ألا يكون قادراً على استنساخهم بلغة العصـر... هل يمكن لخالق الإنسان من نطفة ثم الذي جعل له من الشجر الأخضر ناراً ألا يقدر على أن يفعل ما مكن البشر من فعله ليكون عليهم دليلاً.. ألا يستطيع خالق السموات والأرض على أن يستنسخ مثلهم من خلية يبقيهـا من عظامهم هذه بعد أن تصير رميم... يستنسخهـا كما مكن البشر أن يستنسخوا مثل النعجة التي أخذوا منهـا خلية من جلدهـا... ألا يقدر خالق الأصل أن يخلق الصورة... أي مثلهم.. سؤال لا مرد له إلا أن هؤلاء المنكرون متنطعون ومفضوحون... و لكن هذا الاستنساخ الذي مكنهم الله منه وإن كان في ظاهره العلم، إلا أن باطنه يكشف قدرة الخالق... فكل ما فعلوه عند الاستنساخ أنهم أخذوا خلية كاملة من جسم ذكر أو أنثى في أي حيوان ووضعوهـا في بويضة أنثى داخل رحم أنثى هذا الحيوان.. وهو موضع النطفة الأولى لأي جنين يتكون بالصورة الطبيعية من نصف خلية من الذكر ونصف خلية من الأنثى، فيتم الانتخاب الطبيعي للصفات التي تورث في الجنين الطبيعي، فرأوا أن بويضة الأنثى التي وضعوا فيهـا هذه الخلية، معدة لتلقين الخلية الموضوعة أو المستنسخ صاحبهـا طرق الانقسام داخل الرحم لتكوين الأنسجة و العضلات والأجهزة والصفات التي تحملهـا هذه الخلية، و أيقنوا أن خلق هذا المثل ممكنـا بما أودعه الله في بويضة أنثى كل حيوان من أسرار، كالأسرار التي وضعهـا فيهـا كي تخرج من النطفة الأولى أو الخلية الأولى من هذا المخلوق، و كالأسرار التي أودعهـا في الشجر الأخضر كي تنتج ناراً كما بين الله في الآيات السابقة... هكذا يأتي قول الحق ويأتي بالرد القاطع له... بلى ..(أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم.. بلى ... وهو الخلاق العليم... إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)... صدق الله العظيم... أيوجد منطق أعظم وأبدع وأعلم وأقوى وأمتع من هذا المنطق القرآني كي تقنع به من لا يؤمن بالبعث و قدرة الخالق على أنه سيعيد نشأتنـا من هذه العظام أعظم... إنه سرد لثلاث حقائق نراهـا بأعيننا و أبصارنا و منطقنـا الإنساني.. لهذا كان أول هذه الآيات (أو لم ير الإنسان... ثم كان في أوسطهـا.. أوليس الذي خلق السموات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم)... هل يمكن ألا يكون ردنا على هذه الآية الكريمة كما قال سبحانه وتعالى.. نعم. هو الخلاق العليم.. نعم .. بلى و ربنـا الحق.. لقد رأينـا و آمنا أن الله قادر على أن يخلق مثلنـا و ينصر أمتنـا بإذنه و هدايته وكتابه و آياته.. فبأي حديث بعده يؤمنون...
هناك لازمة أحب أن أضيفهـا... فالخالق أراد للمسلمين أن يكون تقويمهم للشهور والسنوات معتمدا على حركة القمر و ليس على حركة الشمس... ولو تدبرنـا في فلك القمر.. فسنجد أن القمر تابعـا للأرض و يلازمهـا... و لأن الخالق سخر هذا الكون للإنسان... فقد أراد له أن يقوم السنوات بشيء تابع للأرض التي سخرها الخالق لهذا الإنسان وسخر ما في الكون لخدمته... و نحن عندما نعد شهور الحمل في الجنس الآدمي أو الحيواني، نجد التقويم أدق بالشهور القمرية، و في اختيار الخالق هذا التقويم لنـا يجعل الأرض و أهلهـا متبوعين بما في هذا الكون ومشاركين و ليسوا متبعين.. و الله أعلم .
ابو ضاري
11-12-2009, 09:59 AM
تأملات فى سورة الطارق
د. ســلامه عبد الهادي أستاذ في علوم إدارة الطاقة وعميد سابق للمعهد العالي للطاقة بأسوان
نقف أمام آيات سورة الطارق، و هي إحدى قصار السور فى القرآن الكريم، كي نحـاول من خلال ما توصلت إليه علومنا الحديثة، أن نعيد الـتدبر فى هذه الآيات الكريمة، لكي نرى نورا آخر يضاف إلى أنوار القرآن الكريم المبهرة فى كتب التفسير السابقة. يقول الحق فى هذه السورة: (وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ {2} النَّجْمُ الثَّاقِبُ {3} إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ {4} فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ {5} خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ {6} يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ {7} إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ {8} يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ {9} فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ {10} وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ {11} وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ {12} إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ {13} وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ {14} إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا {15} وَأَكِيدُ كَيْدًا {16} فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا)[سورة الطارق].
يقسم الحق فى بداية هذه السورة بالسمـاء، هذا البناء الشامخ البديع بسحبه و رياحه، بشمسه و قمره و نجومه و أبراجه، باتساعه و نظامه، بصفائه و ألوانه وسحره، بسكونه و جلاله و جماله و أسراره، بقوانينه و طاعته و تسخيره وهدايته، بنهاره و ليله و شفقه و ضحاه، بشروقه وغروبه، بلا نهائيته و غموضه و فتونه و فنونه، بكل شيء فيه يشهد على أن له خالقاً قادراً حكيماً عليماً منظماً مبدعاً ومصوراً... هو الذي صوره فى عيوننا بهذا السحر وتلك الألوان المبهرة فى الليل والنهـار... وأن له مالكاً عزيزاً عظيما قدوسا نظمه لنا بهذا الإبداع و هذا الاستقرار الذي لا يتبدل حتى نشهد على وحدانيته وكماله وأن هناك حياً قيوماً يدبر أمره ويهدى حركاته ويحفظ سكناته ويملك مقاليده التي تقرهـا أبصارنـا وبصائرنا وعقولنا وعلومنا و قلوبنا وأجهزتنا وأقمارناً.
ثم يوجه الخالق سبحانه أنظـارناً إلى أمر آخر فى السمـاء يقسم الحق سبحانه وتعالى به، شيء ليس من السهل إدراكه، شيء سمـاه الخالق بكلمة " الطارق " حيث يقول فى بداية السورة " و السماء والطارق " وأعقب الله هذا القسم بقوله " ومـا أدراك ما الطـارق "، ثم عرفه الحق سبحانه و تعالى فى الآية التالية بالقول الواضح أنه هو " النجم الثاقب "، و تعالى نرى ماذا اكتشف العلم الحديث فى أمر السمـاء ثم نعيد النظر فى أقوال المفسرين السابقين لهذه الآيات.
فقد استمع الراصدون للموجات التي تنطلق بين السماء والأرض حاملة لنا ما تبثه محطات الإرسال المختلفة من رسائل وأخبار عن طريق ما نسميه بالأقمار الصناعية، كي نتابع أحداث ما يجرى فى كل بقعة من بقاع الأرض أولا بأول، استمعوا إلى طرقات قوية تصم الآذان، طرقات منظمة كما لو أنهـا أرسلت بإحدى الشفرات مثل شفرة مورس كي تبلغ أهل الأرض رسـالة محددة و لكن دون أكواد معروفة ليسهل ترجمتهـا كما يحدث فى التخاطب المكود أو المشفر بين أجهزة المخابرات أو الدول التي بينهـا أسرار، هذه الطرقات تأتى من أماكن بعيدة أبعاد ساحقه فى هذا الكون الممتد إلى ما لا نصل بأبصارنا أو بصائرنا إليه، فمن المؤكد أنهـا أرسلت من مصدر ذو قوة جبارة حتى يمكن أن تقطع هذه المسافات الشاسعة و تظل محتفظة بقوتها وعنفهـا، و لكن من أرسلهـا، هل هناك بشرا عقلاء فى أجرام بعيدة تبعد عنا ملايين السنين الضوئية ... أي أن هذه الموجات ظلت تنطلق بسرعتهـا ( و هي سرعة الضوء ) منذ ملايين السنين لتقطع أثناءهـا هذه المسافات الشاسعة التي بيننا وبين مصدر هذه الأمواج... وأرسلوا إلينا برسائلهم منذ هذا الزمن السحيق، و ينتظرون منا الرد الذي سيصلهم أيضا بعد عدة ملايين أخرى من السنين... أو ما هي الحقيقة فى هذا الشأن.
و حديثا، اكتشف العلماء أن القرآن رد على استفساراتهم بالقول الأكيد ... لقد اكتشفو أن هناك نجوماً يزيد حجمهـا عن حجم الشمس بآلاف المرات يأتي عليهـا وقت وتفقد قدرتهـا على الاستقرار أو التواجد... وهنا تموت أو تنتهي حياتهـا كما تنتهي حياة البشر عند أجل محدد... وعند هذه اللحظة ينهار النجم وتعلن وفاته وانتهاء حياته فيتحول هذا الحجم الهائل إلى لا شيء، نعم لا شيء على الإطلاق تقريبا، وأين تذهب هذه الكتلة الهائلة وهذا الحجم الرهيب، إن مادتها تتحول فى هذه اللحظات إلى مادة مكدسة لا يوجد داخل ذراتهـا أي فراغ، و المعلوم أن حجم أي ذرة فى هذا الكون الفسيح ينشأ من حركة الإلكترونات بداخلهـا حول النواة فى حلقات دائرية وبسرعات هائلة منتظمة كما لو كانت تسبيحا ثابتـا وطاعة مطلقة دائمة لخالقهـا و مقدرهـا... وبدون هذا التسبيح الذي فرضه الله داخل الذرة يتلاشى حجم الذرة وتصير بلا حجم تقريبا، وهذا الفراغ المملوء بحركة الالكترونات وتسبيحها هو الذي يعطى المادة المحدودة كيانهـا وحجمها، و يبدأ انهيار النجم باضطراب حركة الكتروناته ثم انعدام الفراغ داخل ذراته، وفى هذه اللحظة يهوى النجم ويصير بلا حجم تقريبا، وقد عبرت الآية الكريمة فى أول سورة النجم عن هذه اللحظة بقول الحق "و النجم إذا هوى "... أي يتحول النجم الهائل إلى قزم بلا حجم، أو يتحول إلى مادة لهـا كثافة لا نهائية، ووجدوا أن للمادة المكدسة بهذه الحالة قوة جذب هائلة، بحيث ينجذب إليهـا أي كوكب أو جسم يقترب منها وتبتلعه وتجمد الحركة داخل ذراته، فيتحول فى لمح البصر إلى لا شيء، من ينظر إلى ما يحدثه هذا النجم فى السماء يعتقد أن السماء بها ثقب فى هذا الموضع تخرج منه هذه الأجسام التي يمتصهـا هذا النجم إلى لا عودة، و لهذا أطلق علماء الغرب على هذا النجم المنهـار اسم الثقب الأسود”Black Hole"، و عند انهيار هذا النجم تتجمع شحناته السالبة إلى جانب والشحنات الموجبة على الجانب الآخر، و يدفعه هذا التجميع للشحنات إلى الدوران حول مركز النجم بسرعات هائلة، و تنشـأ عن حركة دوران النجم فى حالته هذه إصدار موجات كهرومغناطيسية متقطعة تعتمد على سرعة دوران النجم... بحيث تبدو عندما يلتقطهـا أي جهـاز استقبال على شكل طرقات هائلة منتظمة، يهيأ لمن يلتقطهـا أن هناك كائنـات عاقلة تحاول أن تخاطبـنـا بهذه الطرقات التي حار العلمـاء فى تفسيرهـا.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/black_hole.jpgشكل يبين النجم الثاقب أو الثقب الأسود
هكذا أدرك العلمـاء منذ وقت قريب جدا، مـا هو هذا الطـارق الذي يرسل طرقاته و نبضاته فى السمـاء، إنه كما أطلق عليه علمـاء الغرب " النجم الثاقب "، و هكذا يطلق عليه القرآن نفس الاسم المعبر عما يصير إليه حال النجم إذا هوى و أصبح كهلا أو نجما ثاقبا فى السماء يصدر أنينه وطرقاته، هكذا عبر عنه القرآن منذ أربعة عشر قرنـاً بهذه الآيات الكريمة " و ما أدراك ما الطارق.. استـفهـام.ب " هكذا الإعجاز فى القرآن... استـفهـام . ليحاول الإنسان أن يجهد عقله ويعمل فكره الذي ميزه الله به ليتفكر فى شئون هذا الكون بالبحث والعلم والتنقيب كما تنص عليه أحدث المدارس التربوية فى التعليم... ثم يأتي القول الفصل من خالق كل شيء والعليم بكل شيء ومسير كل شيء ومدبر كل شيء... لقد حزا علماء التربية حذو القرآن فى التلقين وتوصيل المعلومة... اسـتفسار كي يستوعب المتعلمون قيمة المعلومة... ثم الإجابة الصحيحة المراد تلقينهـا... فهو يخاطب الأولون عن أشياء لم تبد لهم بعد... حتى يستيقن الآخرون من المعلومة بعد أن ينظروا فى ملكوت السماء والأرض... لقد سمى العلمـاء هذا النجم بعد جهد جهيد واكتشافات مضنية بالثقب الأسود، و بلا شك أن الاسم الذي أطلقه القرآن على هذا النجم الذي يرسل هذه الطرقات المنتظمة هو أبلغ من الاسم الذي أطلقه العلمــاء، فهو نجم ولكنه صار بلا امتداد أو حجم، فقد هوى داخل نفسه وبدا كما لو أنه ثقب السماء فى موضعه فصار هذا الموقع كما لو كان مخرجا لكل جسم من السماء.. أي أنه ما زال نجماً و لكنه بانهياره أصبح ثاقباً فى السماء يتحول من خلاله كل جسم فى السماء من طبيعته الممتدة إلى لا شيء ويصير بلا وجود له كأنه خرج من مكان مثقوب فى السماء... ولا أستبعد أن يكون الغرب هو الذي قلد القرآن فى وضع هذا الاسم للنجوم المنهـارة، فالغرب درس القرآن فى جامعات إسلامية فى أول نهضته، و منهـا استمد مقومات هذه النهضة من علوم و مبادئ.
و بداية السورة بهذا القسم للتدليل على أن ما يحفظ للسماء امتدادهـا ولأجسامنا بقـائهـا هو التسبيح الدائم لكل شيء ولكل ذرة ما بين السماء والأرض بالطريقة التي حددهـا لهـا الله سبحانه وتعـالى... فإذا توقف تسبيحهـا بأمر الله، صارت إلى لا شيء، و تحولت إلى النقيض، ولهذا كانت الآية التالية بعد هذه الآيات " إن كل نفس لمـا عليهـا حافظ "، فمـا يحفظ لنا هذا الامتداد والوجود والحياة هو أمر الله وتدبيره الذي يقوم به كل شيء وأي شيء، أي تسبيح كل شيء بداخلنا له سبحانه وتعالى، سواء الذرات التي بداخلنا و عددهـا فى أي جسم يزيد عن واحد أمامه 120 صفرا، ثم تسبيح الأجهزة الدورية والتنفسية والهضمية والعصبية و الأنسجة والأعضاء والخلايا، أنه هو الحافظ لنا فى وجودنا و بقائنا و امتدادنا و فى كل شيء.
هكذا أدركنا أن النجم الثاقب كان نجماً هائلاً ثم تحول إلى لا شيء و كان فى بداية الخلق أيضاً لا شيء وأمر الله بحكمته أن يكون له هذا الامتداد ثم الفناء فى اللحطة التي يقررها الخالق... وهكذا الإنسان فقد خلقه الله من نصف خلية من الرجل و نصف خلية من المرأة لا يتعدى حجمها 3 أجزاء من واحد من مليون من الملليمتر ... جاءت في ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب..ثم كان له هذا الوجود... ثم يصير تراباً ولا شيء... ثم بعيده الله مرة أخرى يوم القيامة... هكذا جاءت الآيات التالية بهذه المعاني مجتمعة.... " فلينظر الإنسان مما خلق... خلق من ماء دافق... يخرج من بين الصلب والترائب ... إنه على رجعه لقـادر... يوم تبلى السرائر"... هكذا يقابل القرآن بين القسم بقدرة الله التي أعادت هذا النجم من هذا الحجم الهائل إلى نجم نسمع منه طرقات و لا يكاد يراه أحد إلى قدرته على أن يعيد هذا الإنسان مرة أخرى إلى ما كان عليه بعد أن يصير عدمـا... هذا الإنسان الذي جعل خلقه من واحدة من خلايا متدفقة مع السائل المنوي... وهو سائل يصنع داخل النخاع الشوكى بين العظام الصلبة فى العمود الفقري أو عظام القفص الصدري و بين رقائق أو ما أطلق عليها الخالق الترائب، و مازال العلم الحديث يحبو فى اكتشاف هذا النص الكريم، و كل ما ذكر أن العصب الذي ينقل الإحساس إلى الخصية و يساعدهـا على إنتاج وتدفق الحيونات المنوية وما يصاحب ذلك من سائل متفرغ من العصب الصدري الذي يغادر النخاع الشوكي بالعمود الفقري وبين الضلعين العاشر والحادي عشر.. وما يهمنا أن الآية تنص على أن الذي خلقهم من هذه الخلية المتناهية فى الصغر التي صنعهـا الله بحكمته داخل أجسامهم، فى أماكن لا يعلمونهـا، قادر أيضا بعد فنائهم وتحولهم إلى العدم على إرجاعهم بشرا كما كانوا... و هذا سيحدث كما تذكر الآيات يوم القيامه... ولكن الله أطلق اسمـا جديداً على يوم القيامة لا يقدر على إن يأتي به سوى الخالق العالم بالأسرار، فأسماه " يوم تبلى السرائر"... ففي هذا اليوم لن تختبر العقول التي يمكن أن تكون لهـا قوة السيطرة على الحواس والنطق والتعبير... و لكن الابتلاء سوف يكون ابتلاء قلوب و ضمائر ونوايا و أسرار أخفيناه عن الخلق، فهل تكون لنا القدرة على إخفائهـا عن الخالق... فالأسئلة
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/sperm.jpgصورة للحيوان المنوي البشري(sperm) وهو يخترق البويضة الأنثوية
سوف توجه من خالق الحواس و ما سجلته من أسرار إليهـا مباشرة بلا وجود أي تحكم أو حكم سوى حكم الله الخالق العليم القدير القوى العزيز... وسوف يحكم الله فى هذا اليوم الحكم الفصل فى نوايانا وضمائرنا لكل ما قدمناه من أعمال... سوف يبتلى ما أخفيناه وأضمرناه فى قلوبنا من سوء أو خير لنجزى به على ما قدمناه من أعمال... فلا نستطيع أن نتدخل مهمـا كانت قوتنـا التي تمتعـنا بها فى الدنيا... سواء كانت قوة عقل أو جسد... ولن تنفعنـا معارفنـا أو أبنائنا أو أحزابنـا، لن يستطيع حاكم أو كبير أن يتدخل لنـا أو ينصرنا... فلا ناصر لنـا سوى لله و النية الصادقة لأعمالنـا... ولهذا جاء قول الحق " فمـا له من قوة و لا نـاصر"... فالاستعداد لهذا اليوم يكون بتنقية النوايا و بإيقاظ الضمائر و تطهير القلوب... لا بتقوية الأبدان و إقامة القلاع و معرفة الحكام و الواصلين... إنهـا السرائر التي سوف تبتلى و ليست المهارات و النفاق و الرياء و المعارف و الوسطاء و المحامون و المتشدقون.
ثم يأتي قسم الله مرة أخرى بالسماء وسر آخر فيهـا... إنهـا ذات الرجع... هذا ما تبينه العلمـاء فى القرن الماضي وبعد قرون عديدة... أن الله يسلط الشمس بحرارتهـا و الرياح بحركتهـا فتثير سحـابا.. أي تخرج من البحر المالح جزيئات الماء العذب فيتكون منها السحاب ويظل صاعدا فى السماء حتى منطقة الرجع... وهي منطقة يرجع منهـا السحاب الصاعد من الأرض و بحـارهـا المالحة على هيئة بخار الماء ليعود بتسخير الله إلى الأرض وأنهـارهـا العذبة على هيئة قطرات الماء التي تحيا بها الأرض بعد موتهـا... إنهـا قوانين الله وتدبيره بحكمته وعلمه الذي يحفظ للأرض مائهـا و للحياة عليهـا استمرارها... و لهذا يقسم الله بمـا خلقه بعزته و قدرته و عظمته بهذا القول " و السماء ذات الرجع"، و يرى آخرون أن سمائنا الدنيا ترجع وتصد عنا تلك الشهب والإشعاعات وما لا نعلمه من أضرار يمكن أن تصيب أرضنـا، هذه الكرة الصغيرة جدا فى هذا الكون اللانهائي.
ثم يعظم الله شأن هذه الأرض التي احتوت حياة البشر الذين كرمهم الله عليهـا، حيث يقسم الله بها فى الآية التالية، و بخاصية خصهـا خالقها بهـا لتتوافق مع السماء ذات الرجع بقوله " و الأرض ذات الصدع "... فمـا أعظم أسرار الأرض التي أقر بهـا العلمـاء... لقد وجد العلمـاء أنه من بين بلايين الكواكب فى هذا الكون الممتد لا يستطيع أي كوكب آخر أن يحتضن الحياة عليه سوى الأرض التي خصهـا الله بصفات ومميزات لم يتيحهـا لغيرهـا من بلايين الكواكب حولها... حجمهـا و حجم شمسهـا وبعدهـا عنهـا ثم حجم مجرتهـا... سرعتهـا حول الشمس و حول نفسهـا وسرعة شمسهـا ومعدلات احترقهـا... تكوينهـا و تضاريسها وكرويتها... ميلهـا واستقرارهـا واستقرار طبيعتهـا... سمائهـا وجوهـا وغلافهـا... حجم قمرها والكواكب التي من حولها و أبعاد النجوم الأخرى عنهـا... كتلتها وكتلة شمسها وكتلة قمرهـا وكتل الكواكب من حولها... وأسرار أخرى لا نستطيع حصرهـا وأسرار لم يطلعنا الله عليهـا... كلهـا تدل على أن وراء قدرة الأرض على احتضان هذه الحياة خالق مدبر وقدير و قادر وعليم وحكيم ومالك وحى وقيوم ومهيمن وعزيز وحق... و لهذا يقسم الله بهـا إشارة إلى دلالاتهـا ثم يقسم بخاصية لهـا لم يكتشفهـا العلمـاء إلا حديثـا... و هي أنهـا ذات صدع... وكلمة الصدع يمكن أن تعد إشارة إلى وجود هذا الصدع الهائل فى القشرة الأرضية... وهذا الصدع يتيح للأرض أن تختزن من خلال هذا الصدع أكثر من 97 % من مياه الأمطار الساقطة عليهـا كمياه جوفية يتاح استخدامهـا بالعديد من الوسائل و السيل... إنهـا مقابلة بين السماء ذات الرجع و الأرض ذات الصدع و كلاهمـا يتعلق بالمـاء العذب الذي تحيا به الأرض و منهـا جعل الله كل شيء حي... إنهـا مقابلة لا تتأتى إلا من خالق كل شيء و العليم بأسرار كل شيء فكانت بهذا اليسر و هذه الطلاقة... وهذه المعلومات والعلم والفكر والمنطق والإعجاز.
وعلى ماذا كان القسم الثاني... لنقرأ الآيات " إنه لقول فصل... و ما هو بالهزل... إنهم يكيدون كيدا.. و أكيد كيدا... فمهل الكافرين... أمهلهم رويدا "... إنه قسم بهذه الدلالات التي لا تقبل الشك على أن ما جاء به القرآن هو القول الفصل... أي قول فاصل بين الحق والباطل... قول يفصل بين المؤمنين و الكافرين... بين أهل النار و أهل الجنة... بين أهل العلم و أهل الجهل... قول ليس به شائبة هزل... جاء لينذر بيوم الدين... يوم تبلي الضمائر... وثم جاء هذا التهديد... أن المكذبين بالقرآن وبيوم الدين الذين ينصب كيدهم على إنكار أن هذا هو الحق وأن الله حق وأن يوم القيامة حق... و يكيدون لرسوله و للمؤمنين... سيقابل الله كيدهم ومكرهم بكيد متين لا دافع له من الله... فالجزاء من جنس العمل... أي كيد ضعيف لبشر جهلاء بكيد قوى متين من رب العالمين... ولهذا فـلك يا محمد أن تطمئن لعقاب الله الذي ينتظر المكيدون و تمهل الكافرين إمهالا قريبا حتى يأتي الله بأمر حاسم يقطع دابرهم ... وقد نصر الله الإسلام حقا بعد عدة سنوات من نزول هذه الآيات المكية عندما دخل الإسلام مكة منتصرا رافعا رايات الحق لتتحقق نصرة الحق و هزيمة الباطل... و يتحقق قوة كيد الله و ضعف كيد الكافرين و تنحني رقابهم أمام جند الله الأقوياء بإيمانهم و إخلاصهم.
