المحقق النساب غازي الشمري
27-07-2011, 02:08 PM
· العرب والنسب
أشتهر على ألسن المؤرخين كون حفظ الاصول ومعرفة سلسلة الاباء من مختصات العرب .
كما أختصت كل طائفة بعلم خاص بها, حتى أدعي أنه لا يدخل في أنساب العرب كما زعم أنه خلصت أنسابهم من شوائب الشك والشبهة !!
فها هو النعمان بن المنذر(رض) يفتخر أمام كسرى بأمور([1] (http://mdyf.net/vb/#_ftn1)) منها قوله : وأما احسابها وأنسابها فليست أمة من الامم الا وقد جهلت أصولها وكثيراً من أولها وآخرها ، حتى أن أحدهم يسأل عما وراء أبيه فلا ينسبه ولا يعرفه .
وليس أحد من العرب الا يسمي آباءه أباً فأباً ، حاطوه بذلك أحسابهم فلا يدخل رجل في غير قوم ، ولا يدعي لغير أبيه.
لخص السيوطي قائلاً وللعرب حفظ الانساب وما يعلم أحد من الامم عنى بحفظ النسب عناية العرب([2] (http://mdyf.net/vb/#_ftn2)) ،
نحو قوله تعالى : (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ)([3] (http://mdyf.net/vb/#_ftn3)).
فهي آية ما عمل بمضمونها غيرهم([4] (http://mdyf.net/vb/#_ftn4)).
ومن هنا عرف علم النسب بأنه علم العرب([5] (http://mdyf.net/vb/#_ftn5)) ،
بل عد كما قلنا من مختصاتهم ،
إذ العجم كما قيل : غالباً لا تكاد تنتسب الى أب قديم الا نادراً ،
بل غالب أنتسابهم الى البلدان والامكنة والصنائع وغيرها ،
والامكنة لاشك مشهودة مدركة بالعيان أو الإخبار المتواترة ، وقل ما فيها من غموض أو لبس ، كما وأن الصنائع مشهورة شائعة ومشتركة بين العرب والعجم ، فهي لا تلحق القبائل في غموضها ، فإنها ربما لا تكون معروفة في غير صقعها،
وأما القبائل فإنها مفتقرة الى البحث التام ، فإن أكثرها أودت ، ومن بقي من نسلها ربما تعذر عليه التمييز بين آبائه فضلاً عن آباء غيره. ولذا قيل : العرب شعوب وقبائل ، والعجم شعوب لاغير([6] (http://mdyf.net/vb/#_ftn6)) ،
ومن هنا قيل :- العرب هم الذين حفظوه وضبطوه واصلوه وفرعوه وعنوا به ، وقد راعوا اعقابهم وحافظوا على اسلافهم([7] (http://mdyf.net/vb/#_ftn7)) ، حتى أنه كان من عاداتهم أنهم إذا فرغوا من مناسك الحج حضروا سوق عكاظ أو غيره من الاسواق ،
وعرضوا أنسابهم على غيرهم، ورأوا ذلك من تمام أكمال الحج ومن هنا قيل : أن قوله عز اسمه
(فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً)([8] (http://mdyf.net/vb/#_ftn8))
إشارة الى هذا.
ولا شك أن النسب قد ملئ جانباً كبيراً في حياتهم ،
وسد فراغاً واسعاً من أنديتهم ،
وقد رمقوا رجالاته الذين تخصصوا فيه ، ضبطاً وعناية بعين التبجيل والاكبار فهو بالنسبة الى البدوي بمنزلة الهوية والجنسية ، به يحيا وعنه يقاتل ويموت.