هكذا كانت هذه السورة من قصار سور القرآن الكريم التي لا تتعدى آياتهـا 17 آية قصيرة شاملة معاني وإشارات علمية ومقابلات لغوية وموسيقى نثرية ونصح و تهديد و هداية و تبصير و حكمة و علم و نور و تسبيح لا يمكن لأي بشر أن يأتي بمثله و لو اجتمع له كل البشر، وما قدم فى هذا العرض لا يعدو عن ذرة فيما تنص عليه حقا هذه الآيات التي لا يعلم تأويلهـا الحق إلا الله، ذرة يقدمهـا متخصص فى فرع يسير من العلوم التي أتاحهـا الله لنـا، ولكل متخصص فى الفروع من العلم الأخرى قولا يمكن أن يفوق حقا كل ما قيل... فبأي حديث بعده يؤمنون.
ابو ضاري
12-12-2009, 09:17 AM
تأملات في سورة الأنبياء
د. ســلامه عبد الهادي
قال الله تعالى:(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)[سورة الأنبياء:30]. القرآن الكريم نور يهدى إلى الله و إلى طريقه... و لكل آية من آيـات القرآن إشعـاع خـاص بها ... منه مـا يهدي إلى صـراط الله المستقيم و سعـادة الدارين و الاطمئنـان بهمـا..
و منـه مـا يلقي على آيــات الله فى الكون فـيـتـعمق فى أسـرارهـا بحكمة خـالقهـا، يعي منهـا المتدبر بحسـب علمه و تخـصـصـه، ليهتدي بهـا إلى عظمـة الخـالق الذي وسع كل شيء رحمـة و علمـا... وعندمـا يعجز العلم عن الوصول إلى تفسير كيف بدأ الخلق و من هو القائم عليه حتى يستمر ويسير بهذا النظام الثابت والواحد فى كل شيء و كيف ينتهي... نجد فى آيـات القرآن الرد التـام و الكـامل و التي هي بمثابة إعلان من الله أنه هو الخالق و الحي القيوم والقائم على كل هذا... ودليل و برهان على حقائق مطلقة يدركها العربي و الأعجمي تنتهي إلى الإيمان بعظمة الله و قدرته... يأتي هذا البرهان بالقول الذي يعجز عن أن يأتي بمثله من فى الأرض جميعـا و لو اجتمعوا له... وما نتطرق إليه فى هذا المقال وجه واحد من أوجه الإعجاز فى هذه الآيات... و هو الإعجاز الذي يراه مهندس تطبيقي... ولكن هناك الإعجاز الأدبي والبلاغي و الجمالي والتضافرى والتركيبي والعلمي وأوجه أخرى يراهـا كل إنسان بحسب معارفه وتخصصه فى كل آية و كلمة و حرف من هذه الآيات... دليلا على صدق هذه الرسالة... خاتمة رسالات الله إلى خلقه و التي تتناسب مع هذا العصر و علومه.
و لنـنظر إلى آيات نـقرأهـا فى القرآن الكريم أو نراهـا فى هذا الكون البديع و نختص فى هذا المقال بآيات جاءت متعاقبة فى سورة الأنبياء حيث يقول الحق :
(أو لم ير الذين كفـروا أن السماوات والأرض كـانتـا رتقـا فـفـتقـنـاهمـا و جـعلنـا من المـاء كل شيء حي أفلا يـؤمنـون، وجعلنـا فى الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنـا فيهـا فـجـاجـا سبـلا لعلهم يهتدون، وجعلنـا السمـاء سـقفـا محفـوظـا وهم عن آيــاتهـا معرضون وهو الذي جعل الليل و النهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون) الأنبيـاء (30 ـ 33 ).
ثم ننظر لمتابعة نفس الموضوع إلى آيـة جـاءت فى نهـاية نـفس السورة لتعـبر عمـا يحدث للسماء فى يـوم القـيـامة حيث يقول الحق(يوم نطوى السماء كطي السجل للكتب، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا عليـنا، إنـا كنـا فـاعلين)[سورة الأنبياء:104].
تخـاطب هذه الآيـات الكـافـرون بوحدانية الله وقدرته فى كل زمـان، فتعرض عليهم بأقوى الأسـانيد العلمية و الأدلة المـرئية مـا يـؤيد دعوته إلى كل الأنبياء و إلى خـاتم المرسلين أنه لا إله إلا الله... أو لمالآيــات بقول الحق... أو لم يـر ... دليلا على أن من له الرؤية السليمـة سـوف يصل إلى هذه الحقـائق.
و قد أقـر جمهور علمـاء الطبيعـة أن خلق هذا الكـون جـاء من مـادة واحدة ملأت الكون فى بدايته... وأن هذه المـادة المنتـشرة التي ملأت الكون فى بـداية خلقـه جـاءت جميعهـا من أصل واحــد ومن نبت واحد بحيث تـشابهـت في كل أركـان هذا الكون.. فقد رأوا نفس الذرات والعنـاصـر والمركبات فى كل أركان الأرض بل وعلى سطح القمـر وفى المريخ والشمـس والكواكب الأخرى..و فى النجوم و المجـرات جميعهـا.. فالمعـادن التي على الأرض هي نفس المعـادن التي وجدتهـا مركبات الفضـاء فوق سطح القمـر والمـريخ... والغـازات التي تكون الشمس وتحيط بهـا هي نفـس الغـازات التي نجدهـا فى معـاملنـا على الأرض.. وجميع الكواكب تخضع فى حركتهـا إلى نفس القوانين التي تخضع لهـا الأرض.. وجميع النجوم تخضع فى تفـاعلاتهـا إلى نفس القوانين التي تخضع لهـا الشمس ولهـا نفس مكونـاتهـا.. لهذا وضع العلمـاء نـظريـاتهم عن بداية هذا الكون أن المـادة التي جـاء منهـا خلق الكون كـانت جميعهـا مجتمعـة فى حـالة إنضغـاط لإنهائي قبل ولادة الكون...ثم وقع على قدر تخيلهم حدث بدأ و انتهى فى لحظة واحدة و نشأ عنه انـتـشار هذه المادة فى الكون كله و أسموا هذا الحدث " الانفجـار الكبير "... ثم تحولت مـادة الكون بعـد هذا الانفجـار إلى إشـعـاع مـلأ الكون كله... ثم تحول الإشعاع بفعل بـرودة الكون إلى ذرات تمـاثلت جميعهـا فى تكوينهـا و أشكـالهـا... ثم تجمعت الذرات فى نظـام واحد إلى نـجـوم ثم كواكب تـابعة للنجوم... وتجمعت النجوم فى مجـرات و حـارات.. أي تشـابهت النجوم و الكواكب والمجـرات منذ بداية الكون و اتزنت وانتظمت بجميع مكونـاتهـا على حد قولهم بفعل انفجـار كبير لم يستغرق سـوى لحظـة واحدة.
لقد أصـابت النظـرية فى أن مــادة الكون كما رآها هؤلاء نشأت جميعهـا من أصـل واحد ومن مـصـدر واحــد لأن نـسيج الكون كـله متـشـابه فى كـل شيء... ولكن إنكـار يـد الخـالق الذي دبــر أن يأتي هذا الكون من منشـأ واحد ثم إرجـاع هذه النـشـأة إلى انفجـار كبـير جاء فى لحظة وحدة يمثل تعـامي عن الحـقـائق... فمـا ينـشـأ عن انفجـار كبير هو الدمـار و ليس عمـارة الكون بهذا النظـام الكامل والوحدة الرائـعــة... هو الفوضى وليس اتـزان النجوم فى مجراتهـا والكواكب فى أفـلاكهـا منذ اللحظة الأولى... هو الاختلاف و ليس تـشـابه الكون فى كل أركـانه و أنحـائه
كيف يكون هذا الكمـال والاتزان والتمـاثل نتيجة لانفجار عشوائي... ثم مـا الذي أحدث انفجـار هذه المـادة وفى هذا الوقت القصير بحيث تملأ مـادته الكون كله على اتـســاعه بهذه الدقة المتنـاهية و التماثل التام فينـشـأ عنه كـون متسع يـتسم بالكمـال والجمـال و الوحدة و الاتـزان منذ لحظـته الأولى... إن العلم المجرد من الإيمان يقف عـاجزا عن الرد عن هذه الاستفسارات... و لا يستطيع أحدا أن يملك الرد على كل هذه الاستفـسـارات سوى خـالق هذا الكون الذي أنـشأه و شــهد نـشــأتـه... خـالق لم يرضى أن يترك النـاس فى حـيرة و شـك عندمـا يدركون مـا فى هذا الكون من تمـاثل أو تشابه جاء منذ بدايته دون أن يجدوا لهذا تفسـيراً.... فـأرسل كتـاباً يهدى به إلى الحق و الحقيقة وإلى صـراط الله المـستقيم... فجـاءت هذه الآية بالرد الحق على كل مـا رآه العلمـاء وحاولوا أن يـجدوا له سبـبـاً...( أو لم يـر الذين كفـروا أن السماوات و الأرض كـانتـا رتقـاً ففـتقـنـاهمـا )... أي أن وراء هذا الكمـال والوحدة والاتـزان حالقا قديراً.. جعل ولادة هذا الكون من نسيج واحد أو رتق واحد، ثم فصل أو فتق هذا الرتق الذي كان يجمع السماوات والأرض فى حيز محدود من نسيج واحد إلى خيوط تـشابهت جميعهـا فى أشكـالهـا و خـامـاتها... فجـاء هذا الفتق بحكمته و علمه إلى هذه الأفلاك والأجسام والنجوم والكواكب والمجرات والحارات التي تشابهت جميعا فى تكوينها وقوانينهـا وطاعتهـا و خاماتها و نسيجها وذراتها و عناصرها وتسبيحها... لهذا جـاء التوحيد والتمـاثل والاتزان والإبداع فى كل أرجـاء الكون.. ... هكذا جـاءت كلمتـا( الرتق و الفتق ) بكل المعاني التي عبرت عن كل مـا وجده و حـار فى تفسيره العلمـاء و ليرد على من ينكروا أن وراء نظم هذا الكون وانتظامه بالمنطق والتفسير و العلم والحكمة خـالق قدير وعظيم... و هل يـتأتى إحكام هاتان الكلمتـان لأحد سوى خـالق السماوات و الأرض... خـالق الرتق و محدث الفتق....إنهـا حكمة لا تتأتى لأحــد غيره.. وهذا هو الرد المعجز على كل من ينكر فضله وآياته فى عمـارة هذا الكون و فى كتابه.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/8/finalbigbang4a.jpg
لقد كان الكون عبارة عن كتلة واحدة مجتمعة وحدث انفجار هائل لا يمكن تصوره كان على أثره خلق الكواكب والحيوانات والإنسان وهذا نفس الكلام الذي حدثنا عنه الله في قرآنه قبل أكثر من 1400 سنة
ثم تأتى الآية التـالية بدليل آخــر أمـام الكـافرين بوحدانية خـالق هذا الكون و الحياة، فكمـا خلق الله الكون من نسيج واحد جـاء فتقه و نشره بقدرته فصـار لهذا الكون اتسـاعه و إبداعه، جعل من الماء كل شيء حي فيقول الحق وجعلنـا من المـاء كل شيء حي.. من ينظر إلى هذه النجوم العملاقة يجد أنهـا جـاءت من أحد عنصري المــاء و هو الهيدروجين ثم نجد نتيجة مـا يحدث فى هذه النجوم من تفاعلات أثنـاء حياة النجم أو عند انقباضه يتحول النجم إلى مجموعة من العناصر الأخرى التي لهـا ذرات عمـلاقة...
هناك من يدعى أن بعض هذه الذرات العملاقة قد كونت بالصدفة الأحمـاض النووية والأمينية العملاقة ثم اشتركت هذه الأحمـاض بالصدفة أيضـا فى تكوين أول خلية جـاءت إلى الأرض، ثم دبت بهذه الصدفة الحياة فى تلك الخلية دون أن يعرفوا مــادة الحياة أو يقولوا مـا هي عناصر الحياة التي دبت فى الخلية بحيث ينشأ منهـا كل هذا الخلق، إن العقل البشرى يوقن أن مـا يحويه عنصري المـاء ( ذرتي الهيدروجين و الأكسيجين ) من إلكترونات و بروتونات و نيوترونات وجسيمات نووية و ذرية أخرى لا نعلم منهـا إلا القليل يمكن أن يتراص ويأتلف ليكون كل العنـاصر التي تراصت وترتبت لتكوين تلك الأحمـاض الامينية و النووية... و لكن هذا الترتيب والتنسيق لهذه المكونات والذرات لا يمكن أن يتأتى إلا بـإعجـاز خالق مبدع... فالأحمـاض النووية وهي تشكل وحدة بنـاء نواة الخلية التي تتمركز بداخل الخلية وتراقب عملهـا، لها عدد من الذرات الداخلة فى تركيبهـا يصل إلى ملايين الذرات بترتيـبـات محددة، ونواة الخلية التي لها هذا التركيب هي المسئولة عن متابعة قيام الخلية بوظـائفهـا وانقسامها وتعاملهـا مع المحيط الخارجي وتعاونهـا مع باقي الخلايـا المحيطة بهـا فى الجسم البشرى أو جسم أي كائن حي... وجميع الخلايا الحية على الأرض سواء كانت نباتية أو حيوانية تتمـاثل جميعهـا فى هذا الترتيب، و لو اختل هذا الترتيب بأي درجة مهمـا كانت ضآلتهـا لانهـار بناء الخلية و لمـا كانت لهـا القدرة على القيام بوظـائفهـا المتعددة... إذا كيف تقوم الصدفة بهذا الترتيب المعجز لهذه الذرات و بهذا النظام المبهر لجزيئاتها العملاقة لكي تؤدى كل هذه الوظائف... إن هذا التفسير الذي افترضه العلماء لإنكار يد الخـالق لوحد االذى دبر هذا التركيبي الثابت شيء بعيد عن كل عقل و كل منطق... و كذلك الأحماض الامينيه التي تشكل جسم الخلية وهي المسئولة عن تنفيذ مـا تحدده لهـا النواة من مهــام و القيام به على أتم وجه.... وللأحمـاض الامينية أيضا جزيئـات عملاقة تتكون من ملايين الذرات التي لهـا ترتيب خـاص و مبهـر و لو اختلفت فى ترتيب أي منهـا مـا كان لها أن تؤدى مـا لهـا من مهـام...وكل الخلايا الحية قد جـاءت بهذا التركيب ومن هذه الأحمـاض وكلهـا جميعـاً جـاءت من نفس مكونات المـاء كمـا أثبتت علومنـا... و لكن حكمة الخـالق جعلت كل خلية تختلف عمـا تؤديه أي خلية أخرى بحسب موقعهـا فى نبات أو حيوان أو حشرة أو طير أو فى أمعـاء أو فى سـاق وبحسب ما تختزنه نواتهـا من أسرار... ويطلق العلماء على مادة الخلية الحية اسم البروتوبلازم... و عنصري المـاء والماء نفسه هو المكون الرئيسي لهذه المادة كما جاء فى هذه الآية بهذا النص المعجز... فـإذا جف المـاء فى الخلية توقفت حياة هذه الخلية.
و إذا نظرنـا إلي الحب الذي يلقى فى الأرض بدون المـاء فلن تكتب له الحـياة أو الحركة، فـإذا ارتوت الأرض فإن هذه الحبوب تعود و تدب فيهـا الحياة والنمـاء والحركة والاخضرار بما تحصل عليه من المـاء، فنـجدهـا بهذا المـاء قادرة على أن تذيب ما فى الأرض من عنـاصر وأملاح فتمتص من الأرض مـا تمتصه لتكون به أحمـاضـا نووية و أمينية ينشأ بهـا خـلايـا أخرى، و تستمر الخلايـا فى التكاثر ويستمر النبات فى النمو و النمـاء... مـا هو سـر هذا المـاء الذي لا تستقيم الحياة يدونه، فمن هذا المـاء جاء خلق كل خلية... وبدون هذا الماء لن تكون للنبات حياة، وبدون النبات لن تكون للإنسان أو الحيوان أو أي شيء آخـر حـياة، و كل المخلوقات تسير على هذه السنة الثابتة.
هكذا تبلغنـا هذه الآية الكريمة أن كل النجوم و الكواكب و المجرات و مـا يملأ الكون من جـاء من نسيج واحد تفتق بأيدي خـالق واحد فكـان هذا التماثل والوحدة، و جـاء خلق كل الأحـياء على الأرض من مـاء واحد وبيد خـالق واحد فكان هذا التماثل و الوحدة، ألا يدل هذا على وحدانية خـالق هذا الرتق وهذا الماء الذي جعلهمـا من أسراره... إن العلم قد وصل إلى وحدة نسيج هذا الكون... ثم عجز عن تفسير سـر هذه الوحدة فلجئوا إلى نظرية الانفجـار الكبير... و لو نظر هؤلاء العلمـاء إلى هذا الإعلان الذي جـاء منذ أربعة عشر قرنـا فى خـاتم رسـالات رب السماوات و الأرض لسلموا من هذا الـخـلط... ثم أن العلم وصل إلى أن المـاء هو مـادة الحياة. و لكن العلمـاء عجزوا عن معرفة كيف يمكن لهذا الجزيء الذي تتكون منه الماء هو من ذريتين صغيرتين أن يتحول إلى هذه الجزيئـات العملاقة التي تتكون منهـا الأحماض الامينية و النووية و البروتوبلازم و مكونات الخلية الحية، ثم كيف تتحول هذه الجمادات إلى شيء حي يتحرك و يتنفس و يتكاثر و يتكامل مع الخلايا الأخرى... لو كانت الصدفة هي المسئولة عن هذه الترتيبات و هذا أبعد شيء عن العقل، فمـا هي مادة الحياة... الرد هو التسليم بقول الحق أنه هو الذي جعل من المـاء مـا وهبه الحياة فأصبح حي...و قد جـاء إعلانه لخلقه عمـا حـاروا فى تفسيره بهذا النص المعجـز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه... ... إنهـا قدرة الخـالق على كل شيء و إعجـازه فى كل شيء.. فمـا للكـافرين لا يؤمنون... و لهذه جـاء قول الحق بعد هذه الإثبـاتات... أفلا يــؤمـنـون.. نحن نؤمن و نسلم بخالقنا.. فـأمامنـا هذا الإعجـاز الذي فتح الله إليه قلوبنـا و أزال من عليهـا هذا الوقر الذي يصيب قلوب و آذان و أبصـار الكافرين... و ندعو الله لهم بالهداية إلى هذا النور الذي أرسله سبحـانه ليكون لنـا نورا يهدى إلى الحق و إلى صراط الله المستقيم.
لقد اختص الخـالق هذه الأرض بـرحمته حتى تحتضن الحياة والأحياء عليهـا، والآيـات التـالية تذكرنـا بهذه الرحمـة الإلهية، و لكي نتعرف على مظــاهر هذه لرحمة لا بد لنـا من إطلالة قصيرة على الكواكب الأخرى فى مجمـوعتنـا الشمسية كي نرى لم عجزت هذه الكواكب عن احتضـان أي نوع من أنواع الحياة عليهـا.
نبدأ بعطــارد، وهو أصغـر كوكب يدور حول الشمس و أقربهـا إليهـا، و كتلته أصغـر من كتلة الأرض و لهذا تقل قدرته على جذب الأشـيـاء إلى أقل من ربع الجـاذبية الأرضية ممـا يفقده القدرة على الاحتفـاظ بغلاف جوى مثل الغلاف الجوى للأرض، يحميه من القصف المباشر للنيازك، و لهذا نجد سطح هذا الكوكب مغطى بالبثور و الفوهات نتيجة الـصدام المباشر مع النيازك، كمـا تلعب مكونـات هذا الكوكب دورا أســاسيا فى سـرعة دورانه حول نفسه حيث أصـابته بالبطء الشديد فيصل اليوم فى عطـارد إلي 60 يومـا من أيـام الأرض، و لهذا ترتفع درجة حرارة سطحه المضيء إلى 400 درجة مئوية... و نتيجة هذا الارتفاع فى درجات الحرارة لا يوجد أثـر للمـاء على هذا الكوكب و كذلك أي أثر لحياة بجيولوجية من أي نوع، و من المشاهد أن هذا الكوكب غير متزن حيث أن سطحه غير مستقر و يهبط بصورة مستمرة مـمـا جعل التجـاعيد تغطى وجهه، و بالتالي فإنـه غير ممهـد لقيـام الحياة عليه بأي صورة.
ثم إذا انتقلنـا إلى كوكب الزهـرة، وهو كوكب من كواكب المجموعة الشمسية و يـساوى الأرض فى الكتلة و الحجم.. ولهذا نجد أن له جـاذبية تعادل جـاذبية الأرض مـمـا مكنته من الاحتفاظ بغـلاف جـوى... و لكننـا نجد أن سماء هذا الكوكب الذي احتفظ بهـا قد امتلأت بغـاز ثاني أكسيد الكربون مع سحب من حـامض الكبريتيك... و غـاز ثاني أكسيد لكربون غـاز ثـقيل و له قدرة عـالية على امتصـاص أشعة الشمس ممـا جعل جو هذا الكوكب جحيمـا لا يطـاق كمـا أن سحبه تسقط أمطـارا حمضية حولت سطح هذا الكوكب إلى كيان هش لا يحتمل السير عليه... ويصل طول اليوم الواحد فى الزهرة إلى 243 من أيـام الأرض نتيجة لاختلاف أبعاده و بعده عن الشمس، مما جعل درجة حرارة الوجه المضيء تصل إلى 450 درجة و الضغط الجوى فيه يصل إلى 90 ضعف الضغط لجوى على الأرض... و هكذا نجد هذا الكوكب بأرضه و سمـائه غير قـادرين على الاحتفاظ بالمـاء و من ثم بأي حياة بيولوجيه على سطحه.
ثم إذا نظرنـا إلى المريخ و هو أقرب كوكب إلى الأرض، فنجد أنه يدور حول نفسه مرة واحدة كل 24 سـاعة مثل الأرض، و لكن الغلاف الجوى الذي يحيط بالمريخ يتكون أسـاسـا من غـاز ثاني أكسيد الكربون عند ضغط منخفض جدا، و لأن المريخ أبعد عن الشمس من الأرض فنجد أن درجة الحرارة على سطحه تصل إلى الصفر فى أيام الصيف الشديد و تهبط إلى 123 درجة مئوية تحت الصفر فى أيام الشتاء.. و نتيجة لهذا الانخفاض فى درجات الحرارة على سطح المريخ، نجد أن المـاء المتجمع عليه فى حـالة جليد دائم، و لعـل هذا هو السبب فى اختفـاء أي أثـر للحياة على سطح المريخ.
و قد فشلت جميع الرحلات التي ذهبت إلى المريخ أو إلى أي كواكب أخرى من كواكب المجموعة الشمسية فى العثور على أي أثر للحياة على هذه الكواكب، فقد اختص خـالق الأرض بأسباب لم يهبها أو يهيئها سوى للأرض بحيث تكون لديهـا هذه القدرة على احتضان الحياة عليهـا، و هذا مـا تبينه الآيــات التالية، و نبدأ أولا بهذه للآية الكريمة: و جعلنـا فى الأرض رواسي أن تميد بهم فقد أرسى الخـالق فى هذه الأرض الكتلة و المكونات التي تنضبط بها قدرة الأرض على جذب الأشياء فوقهـا فتنضبط عليهـا حركة البشر و جميع المخلوقات فلا تميد بهم و لا تنهـار من تحتهم، و كذلك أدى استقرار القشـرة الأرضية إلى استقرار الغلاف الجوى و ضغطه الثابت و استقرار المـاء فى البحـار و الأنهـار و كذلك استقرت على الأرض حياة البشر، و جعل الخالق بهذه الرواسي مـا يرسى للأرض فلكـا ثـابتا حول الشمس و حول نفسهـا لا تحيد عنهما، بحيث تتزن سـرعـتهـا و بعدهـا عن الشمس فتنضبط عليهـا درجـات الحرارة و اتـزان حرارتهـا المفقودة أثناء الليل مع مـا تكتسبه من حرارة أثناء النهـار، وكذلك جعل للأرض بهذه الرواسي مجالا مغناطيسيا يحدد ميلا لمحور الأرض مع محور دورانها حول الشمس، فكـان للأرض بهذا الميل فصولا محددة كل عـام و مسارات للسحاب و الرياح و خرائط للأمطـار، ممـا أتاح للبشر الحياة المستقرة عليهـا.
إن من يتدبر هذه الكلمـات أن تميد بهم و التي تدل على أن الخـالق قد ضبط كتلة الأرض أو مـا أودعه الخـالق فى الأرض من رواسي بحيث لا تميد بهم فلا تتقلص القشرة الأرضية تحت أقدامهم كمـا يحدث فى عطـارد، و لا يطيرون من فوقهـا كما يحدث على القمر و لا يلتصقون بهـا كمـا يحدث فى المريخ، و تحفظ لهم غلافـا جويـا حاميا بالضغط المناسب، و تحقق لهم درجة الحرارة المناسبة لهم بحيث مكنهم من الحياة عليهـا، وقد تحددت بهذه الرواسي و تكوينهـا الذي لا يعلمـه إلا الله البعد المناسب عن الشمس و الميل المطلوب مع محور الشمس و السرعة المطلوبة حول الشمس و حول نفسهـا فلا يكون للأرض انحرافـات عن المعدلات المطلوبة لحياة الأحياء عليهـا، و مـا ذا يحدث لو لم تكن لهـا هذه الرواسي و مـادت الأرض عن فلكهـا و مسـارهـا حول الشمس بأدنى انحراف فزاد مثلا بعدهـا عن الشمس بأدنى مقدار، ستتجمد المياه والحياة كلهـا على الأرض لأن الطاقة الساقطة عليهـا تتغير بتغير مربع بعدهـا عن الشمـس، ومـاذا يحدث لو اقتربت بـقدر يسير من الشمس لا يتعدى مثلا 1 % من بعدهـا الحالي ، سيصل متوسط درجـات الحرارة على الأرض إلى مـا يزيد عن درجـة غليان المـاء ، أي عن 100 درجة مئوية وهذا الحد كـافيـا لتحول كل مياه البحار و المحيطات والأنهـار إلى بخـار أو سحب و تتوقف الحياة على الأرض ، وسيتغير أطوال الفصول ومقدار أيام لسنة الشمسية ممـا يؤدى إلى هلاك كل مـا نقوم بزراعته و نـتغذى عليه نحن و كل الأحياء ، و مـاذا يحدث أيضـا لو لم تكن فى الأرض رواسي بهذا القدر المحكم فتبـاطأت سرعة الأرض حول نفسهـا فيتكرر لنـا مـا يحدث على كوكب الزهرة ، فتزيد درجة حرارة الوجه المضيء و تفقد البحار ميـاهها على هذا الوجه ، و تتجمد المياه فى البحـار على الوجه المعتم و تتوقف الحياة عليه ، و كذلك يلتصق الأحياء على الأرض كمـا يحدث على هذا الكوكب ، و بنفس هذه التأثيرات لو زادت سرعة دوران الأرض حول محورهـا ، فـينخفض متوسط درجـات الحرارة على الوجهين و نطير من على سطح لأرض كمـا يحدث فى القمـر ، و لا يبقى لنا غلاف جوى مثل عطارد ، هكذا جـاءت حكمة الخـالق و علمـه فى تحديد الرواسي التي يتحدد بهـا كل شيء فترسو حياتنـا و نرسو على هذا الكوكب الذي أعده الخـالق ليحتضننـا عليه بكل الرحمة ، فكانت للأرض هذه الرواسي حتى لا تميد بنـا كما جاء فى قول الحق و جعلنـا فى الأرض رواسي أن تميد بـهم إن الحرف أن جـاء إعلانـا بأن الخـالق أحكم كل شيء فى هذا الكون فدبر رواسي الأرض بهذا التقدير الحكيم و بهذا العلم الدقيق حتى يكون للأرض مـا لهـا من استقرار و رسو دون أي انحراف أو تجـاوز فتكون مرسى لهذا الكائن الذي مهد خالفه كل شيء من أجله .
ثم تستكمل الآية الكريمة فى فضل الله علينـا فى هذه الأرض التي يسرهـا لنـا بقوله سبحانه و جعلنـا فيهــا فجــاجــا سـبلا إن من يذهب إلى القمـر و لا يجد عليه سـوى فوهـات أو على عطـارد فلا يجد عليه سـوى التجـاعيد أو إلى الزهرة فلا يجد إلا تربة هـشة لا يستطيع السير عليهـا، سيستشعر نعمـة الله علينـا فى هذه الفجـاج التي يسرهـا الله لنـا على الأرض كي نحيـا و نسير عليهـا و تيسـر لنـا سـبل الزراعة و التجـارة و الصنـاعة و الترحـال و الانتقال بسهولة و يسـر، فقد امتدت القشرة الأرضية فى تمـاسـك و صـلابة و استواء و امتداد... فاتسعت رقعتهـا للغـابـات و الوديان و الطرق و الأنهـار و البحـار القرى و المدن و كل مـا يبغيه البشر من سبل لحياتهم و متاعهم و رزقهم و أنعامهم و عرباتهم و طـائراتهم ، لقد يسـر الله هذه الفجـاج ليهتدوا إلى سبل الرزق و الحياة و التعارف ثم يهتدون إلى خـالقهم و مانحهم هذه النعم و موفر لهم هذه الأرض بانبسـاطهـا و امتدادهـا و طرقهـا ، و هكذا كان ختام هذه الآية بهذه الكلمـات لعلهم يهتدون... أليس فى هذه السبل و الفجاج هداية إلى معرفة فضل الله علينا و هداية إلى الحياة على الأرض و الانتفاع بخبراتها.
ثم تأتى الآية التـالية لتذكرنـا بفضل الخـالق فى أن يخصنا بسمـاء تحفظنـا من فوقنـا برحمته، فنرى فضل الله فى خلقهـا لنـا بهذه الكيفية من يستعرض الكواكب من حولنـا فلا يرى لها سمـاءا حافظة و محفوظة مثل سماء الأرض، فبها غـلاف جـوى يحمينـا من أشعة الشمس الضـارة، فيسمح هذا الغلاف بمرور مـا ينـفـعـنـا من هذه الأشعة و يحتجز مــا يضرنـا بطبقة تسمى طبقة الأوزون، ثم اختص هذا الغلاف بنسبة عـالية من غازي الأكسيجين و النيتروجين، و كلاهمـا لا يمتصـان أشعة الشمس فتنفذ الأشعة النافعة من خلالهمـا لتصل أشعة الشمس إلى النبات ليختزن الطـاقة اللازمة له و لمن حوله، ثم أن وجود هذه النسبة من الأكسيجين فى الهواء الجوى تحرق أي نيازك قبل أن تصل إلى الأرض فلا ترى هذه الفوهـات و البثور على أرضهـا مثل باقي الكوكب التي لم يخصها الله برحمته، و فى الهواء نسبة ضئيلة من غـاز ثاني أكـسيد الكربون القـادر على امتصاص أشعة الشمس لا تتعدى جزء من الواحد بالمـائة كي يتغذى عليها النبات، و لكن لو زادت لحدث لنـا مثل ما يحدث على كوكب الزهرة الذي يـسـتحيل الحياة عليه، و قد حفظه الخالق لنا بهذا الثبات حتى نتمكن من الحياة على الأرض إلى أن يشـاء الله، ثم نجد أن غـاز الأكسيجين يؤدى أدوارا عديدة أخرى فى حياتنـا حيث يحترق به الغذاء فى أجسامنـا و النار من حولنا، و كذلك غـاز النيتروجين و مـا يؤديه فى حياة النبات الذي يتغذى عليه
كل هذه الأدوار تؤديهـا سمـاءً حفظهـا الخالق لنـا و حفظنـا بهـا كسقف يمنع عنـا أن يصيبنـا من فوقنـا مـا يصيب كواكب أخرى حولنــا و يتيح لنـا الحياة عليهـا دون أن نحترق أو نختنق ، هل جـاءت سماء أرضنـا كمـا قال خـالقهـا سقفـا محفوظا بكل هذه الخصوصيات و الآيـات بدون تدبير أو تنظيم أو تقدير خـالق عـزيز عليم ... كيف نعرض عن كل هذه الآيـات و لا نتدبرها حق التدبر... هكذا يعاتبنـا الخـالق بقوله سبحانه و هم عن آيـاتهـا معرضون فالسمـاء كلهـا آيـات على عظمة خـالقهـا و رحمته و عزته و علمه.. علينـا أن نتدبر بهـا بهذا الاستدلال المعجز الذي أرسله الخـالق إلينا فى خـاتم كتبه.. و هل يستطيع بشرا أن يضع لفظـا جـامعـا يصف هذه السمـاء و مـا تؤديه من أدوار فى حياتنـا كسقف حـافظ و محفوظ لنـا و لأرضنـا بأبدع و أروع من هذه الكلمـات... إنهـا كلمـات جاءت حقا من خالق الأرض و السمـاء.
ثم تأتى الآية التالية التي تذكرنـا بـفضل الله و آيـاته فى هذه الأشياء التي من حولنـا.. فى الليل و النهـار.. الشمس و القمــر... كيف انتظمـت و توافقت مع حياتنا و خلقنا و عملنا و راحتنا و دورات حياتنا و أعمـارنـا و انتظم بهم كل شيء من حولنا.. الحياة المستقرة و العمل نهارا و النوم ليلا ومـا يناسب أجسامنا من درجـات الحرارة و ضغط الهواء.. نحن لا نستطيع أن نحيا على كوكب الزهرة الذي يصل طول اليوم فيه إلى 243 مثيله على الأرض فتصل درجة الحرارة على سطحه إلى مئات الدرجات .. إنه لا يتوافق مع حياتنـا و مع تكويننـا و مع خلقنـا... فمن سخر كل هذه الأشياء لنـا... من سخر كل هذا التوافق و الانسجام بيننا و بين كل هذه الأفلاك... من دبر للأرض و خلقهـا تدور حول نفسهـا بهذه السرعة الثابتة أمام الشمس ليأتي الليل و النهـار منسجمـا مع بعد الأرض عن الشمس و راحة الإنسان و حرارته و حياته و سعيه... من سخر الأرض تدور حول الشمس بهذا الخضوع و هذا الثبات فيأتي هذا التعاقب للفصول بهذا الإبداع و الالتزام فى كل أنحاء الأرض ومع مـائهـا و هوائهـا و رمـالهـا و سحابهـا و كل شيء عليـهـا... من سخر للقمر دورته حول الأرض و أمام الشمس فيأتي هلالا و بدرا و تتعاقب أشكاله بهذا الإبداع و الانسجام مع كل مـا خلق الله على الأرض... أنهم جميعـا يسبحون لخـالقهم بهذا الالتزام و هذه الطـاعة المتنـاهية و المتمثلة فى هذا الانسجام الشامل و الكـامل.
لقد أعلن العلمـاء أنه حتى نرى كوكبـا آخر يمكن أن تقوم حياة عليه فى هذا الكون فيجب أن تكون له كتلة مثل كتلة الأرض و حجمـا مثل حجم الأرض و قمرا مثل قمر الأرض و له زاوية ميل و سرعة دوران حول نفسه و حول شمسه مثل مـا للأرض و أن تكون له شمسا مثل شمسنا عمرا و حجما و كتلة و إشعاعا و أبعادا و ثباتـا.. وأن يكون لهم جميعا نفس الأفلاك و الظروف و المقادير... و هذايسبح كل شئ بنفس هذه التسبيحات و فى نفس هذه الأفلاك.. و هذا مـا تنص عليه هذه الآية فى نهايتهـا كل في فلك يسبحون .. فإنهـا سبـاحة وتسبيح بعلم خـالق عزيز وعليم وقدير ومقدر لكل شيء بحكمته.. فهـل لنا أن نسبح معهم.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/8/system.jpg
الشكل التالي يبين كواكب المجموعة الشمسية بحسب بعدها عن الشمس
كمـا رأينـا أن يد الخـالق هي التي بدأت هذا لكون، و كيف أيقن العلمـاء بهـا بعد أن تداعت نظرياتهم فى الانفجـار الكبير و اعترفوا أن من ينظـر إلى الكون يشعـر أن هناك يد خـالق واحد نسقت كل هذا الكون فجـاء كله وحدة واحدة أوله مثل آخره، و أعلن الخـالق عن أن يده هي اليد العليـا فى هذا الكون المنتظم فى خاتم كتبه بآيات يعجز البشـر عن أن يأتــوا بمثلهــا، و لكن نرى أن هؤلاء العلمـاء يتخبطون مرة ثانية و هم يحـاولون أن يعرفوا كيف ينتهي هذا الكون دون اللجوء إلى الله... فقد أثبتت نظـريـاتهم بأنه أي الكون يتمدد و يتسع دائمـا.. و قد أشـار الحق فى خـاتم كتبه إلى هذه الحقيقة الجـامعة بقوله سبحـانه و السمـاء بنينـاهـا بأيد و إنــا لموسعون ( الآية 47 من سورة الذاريات ) ... هكذا تفسر الآية أن هذا التوحد و التماثل و التشابه فى بناء هذا الكون قد جـاء لأن يدا واحدة كان لهـا مـطلق الخلق و التشكيل فيه.. يدا تعلن عن نفسهـا و لا أحد غيرها يتطـاول أن يدعى سوى هذا... و تأتى هذه الآية أيضـا لنـقـر بالحقيقة الأخرى التي اكتشفهـا العلمـاء أن إرادته وحده هي التي جعلت هذا الكون يتسع و يتمدد دائمـا، و يتم هذا التوسع بنفس الانتظام و على نفس السنة منذ أن بدأ خلق المكان و الزمـان منذ أن شـاء الله فتق الرتق الأول حتى يومنـا هذا... و يأتي سـؤال آخــر من العلم و العلمــاء... إلى متى يستمر فتق هذا الرتق الذي بدأ منه الخلق فى التمدد و التوسع... إذا كان هذا الرتق محدودا فهو لن يستمـر فى التمدد و التوسع إلى الأبد.. و لكن سوف تأتى لحظـة معينة بحسب نظريات العلماء سيبلغ فيها المكان و الزمان نهايتهما... و سوف تـعود المـادة التي ملأت هذا الكون فتتجمع مرة أخرى و يتساقط الكون فى حدث أطلقوا عليه اسم الانسحاق العظيم و هو اسم مرادف للاسم الذي أطلقوه على بداية الكون بالانفجار العظيم... حيث سينسحق هذا الكون كمـا تسحق النجوم التي ملأت الكون عن آخره فتتحول إلى ثقوب سوداء.
و يبقى السؤال الذي لا رد له إلا الإيمان بخالق هذا الكون وباعثه.. متى تأتى هذه اللحظة.. و مـاذا يحدث بعدهـا.. و هل ستكون هناك دورة جديدة يتجدد فيهـا المكان و الزمان مرة أخرى... و من له اليد العليا فى تحديد هذه اللحظة.. هل هي المـادة ذاتهـا التي تقوم بهذا الحدث من تلقـاء نفسهـا ودون أي إرادة أعلى.
إنـنـا و نحن نواجه أقوال العلمـاء و هم يذكرون هذا الحديث نشعر بأنـنـا أمام افتراضات عقلانية و غير قادرة على إقامة الدليل على شيء محدد فلم يرى أحد كيف بدأ الخلق و كيف ستكون نهايته...و لكننا سنحاول بالقدر الذي أتاحه الله لنـا من العلم و هذا النور الذي بين أيدنـا أن نتدبر فى خلق الله... فالكون له بداية كمـا أثبت العلم و العلمـاء و أقـر الخـالق هذه الحقيقة فى قرآنه .. و كل شيء له بداية بهذا الإبداع و الانسجام و الانتظام لا بد أن له مبدأ.. و هذا مـا أقره الخـالق و أعلن أنه هو المبدأ فى قرآنه.. وكل شيء له بداية أيضـا فإن لـه نهـاية.. وهذا مـا أثبته العلمـاء أيضـا بنظريتاهم و أسـانيدهم... و لكن لن يستطيع أن يصف تلك اللحظـات الأخيرة لهذا الكون سوى خـالق الكون و مسيره.. فهو مبدأ الكون و العالم و المقدر و القادر و العالم بنهـايته وكيف ينهيه.. هو الموجود من قبل و من بعد و له اليد فى كل شيء... و لكننا نوقن بما يسره الله لنا من علمه أنه لا بد أن يعود هذا الكون مرة أخرى بشكل لا يـعلمه إلا خـالقه و مبدؤه... و كل مـا توصلنـا إليه هو محض فروض بنيت على المنطق العلمي و مـا اكتشفه العلمـاء من توسع الكون بالقياسات العلمية و عبرت عنهـا كلمـات شــاذة مثل الانفجار العظيم و الانسحاق العظيم لا يستطيع أحد إدراكها أو يتخيل حدوثهـا لو كان له ذرة من العقل و المنطق و البصيرة، و لكن معرفة هذا لن تتأتى دون الإيمان بالله خالق الكون و مبدعه و القائم على أمره و القادر عليه.
تعالوا نترك الآن أقوال العلمـاء و نقف أمام قول الحق فى نهاية نفس السورة التي عبرت فى أولهـا عن بداية الخلق، حيث تحدثنـا عن يوم القيامة، اليوم الذي قدره الخالق لنهـاية حياتنـا الأرضية و بداية حياة أخرى لا يعلمهـا إلا هو: يوم نطوى السماء كطي السجل للكتاب، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينـا إنـا كنـا فـاعلين أي أن السمـاء كانت مطوية فى هذا الرتق الذي عبرت عنه الآيات الأولى فى السـورة، ثم إذا جـاء أمره فى نهـاية الحياة الدنيـا سوف تعود و تطوى بقدرته مرة أخرى... لتعود سيرتهـا الأولى.. ثم مـا ذا يكون بعد ذلك هذا علمــه وحده.
هكذا يكون تعبير الخالق عن خلقه.. كلمـات ذات معنى يفهمهـا المرء دون صخب أو تعب أو ضجر أو ملل.. فليس انسحاق عظيم.. و لكن طي بيد الخالق الذي فتق أو أفرد صفحـات هـذه المادة التي ملأت الكون برحمته و علمه و فضله...و انسحاق مادة الكون لا يدل على انقباض المكان... و لكن الطي يحوى انحسار المكان و الزمان و الكون كله... و الانسحاق معناه التحول إلى العدم.. و لكن الطي معناه إعـادة الشيء إلى أصله و بدايته... و الانسحاق معناه الغوغائية و أللانتظام ... ولكن الطي معناه الحكمة و الـتمهل و النظام... والانسحاق معناه أن المادة هي المسيطرة و تنسحق وقتمـا تشاء... ولكن الطي يبيد الخالق الذي جـاءت البداية بيديه و كما بدأ أول خلق يعيده كما تذكر الآيات...والانسحاق معناه اللاعودة أو النهاية لكل شيء... و لكن الطى معناه نهـاية مرحلة و بداية أخرى... هل يستطيع عـالم مهمـا بلغ علمـه أن يأتي بكل هذه المعاني فى كلمـات محدودة أوعت كل شيء.. و هل يستطيع عـالم أن يقرر هذه الحقائق بهذه القدرة و الطلاقة و البيان.. إننـا حقـا أمام أنوار الحق تضيء لنـا الحقائق التي تخرجنا من الظالمات إلى النور.. ظلمـات المـادية التي تصور المـادة على أن لهـا القدرة على أن تنفجر وقتمـا تشاء و تنسحق وقتمـا تشـاء.. و تصورنـا ألعوبة فى يد مـادة بلا عقل أو تفكير فتقوم بنفسهـا بانفجـار كبير فتنشأ كونـا متسعـا و متوسعـا منتظما و منسقا، أو تنتهي و تتحول بدون مقدمـات من تلقاء نفسهـا بانسحاق عظيم فينتهي الكون كله بمكانه و زمانه.. هل يقبل العقل مـا يقوله المـاديون بهذه المسميات المادية الغير متعقله أم يقبل هذه الآيات من خالق السماء و الأرض... (يوم نطوى السماء كطي السجل للكتاب كمـا بدأنـا أول خلق نعيده وعدا علينـا إنـا كنـا فاعلين)... صدق الله العظيم
لقد أثبت العلم أن من كانوا ينادون بأن المـادة هي أصل كل شيء بدعوى قـانون بقـاء المـادة قد وقعوا فى وهم شديد.. فالمـادة ليست بـاقية كما أعتقد هؤلاء بعد إثبات أن المـادة تتحول إلى طـاقة و الطـاقة أيضـا ليست باقية كمـا ظن الناس قديمـا.. فهي تهبط من الدرجة الأعلى إلى الأدنى و لا تعود مرة أخرى... و هكذا أتضح أن المـادة لهـا نهـاية و أن المـادية وهم فى وهم.. و لهذا انهـارت المـادية فى العـالم أسـسـا و تطبيقـا و فلسفة.. و انهـارت معهـا الشيوعية و كل أدع يائها ... وأعلن أهلهـا أنهـا كانت أسوأ مـا عرفته البشرية من نظريات أو فلسفات ... فليس للمـادة من إرادة.. و لكن إرادة الخالق هي التي فتقت المـادة فى البداية لتنتشر فى الكون الآخذ فى التوسع و تطـويهـا فى النهـاية لتعود كمـا أراد لهـا خـالقهـا، و لا مناص لنـا من لاعتراف بقدرته و العودة إليه فى تفسير كيف بدء الخلق ثم كيف ينتهي.. فلم نشهد و لم يشهد أحد على الأرض هذه اللحظة، حيث يقول الحق ما أشهدتهم خلق السماوات و الأرض و لا خلق أنفسهم ( الكهف 51 ) لهذا فلا بد لنـا أيضـا من الاعتراف أنه بعد نهـاية الكون فسوف ينبعث مرة أخرى ليعود كمـا يريد له خالقه و ومبدؤه ثم معيده.. و لهذا نجد أن هذه المعاني قد جاءت فى كتاب الله العزيز عدة مرات ( الله الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ) [الروم 11 ]، (أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير) [العنكبوت: 19] لنفطن إلى هذه الحقيقة التي لم نراها عند بدء الخلق أو لا نعرفهـا لأن الكون لم ينتهي بعد ... و لكن الخالق يضعهـا أمـامنـا حتى لا نضل ونشقى... فبأي حديث بعده يؤمنون صدق الله العظيم
أبعاد السبيعي
12-12-2009, 09:27 AM
بارك الله فيك أخوي أبو ضاري وجعله في موازين حسناتك
ابو ضاري
14-12-2009, 10:34 AM
بارك الله فيك أخوي أبو ضاري وجعله في موازين حسناتك
جزاك الله خير على هذا المرور
ابو ضاري
14-12-2009, 10:35 AM
سورة الغاشية
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ
هذه سورة الغاشية أورد الحافظ ابن كثير في مستهلها: أن جارية كانت تقرأ هذه الآية، واستمع إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولما قرأت: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ قال: قد جاءني من ربي ولكن هذا حديث ضعيف قد تقدم أن قوله -جل وعلا- مثل هذه الآية: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ وغيرها، إن كان الله -جل وعلا-… أو تحتمل هذه الآية أن يكون معناها: قد جاءك، أو قد أتاك، وهذا عليه جمع من المفسرين، وأهل اللغة، وهذا يصلح فيما ثبت.
الله -جل وعلا- أنزله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأنزل خبره قبل ذلك، وأما ما لم يثبت، فهذه الآية تحتمل أن يكون قد جاء، ويحتمل أن يكون معناها استفهام، المقصود به لفت الانتباه إلى هذه الآيات.
قوله -جل وعلا-: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ أي: هل أتاك خبر الغاشية؟ والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، لأن يوم القيامة -لعظمة وشدة هوله- سماه الله -جل وعلا- بأسماء، وقد تقدم أن الشيء إذا كان معظما، فإنها تكثر أسماؤه؛ ولهذا الله -جل وعلا- لما كان جليلا معظما كانت له أسماء لا يحصيها العباد كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته لأحد من خلقك إلى أن قال: أو استأثرت به في علم الغيب عندك فهناك أسماء لله -جل وعلا- لم يطلع عليها أحدا من خلقه، بل استأثر بعلمها، وفي الحديث: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة .
فالعبد يتأمل كتاب الله -جل وعلا- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- يستطيع أن يحصي من أسماء الله -جل وعلا- تسعة وتسعين اسما، وما هذه الأسماء إلا دليلا على عظمة المسمى بها، وهو الله -جل وعلا-، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- أيضا لما كان معظم كانت له أسماء كثيرة.
فالشيء المعظم كلما عظم كثرت أسماؤه، ويوم القيامة يوم عظيم؛ ولهذا كثرت أسماؤه، ثم قال -جل وعلا-: مبينا انقسام الناس يوم القيامة إلى فريقين: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ أي وجوه يوم القيامة ذليلة خاسرة، ترهقها قطرة، وعليها ذلة، وهي وجوه الكفار كما قال -تعالى-: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ فوجوههم يوم القيامة ذليلة؛ لأن الله -جل وعلا- أذلهم بكفرهم.
عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ أي: أن أصحاب هذه الوجوه يوم القيامة يعذبهم الله -جل وعلا- في نار جهنم بالعمل الشاق، ويتعبون في ذلك اليوم تعبا عظيما، كما قال -جل وعلا- سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا وقال -جل وعلا-: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ذكر بعض العلماء أن "صعودا" هذا اسم لجبل في النار يكلف الكافر يوم القيامة أن يصعده، وما يستطيع صعوده، والشاهد أنه الذي دلت عليه آية المدثر وآية الجن، أنه يوم القيامة يكلف بالأعمال الشاقة.
وهذه الآيات قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ الصحيح أنها تكون يوم القيامة، وما جاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قصة الراهب الذي ناداه عمر من صومعته، فأشرف على عمر، فبكى عمر -رضي الله عنه- وتلا هذه الآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ على معنى أنها تعمل في الدنيا، وتخسر في الآخرة، هذا وإن كان معناه صحيحا، لكنه ليس مرادا بهذه الآية.
والأثر هذا الذي عن عمر -رضي الله عنه- لا يصح عنه، ولا يثبت.
فالصواب أن قوله -جل وعلا-: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ يعني: يوم القيامة، الكافر في الدنيا يعمل، وليس له عند -جل وعلا- نصيب في الآخرة كما دلت عليه النصوص الأخرى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا في قوله -جل وعلا-: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا هذا صحيح، ولكن هذا ليس هو المراد بهذه الآية؛ لأن قوله -جل وعلا-: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ أورده الله -جل وعلا- بعد ذكره لقيام الساعة وانقسام الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير؛ لأن قوله -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ليس المراد بها في الدنيا، وإنما المراد بها في الآخرة قطعا، فاقتران هذين يدل على أن المراد به في الآخرة.
ثم إن الله -جل وعلا- في آيات أخرى بين هذا الانقسام في قوله -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ وفي قوله -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ وكل ذلك في الآخرة.
فدل على أن المراد بقوله -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ إنما هو في الآخرة، وقوله -جل وعلا-: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً أي: تصلى نارا صفتها، أنها حامية، ولشدة حرارتها تكاد تتقطع كما قال الله -جل وعلا-: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ فهي تغيظ، النار يوم القيامة يشتد غيظها، ويزداد سعيرها حتى تكاد أن تتقطع، ثم قال -جل وعلا-: تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي أن الكافر يوم القيامة يسقى من عين آنية، قد بلغت الغاية في شدة الحرارة.
وهذا الماء الذي يسقونه يوم القيامة بين الله -جل وعلا- في آيات أخرى، أنه من صديد كما قال - تعالى-: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ .
وبين في آيات أخرى: أنه يقطع أمعاءهم وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ وبين -جل وعلا- في آيات أخرى أنه يشوي وجوههم، كما في آية الكهف يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا .
ثم قال -جل وعلا-: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ الضريع: هو نوع من أنواع النباتات كان معروفا في الحجاز، ويسمى الشبرِق، هذا الشبرِق إذا يبس يسمى ضريعا، فلا تنتفع به الدواب بعد ذلك، ولا ينتفع به، وهكذا أعد الله -عز وجل- للكفار يوم القيامة، أعد الله -جل وعلا- طعاما لا ينتفعون به، كما قال -تعالى- بعد ذلك لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ لأن الطعام يؤكل من أجل أن يتقوى به الإنسان في جسده، ويؤكل من أجل سد الجوع، وأما هذا الطعام يوم القيامة، فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع، فهو زيادة في عذابهم.
ثم قال -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ وهذه وجوه المؤمنين يوم القيامة ناعمة، هي معنى قوله -جل وعلا-: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ لما كان المؤمنون ينعمون في الآخرة، فإن هذا النعيم يظهر أثره على وجوههم، والكفار لما كانوا يعذبون في النار، وكان هذا الأثر يظهر على وجوههم عبر الله -جل وعلا- بالوجوه.
ثم قال -جل وعلا-: لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ يعني: أن هذه الوجوه لعملها الذي عملته في الدنيا راضية؛ لأن الله -جل وعلا- جازها عليه أحسن الجزاء.
ثم قال -جل وعلا-: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ يعني: في جنة عالية في مكانها، وفي صفاتها، وما أعد الله -جل وعلا- لأهلها فيها من النعيم المقيم لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً يعني: أن المؤمنين الذين في الجنة، لا يسمعون كلمة لاغية، واللغو في الكلام هو الكلام الذي لا فائدة منه، بل لا يسمعون إلا كلاما حقا له فائدة.
وقد تقدم بيان ذلك عند قوله -جل وعلا-: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ثم قال -جل وعلا- فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ المراد بالعين هنا: الجنس فيشمل العيون الكثيرة؛ لأن الله -جل وعلا-: قال إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ فالعيون يوم القيامة كثيرة، وقوله -جل وعلا-: فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ أراد الله -جل وعلا- بها الجنس، فيعم جميع العيون التي أعدها الله -جل وعلا- في الجنة، وقد بين الله -جل وعلا- بعض هذه العيون، كما قال -تعالى-: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا أي: أنهم يشربون الخمر ممزوجة بالكافور.
وهذا الكافور جعله الله -جل وعلا- عينا يقوده المؤمنون حيث شاءوا، فيميل معهم حيث مالوا يعني: أن هذه العيون تتبع المؤمنين، وهو معنى قوله -جل وعلا-: يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا وقال -جل وعلا- في الآية الأخرى: وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وهذا نوع آخر يسقي الله فيها المؤمنين الخمر في الجنة، ممزوجة بالزنجبيل، وهذا الزنجبيل من عين في الجنة تسمى سلسبيلا.
ثم قال -جل وعلا-: فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ السرر: جمع سرير، والمعنى أن هذه السرر مرفوعة، وهم متكئون على هذه السرر، كما قال الله -جل وعلا-: عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ فقوله -جل وعلا-: مَوْضُونَةٍ قال بعض العلماء: أي أن الله -جل وعلا- شبك… جعل هذه السرر مشبكة بعضها ببعض، وهذا التشبيك من ذهب، ثم إن الله -جل وعلا- يجعل أهلها متكئين عليها متقابلين، لا يعطي أحد منهم قفاه للآخر، وذلك من فضل الله -جل وعلا- عليهم.
ثم قال -جل وعلا-: وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ الأكواب: جمع كوب، وهو عبارة عن الكأس الذي ليس له عروة، الذي له عروة… الإناء الذي له عروة يسمى قدحا، والقدح الذي ليس له عروة يسمى كوبا، وقوله -جل وعلا-: مَوْضُوعَةٌ يعني: أن الله -جل وعلا- يسر هؤلاء الخدم الذين يخدمون المؤمنين في الجنة، فيضعونها بين أيديهم يشربون منها متى ما اشتهوا لذلك.
ثم قال -جل وعلا-: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ النمارق: جمع نمرقة، وهي الوسادة، فذكر الله -جل وعلا- أن هذه النمارق في الجنة تكون مصفوفة.
وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ والزرابي: هي البسط، يعني: أن الله -جل وعلا- بث في هذه الجنة بسطا كثيرة متفرقة في أنحائها، يتنعم بها عباد الله المؤمنون.
ثم قال -جل وعلا-: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ لما ذكر الله -جل وعلا- قيام الساعة وما أعده للمؤمنين، وما أعده للكافرين لفت الله -جل وعلا- انتباه الكفار، واستفهمهم من أجل أن يلتفتوا إلى هذه الآيات التي جعلها الله -جل وعلا- في كونه؛ ليوحدوا الله -جل وعلا- ويوقنوا بلقائه وبالبعث والنشور.
قال -جل وعلا-: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ والمراد بالنظر هنا ليس نظر الأعين؛ لأن الناس ينظرون، كل مبصر فإنه ينظر، بل ربما يكون الكافر -أحيانا- أقوى في بصره من المؤمن، ولكن الله -جل وعلا- يريد بذلك نظر البصيرة؛ لأن النظر قسمان: نظر بالعين، ونظر بالبصيرة، فنظر العين هذا ليس هو المراد بهذه الآية، وإنما المراد بهذه الآية أن ينظر العبد إلى المخلوقات نظرا يورثه الهداية، وهذا نظر البصيرة، وهو الذي أرشد الله -جل وعلا- العباد إليه، وأمرهم به، ونبه عليه في مواضع كثيرة، وجعله آية من آياته كما قال -جل وعلا-: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وقال -جل وعلا-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وقال -جل وعلا-: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وقال -جل وعلا-: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ .
فهذه الآيات التي جعلها الله -جل وعلا- ينتفع بها المؤمنون، وينظرون بها، ويستدلون بها على وحدانية الله وقدرته، وعلى بعث الخلائق إليه.
قال -جل وعلا-: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ والإبل خلق من مخلوقات الله وبهيمة من بهائم الأنعام، وفيها من عجائب صنع الله وقدرته، شيء عظيم لو تأمله العبد، وأبصر به لعلم أن هذه الإبل لا تمشي في هذا الكون إلا بإذن الله -جل وعلا- وأن هذا الخلق من لدنه -جل وعلا- وهذه الإبل مع كبرها وقوتها إلا أن الله -جل وعلا- سخرها لبني آدم يمسكها الطفل الصغير، فتنقاد معه، ثم إن الله -جل وعلا- جعل فيها منافع عظيمة للعباد كثيرة، كما نبه -جل وعلا- على ذلك في مواضع كثيرة، ومن أعظمها أن الله -جل وعلا- جعلها لعباده تحمل أثقالهم في أسفارهم، كما قال -تعالى-: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ؛ ولهذا كان العرب، أو بعض العرب في الجاهلية يسمي الإبل سفينة البر، كما أن السفينة المعتادة سفينة البحر، ولله -جل وعلا- فيما خلق آيات.
ثم قال -جل وعلا-: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ أفلا ينظرون إلى السماء كيف رفعت؟! وهذه السماء رفعها -جل وعلا- بغير عمد نراها، كما قال -تعالى-: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا فهذه آية وعبرة، والله -سبحانه وتعالى- هو الذي يمسكها، كما قال -تعالى -: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ .
ثم قال -جل وعلا-: وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ أي إلى هذه الجبال كيف نصبها الله -جل وعلا- وجعلها ساكنة في نفسها، مسكنة لهذه الأرض، أوتادا لها، كما مر بيانه فيما سبق.
ثم قال -جل وعلا-: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ أي ألا ينظر العباد إلى هذه الأرض كيف سطحها -جل وعلا- لينتفع بها العباد؟ وهذه السطحية للأرض لا تنافي أن تكون الأرض بيضاوية الشكل، أو أن تكون الأرض كرية الشكل؛ لأن كرية الأرض مما أجمع عليه العلماء قديما وحديثا، وأجمع عليه علماء المسلمين سابقا، ولكن الجِرم إذا كان كبيرا، فإنه يكون له سطح، فالإنسان… كلما صغرت الكرة كلما صغر سطحها، وكلما عظمت هذه الكرة، كلما توسع سطحها، وهذه الأرض هي كرية الشكل، أو بيضاوية الشكل، ولكنها لعظمها وكبرها صار ما عليها سطحا كسطح البيت، يسكن عليه العباد، وينتفعون به، وهذا آية عظيمة من آيات الله، جل وعلا.
ثم قال -جل وعلا-: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ هذا أمر من الله -جل وعلا- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يذكر العباد، ثم بين -جل وعلا- وظيفته، وأنه - صلى الله عليه وسلم- مذكر، وليس بمسلط على العباد يكرههم، ويجبرهم على الإسلام، وهذا كان في بادئ الأمر، ثم نسخه الله -جل وعلا- بآيات السيف التي فيها الأمر بقتال المشركين.
وهذا عند طائفة من العلماء، وبعض العلماء يقول -وهو الأظهر-: إن قوله -جل وعلا-: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ أي إنك يا محمد وظيفتك أن تبلغ الناس ما نزل عليهم من عند ربهم، أما هداية القلوب، فلست بمسلط عليها، وليست هداية القلوب بيدك كما قال -جل وعلا-: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وقال -جل وعلا-: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا .
ثم قال -جل وعلا-: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ هذا استثناء منقطع، "إلا" فيه بمعنى لكن، أي: لكن من تولى وكفر، تولى وأعرض عما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- وكفر به، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ والعذاب الأكبر هو عذاب النار يوم القيامة كما تقدم قبل قليل لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى سيصلى النار الكبرى.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ يعني: أن مرجع العباد ومردهم إليه -جل وعلا- وهو الذي يحسابهم، فمن عمل خيرا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وفي هذا تخويف ووعيد للكافرين؛ لأن الله -جل وعلا- يتهددهم، ويخوفهم بمصيرهم إليه، وهذه الآية كما قال -جل وعلا-: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
والله -تعالى- أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
ابو ضاري
15-12-2009, 08:42 AM
من وحي آيات البصر
يقول سبحانه في الآية الثالثة والعشرين من سورة الملك قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ).
ويقول عز من قائل في الآية السادسة والثلاثين من سورة الإسراء:
( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ).
وهناك آيات أخرى تعد بالعشرات، تقرن بين السمع والبصر.. وأول ما يلفت النظر فيها هو ذكر السمع قبل البصر، مع أن البصر لا يقل عن السمع أهمية، وقد يفوقه في الأهمية أحياناً. وقد سبقنا إلى هذه الملاحظة كثيرون، وتولى المهتمون بالإعجاز العلمي للقرآن شرح السبب في هذا الترتيب القرآني، وأثبتوا أنه مطابق للترتيب الزمني لتكامل حاستي السمع والبصر في الإنسان، فبينما يصبح الجنين سميعاً وهو في الشهر الثالث من الحمل، نراه لا يصبح بصيراً إلا بعد الولادة بحوالي أسبوعين.. وإذا كان لي أن أضيف شيئاً فهو شرح حكمة الخالق وراء ذلك الترتيب: فاكتمال حاسة السمع في هذا الطور المبكر يعطي الجنين فرصة الاستماع إلى دقات قلب أمه فترة كافية تجعله يستوعبها تماماً بحيث يتذكرها بعد الولادة كلما ضمته إلى صدرها، وبهذا يهدأ ويطمئن إلى حضنها خصوصاً في وقت الإرضاع.. وبديهي أن الطمأنينة هي من أهم دواعي رفع مستوى الاستفادة التغذوية.. على عكس ما كان يمكن أن يحدث لو تأخرت حاسة السمع إلى ما بعد الولادة فيفاجأ الرضيع بصوت لم يسبق له سماعه يشبه قرع الطبول ينبعث من صدر أمه ويُصَب في أذنه مباشرة.. هذا عن حاسة السمع... وأما حاسة البصر فإن أعضاء الإبصار لا تمارس وظائفها إطلاقاً طوال الحياة الجنينية ـ رغم اكتمال تكوينها ـ لسبب بسيط هو انعدام الضوء اللازم لنقل صور المرئيات.. فضلاً عن أن الجنين ليس في حاجة إلى ممارستها أصلاً.. ولهذا فإن جفونه تظل مغلقة لحماية العينين من السائل الرهلي الذي يغمر أصلاً.. ولهذا فإن جفونه تظل مغلقة لحماية العينين من السائل الرهلي الذي يغمر جسمه... وهو لا يبدأ فتح جفونه إلا بعد خروجه إلى عالم النور حيث يكون لأشعة الضوء أثرها في تنبيه أعضاء جهاز الإبصار إلى بدء ممارسة وظائفها ثم في تحسين هذا الأداء تدريجياً بالتكيف مع شدة الضوء وأبعاد المرئيات.
· وإذا كنت ـ بحمد الله ـ لم أجد صعوبة في العثور على الأسانيد العلمية لهذا الترتيب بين السمع والبصر في عشرات الآيات التي تقرن بينهما.. فإن الآيات التي تختص البصر وحده بالذكر كان لي معها وكان لها معي شأن آخر..
· وأول ما استوقفني وحيّرني في عشرات الآيات التي تخص حاسة الإبصار بالذكر هو اختلاف اللفظ المستعمل للتعبير عنها: فهو أحياناً يكون مشتقاً من لفظ ( بصر )، وأحياناً أخرى من لفظ ( رأى )... وفي أحيان أخرى من لفظ: ( نظر )..
وإليكم مثالاً لكل حالة:
· فالتعبير بلفظ الأصالة ( بصر ) يتمثل في قوله تعالى على لسان السامريّ مخاطباً نبي الله موسى عليه السلام بعد دعوته من لقاء ربه ( الآية السادسة والتسعين من سورة طه ).
(قال بصرت بما لم يبصروا به ).
· والتعبير بلفظ: ( نظر ) يتمثل في الآية 101 من سورة يونس:
(قل انظروا ماذا في السماوات والأرض )
· والتعبير بلفظ: ( رأى ) يتمثل في الآية الخامسة من سورة الحج:
(وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) .
والألفاظ الثلاثة مختلفة تماماً في البنية اللغوية وليس بينها حرف واحد مشترك سوى حرف الراء.. كما أنها ليست من المترادفات بحيث يصح استعمال أي لفظ منها مكان أي لفظ آخر دون الإخلال بالمعنى... فهذا خطأ يتنزه كلام الله عن مجرد التعرض للقليل منه.. وليس صحيحاً أن استعمال الألفاظ الثلاثة هو من قبيل التنويع الدال على الثراء اللفظي، خصوصاً إذا وردت مجتمعة في آية واحدة كما في الآية 198 من سورة الأعراف:
(وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ).
فالقارىء المتدبر لا بد وأن يستكشف وراء هذا التنويع اللفظي وظيفة أهم هي دقة التعبير عن خصوصية المعنى.. ولكي يتحقق لنا ذلك نستعرض معاً أهم الحقائق العلمية الأساسية:
1ـ إن وظيفة الإبصار (visio عملية مركبة من شقين متكاملين هما: النظر )looking)وتقوم به العين والرؤية (sight)ويقوم بها مركز عصبي خاص في قشرة المخ (الدماغ brai وهو متصل بشبكية العين عن طريق العصب البصري.. وبقيام هذا المركز بإدراك ما يرد إليه من الشبكية تتم عملية الإبصار ( ولهذا فهو يسمى أيضاً مركز الإبصارcenter of visio ..ومن الممكن إذن تعريف عملية الإبصار بأنها: ( الإدراك الحسي لمعالم المرئيات ذات الكيان المادي بعد النظر إليها في الضوء ).
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/eye/phpto.jpg
آلية عمل العين تشبه آلية عمل آلة التصور ولكن أشد تعقيداً
2ـ أن الصور التي تسقط على الشبكية لا تنطبع عليها مثلما تنطبع الصورة الفوتوغرافية على سطح ( الفيلم الخام )، ولا حتى على الورق الحساس بعد ( تحميض ) الفيلم.. وإنما تنتقل فوراً ـ على شكل ومضات عصبية ـ عبر العصب البصري لتصل بسرعة لحظية إلى مركز الرؤية.. ولكنها ـ هنا أيضاً ـ لا تتراكم وإنما يتم ترحيلها أولاً بأول إلى مركز عصبي آخر في المخ ( متصل عضوياً بمركز الإبصار ) حيث يتم تصنيفها و( فهرستها ) وحفظها في ( أرشيف الكتروني ).. ( والقياس مع الفارق ).
3ـ أن المخ قادر على استحضارأي عدد من تلك الصور المخزونة في أي وقت لا حق بحيث يقوم مركز الرؤية بإعادة مشاهدتها أي استعراضها بعد زوال الأجسام التي تمثلها بوقت يتناسب عكسياً مع قوة الملاحظة والقدرة على الاستيعاب والتذكر.
4ـ أن التكامل الوظيفي بين العين والمخفي إتمام عملية الإبصار لا يمنع من أن يقوم كل منهما ـ في أي وقت ـ بعمله مستقلاً عن الآخر ( مع اختلاف النتيجة وفقاً للجزء الذي يعمل).
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/eye/brain_sight.jpg
هناك تكامل وظيفي بين العين والدماغ للقيام بعملية الإبصار
نظر بلا رؤية؟ أو رؤية بلا نظر؟.
وبناء على تلك الحقائق الأساسية فإن عملية الإبصار لا تتم إذا انعدام أحد شقيها.. ولكن الشق الذي يتم أداؤه يأخذ شكل ظاهرة غير مألوفة لأنها تمثل عملية فسيولوجية ناقصة.
والظاهرتان المحتملتان كنتيجة لهذا الانفصال الأدائي بين العين والمخ هما:
النظر بلا رؤية:وهنا يحدّق الناظر بعينين سليمتين مفتوحتين في الجسم الموضوع أمامهما ـ مغموراً في الضوء ـ ولكن الناظر إذا سئل عما أمامه لأنكر أن أمامه شيئاً على الإطلاق ( وهو في ذلك صادق لأنه بالفعل لا يبصر شيئاً بسبب عدم قيام مركز الإبصار بعمله في وقت النظر ).. والنظر بلا رؤية ـ وبالتالي بلا إبصار ـ يحدث عندما يكون الناظر شارد الذهن أو في حالة رعب شديد مفاجىء أو واقعاً تحت تأثير الخمور أو المخدرات... فكل هذه تسبب عطلاً مؤقتاً لخلايا المراكز العصبية في المخ ( بما فيها مركز الأبصار ).. والنتيجة هي حالة عمى مؤقت يزول بزوال أسبابه.. أما إذا أصيبت خلايا مركز الإبصار بتلف عضوي فالنتيجة هي العمى الدائم ( على الرغم من سلامة العينين ).... والعمى الدائم يمكن أن يحدث أيضاً رغم سلامة العينين وسلامة مركز الرؤية أيضاً وذلك في حالة تلف العصب البصري.. والسبب في هذه الحالة هو أن عملية الإبصار تتوقف عند الحد الفاصل بين النظر والرؤية ( أي: أن الصورة الواقعة على الشبكية لا تجد ما ينقلها إلى مركز الرؤية ).
وحالات النظر بلا رؤية معناها عدم القدرة على الإبصار بسبب انعدام الركن الفعلي أو الإدراكي وهو الرؤية... تماماً مثلما أن الصورة الفوتوغرافية تظل خافية على الفيلم الخام ما لم يتم ( تحميضه ). [ وبالمناسبة هذه العملية التي نسميها ( تحميضاً ) يطلق عليها في لغات أخرى غير عربية اسم آخر أكثر دقة في التعبير عن طبيعتها هو (development) بالإنجليزية أو (entwicklung)بالألمانية ومعنى الكلمتين بالعربية هو تكوين.. وهو نفس اللفظ المستعمل علمياً في جميع اللغات للتعبير عن عملية تخليق الجنين في ظلمات الرحم ].
الرؤية بلا نظر:وهي تحدث نتيجة عطل في عضو النظر ( العين )، أو عضو نقل الصورة ( العصب البصري ).. أو كليهما، بشرط بقاء المراكز العصبية ( وأولها مركز الإبصار ) سليمة عضوياً ووظيفياً... والرؤية بلا نظر يمكن أن تحدث أيضاً رغم عدم وجود ما يمكن النظر إليه أصلاً.. وذلك باستحضار بعض المشاهد القديمة من الرصيد المخزون من عمليات إبصار سابقة، وهذا يدخل في باب ( أحلام اليقظة ).. قياساً على الأحلام التي ( نراها ) أثناء النوم...
وللتعليل على انعدام ركن النظر ( وبالتالي انعدام أهمية العين ) في هذه الأحوال، يكفي أن أذكر بأن استحضار المشاهد القديمة يتم بصورة أفضل إذا أغمض المرء عينيه. لأنه عند فتح العينين فإن ما تقعان عليه من ( منظورات ) تتداخل صورها مع الصور التي يستحضرها المخ ( وهي مجرد مرئيات )... ولهذا يحدث ( تشويش ) على مركز الرؤية.
من وحي آيات البصر:
والآن إلى النصوص القرآنية التي تتحدث عن النظر والبصر والرؤية نتدبرها في ضوء هذه الحقائق العلمية الثابتة ونبدأ بنص قرآني يتضمن لفظ ( بصر ) بمعناه البيولوجي الكامل: ذلك هو الآية الحادية عشرة من سورة القصص حيث يقول عز وجل على لسان أم موسى:
( وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون )
الموقف هنا حدثت فيه عملية إبصار تامة الأركان: فأخت موسى أولاً قامت بالنظر هنا وهناك بحثاً عن أخيها الطفل المنشود والذي سبق لها النظر إليه ورؤيته وبالتالي إبصاره، فلما وقعت عيناها عليه في هذا المكان الجديد تكونت له في مخها صورة مطابقة لتلك التي اختزنها عقلها الباطن في مرات سابقة... فتعرفت عليه... أما والحالة هذه فأي الألفاظ الثلاثة ـ تعبيراً عن هذا الموقف؟ لا شك هو لفظ ( بصر ) الذي ورد في النص القرآني للتعبير في إيجاز معجز عن اكتمال أركان عملية الإبصار...
وفي الآية الثلاثين من سورة النور يقول سبحانه وتعالى:
(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ).