وهو بذا يعتبر من السمات الهامة والمميزات الحياتية للحضارة العربية والاسلامية ، بل كان آية الشرف عندهم ،
فمن صفا نسبه كان أرفع شرفاً وأكرم مجداً ، ولذا فهم كانوا يتفاخرون بآبائهم وأنسابهم ويتفاضلون بهم وجاء الاسلام ليدوي بكلمته العظيمة
(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)([9] (http://mdyf.net/vb/#_ftn9)) ولا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى([10] (http://mdyf.net/vb/#_ftn10)). فتبدلت فكرة التمايز العنصري والطبقي ، والروح القومية البغيضة ، والتفاضل الاجتماعي عند المسلمين الى الانتساب الديني والمعنوي ، الذي هو الوسيلة الفريدة للرقي والتهذيب الاجتماعي والاخلاقي بأرقى صوره ،
فكان نتيجة ذلك صوراً رائعة من النبل والشهامة والدفاع عن حياض الدين تحت إطار القبيلة والنسب وعلى كل فالنسب هو الرباط المقدس الذي كان له دور مهم في تجميع القبائل ضد العدو الغازي كوسيلة سياسية وإدارية في وقت لم تتبن العرب بعد عقيدة دينية سماوية ثم بعدها كان وسيلة جيدة لتأليف الجيوش وتدوين الدوواين والحفاظ على ثغور المسلمين.
وبكلمة اخرى اصبح النسب هو الاسلام والرباط هو الدين والفخر هو العقيدة كل ذلك تحت ظل صاحب الرسالة النبوية (ص) ومع هذا لا يمكن لأي دارس متعمق أو باحث متتبع في علوم اللغة والادب العربي ، بل وحتى علوم الشريعة الاسلامية أن يستغني عن الرجوع اليه ، ولو في الجملة.
يقول الذهبي: واما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمهات قبائلها، واختلفوا في بعض فروع ذلك ،
ولعل مثل هذا القول بأن النسب من مختصات العرب صحيح اجمالاً لامطلقاً إذ هو بما له من الاهمية والاهتمام لايمكن حصره بقوم او طائفة ، ولاببرهة أو حقبة ، ولا هو وليد عصر أو قومية بل هو قد برز وأينع نتيجة عوامل عديدة سلفت على مدى التاريخ ليشد نفسه اما ألفةً وتعاطفاً أو حمايةً ورعايةً([11] (http://mdyf.net/vb/#_ftn11)).
والذي يظهر من دراسة زبر الاولين واخبار الماضين إن ما هو المشهور كون الاهتمام بالانساب من خصائص أبناء لغة الضاد فحسب ليس بتام، بل إن مراجعة التاريخ وتصفحه ، وسبر ما بين أيدينا من آثاره وأحجاره ، أو زبره والواحه خصوصاً ما وجد أخيراً منها وامكن فك رموزه وترجمته يؤيد بل يدل على أن الاهتمام بالانساب لم يكن من خصائص العرب فحسب، بل هناك أمم اخرى حفظت أنسابها ، دونت اعقابها ولها ثمة عناية بطارفها وتليدها ، تخليداً منها لعزها ومجدها فنجد في بعض المكتشفات أخيراً التي مرجعها الى آلاف السنين ما يشتمل على أسماء الملوك أو الفراعنة ومن كان له شهرة في وقته([12] (http://mdyf.net/vb/#_ftn12)). بل بمراجعة الكتب السماوية المنسوبة فعلاً كالتوراة([13] (http://mdyf.net/vb/#_ftn13)) نحصل على حفظ بعض السلاسل النسبية لبني إسرائيل في اسلافهم أو أعقابهم وكذا في الامم الاخرى كالصينية([14] (http://mdyf.net/vb/#_ftn14)) والهندية وغيرهما ، بل واصحاب الديانات السماوية كالمسيحية واليهودية([15] (http://mdyf.net/vb/#_ftn15)) وكذا لو أجلنا النظر في الامم الغربية والدول الرومية والقبطية([16] (http://mdyf.net/vb/#_ftn16)).
أقول : لايهمنا الخوض في أمثال هذه المفاخرات أو الدراسات التاريخية والذي ظهر لنا من مجموعها إن علم الانساب علم مشترك بين سائر الامم ، الا إن العرب كانوا ظاهراً أكثر أهتماماً بهذا الجانب من سواهم فصار ذاك لهم صفة لازمة امتازوا بها عمن سواهم ، وغلبت على مشاعرهم واحساساتهم حتى دارت حياتهم السياسية والاجتماعية فضلاً عن الدينية ولو ثبت لغيرهم ذلك فهو خاص بقشر معين نقلاً أو حفظاً ، مع أنا قلما نجد البدوي يجهل جملة كبيرة من آبائه وجذوره وهذا ما يفتقره غالب الخواص من غيره.