والأبصار المذكورة هنا والمأمور بغضها ( أي: خفضها ) هي العيون التي هي النوافذ التي نطل منها على الموجودات.. والعين ـ علمياً ـ هي عضو النظر... فلماذا لم يستعمل لفظ الأنظار واستعمل بدلاً منه لفظ الأبصار؟ لو اقتصرنا على الجانب اللغوي لقلنا إن هذا نوع من البلاغة التي يستعمل فيها ما سوف يكون محل ما هو كائن ( على غرار قوله تعالى في سورة يوسف: )إني أراني أعصر خمراً ()... ولكن هذه البلاغة لها أيضاً سند علمي إذ إن النظر هو بوابة البصر، ومنع عملية الإبصار يتم بسهولة أكبر لو بدأنا بإغلاق الباب المؤدي إليه وهو العين... ومن مظاهر عدالة الله أن جميع العضلات المتحكمة في تحريك كرة العين وفي فتح الجفون وإغلاقها هي من النوع الإرادي الخاضع لسيطرة المخ وهو الذي يحوي مركز الإبصار كما يحوي مراكز الحركة أي أنه هو المتحكم الفعلي في حركة تلك البوابات التي تنفذ عن طريقها صور المرئيات إلى المخ ومن ثم يتحول النظر المجرد إلى إبصار فعلي... إذن فالأمر بالغض في آية سورة النور مقصود به الأصل والمنبع تجنباً للشر من أول الطريق المؤدية إليه...
من وحي آيات النظر:
من حيث إن عملية الإبصار هي محصلة خطوتين هما النظر والرؤية... لهذا فإن الدقة العلمية لا تتوفر أركانها إلا إذا استعمل كل من هذين اللفظين للتعبير عن الخطوة المقصودة بالذات.. فتعالوا بنا نستعرض بعض النصوص القرآنية لنرى كيف أن كلاًّ من اللفظين ( نظر ) أو (رأى ) قد استعمل بإحكام للتعبير عن الجزء الذي يخصه من عملية الإبصار.
هذا فيما يتعلق بالشق الأول وهو ( النظر )... والنظر كما نعرف جميعاً قد يكون خاطفاً وقد يطول بهدف تأمل المنظور ( إما لدراسته أو للاستمتاع بمنظره )... كما أن النظر قد يكون مقروناً بالتدبر وقد لا يكون.. وكل هذه الأحوال عبّر عنها القرآن الكريم في مواضع عديدة متفرقة وإليكم بعض الأمثلة:
يقول سبحانه وتعالى في الآية الثامنة والثمانين من سورة الصافات:
(فنظر نظرة في النجوم )
( والحديث عن خليل الله إبراهيم عليه السلام بعد طول جداله مع قومه حول قضية الإيمان ).
وفي الآية رقم 101 من سورة يونس يقول جل وعلا:
( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض )
أما في الآية السابعة عشرة من سورة الغاشية فيقول عز من قائل:
( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ).
إن الهدف من النظر في هذه الحالات الثلاث هو تأمل خلق الله واستشعار عظمته... وهذا هو شأن من أراد الله لهم الهدى.. أما النظر بلا تفكير فهو غفلة يتصف بها من عطلوا عقولهم شأن كفار قريش الذين أغلقوا قلوبهم فختم الله عليها، وعنهم يقول سبحانه وتعالى ـ مواسياً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ـ في الآية رقم 198 من سورة الأعراف:
(وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون )
مع ملاحظة أن البصر في هذه الآية ليس البصر الحسي وإنما هو مقصود بمدلوله المعنوي وهو البصيرة التي بها يمكن التمييز بين الحق والباطل.
· ونعود إلى النظر بمعناه الحسي المجرد فنقول: إن إدامته إلى ما حرم الله إثم وإلى ما يصرف عن ذكر الله لهو...
أما إدامته إلى ما أحل الله تعالى بهدف التلذذ برؤية الجمال فهو مباح.
ـ يقول سبحانه وتعالى في الآية رقم 143 من سورة الأعراف:
( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك. قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ) .
ذلك لأن الناموس الساري في الحياة الدنيا هو أن الله لا تدركه الأبصار، وهي صفة خاصة بذاته العلية ولكن يسبغها الله على من يرتضى من عباده إذا كان في معيته.. ولعل هذه المعية هي التي أعمت أبصار كفار قريش الواقفين على باب غار ثور وبداخله محمد الذي يبحثون عنه ومعه رفيقه الصديق قبيل انطلاقهما إلى المدينة.. يقول سبحانه وتعالى في الآية الأربعين من سورة التوبة:
( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذا يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )
بهذه المعية مع الله لم تدرك أبصار كفار قريش ضالتهم المنشودة وهي قريبة من أرجل خيلهم... وهذه المعية نفسها هي التي أعمت أبصارهم عنه فمحمد يوم خروجه من داره بمكة وهو يمر من بين صفوفهم وأمام أعينهم مردداً قوله تعالى: ( الآية التاسعة من سورة يس ):
( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون )
وعموماً فنحن في كلتا الحالتين أمام معجزة تتعطل أمامها كل القوانين السارية في الأحوال العادية.
بيولوجية الرؤية في القرآن:
عرفنا منذ قليل أن الرؤية هي الخطوة التالية للنظر، وأنها هي التي تتم بها عملية الإبصار.. فهي إذن الخطوة الحاسمة.. ونظراً لأهميتها فإن القرآن كثيراً ما يعطي لفظ ( رأى ) ومشتقاته الأولوية في التعبير عن عملية الإبصار كلها... خصوصاً إذا كان الهدف الرئيسي منها هو التدبر والاعتبار... وهذا التفضيل يتناسب مع كون الرؤية من الوظائف العليا التي يقوم بها المخ الإرادي وهو المتحكم في الجوارح والتصرفات... وإليكم بعض الأمثلة الدالة على ما أقول:
ففي الآية السادسة والسبعين من سورة الأنعام يقول رب العزة عن رحلة خليله إبراهيم عليه السلام مع الإيمان:
( فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين )
وفي الآيتين التاليتين في نفس السورة يتكرر استعمال لفظ ( رأى ) نائباً عن اللفظين الآخرين في التعبير عن عملية الإبصار.. وهذا مناسب لكون الهدف منها هو إثبات قضية عقلية.
وفي سورة النمل أكثر من آية استعمل فيها لفظ ( رأى ) تفضيلاً له على لفظ ( نظر ) لأهميته ودقته في التعبير عن الجزئية المقصودة من عملية الإبصار... ففي الآية العشرين يقول سبحانه:
( وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين )
من المؤكد:أن نبي الله سليمان قد استخدم عينيه في النظر هنا وهناك بحثاً عن الهدهد المنشود ـ قبل أن يصرح بعدم رؤيته. وأنه ـ عليه السلام ـ وهو يتفقد الطير كان يستحضر في ذهنه صورة الهدهد الغائب، وهي التي عرفها واستوعبها من عمليات إبصار سابقة.. وهذا الاستحضار هو عملية ذهنية خالصة يقوم بها مركز الرؤية.. ولهذا كان لفظ ( رأى ) أدق من أي من اللفظين الآخرين في التعبير عن هذا الموقف الذي يبدو مثل موقف أخت موسى في البحث عن شيء منشود.. ولكن في حالة أخت موسى كان المنشود موجوداً فنظرته وبالتالي أبصرته ( ولهذا استعمل القرآن لفظ البصر في قوله تعالى: )فبصرت به (أما هنا فالشيء المنشود ـ وهو الهدهد ـ ليس له وجود أي: أن النظر لم يحقق وظيفته وبالتالي لم تتم عملية الإبصار... ولم يبق إلا اللفظ الثالث الذي استعمل هنا في موضعه تماماً: )ما لي لا أرى الهدهد (.
وفي الآية الثامنة والثلاثين وما بعدها من سورة النمل يأتي ذكر عرش ملكة سبأ الذي تم نقله من مكانه في اليمن إلى مجلس سليمان في الشام في أقل من طرفة عين... وطرفة العين هي المدة الزمنية اللازمة لإلقاء نظرة واحدة.. وتعبيراً عن هذه السرعة الخارقة كان هذا الإيجاز الخاطف في التعبير متمثلاً في قوله تعالى في الآية الأربعين:
)قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي )
هنا نلاحظ ما يمكن أن نسميه ( تجسيداً بلاغياً ) للسرعة وهو يتمثل في إغفال ذكر جميع الأحداث التي تمت منذ تعهد المتكلم بإحضار العرش إلى أن رآه سليمان عليه السلام مستقراً أمامه يعني: رآه شيئاً مادياً ملموساً أمام عينيه ... ولا شك: في أنه قد ألقى عليه نظرة ( بل وربما نظرات ) ليتأمله ( خصوصاً وهو يراه لأول مرة )... ولكن التعبير القرآني أغفل عملية النظر تماماً، وتخطى هذه المرحلة ليصل بنا رأساً إلى ما بعدها وهي الرؤية التي تمت بها عملية الإبصار. وهنا يا إخواني أرجو ألا أكون بهذا التحليل قد اجترأت على قدرة الله التي يتحقق جزء ضئيل منها بصورة تذهل عقولنا عندما تحدث المعجزات الخارقة لكل قوانين الطبيعة.
الرؤى... والأحلام:
وقبل أن نختتم الحديث عن الرؤية كإحدى وظائف المخ لا يفوتنا التحدث عن إحدى صورها المذكورة بكثرة في القرآن الكريم.. تلك هي الرؤية المنامية أي: ( الرؤيا )... وهي ما نعبر عنها عادة بالأحلام حيث يقتصر العمل على ما يقوم به العقل الباطن الذي ينشط عند ضعف السيطرة على الجوارح، ولا تستعمل العين كعضو نظر ( بل لا إمكانية أصلاً لقياسها بهذه الوظيفة فإغلاق الجفون من الأعمال المصاحبة للنوم ).
وتتصدر سورة يوسف جميع سور القرآن من حيث عدد الآيات التي ورد فيها ذكر الرؤى المنامية والتي نذكر منها ثلاث نصوص، تكرر التعبير فيها عن الحدث بلفظ: ( رأى ).
وتقول الآية الرابعة من سورة يوسف:
( إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً )
وتقول الآية السادسة والثلاثون:
( ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما: إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي حبزاً تأكل الطير منه )
وتقول الآية الثالثة والأربعون:
(وقال الملك: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف )
وفي سورة أخرى هي سورة الصافات تقص علينا الآية الثانية بعد المئة موقف خليل الله إبراهيم مع ابنه:
)فلما بلغ معه السعي قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك (.ففي هذه النصوص القرآنية كلها كما في غيرها من النصوص التي تتحدث عن الأحلام كان استعمال لفظ رأى تعبيراً دقيقاً عن حقيقة الأحلام بوصفها استحضاراً لمشاهد قديمة مختزنة في الذاكرة وإعادة مشاهدتها بواسطة مركز الرؤية في المخ دون حاجة إلى عضو النظر... لأن كل مشاهد الأحلام إنما هي مرئيات مجردة ليس لها كيان مادي مجسم يمكن النظر إليه، ومن ثم ألغيت عملية النظر وبالتالي لا يحدث إبصار...
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/grap/macular-degen.jpg
الأحلام يتم بعضها باستحضار مشاهد قديمة مختزنة في الذاكرة وإعادة مشاهدتها
وهنا أرجو أن نتوقف قليلاً لتتأمل معاً التشابه الذي يكاد يكون تطابقاً ـ في البنية ولنتلمس ما في هذا التشابه من بلاغة ودقة في التعبير عن التناظر بين العمليتين المقصودتين، وكلاهما في جوهرهما من وظائف مركز الرؤية في المخ.
ثم لنتأمل اللفظ الآخر المستعمل في الفصحى والعامية للتعبير عن الرؤى المنامية وهو لفظ (أحلام )... لنجد أنه هو نفسه اللفظ الذي يعني العقول، التي يؤكد علماء النفس البيولوجي (biopsychologists)على أن الجزء الباطن منها هو مصدر المشاهد التي يتألف منها (سيناريو ) الحلم أو الرؤية المنامية..
أليس من حقنا بعد هذا أن نعتز بأن لغتنا العربية هي سيدة اللغات بدليل أن الله قد شرفها باختيارها ( وعاء ) لمعاني القرآن الكريم الذي هو سيد الكتب السماوية؟... جل من هذه مشيئته وسبحان من هذا كلامه...
هذه هي بعض الخواطر البيولوجية التي سنحت لي وأنا أتدبر معاني كلام الله سبحانه وتعالى في مجال الإبصار بشقيها الرئيسيين ( النظر والرؤية ) بوصف أن حاسة البصر هي من أعظم نعم الله علينا...
حمد الزهراني
15-12-2009, 10:46 AM
http://pic.alfrasha.com/data/media/51/s27771.gif
ابو ضاري
21-12-2009, 11:51 PM
^
^
^
بارك الله فيك
ابو ضاري
23-12-2009, 01:00 AM
احذروا ظلم النساء
يقول الحق سبحانه وتعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا” (النساء: 19).
في هذه الآية الكريمة يوجه الحق سبحانه وتعالى نداء عاما إلى المؤمنين ينهاهم فيه عما كان شائعا في الجاهلية من ظلم للنساء، وإهدار لكرامتهن، ويأمرهم بحسن معاشرتهن، وبعدم أخذ شيء من حقوقهن. وقد تعددت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزول هذه الآية الكريمة، حيث روى البخاري عن ابن عباس قوله: كانوا إذا مات الرجل يعتبرون أنفسهم أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم يعتقدون أنهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية.
وقيل: كان من عاداتهم إذا مات الرجل يلقي ابنه من غيرها أو أقرب عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها فإن شاء تزوجها بغير صداق وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، فأنزل الله هذه الآية.
وقيل: كان يكون عند الرجل امرأة عجوز ونفسه تتوق إلى شابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرث مالها فنزلت هذه الآية.
نداء إلى المؤمنين
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذي جاءهم من عند الله، لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التي حرمها الإسلام لما فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتها.
وقد وجه سبحانه وتعالى النداء إلى المؤمنين فقال: “يا أيها الذين آمنوا” ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ كل مكلف فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام أم من غيرهم. وفي مخاطبتهم بصفة الإيمان تحريك لحرارة العقيدة في قلوبهم، وتحريض لهم على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإيمان من طاعة لشريعة الله تعالى.
وليس النهي في قوله سبحانه: “لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها” منصبا على إرث أموالهن كما هو المعتاد، وإنما النهي منصب على المرأة ذاتها كما كانوا يفعلون في الجاهلية.
وقوله سبحانه: “ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة” نهي آخر عن بعض الأعمال السيئة التي كان أهل الجاهلية يعاملون بها المرأة. أي: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا يحل لكم أن تعضلوهن، ومعنى العضل: التضييق والحبس والمنع.. والمراد به هنا: منع المرأة من الزواج والتضييق عليها في ذلك، سواء أكان هذا المنع والتضييق من الزوج أم من غيره.
عاشروهن بالمعروف
ثم أمر الله تعالى الرجال وخصوصا الأزواج بحسن معاشرة النساء فقال: “وعاشروهن بالمعروف”.
أي: وصاحبوهن وعاملوهن بالمعروف، أي بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل من الأفعال الحميدة، والأقوال الحسنة.
قال الإمام ابن كثير من تفسيره لهذه الآية: قوله تعالى: “وعاشروهن بالمعروف” أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت مثله، كما قال تعالى: “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”.
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن يسترسلوا في كراهية النساء إن عرضت لهم أسباب الكراهية، بل عليهم أن يغلبوا النظر إلى المحاسن، ويتغاضوا عن المكاره، فقال تعالى: “فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا”. أي: فإن كرهتم صحبتهن وإمساكهن فلا تتعجلوا في مفارقتهن، فإنه عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله لكم في الصبر عليه وعدم إنفاذه خيرا كثيرا في الدنيا والآخرة.
ابو ضاري
01-01-2010, 07:25 PM
سورة البقرة:
هي أول سورة نزلت في المدينة بعد الهجرة أي مع بداية تأسيس الرسول صلى الله عليه وسلم للدولة الإسلامية .
فضل سورة البقرة:قال صلى الله عليه وسلم:" يُؤتَى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعمَلونَ به في الدنيا تَقْدُمُهُ سورة البقرة وآل عِمران تُحاجَّان عن صاحبهما (وفي رواية: كأنَّهُما غَمامتان أو ظُلَّتان )" رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم:" البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان"رواه البخاري
هدف السورة :
هو الاستخلاف في الأرض.
فهي تكلم الأمة تقول لهم: أنتم مسؤولون عن الأرض،ولأنك يا مؤمن مسؤول عن الأرض فيجب أن تنفِّذ ما جاء بها من تعليمات ليتحقق مراد الله منك.
،وهذا يعني أن تعيش على الأرض كما تشاء ولكن بتعليمات الله حتى تُذَلَّل لك هذه الأرض.
مكوِّنات السورة:
إن سورة البقرة مقسمة إلى :
مقدمة
قسمين
خاتمة
المقدمة:يرد فيه نماذج من الناس كانوا يعيشون قبلنا وكانوا مسؤلون عن الأرض مثلنا، منهم من نجح،ومنهم مَن فشل.
فالربع الأول من السورة عبارة عن مقدمة،والثاني يتحدث عن آدم،والثالث حتى السابع عن بني إسرائيل،والثامن نموذج ناجح للاستخلاف وهو إبراهيم عليه السلام.
فنرى في الربع الأول أصناف الناس :
المتقين(في الآيات 1-5)
الكافرين(في الآيات6-7)
المنافقين(في الآيات 8-20)
ونرى في الربع الثاني: تجربة آدم , وهي الاستخلاف
ونجد آية محورية وهي:" وعلَّمَ آدم الأسماءَ كُلَّها " أي علَّمه تكنولوجيا لحياة،أي كيف يكون مسؤولاً عن الأرض ،وقد جاءت بعد" إنِّي جاعِلٌ في الأرضِ خَليفة" أأنه بدون علم وتكنولوجي مع العبادة الن تستطيع أن تقود الأرض ،فالعبادة بدون علم لا تصلح،والعلم بدون عبادة لا يصلح !!!
بينما في الربع الثالث نرى تجربة بني إسرائيل: كأن أول آية في قصتهم " أنِّي فضَّلتُكُم على العالَمين"مع أن أول آية في قصة آدم" إنِّي جاعِلٌ في الأرضِ خليفة"أي أنتم يا بني آدم مسؤولون عن الأرض، وأنتم يا بني إسرائيل أنعمت عليكم بنعم كثيرة،ونرى هذه النعم في آياتٍ متتالية: وهي الآيات أرقام: 57،52،50،49 .
وهذا يعني : لماذا لا تشكروني وتعبِّدوا الأرض لي رغم كل هذه النِّعَم التي أنعمتُ عليكم بها؟
وتقول الآية(60-61) يا أُمَّة محمد: إعتبروا مِمَّا حدث مع موسى ، والأخطاء الشديدة لبني إسرائيل التي جاءت في قصة البقرة،فهم أُناس ماديون لا يعترفون إلا بالماديات الملموسة،لذلك أوضح الله تعالى لهم أنه يستطيع إحياء النوتي بالمَوتى.
وفي هذه القصة تتضح بعض صفاتهم و هي:
الجدل الشديد
العند الشديد
عدم تنفيذ أوامر الله تعالى
والتحايل على شَرع الله
ولقد سُمِّيَت هذه السورة بسورة البقرة لتقول لأمة محمد صلى الله عليه وسلم:يا أمة محمد أنتم مسؤولون عن الأرض فإيَّاكُم والوقوع في مثل هذه الأخطاء التي وقع فيها مَن قبلكم ،فيستبدلكم
ثم تأتي الآية رقم 104 "يا أيها الذين آمنوا " هذه أول مرة يُذكر فيها المؤمنين،أي أنه أول نداء للمؤمنين،وهنا يحدث المسلمين فيقول لهم:" تميَّزوا عنهم لا ترددوا مصطلحاتهم ،قولوا" انظُرنا "،ولا تقولوا "راعِِنا"
وفي أول الربع الثامن تأتي آخر تجربة في الخلافة وهي تجربة إبراهيم عليه السلام
،لاحظوا:
كانت تجربة آدم تمهيدية
ثم جاءت تجربة بني إسرائيل الفاشلة
ثم تجربة إبراهيم وهي تجربة ناجحة وكأن تجربة إبراهيم تقول لنا:" يريدكم الله تعالى مسؤولون عن الأرض ولكن بشكل متميز عن الكفار،وحين أختبركم يجب أن تكونا على قَدر المسؤولية،كما أ، الاستخلاف في الأرض ليس فيه محاباه،وإنما هو للطائعين فقط،فحينما طلب إبراهيم الخلافة لذريته،قال له الله تعالى " لا ينالُ عهدي الظالمين"
وتأتي الآية:" قولوا آمَنَّا بالله وما أُنزل إلى إبراهيم و...." وهي توضِّح مَن هم "الذين أنعمتَ عليهم" التي وردت في الفاتحة!!!!!
لاحظوا أيضاً:
بدايات القصص الثلاث:
قصة آدم"إنِّي جاعل ٌفي الأرض خَليفة" فقد خُلق آدم للخلافة وليس للبقاء في الجنة.
بداية قصة بني إسرائيل:" اذكُروا نعمتي التي أنعمتُ عليكم" رغم كل النعم فقد قابلوها بالجحود والكفر
بداية قصة إبراهيم:" إنِّي جاعلُكَ للناسِ إماماً" لأنه يستحق ذلك لأنه نجح في الاختبار.
ولاحظوا أن الاختبار للثلاثة كان في طاعة الله تعالى : الشجرة، وأوامر بني إسرائيل،وذبح إسماعيل.
ثم يقول الله تعالى : يا مَن رأيتم هذه التجارب تعلموا منها ثم تعالوا نعطيكم أوامر ونواهي للأمة المسؤولة عن خلافة الأرض.فنجد في الربع الأول من الجزء الثاني: غيِّروا القِبلة(وهو اختبار عملي في الطاعة)،والدليل:" وما جعَلنا القِبلة التي كُنتَ عليها إلا لِنعلمَ مَن يتَّبعُ الرسولَ مِمَّن ينقلبُ على عَقِبَيه"!!!!
وهدف آخر هو أن تتميز هذه الأُمة حتى في قِبلتها.
وهنا يجب أن نتوقف: يا شباب الأُمَّة إيَّاكُم أن تُقَلِّدوا الكفار في تصرفاتهم وعاداتهم تقليداً أعمى فأنتم من أمة ميَّزها الله وجدير بكم أن تفخروا بانتمائكم لهذه الأُمة!!!!
هل تريدون الدليل على تميُّزكم؟!!! يقول الله تعالى :"وكذلِكَ جَعَلناكُم أُمَّةً وَسَطاً لتكونوا شُهداء على النَّاس ويكونَ الرسول ُعلَيكُم شهيداً" فأنتم ستشهدون على الخلائق يوم القيامة فكيف لا تكونوا متميزين وتتمسكوا بهذا التميُّز؟؟؟!!!
ثم تأتي أول آية في الربع الثاني:" إنَّ الصَفا والمَروة من شعائر الله" لماذا؟!!!
لأن المسلمين حين سمعوا آيات التميُّز قالوا:" لن نسعى بين الصفا والمروة بعد الآن لنختلف عن الكفار الذين كانوا يسعون بينهما وعليهما الصنمين: إساف، ونائلة!!! فقال لهم الله تعالى : " عودوا إلى هذه الشعيرة بعد تحطيم الأصنام، ولا بأس من السعي ،فهو تذكرة للأجيال القادمة بهاجَر وإسماعيل ومعجزتهما "
وهنا نلاحظ التوازن ، فالمؤمن متميز ولكنه متوازن، فلا يخالف الكفار في كل شيء وإنما يتَّبع تعليمات ربه في ذلك.
بعد ذلك نقرأ الآية:" ليسَ البِرَّ أن تُوّلُّوا وجوهَكُم قِبَلَ المَشرق والمغرب .." هذه الآية تشمل الإسلام كله: عقيدة وأخلاق وعبادات...فيعد التميز يا أمة محمد أطيعوني،فليست القضية هي تغيير اتجاه القِبلة ولكن المهم هو التقوى والإصلاح الشامل لحياتكم.
ثم تبدأ الآيات في سَرد الأوامر والنواهي المطلوبة لتشرح معالم هذا الإصلاح الشامل:
1- التشريع الجنائي (الآية179)
2-التَرِكات والوصية(الآية 180)
3-التشريع التَعَبُّدي(الآية 183)
4- الجهاد (للمحافظة على المنهج وحمايته)
5-الإنفاق.