والحق ما ذهب اليه بعض المعاصرين من قول : ليس الاهتمام بالانساب وليد عصر خاص ، أو قومية خاصة ، أو بلد خاص ، بل هو وليد حاجة الانسان في عصوره الغابرة ، حيث كانت الحاجة تدعوا الى الألفة والتعاطف ، وكان تنازع البقاء يخلق أجواء محمومة يحتاج معها الانسان الى الجماعة والقوة ، فهو منيع بعشيرته ، وعزيز بأقوامه الى آخر القول.
قال سمير قطب : وهذا ما يؤكد لنا بأن العرب قوم حفّاظ لانسابهم واعين لاحسابهم ، معتزين بأصولهم، وهي ميزة ميز الله بها أمة العرب
(فهي أمة نسابة) ([17] (http://mdyf.net/vb/#_ftn17)).
المصادر
[/URL]([1]) كما جاء عن سرح العيون في شرح رسالة أبن زيدون : 368-370.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref1)([2]) المزهر في علوم اللغة ، ج1 ، ص
([3]) سورة الحجرات الاية 13
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref3)([4]) المزهري في علوم اللغة ص190.
([5]) عقد القلقشندي في (نهاية الارب في معرفة أنساب العرب : ص 11-12)، الفصل الثاني في بيان ما يقع عليه أسم العرب لغة واصطلاحاً ، وذكر أنواعهم وما ينخرط في سلك ذلك ، وتقسيمهم الى العاربة والمستعربة وجعل الفصل الرابع :15-21 في ذكر مساكن العرب القديمة التي درجوا منها الى سائر الاقطار.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref5)([6]) عجاله المبتدي وفضالة المنتهي: ص6.
([7]) ويؤيد هذا ماجاء في مسند ابي يعلى الموصلي ،ج 12/ص219 ذيل حديث 6834 في قوله (r) " لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من بني فلان " ... قال : فعلمت أن بني فلان من العرب ، وأن العجم (تنسب) الى قراها. أنظر : مسند أحمد بن حنبل ج3/ص483 و ج5/ص31، ومجمع الزوائد ص8/9/ ، وكنز العمال ج14/ص278 والاصابة ج5/ص123 وغيرها.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref7)([8]) سورة البقرة الاية 200 ، اما (الاشارة الى هذا) أنظر لباب الانساب ج1 ، ص169 والاصيلي في أنساب الطالبيين ، ص29.
([9]) سورة الحجرات الاية 13.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref9)([10]) كما في جامع الاخبار ، ص183 وغيره.
([11]) تاريخ الاسلام – السيرة – ص19.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref11)([12]) أنظر المجدي في النسب ص52-55.
([13]) لاحظ سفر التكوين والباب الثالث والثامن عشر والثالث والثلاثين من سفر الخروج واعداد من الباب الاول والثاني والثالث وكذا باب 12و13و14و17 وكذا غالب ابواب كتاب تواريخ الايام وتمام ابواب العشرة من كتاب عزرا وغيرها.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref13)([14]) جاء في مقدمة منتقلة الطالبية ص14-15 وكذا مقدمة المجدي نقلاً عن تعليقة الامير شكيب أرسلان على تاريخ أبن خلدون ما نصه أن الامة الصينية الكبرى هي أشد الامم قياماً على حفظ الانساب حتى أنهم يكتبون اسماء الاباء والجدود في هياكلهم فيعرف الواحد أنساب أصوله الى الف سنة فأكثر وكذلك الافرنج كانت لهم عناية تامة بالانساب في القرون الوسطى والاخيرة وكانت لهم دوائر خاصة لاجل تقييدها وضبطها ووصل آخرها بأولها.
([15]) حكى أبن الطقطقي في كتابه النسب الاصيل كما قاله في مقدمة المنتقلة ص15 وأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فضبطوا أنسابهم بعض الضبط ثم أورد جملة من وقائع.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref15)([16]) تعرض في مقدمة كتاب المجدي 56-57 مفصلاً الى هذا الجانب وما هناك من مئات المؤلفات عند الغربيين في باب الانساب والمشجرات يبلغ بعضها نحوا من عشرين مجلداً ويمتد تاريخ بعضها من القرن الرابع الميلادي الى يومنا هذا ونحن في غنى عن تفصيله.
[URL="http://mdyf.net/vb/#_ftnref17"]([17]) أنساب العرب ، ص8 ، سمير عبد الرزاق قطب.