6-الحج(وهو أول تدريب على الجهاد لأن طبيعة الحج هو الاستسلام الكامل للأوامر والنواهي وتحمُّل كل الظروف،والصبر على الطاعة)...كم نلاحظ أن الحج هو استجابة الله تعالى لدعوة براهيم عليه السلام"و أرِنا مناسِكَنا"..زكما نلاحظ أن سورة البقرة هي لوحيدة لاتي شملت كل أركان الإسلام الخمسة بتفاصيلها:التوحيد " يُؤمِنون بالغَيب "،والصلاة، والزكاة ،والصيام ،والحج"
7-بناء و تكوين الأُسرة
8-المنهج الاقتصادي
نلاحظ أيضاً أن كل تشريع من التشريعات الثمانية مختوم بكلمة التقوى!!!
أي أنك لن تنفذ هذه التعليمات إلا إذا كُنتَ تَقِيَّاً
فالإطار العام لتنفيذ المهج هو: الطاعة- التميُّز- التقوى
والعجيب أن كل آية من آيات سورة البقرة نجدها مختومة بإحدى هؤلاء الثلاث!!!!!!!!
بعد ذلك تأتي آية مِحورية وهي:" يا أيُها الذينَ آمَنوا ادخُلوا في السِّلم كافَّة" والسِلم هو الإسلام،أي لا تُقلِّدوا الكفار الذين يؤمنون بِبَعضِ الكتاب ويكفرون ببعض...وإنما خُذوا دين الإسلام كما هو كاملاً مُتكاملاً !!!
وهنا ملحوظة للشباب الذين يلتزمون بالصلاة ثم يفعلون المعاصي، والفتيات اللاتي تقُلن أنا مؤمنة بقلبي وأخلاقي عالية،وأفعل الكثير من الطاعات ،إذن فالحجاب غير ضروري!!!!
بعد ذلك تأتي آيات الأسرة وكلٌ منها مختومة بالتوصية بالتقوى!!! أي أن إقامة الأسرة والحفاظ عليها يحتاج إلى التقوى كأساس،وقد تأخر ذكر الأسرة بعد الحج والصيام،وكأن الله تعالى يريد أن يقول لنا: إن تنفيذ أحكام الأسرة يحتاج إلى تقوى عالية لتنفيذها،فأقيموا الصلاة وصوموا وحجُّوا،لعل ذلك يصل بكم إلى التقوى،فتُنفِّذوا أحكام الأسرة كما يريدها الله سبحانه.
جاءت بعد ذلك قصة طالوت وجالوت وهما اثنان من بني إسرائيل تخلَّوا عن نُصرة الدين والجهاد في سبيل الله ،ليقول لنا: هذا الدين شديد،يحتاج للجهاد من أجل الحفاظ عليه.
بعد ذلك جاءت أعظم آية في القرآن الكريم، وهي آية الكُرسي .
ومكانها هنا يدل على أن هذا المنهج الذي رسمه لنا المَولى جل جلاله ثقيل وشديد،لذلك فالمؤمن يحتاج لأن يستشعر جلال الله لكي يعينه على التنفيذ وعدم الانحراف عن المنهج.
بعدها جاءت الكلمات:" لا إكراهَ في الدين"
فمَن أراد أن يؤمن فَبِها ونِعمَت ،ومن أراد أن يكفر فله مُطلق الحرية،ولكن لا يلومنَّ بعد ذلك إلا نفسه!!!!
ثم يروي لنا القرآن ثلاث قصص لإبراهيم مع النمرود، وعُزَير،وإحياء المتى أمام إبراهيم،وكيف يا مؤمن بعد هذه القصص التي تؤكِّد حياة الله ، و َقيُّوميَّته لا تستشعر جلال الله وقُدرته؟!!!!!
ويأتي بعد ذلك المنهج الاقتصادي ومحاربة الربا بشكل شديد:
"فَأذَنوا بِحَربٍ من اللهِ ورسوله"
ليس ذلك فحَسب وإنما كعادة الإسلام حين يُحَرِّم شيئاً فهو يقدم البديل،يقول أن البديل هو الإنفاق.
وتُختَتَم السورة بأحلى ما فيها بعد التعليمات والتكاليف:" آمَن الرسول"،وقالوا سمِعنا وأطَعنا" وهي كلمة كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر: سمعاً وطاعةً لك يارب.
ثم الاستغفار: "غُفرانَك ربَّنا" (إن قصَّرنا يا رب فاغفر لنا)
ثم الدعاء:" لأن الاستمرار في الطاعة والثبات عليها يحتاج طلب المعونة من الله تعالى
"لا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إلَّا وُسعها"(رحمة بعد التكاليف)
"يا رب أعِنَّا على الالتزام بهذا المنهج لأن هناك أعداء سيتربصون بنا ويبذلون جهدهم ليحيدون بنا عنه ،ويحيلون بيننا وبين تنفيذ بنوده "فانصُرنا على القوم الكافرين"
ابو ضاري
03-01-2010, 07:17 PM
الله سبحانه وتعالى الانسان بقدرات محدودة وامكانات محدودة، فحواس الانسان كلها مقيدة في حدود لا تتعداها في الحياة الدنيا، وانظر الى قوله تعالى في سورة الحاقة “فلا أقسم بما تبصرون(38) وما لا تبصرون(39)” وفي سورة الإنسان “نحن خلقناهم وشددنا أسرهم(28)”.
يوم القيامة ترفع بعض الحجب وتتكشف للانسان بعض المغيبات عنه فيسمع ما لم يكن ليسمع ويرى ما لم يكن يراه في الحياة الدنيا، وتدبر قوله تعالى في سورة السجدة “ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون(12)” وفي سورة (ق) “ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد(20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد(21) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد(22)” وفي سورة الفرقان “يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا(22)” وها هو الشيطان يقف يوم القيامة ليعترف على رؤوس الأشهاد فيراه الجميع ويسمعونه وهو يقول “.. إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم(22)” (سورة إبراهيم).
مخلوقات مجهرية
والحقيقة ان ما لا نبصره وما لا نسمعه وما لا نشعر به لا يعني فقط المغيبات عنا مثل الملائكة والجن وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، بل يعني كذلك الكثير الكثير من المخلوقات الموجودة في الأرض وفي السماوات مما تؤثر في حياتنا سلبا وايجابا من دون ان نشعر بها.
قف امام جدار على بعد امتار عديدة منك، وحاول ان ترى نملة تقف أو تتحرك على ذلك الجدار فلن تراها، ولكنك حين تقترب من الجدار كثيرا فسوف تراها وتتضح امام عينيك كلما اقتربت اكثر واكثر حتى يمكنك في النهاية ان تميز أرجلها وجسدها، فهل كانت النملة موجودة على الجدار قبل ان تراها؟ ولماذا لم تبصرها عيناك إلا بعد ان اقتربت منها كثيرا؟
وإنك حين تنام فإنك تنظر الى الوسادة جيدا لترى إن كان عليها شيء أو حشرات فلا ترى شيئا، عندها تنام مستريحا قرير العين، ولكن الحقيقة غير ذلك، فهناك عليها من الكائنات الدقيقة ما لا تستطيع العين ان تبصره، ولو طالعت هذه الكائنات من خلال مجهر (ميكروسكوب) لما ذقت طعم النوم ولكنك والحمد لله لا تبصرها بعينيك.
وهكذا فهناك من المخلوقات ما لا حصر لها تحيط بنا من كل مكان، وتعيش على ملابسنا وجلودنا وداخل أجسامنا ولا تمكننا رؤيتها بأعيننا، ولكننا عرفناها عندما اكتشفنا المجهر الضوئي الذي استطعنا بوساطته ان نرى المخلوقات الدقيقة حتى البكتيريا، ثم المجهر الالكتروني الذي رأينا بوساطته الفيروسات، وذلك لأن المجهر يقوم بتكبير صور تلك المخلوقات عشرات ومئات وآلاف المرات فنرى تلك (الصور) بأعيننا وكأننا نرى تلك الكائنات حقيقة.
هذا نوع مما لا نبصر، موجودات حقيقية ومخلوقات في كل مكان. لا تستطيع العين رؤيتها وذلك ان شبكية العين مهيأة لتمييز الأشياء التي تصل اليها صورتها في حدود محددة من الحجم والمساحة، فكلما صغر الشيء أو بعد عن العين ضاقت وصغرت زاوية الصورة الواصلة الى العين فلا تستطيع الشبكية تمييزها إلا إذا زادت على حد معين، ولذلك فأنت ترى الطائرة حين تقلع للطيران بحجمها الطبيعي ثم يصغر حجمها امام عينيك كلما بعدت حتى تختفي تماما، فهل يعني ذلك انها غير موجودة؟ كلا، بل هي موجودة ولكن لا نبصرها وهكذا الحال بالنسبة لكل جسم أو شيء بعيد عنا سواء على الأرض أو في السماء.
حاجزا المكان والزمان
وبالطبع فإننا لا نبصر الأشياء التي يحول بيننا وبينها حاجز كبناء أو جبل أو غير ذلك، كما لا نبصر الأشياء التي يحول بيننا وبينها حاجز الزمان سواء الماضي أو المستقبل، فهل يستطيع أي انسان ان يرى بعينيه ما حدث منذ لحظة أو سنة أو قرن من الزمان، أو أن يعلم عنه شيئاً إلا بخبر صادق ممن رآه، أو يأتي الخبر من الخالق سبحانه وتعالى، كما جاء في كثير من الآيات مثل قوله تعالى: “ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل(1) ألم يجعل كيدهم في تضليل(2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل(3) ترميهم بحجارة من سجيل(4) فجعلهم كعصف مأكول(5)” (سورة الفيل)؟ فهذا حدث لم يره الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن رآه كثير من أهل مكة ولذلك لم ينكر أي واحد منهم ما قصته السورة عن تلك المعجزة، وينقل القرآن الكريم الناس الى موقع الأحداث مبينا بعض تفاصيلها ويؤكد حدوثها رغم ان أحداً من معاصري الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرها. ولذلك تبدأ تلك الآيات دائما بقوله تعالى “ألم تر” و”ألم يروا” وهي في كتاب الله كثيرة وكلها أمثلة لما لم نبصر ولا نبصر بأعيننا ولكن يأتينا خبرها، وكذلك الحال في أخبار القرون الأولى وأخبار المعاصرين، وما يخبرنا عنه القرآن الكريم عن أحوال الآخرة من بعث وحساب وثواب وعقاب وجنة وجحيم.
والحقيقة العلمية تؤكد الحقيقة القرآنية بأن العين لا تبصر كل شيء، فالعين ترى ما يصل اليها من مكونات الضوء الأبيض، وهي الألوان التي نراها عند تسليط شعاع ضوئي على مخروط زجاجي، أو عند تشتت ضوء الشمس بوساطة جزيئات الماء والبخار في الأيام الممطرة فنرى ما يعرف ب (قوس قزح) وهي الألوان الأحمر والأصفر والبرتقالي والأخضر والنيلي والأزرق والبنفسجي.
ويتحدد اللون بطول الموجات الضوئية، ولذلك فما خرج عن تلك الألوان لا تراه العين أي لا نبصره، مثل الموجات تحت الحمراء وفوق البنفسجية وحتى ألوان تستطيع بعض الحيوانات والطيور تمييزها ورؤيتها. وهناك بعد ذلك موجات لا حصر لها لا تستطيع العين البشرية تمييزها أو رؤيتها، مثل الأشعة السينية وأشعة ألفا وأشعة بيتا وأشعة جاما وغيرها مما لا ندري عنه إلا القليل، وقد استطاع الانسان بآلاته ان يكتشف وجود بعض تلك الاشعاعات بل ويستفيد منها في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والطبية والهندسية وغير ذلك، وكلها تدخل ضمن (ما لا تبصرون) رغم وجودها وآثارها في حياتنا.
تمثل الملائكة
ويخبرنا الحق تبارك وتعالى عن الملائكة وكيف انهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، كما جاء في أول سورة (فاطر) ولكننا لا نبصرهم فهل رآهم أحد على هيئتهم تلك؟ وهم قادرون على التحول الى صورة بشرية بحيث تمكن رؤيتهم والتحدث اليهم، كما حدث مع إبراهيم عليه السلام “ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ(69) فلما رءآ أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا الى قوم لوط(70)” (سورة هود) فهم لا يأكلون طعاما ولا يشربون، وقد ذهبوا الى لوط عليه السلام فرآهم وتحدث اليهم ورآهم قوم لوط “ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب(77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات..(78)” (سورة هود)، وتمثل الملك للسيدة مريم عليها السلام “فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا(17) قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا(18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا(19)” (سورة مريم) وتستمر المحاورة بينهما كما جاء في السورة، وذلك زكريا عليه السلام يسمع نداء الملائكة “فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب(39)” (سورة آل عمران)، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يرى جبريل عليه السلام ويرى الملائكة، ورأى الصحابة جبريل عليه السلام في الحديث المشهور عندما جاء يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان وعن الساعة وأشراطها.. فالملائكة مخلوقون من نور، جوهرهم غير جوهرنا، يروننا ولا نراهم، يتمثلون بصورنا ولا نتمثل بصورهم، وقدراتهم غير قدراتنا وأكبر وأشمل، ومع واقع وجودهم فنحن لا نبصرهم.
عالم الجن
وكذلك الجن ومنهم الشياطين لا تمكننا رؤيتهم إلا إذا تمثل أحدهم في صورة انسان أو غيره، وقد رأى آدم عليه السلام ابليس الرجيم في الجنة قبل هبوطه منها حين حذره الله سبحانه وتعالى منه ومن عداوته وكيده “... إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117)” (سورة طه) وقد سخر الله الجن لسليمان عليه السلام يعملون له اعمالا كثيرة ويبنون له تماثيل ومحاريب وجفاني كبيرة وقدوراً راسيات وغير ذلك، وكان العرب قبيل ظهور الإسلام يسمعون أصوات الجن، وتمثل أحدهم للرسول عليه الصلاة والسلام فأمسك به الرسول صلى الله عليه وسلم وكاد ان يربطه بسارية المسجد لولا ان تذكر دعوة أخيه سليمان عليه السلام “رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي” كما جاء في الحديث الصحيح، كما تمثل لأبي هريرة يطلب منه مالاً اكثر من مرة كما جاء في الصحيح، وقد تمثل للكفار قبيل غزوة بدر في صورة حليفهم سراقة بن مالك وقال لهم “لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب(48)” (سورة الانفال) فقد رأى الملائكة ورآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم بعض الصحابة رضوان الله عليهم. ولكننا لما خلقنا الله عليه وفطرنا لا نبصر الملائكة ولا الجن إلا إذا شاء سبحانه وتعالى.
أصوات لا نسمعها
أما السمع فإننا كذلك لا نكاد نسمع شيئا من مخلوقات الله في الأرض أو السماء، فإن ما نسمعه بالنسبة لما لا نسمعه يكاد يقترب من الصفر، وذلك أننا نسمع الأصوات التي تقع ذبذبات ترددها من عشرين إلى عشرين ألفاً في الثانية الواحدة، وما قل عن ذلك لا نسمعه وما زاد على ذلك لا نسمعه، والحقيقة ان هناك من الأصوات ما يزيد تردد موجاتها على العشرين ألفاً والمائة ألف واكثر واكثر الى ما لا نعلمه، ومن الأصوات ما يقل تردد موجاتها عن العشرين من الثانية وأقل وأقل الى حدود لا نعلمها، وبالتالي فإن مجال مسموعات الأذن البشرية محدود للغاية، كما اننا لا نسمع الأصوات التي تقل شدتها أي قوتها عن حد معين مثل اصوات الحشرات والميكروبات والنباتات بل اصوات ما يحدث داخل اجسامنا من أنشطة وتفاعلات لا حصر لها وإلا اصبحت حياتنا ازعاجا لا يطاق.
هل سمع احدنا ما يصدره الوطواط من اصوات تلتقط أذناه صداها بسهولة وسرعة فائقة فيحدد اتجاه حركته وسرعته أثناء طيرانه؟ وهل تعلم ان اكتشاف الانسان لذلك هو الذي أدى الى اكتشاف الرادار وموجاته التي لا نسمعها كذلك؟
إن كوننا لا نسمع الأصوات الضعيفة أو البعيدة لا يعني انها غير موجودة بل يعني اننا لا نسمعها، فعندما تجلس في غرفة أو في أي مكان فإن هناك أصواتاً لا حصر لها تحيط بك ولكنك لا تسمعها، فقط شغل جهاز الراديو وحرك مؤشر الموجات فستسمع الأصوات القادمة اليك من كل انحاء العالم، ولكنك لا تسمعها.
وهكذا فإننا لا نرى ولا نسمع أكثر مخلوقات الله عز وجل رغم وجودها واكتشافنا لوجود كثير منها، فكيف بالخالق عز وجل الذي ليس كمثله شيء، والذي يدرك الابصار ولا تدركه الأبصار، والذي قال الرسول عليه الصلاة والصلام عنه سحبانه وتعالى حينما سئل: هل رأيت ربك؟ فكانت اجابته “نور أنى أراه”؟ تعالى الله سبحانه عما يقول المشركون علوا كبيرا.
موجودة.. ولكن لا نراها
يتحدد اللون بطول الموجات الضوئية، ولذلك فما خرج عن تلك الألوان لا تراه العين، أي لا نبصره، مثل الموجات تحت الحمراء وفوق البنفسجية، وهي ألوان تستطيع بعض الحيوانات والطيور تمييزها ورؤيتها، وهناك بعد ذلك موجات لا حصر لها لا تستطيع العين البشرية تمييزها أو رؤيتها، مثل الأشعة السينية، وأشعة ألفا، وأشعة بيتا، وأشعة جاما، وغيرها مما لا ندري عنه إلا القليل، وقد استطاع الانسان بآلاته ان يكتشف وجود بعض تلك الاشعاعات، بل ويستفيد منها في مختلف المجالات.
ابو ضاري
07-01-2010, 10:52 AM
الروح وعلم الجينات الحديث
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1201293774406866654_5856bfbc5a_m.jpg
صورة لبيضة ملقحة في حالة الانقسام
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً } [الإسراء: 85].
في ظل الدراسات الحديثه القائمة اليوم والتي يعكف العلماء عليها للتوصل حول حقيقة الكائن البشري وماهية التركيب الجزيئي له معلقين شتى الامال حول علاج الامراض المستعصيه التى أرقت عصرنا فقد إستجدت علوم جديده إختلفت الاراء حول موقف التشريعات الإلهيه والدينيه منها راجعا إلى السبب إلى الخوف من خلط الأنساب فما أن إستحدث علم الجينات والمورثات وما أن ظهرت الشفرات الوراثيه بدأ العلماء يخضون تجاربهم حول إمكانية إستخلاص خلايا جديده لربما تكون مستقبلا بدائل وحلولا للخلايا المعطوبه و لعل من أكبر الأحداث التى أثارت ضجه في العالم هي ظاهرة الاستنساخ "النعجة دولي " وكيف أن الخوف قد علا على الساحات العلمية والإجتماعيه وفي هذا المقال أحب أن أسلط الضوء عن تكوين الخلايا البشريه وأصلاها وكيف أن الروح هي سر الإبداع الإلهي لإحياء هذه الخلايا التى لا تعد من أن تكون مواد أوليه.
الخلية هي وحدة التركيب والوظيفة في الكائن الحي ويعنى بالكائن الحي هنا إشارة إلى وجود الروح فلورجعنا لمنشأ الخلية الحية من أول خلقها لبدأنا رحلتنا حيث نرجع إلى أصغر جزء من المادة ألا وهي ذرات العناصر المكونه للمواد الحية ألا وهي ذرات الكربون والهيدروجين والاوكسجين والنتروجين والمعادن الاخرى مثل الحديد والفسفور وهي أيضا المكونات الاساسيه للتربه لقوله تعالى:{ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم تنتشرون} الروم (20 ) وتعبر الذرات في هذه الحاله مفرده في الصورة الغير عضوية وما أن تتحد مع بعضها البعض بنسب مختلفه تصبح مواد عضوية جديده "نظرا لوجود ذرات الكربون" لا تقل أهميه عن تلك العناصر التى أتت منها مفرده فلوتخلينا أننا أستطعنا تجميع الذرات مع بعضها البعض بإستخدام أحدث التقنيات الحديثه مثل تقينة النانو المتناهية الصغر وكونا السكريات الخماسية الغير مؤكسده ومن ثم قمنا بتجميعها بكميات كبيره لنحصل على جزيء واحد من الدي إن إيه DNA وضعفناه حتى نصل إلى الكروموسوم الواحد ولله المثل الأعلى فهذا لا يعني بالمفهوم العلمي أننا إستطعنا تخليقه لأنه يبقى حتى الأن مجرد جزيء معقد التركيب مهما إستطاعنا الحصول علية مخبريا وحيث الكروموسومات توجد بداخل أنوية الخلايا والتى تتحد مع بعضها البعض مكونة الأنسجة التى ما تلبث أن تتخصص إلى الأعضاء مكونة الكائن الحي الكامل فإنه ينقصها مفتاح الحياة ألا وهو الروح لقولة تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً } [الإسراء: 85].
http://www.55a.net/firas/ar_photo/1201293730270px-gene.png
الشكل التالي يبين الجينوم البشري
وحتى علم الاستناخ وعلم الخلايا الجذعيه كلها لا يمكن نجاحها بدون وجود الروح الموكله بأمر الله تعالى وحده ولا تسطيع اليد البشريه مهما بلغ علمها التدخل في ذلك والدليل الواضح على ذلك هوأن الجنين في رحم أمه عند بدأ خلقه يكون مجرد نطفة ثم علقه ثم مضغة إلى أن تبدأ مرحله تشكيل الجنين وهنا يبعث الله بأمره ملك موكلا بهذه الروح فتدب الحياة في الجنين بعد120 يوما من تكوينه أي خلال الشهر الثالث يقول تعالى : {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة * فخلقنا العلقة مضغة * فخلقنا المضغة عظاما * فكسونا العظام لحما * ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين}المؤمنون (12- 14)
وفي كلا العلمين المستحدثين يحتاج علم الاستنساخ إلى وجود البيئه الروحيه التى ينموبها وهي بداخل رحم الام المضيفه وفي علم الخلايا الجذعيه يحتاج إما إلى خلايا الإنسان البالغ من نخاع العظم عادة أو الحبل السري فور ولادة الجنين وحفظها في بنوك خاصه. ومهما إستطاع العلماء تخصيص هذه الخلايا إلى أعضاء هامة مثل القلب أو الكلى فهي تبقى مجرد أعضاء بلا روح لا تدب بها الحياة الا بداخل كائن حي يملك روحا يقول الدكتور حسين اللبيدي (http://55a.net/firas/arabic/index.php?page=pro_alem&id=25&select_page=allem)مدير مستشفى وعضو هيئة الإعجاز العلمي بمكة المكرمة وعضو جمعية الإعجاز العلمي بالقاهرة وجنوب الوادي في موقع الإعجاز العلمي للفرأن والسنه "وباختصار العملية ما هي إلا وضع نطفة أمشاج مخلوقة لله وجاهزة مسبقاً في رحم مجهز لذلك ليتم بعدها تخليق الجنين بإذن الله خلقاً من بعد خلق، وكل أفعال العلماء -وهم عباد الله - تدور حول منطقة النطفة لا تتعداها وكل أفعالهم ما هي إلا عملية تؤدي إلى تصيير نطفة أمشاج في رحم مجهز لاستقبالها فهي عملية نقل أوتحويل لا خلق فيها وتدخل تحت مسمى (الجعل) " دلالة على ضرورة وجود الروح ومهما أنُكرت حقيقة الوجود ونسبت العلوم إلى الطبيعة تبقى الذات الالهيه لله الواحد القهار ولا تملك النفس البشريه منها أي شيء مهما بلغت من تقدم وتطور.
وأخيرا يبقى علماء العلوم المختلفه وخاصة الكيمياء الحيوية منهم مهما وصلومن تقدم هائلا لا ليس بيدهم إلا أن يقفوأمام عظمة الخالق في نفخ الروح وبعثها تاركين وراء ظهورهم مجال الشك بعيدين كل البعد في التدخل في مسألة الخلق التي هي من إختصاص الله وحده فتبارك الله أحسن الخالقينش
ابو ضاري
17-01-2010, 01:10 AM
بقلم العلامة الشيخ عبد المجيد الزنداني
لقد جئنا من عالم الغيب، وسننتقل إلى عالم الغيب مرة أخرى. ولكل عالم سننه الخاصة به والانتقال من عالم إلى عالم، يصحبه تحول في السنن التي تحكمنا أثناء ذلك الانتقال. ألا ترى أن السنن التي تحكمنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا تختلف عن السنن التي تنتظرنا خارج الرحم، بل إن السنن التي تحكم سكان الأرض على سطحها تختلف عن السنن التي تحكم رواد الفضاء خارج الأرض، فكيف بالسنن التي تنتظرنا بعد موتنا وخروجنا من الحياة الدنيا ؟! ولا يستطيع أحد أن يخبرنا خبراً يقينياً قاطعاً عن مستقبلنا الذي إليه نسير إلا الذي ينقلنا إليه، وهو الله سبحانه. من أجل ذلك أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام لإخبارنا عن مستقبلنا وطبيعة الحياة والسنن التي ستواجهنا في تلك المرحلة من الحياة بعد الموت. قال تعالـى﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ(15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(16)﴾(غافر:15-16).