أشتهر على ألسن المؤرخين كون حفظ الاصول ومعرفة سلسلة الاباء من مختصات العرب .
كما أختصت كل طائفة بعلم خاص بها, حتى أدعي أنه لا يدخل في أنساب العرب كما زعم أنه خلصت أنسابهم من شوائب الشك والشبهة !!
فها هو النعمان بن المنذر(رض) يفتخر أمام كسرى بأمور([1] (http://mdyf.net/vb/#_ftn1)) منها قوله : وأما احسابها وأنسابها فليست أمة من الامم الا وقد جهلت أصولها وكثيراً من أولها وآخرها ، حتى أن أحدهم يسأل عما وراء أبيه فلا ينسبه ولا يعرفه .
وليس أحد من العرب الا يسمي آباءه أباً فأباً ، حاطوه بذلك أحسابهم فلا يدخل رجل في غير قوم ، ولا يدعي لغير أبيه.
لخص السيوطي قائلاً وللعرب حفظ الانساب وما يعلم أحد من الامم عنى بحفظ النسب عناية العرب([2] (http://mdyf.net/vb/#_ftn2)) ،
نحو قوله تعالى : (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ)([3] (http://mdyf.net/vb/#_ftn3)).
فهي آية ما عمل بمضمونها غيرهم([4] (http://mdyf.net/vb/#_ftn4)).
ومن هنا عرف علم النسب بأنه علم العرب([5] (http://mdyf.net/vb/#_ftn5)) ،
بل عد كما قلنا من مختصاتهم ،
إذ العجم كما قيل : غالباً لا تكاد تنتسب الى أب قديم الا نادراً ،
بل غالب أنتسابهم الى البلدان والامكنة والصنائع وغيرها ،
والامكنة لاشك مشهودة مدركة بالعيان أو الإخبار المتواترة ، وقل ما فيها من غموض أو لبس ، كما وأن الصنائع مشهورة شائعة ومشتركة بين العرب والعجم ، فهي لا تلحق القبائل في غموضها ، فإنها ربما لا تكون معروفة في غير صقعها،
وأما القبائل فإنها مفتقرة الى البحث التام ، فإن أكثرها أودت ، ومن بقي من نسلها ربما تعذر عليه التمييز بين آبائه فضلاً عن آباء غيره. ولذا قيل : العرب شعوب وقبائل ، والعجم شعوب لاغير([6] (http://mdyf.net/vb/#_ftn6)) ،
ومن هنا قيل :- العرب هم الذين حفظوه وضبطوه واصلوه وفرعوه وعنوا به ، وقد راعوا اعقابهم وحافظوا على اسلافهم([7] (http://mdyf.net/vb/#_ftn7)) ، حتى أنه كان من عاداتهم أنهم إذا فرغوا من مناسك الحج حضروا سوق عكاظ أو غيره من الاسواق ،
وعرضوا أنسابهم على غيرهم، ورأوا ذلك من تمام أكمال الحج ومن هنا قيل : أن قوله عز اسمه
(فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً)([8] (http://mdyf.net/vb/#_ftn8))
إشارة الى هذا.
ولا شك أن النسب قد ملئ جانباً كبيراً في حياتهم ،
وسد فراغاً واسعاً من أنديتهم ،
وقد رمقوا رجالاته الذين تخصصوا فيه ، ضبطاً وعناية بعين التبجيل والاكبار فهو بالنسبة الى البدوي بمنزلة الهوية والجنسية ، به يحيا وعنه يقاتل ويموت.
وهو بذا يعتبر من السمات الهامة والمميزات الحياتية للحضارة العربية والاسلامية ، بل كان آية الشرف عندهم ،
فمن صفا نسبه كان أرفع شرفاً وأكرم مجداً ، ولذا فهم كانوا يتفاخرون بآبائهم وأنسابهم ويتفاضلون بهم وجاء الاسلام ليدوي بكلمته العظيمة
(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)([9] (http://mdyf.net/vb/#_ftn9)) ولا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى([10] (http://mdyf.net/vb/#_ftn10)). فتبدلت فكرة التمايز العنصري والطبقي ، والروح القومية البغيضة ، والتفاضل الاجتماعي عند المسلمين الى الانتساب الديني والمعنوي ، الذي هو الوسيلة الفريدة للرقي والتهذيب الاجتماعي والاخلاقي بأرقى صوره ،
فكان نتيجة ذلك صوراً رائعة من النبل والشهامة والدفاع عن حياض الدين تحت إطار القبيلة والنسب وعلى كل فالنسب هو الرباط المقدس الذي كان له دور مهم في تجميع القبائل ضد العدو الغازي كوسيلة سياسية وإدارية في وقت لم تتبن العرب بعد عقيدة دينية سماوية ثم بعدها كان وسيلة جيدة لتأليف الجيوش وتدوين الدوواين والحفاظ على ثغور المسلمين.
وبكلمة اخرى اصبح النسب هو الاسلام والرباط هو الدين والفخر هو العقيدة كل ذلك تحت ظل صاحب الرسالة النبوية (ص) ومع هذا لا يمكن لأي دارس متعمق أو باحث متتبع في علوم اللغة والادب العربي ، بل وحتى علوم الشريعة الاسلامية أن يستغني عن الرجوع اليه ، ولو في الجملة.
يقول الذهبي: واما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمهات قبائلها، واختلفوا في بعض فروع ذلك ،
ولعل مثل هذا القول بأن النسب من مختصات العرب صحيح اجمالاً لامطلقاً إذ هو بما له من الاهمية والاهتمام لايمكن حصره بقوم او طائفة ، ولاببرهة أو حقبة ، ولا هو وليد عصر أو قومية بل هو قد برز وأينع نتيجة عوامل عديدة سلفت على مدى التاريخ ليشد نفسه اما ألفةً وتعاطفاً أو حمايةً ورعايةً([11] (http://mdyf.net/vb/#_ftn11)).
والذي يظهر من دراسة زبر الاولين واخبار الماضين إن ما هو المشهور كون الاهتمام بالانساب من خصائص أبناء لغة الضاد فحسب ليس بتام، بل إن مراجعة التاريخ وتصفحه ، وسبر ما بين أيدينا من آثاره وأحجاره ، أو زبره والواحه خصوصاً ما وجد أخيراً منها وامكن فك رموزه وترجمته يؤيد بل يدل على أن الاهتمام بالانساب لم يكن من خصائص العرب فحسب، بل هناك أمم اخرى حفظت أنسابها ، دونت اعقابها ولها ثمة عناية بطارفها وتليدها ، تخليداً منها لعزها ومجدها فنجد في بعض المكتشفات أخيراً التي مرجعها الى آلاف السنين ما يشتمل على أسماء الملوك أو الفراعنة ومن كان له شهرة في وقته([12] (http://mdyf.net/vb/#_ftn12)). بل بمراجعة الكتب السماوية المنسوبة فعلاً كالتوراة([13] (http://mdyf.net/vb/#_ftn13)) نحصل على حفظ بعض السلاسل النسبية لبني إسرائيل في اسلافهم أو أعقابهم وكذا في الامم الاخرى كالصينية([14] (http://mdyf.net/vb/#_ftn14)) والهندية وغيرهما ، بل واصحاب الديانات السماوية كالمسيحية واليهودية([15] (http://mdyf.net/vb/#_ftn15)) وكذا لو أجلنا النظر في الامم الغربية والدول الرومية والقبطية([16] (http://mdyf.net/vb/#_ftn16)).
أقول : لايهمنا الخوض في أمثال هذه المفاخرات أو الدراسات التاريخية والذي ظهر لنا من مجموعها إن علم الانساب علم مشترك بين سائر الامم ، الا إن العرب كانوا ظاهراً أكثر أهتماماً بهذا الجانب من سواهم فصار ذاك لهم صفة لازمة امتازوا بها عمن سواهم ، وغلبت على مشاعرهم واحساساتهم حتى دارت حياتهم السياسية والاجتماعية فضلاً عن الدينية ولو ثبت لغيرهم ذلك فهو خاص بقشر معين نقلاً أو حفظاً ، مع أنا قلما نجد البدوي يجهل جملة كبيرة من آبائه وجذوره وهذا ما يفتقره غالب الخواص من غيره.