أدلة الإيمان باليوم الآخـــر
1- الإخبار عنه في القرآن والسنة: إن الذي خلق اليوم الآخر وخلق الجنة والنار قد أخبرنا عما أعد لعباده المؤمنين، وتوعد به الكافرين. فقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(6)وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ(7)﴾ (الحج:6-7).
وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ(5)وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ(6)﴾ (الذاريات:5-6). وقال تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ(3)بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(4)﴾(القيامة:1-4).وقال تعالى﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ (التغابن:7).
وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن اليوم الآخر وهو الذي زار الجنة ورأى النار في ليلة الإسراء والمعراج فهو شاهد العيان الصادق الذي لا ينطق عن الهوى فقال صلى الله عليه وسلم: عندما سأله جبريل عن الإيمان: ( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) (1).
كما ذكرت السنة النبوية كثيراً من تفاصيل أحداث اليوم الآخر كالبعث والحشر والموقف والحساب والصراط والميزان والجنة والنار. ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً) (2) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟ فَقَالَ: الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ). (3)
ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، في ذكر النفخات التي تسبق قيام الناس من القبور، وفيه (ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ)، قال (لَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). (4)
وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الميزان بقوله (مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ).(5)
وقوله صلى الله عليه وسلمفي وصف الصراط (وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَبِهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ (6)،قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو ). (7)
وقال صلى الله عليه وسلم عن القنطرة (إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ (8) بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا). (9) وقال صلى الله عليه وسلم(إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ..). (10) وقال صلى الله عليه وسلم (قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ، حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ:أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ – حسبت أنه قال:تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ. قُلْتُ:مَا شَأْنُ هَذِهِ؟قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا،لاَ هي أَطْعَمَتْهَا وَلاَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ – قال نافع:حسبت أنه قال:مِنْ خشيش أو خَشَاشِ الْأَرْضِ) (11)
2- استحالة العبث، ولن نترك سدى إن الحياة الدنيا بدون الحياة الأخرى تكون عبثاً، وتعالى الله عن العبث، فالحكمة ظاهرة في تضاعيف هذا الكون وبنائه وفي جميع خلايا الإنسان وأجهزته. وكل جزء في كيان الإنسان قد خلق لحكمة، فكيف تكون الحياة بأكملها عبثاً لا حكمة من ورائها؟ فلابد أن هناك حكمة، وإذا كانت لا تظهر في الدنيا فلابد من يوم آخر تظهر فيه، قال تعالى﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى(40)﴾(القيامة:36-40).
3- العدل الإلهـي إذا رأيت جباراً يعتدي على طفل صغير فإن مشاعرك ستتحرك مستنكرةً لذلك العدوان، ولكل ظلمٍ تراه. ولو أن حماراً يرى نفس المنظر للظالم ما تحركت مشاعر كراهية الظلم لديه، ذلك لأن الذي خلقك قد فطراك على حب العدل (12) ولم يفطر الحمار على ذلك.وكل مخلوق من البشر قد فطر على نفس ما فطرت عليه أنت، ولو جمعنا حب العدل الذي قسم بين الأولين والآخرين وفي نفوس الأنبياء والفضلاء والصالحين لما كان إلا قبساً من عدل الله العظيم لأن حب العدل صفة كمالٍ، والخالق أكمل من مخلوقاته فهو صاحب العدل الكامل سبحانه ومن العدل أن يثاب المحسن ويعاقب المسيئ، فإذا عرفنا أن عدل الإنسان يأبى التسوية بين الظالم والمظلوم والمطيع والعاصي، وعلمنا أن الله هو صاحب العدل المطلق والكمال الأعلى ورأينا موازين العدل لا تتحقق كاملة في الحياة الدنيا جزمت العقول بأن الله سيقيم العدل الكامل في حياة أخرى. كما قال سبحانه ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ (الجاثية:21) وقال تعالى﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36)﴾(القلم:35-36) قال تعالى﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ (الأنبياء:47).
4- دليل الحق: لو أنك زرت بلداً متحضراً في حياته المادية، ورأيت جميع الشوارع في جميع المدن معبدةً منارةً بأعمدة الإضاءة فإنك ستستنتج أن قانون هذه الدولة ونظامها يقضي بتعبيد الشوارع وإنارتها. فإذا دخلت شارعاً في مدينة من هذه المدن، ورأيت الحفريات وأعمدة الإضاءة ملقاةً على الأرض ومتناثرة فيه ستجزم بأن هذا الشارع لا بد أن يعبد، ولا بد أن يضاء بالنور وأن تقام فيه أعمدة الإضاءة كبقية الشوارع في تلك البلاد، وجميع تلك المدن وفقاً لقانون تلك البلدة ونظامها ؛ لأن الحكومة التي من شأنها تعبيد الطرق وإضاءتها لا تترك هذا الشارع شاذاً عن نظامها. إذا عرفت ذلك فتأمل في هذا الكون الذي أقام الله بناءه بالحق. لقد خلق الله السموات والأرض بالحق، فانظر إلى خلايا جسمك وأنسجته وأعضاءه وأجهزتة، سترى أن كلاً منها في موضعه الصحيح وشكله الصحيح ويؤدي وظيفته الصحيحة وأنها جميعاً قد خلقت بالحق شكلاً ووظيفة وموضعاً. وإذا تأملت في أجزاء سائر الحيوانات والنباتات وجدت ما تجده في نفسك من وضع كل شئ في موضعه المناسب وبحجمه وشكله الصحيح المناسب لوظائفه. وإذا درست الأرض وتركيبها ستجد أن كل أجزائها من هواء وماءٍ وأرض وصخور وموقع في المجموعة الشمسية قد وضعت في أماكنها الصحيحة المناسبة لحياة ما عليها من كائنات.
وإذا تأملت في الشمس والقمر والنجوم والكواكب وجدتها بأحجام ومدارات وتركيب وسرعات محكمة موزونة متقنةٍ متناسبة مع كل جرم من تلك الأجرام ومتناسقة في بناء كامل قامت عليه السماء، فيدلك ذلك على أن الحق الذي هو وضع الأمور في نصابها هو القانون الإلهي الذي قام عليه بناء الأرض والسماء. والاستثناء هو ما تراه في حياة الناس، فنجد الظالم مكرماً والمظلوم مهاناً في أحيان كثيرة. وقد نجد النبي المرسل مطارداً يؤذيه السفهاء، وتجد العبد المتأله يعبد من دون الله، فلا ترى سنة إقامة الحق الذي شمل الأرض والسماء كاملة التحقق في حياة البشر. فيدلنا ذلك على أن الذي أقام الحق في أجزاء الكون لابد أن يقيمه في حياة الناس ولابد أن تخضع حياة الناس للقانون الذي خضع له الكون. وما دام هذا القانون غير متحقق في الدنيا، فلابد من يوم آخر يقام فيه الحق، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(22)﴾ (الجاثية:21-22).
5- الأطماع الواسعة وحب الخلود: لو نظرنا إلى خلق الأطراف (اليدين والرجلين) عند الجنين في رحم أمه ما فهمنا الحكمة من خلقها، إذ أنه لا يمكنه استخدامها في ذلك المكان الضيق حيث لا تقوم الحاجة إليها. ولن تظهر الحكمة منها إلا عند خروجه من ذلك المكان إلى مكان أرحب حيث يحتاج لتلك الأطراف في السعي في الأرض. إذاً فخلق تلك الأطراف وإحكامها كان من أجل مرحلة تالية من الحياة. والذي يقصر نظره على طور الرحم سينكر الحكمة من خلق تلك الأطراف عندما يراها لا تؤدي وظيفة. لكن الإحكام في خلق تلك الأطراف مشاهد، وإنكاره باطل، وعدم ظهور الحكمة في الطور الأول لا ينقض الإحكام ولكن يدل على ضرورة وجود طور آخر تظهر فيه الحكمة من ذلك الخلق الزائد عن سعة الرحم وحاجة الجنين في تلك المرحلة. وكذلك الأطماع الواسعة للإنسان في هذه الدنيا وحبه للخلود لا تتسع الحياة الدنيا على الأرض لتلبيتها، فكلما تحقق للإنسان مكسب من مكاسب الحياة سعى إلى مكسب آخر، وان أعطي وادياً من مال طلب آخر، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ) (13).
ولو امتلك الإنسان نصف الأرض لطلب النصف الآخر، ولو أعطي الأرض كلها لسلك سبيلاً إلى القمر. ولو عرض عليه أن يعمر ألف عام أو مليون عام أو أكثر من ذلك لطلب المزيد، ولن يرضى إلا بالخلود. وما زلت قدم أبينا آدم عليه السلام من قبل إلا طمعاً بالخلود والملك الذي لا يبلى، كما قال تعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴾(طه:120). فهذان دليلان من فطرة الإنسان على أن حاجة فطرته أكبر من هذه الأرض وعمرها. ولما كان الخالق حكيماً لا يعبث، والأرض لا تكفي لتلبية هذه الفطرة، فالعقل يقضي بأن هناك طوراً آخر خلقت من أجله هذه الفطرة الزائدة عن حجم الأرض وعمرها. قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ(34)لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(35)﴾ (ق:34-35).
6- دليل البدء والإعادة: إن نسمة الهواء (الأوكسجين) التي تتنفسها تتحول في جسمك إلى ثاني أكسيد الكربون الذي تأخذه الأشجار فيعود مرة أخرى نسمة جديدة من الأوكسجين. وإن ماء النهر يجري إلى البحر ثم يتبخر فيكون سحاباً ثم يصب مطراً فيعود أنهاراً تصب في البحار. وإن صخور الأرض التي نعيش عليها تدمس في باطن الأرض فتصهر في باطنها الناري لتخرج حممًا بركانية فتعود صخوراً مرة ثانية على سطح الأرض. وإن الصباح يأتي ثم يعقبه الليل ثم يعود الصباح مرة أخرى. والقمر يبدأ هلالاً ثم يكتمل بدراً ثم يعود هلالاً كالعرجون القديم.وإن النجم يبدأ من سحابة من دخان ثم ينفجر فيعود دخاناً. إن الكون كله بدأ بانفجار عظيم ثم أخذ في التوسع وسيعود كما بدأ أول مرة. فسنة الله في الكون بدء وإعادة، وكما بدأ الله خلق الإنسان فسوف يعيده مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (الروم:11).
وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (الروم:27). وقال سبحانه: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(19)قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)﴾(العنكبوت:19-20) فالذي شأنه أن يعيد الخلق كما بدأه قادر على يعيد خلق الإنسان كما بدأه. وهو سبحانه يرينا كيف يحي المواد الميتة. قال تعالى ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾(فاطر:9)وقال تعالى﴿ وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾(فصلت:39)وقال سبحانه﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا(66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا(67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا(68)﴾(مريم:66-68) ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ (يس:39).
7- دليل الثواب والعقاب: ما جعل الله الدنيا دار جزاء ولكن كادت الدنيا أن تكون دار جزاء، فكم نرى من المجرمين قد أحيط بهم بعد طول أجرام؟! وكم من المظلومين يقتص الله لهم ممن ظلمهم ؟! وكم أخذ الله الأمم الكافرة بعد قوة وتقلب في البلاد ؟! وكم أجاب الله دعاء المؤمنين بالنصر على أعدائهم.فعندما استقام المسلمون على دينهم كان نصر الله يتنزل عليهم، وعندما انحرفوا سلط الله عليهم أعداءهم. وعندما جاءت الدول الاستعمارية محاربة للإسلام ظالمة للمسلمين ؛ ثارت عليها الشعوب المظلومة وطردتها من بلادها. وعندما نشر الاتحاد السوفييتي الكفر والظلم والفساد حطمه الله وهو في أعز قوته. وهكذا من يتأمل في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات يجد أن الدنيا تكاد تكون دار جزاء يعاقب فيها المسيء ويكافأُ فيها المحسن.
وإذا تأملت هذا جلياً فإنك ستصل إلى نتيجة تدلك على أن الذي عجل للكافرين والظالمين بعض ما يستحقون من العذاب لابد أن يوفيهم في الدار الآخرة ما يستحقون من العقاب، كما قال سبحانه عن قوم عاد: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ (فصلت:16). وقال تعالى عن المنافقين: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ (التوبة:101). وكما يعجل الله بعض العقاب للكافرين فإنه يعجل للمؤمنين بعض حسناتهم في الدنيا ويوفيهم أجورهم يوم القيامة. قال تعالى عن المؤمنين: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ (النحل:30).
وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَءَاتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ (النحل:122). وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ (النحل:41) فيكون بعض الثواب والعقاب من الله في الدنيا دليلا على الثواب والعقاب الكاملين في الدار الآخرة.
8- ظهور علامات الساعة: لقد أخبرنا رسول الله صلى الله وسلم بأحداثٍ ستقع في الدنيا، تكون علامات على قرب الساعة فشاهدنا الكثير منها (14)، مثل ما جاء في حديث جبريل عندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمارات الساعة فقال: (...أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ...) (15) وقد وقع ذلك بشيوع التسري (اتخاذ الإماء) فتلد لسيدها بنتاً تضم إلى أسرته وتبقى هي في الإماء. وبعد ظهور النفط والمعادن رأينا من كانوا حفاة عراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وما شاهدنا من علامات الساعة يؤكد صدق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلمعن الساعة والآخرة. وكما رأينا هذه العلامات في الدنيا حقاً فسنرى الجنة والنار حقاً، وسيجد كل فريق ما وُعد به. يقول تعالى: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ (الأعراف:44). أهمية الإيمان باليوم الآخر أولاً: الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان الستة التي ينبني عليها إيمان المؤمن ولا يصح إيمانه إلا به. ولأهمية هذا الركن قرنه الله بالإيمان به سبحانه. قال تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ… ﴾ (البقرة:177). وقال تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر ﴾(الطلاق:2).
ثانياً: إن من لا يؤمن بالله واليوم الآخر يعيش في هذه الدنيا كالحيوان، لايدري ما الحكمة التي من أجلها خلق، فالحياة الدنيا تفقد معناها بدون الإيمان باليوم الآخر، وتصبح حلقة مبتوتة عن الماضي والمستقبل. ولقد اصطدم أحد الفلاسفة الوجوديين (16) المعاصرين بهذه الحقيقة، فقرر أن الحياة عبث وأن انتظار المزيد منها حماقة، لأن استمرار الحياة ليس إلا مجرد فرصة لتبادل الإساءات مع الآخرين، فمن أراد أن يجنب نفسه أو أحبابه شر نفسه وشر غيره فليبادر بالتخلص من حياته وحياة أحبابه.وتطبيقاً لذلك، فما إن رأى زوجته في سعادة، حتى تقدم إليها ليمنع عنها أي شقاءٍ قادم فذبحها، ثم سلم نفسه للشرطة. ورفعت الشرطة أمره إلى أن وصل إلى رئيس الجمهورية- يوم ذاك - الذي قال: عار على فرنسا أن تعتقل عقلها!! ولكن أودعوه مستشفى المجانين!! ليجعل له بذلك مخرجاً من أن تناله طائلة القضاء. (17)
ثالثاً: من لا يؤمن بالله واليوم الآخر لا يركز همه إلا على هذه الدنيا وما يحقق فيها من مصالح ومنافع شخصية، فهو يبذل كل جهوده ليصارع الناس على ما في أيديهم ليفوز من هذه الدنيا بأعلى نصيب قبل أن يأتيه الموت، فيحرمه من لذائذه. فتجده يسعى في تحقيق أهدافه ولا يبالي أن يكون ذلك بغش أو خداع أو سلب أموال وظلم واستباحة دماء، أو هتك أعراض واحتيال ونفاق، لا يخاف عقاب ربه ولا يخاف إلا أن يقع تحت طائلة القانون وعقاب المسؤولين من البشر، فإذا أمن جانبهم، وأحكم الخطة لمغالطتهم، انطلق كالحيوان المفترس، لا يقف عند حد، فالإنسان بدون إيمان باليوم الآخر وحش مفترس لان همه الدنيا وليس له منها إلا اللذائذ الشخصية والمصالح الدنيوية. ويأتي ذكر الموت ليشعل نار الشهوات والأطماع في نفسه وقلبه فيبالغ في تعجيل شهواته ومطامعه بأي وسيلة إجرامية قبل أن يدركه الموت.
أما المؤمن باليوم الآخر، فيعرف أن حياته الدنيا مقدمة لحياته في الآخرة التي ينتقل إليها بالموت، وأن عليه أن يعمل الصالحات، ويجتنب السيئات حتى يفوز برضا ربه، ويدخل الجنة ذات النعيم المقيم الخالد، وحتى ينجو من النار وهو يؤمن بأن الله لن يضيع عمله الصالح بل سيجزيه به الجنة. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا(30)أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا(31)﴾ (الكهف:30-31).
وذكر المؤمن للموت يزيده صفاءً ونقاءً ويجعله يقدم لآخرته، ويجعله يعبد ربه ويتخلق بأخلاق الإسلام. ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فتراه صادق الحديث وفياً بالعهد، حافظاً للأمانة، يسعى إلى الخير، ويقاوم الشر، لا يغش ولا يخدع، ولا يسرق ولا يقتل ولا يزني، ولا يغتاب. إنه الإنسان السوي المستقيم. أما ما نشاهده اليوم من رذائل قد تفشت بين المسلمين فسبب ذلك ضعف في إيمانهم باليوم الآخر، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
الاطرق بن بدر الهذال
18-01-2010, 01:47 AM
الله يجزاك خير يابو ضاري ويجعله في موازين حسناتك
طرح قيم ومفيد بارك الله لنا فيك
دمت بخير
ابو ضاري
20-01-2010, 01:36 AM
بيض الله وجهك يابو سلطان
ولنا الشرف حضورك معنا
ابو ضاري
20-01-2010, 01:42 AM
في كل سنبلة مائة حبة
الحمد لله الكريم المنان، الملك القدوس السلام، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
الاية و الله اعلم هي:اية 261
فقد ضرب الله في القرآن أمثلة كثيرة، بأساليب مختلفة، وبصور متعددة، ليكون لها الأثر البالغ في النفوس؛ وليتم مقارنة المعنى بالمحسوس، حتى يكون قريب الفهم إلى عقل الإنسان. ومن هذه الأمثلة التي ضربها لنا في القرآن ما جاء في قوله تبارك وتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} سورة البقرة(261).
فيمن نزلت هذه الآية؟:
روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما-، وذلك أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف، فقال: يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف، فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت))1، وقال عثمان: يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية فيهما..
شرح الآية:
في هذه الآية ضرب الله لنا مثلاً: "لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله، وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} التي اكتسبوها من طرق مشروعة، وأنفقوها في طرق مشروعة، ومن ذلك إنفاقها في الجهاد في سبيل الله، وتجهيز المجاهدين في سبيله، ولذلك قال: {فِي سَبِيلِ اللّهِ}، وقد تنوعت عبارات السلف في بيان معنى قوله: {فِي سَبِيلِ اللّهِ}، فقال سعيد بن جبير: "يعني في طاعة الله"، وقال مكحول: "يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك"، وقال ابن عباس: "الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف"2. والعلم عند الله أن الآية تعم جميع الإنفاق في وجوه الخير، ومن أعظمها الجهاد في سبيل الله.
قوله تعالى: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} أي كمثل حبة بذرها إنسان، فأنبتت سبع سنابل {فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} فتكون الجميع سبعمائة؛ فالحسنة إذاً في الإنفاق في سبيل الله تكون بسبعمائة؛ وهذا ليس حدّاً، بل قد يضاعف الله ذلك إلى أضعاف كثيرة، لا تعد ولا تحصى.
وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف؛ فعن عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته بجنبه وامرأته تحيفة قاعدة عند رأسه قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجر قال أبو عبيدة: ما بت بأجر وكان مقبلا بوجهه على الحائط فأقبل على القوم بوجهه، وقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضاً أو أماط أذى فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله -عز وجل- ببلاء في جسده فهو له حطة))3.
وعن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة))4.
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها))5. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف))6.
وعن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن ربكم يقول كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والصوم لي وأنا أجزي به الصوم جُنة من النار، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل: إني صائم))7.
وقوله: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ} هذه المضاعفة {لِمَنْ يَشَاءُ} أي بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة وحلها ونفعها ووقوعها موقعها، ويحتمل أن يكون {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ} أكثر من هذه المضاعفة {لمن يشاء} فيعطيهم أجرهم بغير حساب {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} الفضل، واسع العطاء، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل، فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته، ومع هذا فهو {عَلِيمٌ} بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته8.
وقد شبه الله في هذه الآية نفقة المنفق في سبيله: "بمن بذر بذرا، فأنبتت كل حبة منه سبع سنابل؛ اشتملت كل سنبلة على مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه، ونفع نفقته وقدرها ووقوعها موقعها، فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبيت عند النفقة، وهو إخراج المال بقلب ثابت قد انشرح صدره بإخراجه، وسمحت به نفسه، وخرج من قلبه قبل خروجه من يده، فهو ثابت القلب عند إخراجه غير جزع ولا هلع ولا متبعه نفسه ترجف يده وفؤاده، ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه بمواقعه، وبحسب طيب المنفق وزكاته.
وتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر؛ فالمنفق ماله الطيب لله لا لغيره باذر ماله في أرض زكية، فمغلة بحسب بذره وطيب أرضه، وتعاهد البذر بالسقي، ونفي الدغل، والنبات الغريب عنه، فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال"9. والله الموفق.
بعض الفوائد المستفادة من الآية:
1.في هذه الآية إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله -عز وجل- لأصحابها كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة10.
2.في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال11.
3.فضيلة الإنفاق في سبيل الله؛ لأنه ينمو للمنفق حتى تكون الحبة سبعمائة حبة.
4.الإشارة إلى الإخلاص لله في العمل، وموافقة الشرع في ذلك؛ لقوله تعالى: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} بأن يقصدوا بذلك وجه الله -عز وجل-.
5.وجه الشبه في قوله تعالى: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ}؛ فإن هذه الحبة أنبتت سبع سنابل؛ وشبهها الله بذلك؛ لأن السنابل غذاء للجسم، والبدن؛ كذلك الإنفاق في سبيل الله غذاء للقلب والروح.
6.أن ثواب الله، وفضله أكثر من عمل العامل؛ لأنه لو عُومل العامل بالعدل لكانت الحسنة بمثلها؛ لكن الله يعامله بالفضل، والزيادة؛ فتكون الحبة الواحدة سبعمائة حبة؛ بل أزيد؛ لقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم}.
7.أن الله له السلطان المطلق في خلقه؛ ولا أحد يعترض عليه؛ لقوله تعالى: {يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ}؛ ولهذا لما تناظر رجل من المعتزلة، وآخر من أهل السنة قال له المعتزلي: أرأيت إن منعني الهدى، وقضى علي بالردى أحسن إلي أم أساء؟ -يريد أن يبين أن أفعال العباد لا تدخل في إرادة الله؛ لأنه إذا دخلت في إرادة الله فإن هذا الذي قضى عليه بالشقاء، ومنع الهدى يكون إساءة من الله إليه، فقال له السني: إن منعك ما هو لك فقد أساء؛ وإن منعك فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ فغُلب المعتزلي؛ لأنه ليس لك حق على الله واجب؛ والله -سبحانه وتعالى- يؤتي فضله من يشاء.
8.الحث والترغيب في الإنفاق في سبيل الله؛ يؤخذ هذا من ذكر فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فإن الله لم يذكر هذا إلا من أجل هذا الثواب؛ فلا بد أن يعمل له12. وغير ذلك من الفوائد المستفادة من هذه الآية. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (الشرح للاية و الفوائد المستفادة منقول من التفاسير)
ابو ضاري
20-01-2010, 01:43 AM
تأملات في قصة موسى ودك الجبل
منظر لجبل موسى
لفت انتباهي و أنا أقرأ قصة سيدنا موسى عليه السلام في سورة الأعراف وجود مشهدين متعاكسين لعمليتين وقعتا لجبلين يقعان في منطقتين متباعدتين و بفاصل زمني بينهما قد يصل إلى 50 عاما. كلا الحادثين وقع تحت سمع وبصر سيدنا موسى عليه السلام.
1 ــ المشهد الأول: عملية الدك والإزالة.
يقول الله تعالى:
{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }الأعراف143
هذه قصة حقيقية أوردها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، تتحدث عن خسف أو نسف أو دك لجبل عظيم بحضور البشر، وقد صاحب هذا الحادث هلع وصوت عظيم صعق موسى بسببه وانهار وسقط على الأرض فاقدا وعيه.