والحق ما ذهب اليه بعض المعاصرين من قول : ليس الاهتمام بالانساب وليد عصر خاص ، أو قومية خاصة ، أو بلد خاص ، بل هو وليد حاجة الانسان في عصوره الغابرة ، حيث كانت الحاجة تدعوا الى الألفة والتعاطف ، وكان تنازع البقاء يخلق أجواء محمومة يحتاج معها الانسان الى الجماعة والقوة ، فهو منيع بعشيرته ، وعزيز بأقوامه الى آخر القول.
قال سمير قطب : وهذا ما يؤكد لنا بأن العرب قوم حفّاظ لانسابهم واعين لاحسابهم ، معتزين بأصولهم، وهي ميزة ميز الله بها أمة العرب
(فهي أمة نسابة) ([17] (http://mdyf.net/vb/#_ftn17)).
المصادر
[/URL]([1]) كما جاء عن سرح العيون في شرح رسالة أبن زيدون : 368-370.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref1)([2]) المزهر في علوم اللغة ، ج1 ، ص
([3]) سورة الحجرات الاية 13
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref3)([4]) المزهري في علوم اللغة ص190.
([5]) عقد القلقشندي في (نهاية الارب في معرفة أنساب العرب : ص 11-12)، الفصل الثاني في بيان ما يقع عليه أسم العرب لغة واصطلاحاً ، وذكر أنواعهم وما ينخرط في سلك ذلك ، وتقسيمهم الى العاربة والمستعربة وجعل الفصل الرابع :15-21 في ذكر مساكن العرب القديمة التي درجوا منها الى سائر الاقطار.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref5)([6]) عجاله المبتدي وفضالة المنتهي: ص6.
([7]) ويؤيد هذا ماجاء في مسند ابي يعلى الموصلي ،ج 12/ص219 ذيل حديث 6834 في قوله (r) " لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من بني فلان " ... قال : فعلمت أن بني فلان من العرب ، وأن العجم (تنسب) الى قراها. أنظر : مسند أحمد بن حنبل ج3/ص483 و ج5/ص31، ومجمع الزوائد ص8/9/ ، وكنز العمال ج14/ص278 والاصابة ج5/ص123 وغيرها.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref7)([8]) سورة البقرة الاية 200 ، اما (الاشارة الى هذا) أنظر لباب الانساب ج1 ، ص169 والاصيلي في أنساب الطالبيين ، ص29.
([9]) سورة الحجرات الاية 13.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref9)([10]) كما في جامع الاخبار ، ص183 وغيره.
([11]) تاريخ الاسلام – السيرة – ص19.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref11)([12]) أنظر المجدي في النسب ص52-55.
([13]) لاحظ سفر التكوين والباب الثالث والثامن عشر والثالث والثلاثين من سفر الخروج واعداد من الباب الاول والثاني والثالث وكذا باب 12و13و14و17 وكذا غالب ابواب كتاب تواريخ الايام وتمام ابواب العشرة من كتاب عزرا وغيرها.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref13)([14]) جاء في مقدمة منتقلة الطالبية ص14-15 وكذا مقدمة المجدي نقلاً عن تعليقة الامير شكيب أرسلان على تاريخ أبن خلدون ما نصه أن الامة الصينية الكبرى هي أشد الامم قياماً على حفظ الانساب حتى أنهم يكتبون اسماء الاباء والجدود في هياكلهم فيعرف الواحد أنساب أصوله الى الف سنة فأكثر وكذلك الافرنج كانت لهم عناية تامة بالانساب في القرون الوسطى والاخيرة وكانت لهم دوائر خاصة لاجل تقييدها وضبطها ووصل آخرها بأولها.
([15]) حكى أبن الطقطقي في كتابه النسب الاصيل كما قاله في مقدمة المنتقلة ص15 وأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فضبطوا أنسابهم بعض الضبط ثم أورد جملة من وقائع.
(http://mdyf.net/vb/#_ftnref15)([16]) تعرض في مقدمة كتاب المجدي 56-57 مفصلاً الى هذا الجانب وما هناك من مئات المؤلفات عند الغربيين في باب الانساب والمشجرات يبلغ بعضها نحوا من عشرين مجلداً ويمتد تاريخ بعضها من القرن الرابع الميلادي الى يومنا هذا ونحن في غنى عن تفصيله.
[URL="http://mdyf.net/vb/#_ftnref17"]([17]) أنساب العرب ، ص8 ، سمير عبد الرزاق قطب.