رأى موسى هذا المشهد الرهيب بدل أن يرى ذات الله عز وجل فلم يتحمله, رغم أن الله عز وجل أظهر للجبل مقدار بسيط جدا من قدرته فاندك هذا المخلوق الكبير المتين وزال من على سطح الأرض في لمح البصر كأن لم يكن من قبل شيئا، فأراد الله تعالى من موسى والبشر جميعا أن يفهموا وأن يدركوا بأن قدرتهم جد محدودة، وعليهم أن يصرفوا تفكيرهم إلى ما يعرفهم أكثر بربهم ويبصرهم بحقيقة وجودهم في الأرض
موقع جبل موسى في شبه جزيرة سيناء
.
إذا بامكان البشر أن ينظروا إلى ما حدث لذلك الجبل ويتصوروه بأذهانهم ويدرسوه بإمكانياتهم، فالقرآن يتحدث عن زوال جبل من على سطح الأرض بشكل مفاجئ وغير طبيعي، مع بقاء أثر الدك {جعله دكا} دون أن يشير إلى أن الله تبارك وتعالى قد أرجع الجبل كما كان من قبل. ويطيب لي القول أن الله تبارك وتعالى أكبر وأعز وأجل من أن يتحدث عن أمر مادي وعمل فيزيائي يمكن التحقق من وقوعه دون أن يترك هناك الدليل المادي القاطع اليقيني على صدق كلامه سبحانه وهو عليه أهون.
أظن وأتصور أن اتجاه قوة الدك الرهيبة كانت من أعلى إلى أسفل وقد أحدثت أنواعا مختلفة من التغيير في لمح البصر للمنطقة المقصودة والتي لا تزال موجودة في مكانها حتما:
ا ــ التغيير المورفولوجي: تغيير واضح لظاهر سطح المنطقة وتضاريسها، فقد كان هناك جبل عال وزال متحولا إلى سهل أو فج عميق.
ب ــ التغيير الجيولوجي الستراتغرافي: قوة الدك ضغطت مكونات الجبل وما تحتها من طبقات القشرة الأرضية مغيرة مكوناتها وسماكتها ونظام ترتيبها الجيولوجي.
ج ــ التغيير المعدني: الضغط الشديد لقوة الدك وسرعته الكبيرة يغير ترتيب معادن الصخور في الجبل المندك وفي جميع الطبقات التي في أسفله والتي هي على جوانبه.
منظر لجبل موسى في شبه جزيرة سيناء ـ مصر
2 ــ المشهد الثاني: عملية الخلع والرفع
قال الله تعالى:
{وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَْْْ} الأعراف171
يتحدث الحق تبارك وتعالى عن رفع جبل الطور فوق مجموعة من الناس كأنه سحابة، وواضح تماما أن هؤلاء الناس شاهدوا بأعينهم عملية خلع الجبل من مكانه ثم رفعه إلى أعلى، وبقائه في الهواء فوق رؤوسهم معلقا كالسحابة مدة الله أعلم بها، حيث أراد الله أن يهددهم بالسحق بواسطة الصخور الضخمة التي يتكون منها الجبل، وقد حدد الله تعالى إسم الجبل الذي رفع وهو الطور، وهو جبل لا يزال قائم ومعروف جيدا، مما يعني أن الله تعالى أرجع الجبل إلى مكانه أو مكان آخر بعد توبة القوم وتضرعهم، والقرآن لم يتحدث عن عملية إنزال الجبل ولا المكان الذي وضع فيه، لكن الأمر اليقيني هو: أن الجبل قد تعرض لعملية تحريك هائلة تتضمن ثلاث مراحل متتالية وسريعة يمكن تصويرها كالتالي:
1ــ إقتلاع الجبل بأكمله من مكانه، فلفظة نتقنا تعني في اللغة الإقتلاع من الأصل،والمقصود هو إجتثاث الجبل بجذره الممتد في باطن الأرض آلاف الأمتار ضعفي ارتفاعه فوق سطح الأرض, مع ما يصاحب ذلك من حركة كالزلزال العنيف تضرب المنطقة المحيطة بجبل الطور, وصدور أصوات الإنفجارات الضخمة الناتجة من احتكاك الصخور ببعضها وارتطامها وتطايرها, وضغط الهواء, والتشوهات الطبقية و التكتونية المصاحبة لعملية الخلع.
2 ــ رفع الجبل عموديا إلى أعلى حتى قارب في ارتفاعه السحاب {كأنه ظلة} مع ضخامته ووزنه الذي يفوق حتما ملايين الأطنان، حيث أنه حجب عين الشمس عن الناس المحاصرين في مكانهم بالرعب وهول الحدث ورجفة الأرض من تحت الأقدام.
3 ــ تحريك الجبل أفقيا في الهواء حتى صار فوق رؤوس الناس ثم إنزاله إلى الأرض. ويبدو لي من قوله تعالى { وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } أن الجبل لم يكن ثابتا في السماء بل كان يتحرك هبوطا وصعودا دون أن يلامس رؤوس الناس، حيث ظنوا في كل مرة يرونه نازلا أنه واقع بهم حتما، فلو كان ثابتا لتشكل لديهم شيء من الإطمئنان، خاصة وأن هؤلاء النفر كانوا من قوم قلوبهم أشد قسوة من الحجارة، وأقرب الظن أن أفئدة أولائك الناس كانت تنخلع من مكانها هلعا ورعبا كلما رأوه يهوي نحوهم فيفقدون وعيهم، وكلما أفاقوا وجدوه يكاد يقع عليهم.
في هذا المشهد كان إتجاه قوة الفعل من أسفل إلى أعلى عكس الحالة الأولى.
خلاصات:
من المشهدين السابقين تتجلى بين أيدينا حقائق خطيرة ومهمة ترسخ اليقين في القلوب وتبدد الأوهام من الأذهان، وتدفع العقول إلى التأمل العميق والبحث العلمي المنهجي الدقيق:
1 ــ أن قدرة الله مطلقة لا حدود لها و أن كل ما في الأرض ملك له يفعل به ما يشاء يبقي عليه أو يدمره ولو كانت الجبال ذاتها.
2 ــ في كلا المشهدين استعمل القوي القدير أعظم ما تراه عين الإنسان على سطح الأرض وهي الجبال لإظهار أبسط قدر من قوته وسيطرته وبطشه وجبروته، وليثبت في وعي الناس أن كل ما يرونه أمامهم حتى ولو كان ثابتا جامدا قد يستعمل في إهلاكهم إذا استحقوا الهلاك { ما يعلم جنود ربك إلا هو}
3 ــ شهد الواقعتين كلتيهما موسى عليه السلام، فهو النبي الأسمى عند اليهود ومحترم عند النصارى و معظم لدى المسلمين، ليحذر الناس كلهم من مشهد يوم عظيم تشترك فيه ظواهر المشهدين جميعها:
ــ فهو يوم الدك الأكبر الذي سيضرب أرجاء الأرض جميعها في لحظة واحدة وبشكل مستمر ومتتال دون توقف {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا } سورة الفجر.
ــ وهو يوم تزلزل فيه الأرض زلزالا عظيما إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا{1} وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا{2} وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا{3}
ــ وهو يوم تحرك فيه مكونات الأرض السطحية منها والباطنية وتمزج ببعضها (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ{1} لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ{2} خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ{3} إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً{4} وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً{5} فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً{6})
4 ــ بين الله عز وجل عمليا وبشكل متنوع أنه قادر على فعل أعظم شيء يتخيله الإنسان وما لا يستطيع تخيله، فلقد نسف الجبل ودكه حتى عاد قاعا صفصفا، واقتلع جبلا آخر ورمى به في السماء وشده معلقا تحت السحاب ثم أنزله إلى الأرض، وعبر عن كل ذلك بكلمات قليلة جدا ليبين لنا منتهى السهولة في فعل ذلك،
5 ــ قد تكون هناك حكمة مخفية وراء إزالة الجبل من على سطح الأرض ودكه في طبقاتها بعد أن خلق كل شئ بقدر غير إظهار قدره سبحانه وجلاله فهو غني عنا وعن جميع ما خلق, فنحن نتلمس رحمة الله ولطفه وبركاته في كل فعل قدره على هذه الأرض, فقد ضربت الأرض بالنيازك لمدة طويلة وكان من نتيجة ذلك أن إكتسبت الأرض عنصر الحديد الذي يستحيل تشكله في كوكبنا مصداقا لقوله تعالى { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس } وقد تخامرني افتراضات كثيرة في ذلك منها:
ــ كأن يحدث توازنا واستقرارا في حركة الألواح التكتونية الحاملة للقارات والمحيطات، فبعض الجبال تمتد جذورها بعيدا تحت الصفائح التكتونية.
ــ أو غير مجرى المياه الجوفية في المنطقة بما يناسب الحياة بعدها.
ــ أو جعله كسدادة تمنع خروج الصهارة الأرضية في منطقة غير مناسبة.
ــ أو قد يكون ذلك الجبل محتويا من الكنوز ما لم يشأ الله تعالى أن يطلع عليها البشر لمدة من الزمان.
وإن الدراسة العلمية الميدانية لقادرة بإذن الله تعالى على الإجابة الشافية الصحيحة على هذه الإفتراضات.
6 ــ احتفظ الله تعالى بجبل الطور في منطقته[ التي تقع بين خطي عرض 30 و40 شمالا وخطي طول30 و40 شرقا ]فلم يدمره كسابقه، ومنحه سورة في القرآن تؤكد أهميته، وليبقى شاهدا على حدث تاريخي خطير يذكر الناس بضرورة أن يقدروا الله تعالى حق قدره وألا يختلقوا الأكاذيب و الإفتراضات الحائرة لتفسير حقيقة هذه الحياة.
7 ــ أورد الله تعالى هذه القصص في كتاب قال عنه { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }فصلت42, وتفسير ذلك في الجلالين:[أنه ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده ]وهنا مربط الفرس وبيت القصيد:
أهيب بعلماء الجيولوجيا بفروعها في جمهورية مصر العربية خاصة والعالم الإسلامي عامة أن ينتدبوا فريقا منهم ليدرس ميدانيا جبل الطور بشكل دقيق وشامل، وأن يرسلوا بفريق آخر للبحث عن مكان الجبل الثاني المدمر، ثم يجروا مقارنة علمية بين الجبلين قد تكشف سر احتفاظ الله عز وجل بجبل الطور بينما دمر الآخر, والعلاقة البنيوية بينهما.
إني على يقين كامل أن نتائج هذا البحث العلمي والدراسة الجيوفيزيائية المعمقة للجبلين وبالوسائل التقنية الحديثة، ستكون معجزة تدوي أصداؤها في جنبات العالم كله مدة من الزمان, وستنحني كبريات مراكز البحث والجامعات احتراما و تبجيلا أمام الحقائق القرآنية المادية, وستخشع قلوب صلدة أمام مقدار القوة المستعملة في تدمير الجبل أو التي اقتلعته ورفعته في السماء, وستطيش نظريات داروين ومن هم على شاكلته من الكذبة والأفاكين فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً.
ابو ضاري
24-01-2010, 01:35 AM
-لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم « قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه » أي وأتباعه الذين آمنوا معه « إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم » أي تبرأنا منكم « ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم » أي بدينكم وطريقكم « وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا » يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا ما دمتم على كفركم فنحن أبدا نتبرأ منكم ونبغضكم « حتى تؤمنوا بالله وحده » أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد وقوله تعالى « إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك » أي لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فلماتبين له أنه عدو لله تبرأ منه وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم ويقولون إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه فأنزل الله عز وجل « ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم » وقال تعالى في هذه الآية الكريمة « قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم » إلى قوله تعالى « إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء » أي ليس لكم في ذلك أسوة أي في الاستغفار للمشركين هكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وغير واحد ثم قالتعالى مخبرا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم فلجأوا إلى الله تعالى وتضرعوا إليه فقالوا « ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير » أي توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك وإليك المصير أي المعاد في الدار الآخرة « ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا » قال مجاهد معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا وكذا قال الضحاك وقال قتادة لا تظهرهم علينا فيفتنونا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه واختاره ابن جرير وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لا تسلطهم علينا فيفتنونا وقوله تعالى « واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم » أي واستر ذنوبنا عن غيرك واعف عنها فيما بيننا وبينك « إنك أنت العزيز » أيالذي لا يضام من لاذ بجنابك « الحكيم » في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك ثم قال تعالى « لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر » وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضا لأن هذه الأسوة المثنية ههنا هي الأولى بعينها وقوله تعالى « لمن كان يرجو الله واليوم الآخر » تهييج إلى ذلك لكل مؤمن بالله والمعاد وقوله تعالى « ومن يتول » أي عما أمر الله به « فإن الله هو الغني الحميد » كقوله تعالى « إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد » وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الغني الذي قد كمل في غناه وهو الله هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار والحميد المستحمد إلى خلقه أي هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله لا إله غيره ولا رب سواه
ابو ضاري
24-01-2010, 01:35 AM
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين « عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة » أي محبة بعد البغضة ومودة بعد النفرة وألفة بعد الفرقة « والله قدير » أي على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرةوالمتباينة والمختلفة فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة فتصبح مجتمعة متفقة كما قال تعالى ممتنا على الأنصار « واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها » الآية وكذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي « خ4330 م1061 » وقال الله تعالى « هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم » وفي الحديث أحبب حبيبك هونا ما فعسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض بغيضك هونا ما فعسى أن يكون حبيبك يوما ما وقال الشاعر-وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا-وقوله تعالى « والله غفور رحيم » أي يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان وقد قال مقاتل بن حيان إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ابنته فكانت هذه مودة ما بينه وبينه وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح وأبو سفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف وأحسن من هذا ما رواه ابن أبي حاتم حيث قال قرئ علي محمد بن عزيز حدثني سلامة حدثني عقيل حدثني ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان صخر بن حرب على بعض اليمن فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الخمار مرتدا فقاتله فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين قال ابن شهاب وهو ممن أنزل الله فيه « عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة » الآية وفي صحيح مسلم « 2501 » عن ابن عباس أن أبا سفيان قال يا رسول الله ثلاث أعطنيهن قال نعم قال تأمرني أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم قال وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها الحديث وقد تقدم الكلام عليه وقوله تعالى « لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم » أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ولم يظاهروا أي يعاونوا على إخراجكم كالنساء والضعفة منهم « أن تبروهم » أي تحسنوا إليهم « وتقسطوا إليهم » أي تعدلوا « إن الله يحب المقسطين » وقال الإمام أحمد « 6/345 » حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها قال نعم صلي أمك أخرجاه « خ5219 م2130 » وقال الإمام أحمد « 4/4 » حدثنا عارم حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا مصعب بن ثابت حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا صناب وأقط وسمن وهي مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث مصعب بن ثابت به وفي رواية لأحمد وابن جرير قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد من بني مالك بن حسل وزاد ابن أبي حاتم في المدة التي كانت بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار « 1873 » حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو قتادة العذري عن ابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن عائشة وأسماء أنهما قالتا قدمت علينا أمنا المدينة وهي مشركة في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش فقلنا يا رسول الله إن أمنا قدمت علينا المدينة وهي راغبة أفنصلها قال نعم فصلاها ثم قال وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن الزهري عن عروة عن عائشة إلا من هذا الوجه « قلت » وهو منكر بهذا السياق لأن أم عائشة هي أم رومان وكانت مسلمة مهاجرة وأم أسماء غيرها كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة والله أعلم وقوله تعالى « إن الله يحب المقسطين » قد تقدم تفسير ذلك في سورة الحجرات وأورد الحديث الصحيح « م1827 » المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولواوقوله تعالى « إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم » أي إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم ينهاكم الله عز وجل عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم ثم أكد الوعيد على مولاتهم فقال « ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون » كقوله تعالى « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين »
ابو ضاري
01-02-2010, 05:45 PM
"إذ جاء تكم جنودٌ فارسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا"
يقول الله تعالى : " ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاء تكم جنودٌ فارسلنا عليهم ريحاً وجنواً لم تروها وكان الله بماتعملون بصيرا . إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الطنونا. هنالك أبتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدا "
كان هذا هو يوم الأحزاب ، يوم أن تحزبت أمم الكفر من المشركين واليهود والوثنيين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام فتنادوا من كل حدب وصوب ، فاجتمع كفار مكة مع غطفان وبني قريضة وأوباش العرب على حرب المسلمين وجاؤا بجيوشهم ال****ة وبعددهم وعتادهم وكانوا زهاء إثني عشر ألفاً جاؤا ليقضوا على الإسلام ويمحوه من الوجود ، وربما كانوا يخططون لفرض نظامٍ عالمي جديد ! وأحاطوا بالمسلمين إحاطة السوار بالمعصم وضيقوا عليهم الخناق في المدينة ودب الرعب والذعر في الناس وظن كثيرون أن الهلاك واقع لامحالة وأنه لاقبل لأحد من المسلمين بهذه الأعداد ، ولكن المؤمنين كانوا واثقين من نصر الله فكان النصر العظيم من عند الله ، نصر جنده بمعجزة من عنده لم تصمد لها تلك الألوف المؤلفة ولم تستطع الوقوف في وجهها، فولت الأدبار وكان النصر للمؤمنين دون إراقة دماء ولا فقد أرواح ، فقد أرسل الله تعالى ريحا من عنده اقتلعت بيوتهم وكفأت قدورهم وأرسل عليهم الملائكة فزلزلتهم وألقت الرعب في قلوبهم ( ومايعلم جنود ربك إلا هو ) .
سبحان الله ! هكذا نصر الله يأتي في لحظة العسر ولحظة الشدة والضيق وبأهون الأسباب بل بما لايخطر على بال أحد ... ولكن أين الإيمان ؟؟ ياهل ترى هل تستطيع أكبر القوى وأعظم الجيوش والدول بما أوتيت من تكنولوجيا وأسلحة نووية وجرثومية وعابرات للقارات وأقمار تجسس ، هل تستطيع أن تثبت على سبيل المثال أما طوفان يرسله الله عليهم فيغرقهم هم وأسلحتهم ومعداتهم ؟! أو ريحا عاتية ذات أعاصير فتقتلعهم وتهلكهم ؟ أو حشرة صغيرة تفتك بهم فتلقيهم صرعى ؟!! إن الله قوي عزيز لايعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .
ثم عد إلى الآيات لترى التصوير القرآني البليغ في وصف حالة الخوف والهلع التي بلغت بالمسلمين في ذلك اليوم العصيب حينما تكالبت قوى الشر وتحالفت على حرب المسلمين وهم قلة لايتجاوز عددهم ثلاثة آلاف مجاهد أمام إثني عشر مقاتل جاؤا من كل حدب وصوب ( وإذ زاغت الأبصار ) أي مالت حيرةً وشخوصاً لشدة الهول والرعب (وبلغت القلوب الحناجر) أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى كادت تخرج من الحناجر ( وتظنون بالله الظنونا) أي وكنتم في تلك الحالة الشديدة تظنون الظنون المختلفة وهي مجرد خواطر وإلا فهم مؤمنون بوعد الله ، ولكن المنافقين كانوا يظنون ظن السوء ويقولون ماوعدنا الله ورسوله إلا غرورا. (هنالك ابتلي المؤمنون) أي امتحنوا واختبروا ليتميز الصادق من المنافق ( وزلزلوا زلزالاً شديدا) أي وحركوا تحريكا شديداً حتى كأن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم ، ولكنهم ثبتوا وسلموا أمرهم لله وقدموا أرواحهم فداءً لدين الله ، فلما علم الله صدق إيمانهم نصرهم بنصر من عنده ( وماالنصر إلا من عند الله ) .وإن ينصركم الله فلاغالب له. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمن على المسلمين بنصر من عنده وأن يثبت أقدام المجاهدين في سبيله وأن ينصر الفئة القليلة على الطغمة الكافرة وأن يرد كيد الظالمين في نحورهم وأن يجعل الدائرة عليهم وأن يجعل بأسهم بينهم شديد وأن يرينا فيهم عجائب قدرته ، اللهم يامنزل السحاب وياهازم الأحزاب اهزم أحزاب الكفر، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم ، اللهم إنهم لايعجزونك فاهزمهم شر هزيمة ياعزيز ياقوي ، اللهم لاترفع لهم راية واجعلهم لمن خلفهم آية ، اللهم أعلي راية الجهاد وأدحض أهل الزيغ والفساد ، اللهم امنن علينا بنصر تقر له عيوننا وتشف به صدور قوم مؤمنين إنك سميع مجيب وبالإجابة جدير. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى اللقاء في وقفة قادمة مع آية اخرى من كتاب الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
انــــــا وبس
23-02-2010, 08:04 PM
يعطيك العافيه اخوي ابوضاري
بس تمنيت لو انك مذيل موضوعك بمنقول
او مما راق لي
عشان مانحفظ حق الكاتبه بس
مشكور ع النقل الرائع
,,,,,,,,,,
ابو ضاري
11-03-2010, 11:21 AM
يعطيك العافيه اخوي ابوضاري
بس تمنيت لو انك مذيل موضوعك بمنقول
او مما راق لي
عشان مانحفظ حق الكاتبه بس
مشكور ع النقل الرائع
,,,,,,,,,,
شكرا لك وانا اخذت الموافقه من صاحب الفكره لانني تعاملت معه شخصيا بغير هذا المنتدى
حفظك الباري
غريبة الاوطان
19-03-2010, 12:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
{ و التين والزيتون (1)
وطور سنين(2)
وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين (3)
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)
ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)
فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7)
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)}.
بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ الدكتور/ طه إبراهيم خليفة
أستاذ النباتات الطبية والعقاقير بجامعة الأزهر وعميدها السابق يروي ما يلي عن مادة ...
الميثالويثونيدز
هي مادة يفرزها مخ الإنسان و ال*****ات بكميات قليلة، وهي مادة بروتينية بها كبريت لذا يمكنها الاتحاد بسهولة مع الزنك والحديد والفسفور، وتعتبر هذه المادة هامة جدا لحيوية جسم الإنسان (خفض الكولسترول – التمثيل الغذائي – تقوية القلب – وضبط التنفس).
ويزداد إفراز هذه المادة من مخ الإنسان تدريجيا بداية من سن 15 حتى سن 35 سنة، ثم يقل إفرازها بعد ذلك حتى سن الستين، لذلك لم يكن من السهل الحصول عليها من الإنسان، أما بالنسبة لل*****ات فقد وجدت بنسبة قليلة.
لذا اتجهت الأنظار للبحث عنها في النباتات، وقام فريق من العلماء اليابانيين بالبحث عن هذه المادة السحرية و التي لها أكبر الأثر في إزالة أعراض الشيخوخة، فلم يعثروا على هذه المادة إلا في نوعين من النباتات..... التين والزيتون.
وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه الكريم: { و التين والزيتون (1) وطور سنين(2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ }
تفكر في قسم الله سبحانه وتعالى بالتين والزيتون وارتباط هذا القسم بخلق الإنسان في أحسن تقويم ثم ردوده إلى أسفل سافلين.
وبعد أن تم استخلاصها من التين والزيتون، وجد أن استخدامها من التين وحده أو من الزيتون وحده لم يعط الفائدة المنتظرة لصحة الإنسان إلا بعد خلط المادة المستخلصة من التين مع مثيلتها من الزيتون، قام بعد ذلك فريق العلماء الياباني بالوقوف عند أفضل نسبة من النباتين لإعطاء أفضل تأثير.
فكانت أفضل نسبة هي 1 تين : 7 زيتون
قام الأستاذ الدكتور/ طه إبراهيم خليفة بالبحث في القران الكريم فوجد أنه ورد ذكر التين مرة واحدة أما الزيتون فقد ورد ذكره صريحا ستة مرات ومرة واحدة بالإشارة ضمنيا في سورة المؤمنون : { و شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين } .
قام الأستاذ الدكتور/ طه إبراهيم خليفة بإرسال كل المعلومات التي جمعها من القرآن الكريم إلى فريق البحث الياباني. وبعد أن تأكدوا من إشارة ذكر كل ما توصلوا إليه في القران الكريم منذ أكثر من 1427 عام، أعلن رئيس فريق البحث الياباني إسلامه وقام فريق البحث بتسليم براءة الاختراع إلى
الأستاذ الدكتور/ طه إبراهيم خليفة.
●هَـمْـےـسُ المَشَـاعِرْ●
22-04-2010, 10:39 PM
جزاك الله خير ع الطررح
مودتي
أبو خالد
07-05-2010, 07:37 PM
بارك الله فيك اخوي ومشكور ع النقل
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, Jelsoft Enterprises Ltd by coupotech.com