محمدالمهوس
09-01-2013, 10:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, الْقَائِلُ ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ أَرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ القائلُ صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ) اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .
أمَّا بعدُ أيهاَ الناسَ : فأوصيكُمْ وإيَّايَ بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ ، قَالَ سبحانَهُ وتعالَى (وَٱتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )
عبادَ اللهِ: الرّحمةََُ سمةُ المسلمِ ، وعنوانُ المؤمنِ ، وطريقُ مَنْ وفقهُ اللهُ لاستحقاق رحمةِ الرحمنِ الرحيمِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ ) ألا وإنَّ أوْلَى النَّاسِ برحمتِكُم – عباد الله - أولائكَ الذينَ ارتسمتْ البراءةُ على وجوهِهِم ، وأقبلتْ وأدبرتْ الحَيْرةُ وقلةُ الحيلةِ في أيديهِم ، أولائكَ الورودُ والرياحينُ ، زينةُ الحياةِ الدنياَ وجمالُها ، وأُنسُهاَ وسعادتُهاَ ، أُنْسُ البيوتِ ، وثمراتُ الأفئدةِ ، ومآخذُ القلوبِ ، أولائكَ الأطفالُ الصِّغارُ، الذين هُمْ بأمسِّ الحاجةِ إلَى كَنَفٍ رحيمٍ ، ورعايةٍ حانيةٍ ، وبشاشةٍ سمحةٍ ، ووُدٍّ يسعُهُمْ ، وحُلمٍ يراعِي ضعفَهُمْ ، إنَّهُمْ بحاجةٍ إلَى قلبٍ كبيرٍ، يرحمُهُم ويُحسنُ إليهِمْ، ويرفقُ بِهمْ ويعطِفُ عليهِمْ
عباد اللهِ : أنقلُ لكمْ صورةً مأساويةً لِماَ يحدِثُ مِنْ بعضِ الرجالِ في هذا المجتمعِ خلاكُمْ وحاشاَ هذهِ الوجوهَ الطيبةَ ، إحدى الأخواتِ تشتكي وتبحثُ عَنْ حَلِّ لمشكلتِها ، تتكلمُ تلكمُ المرأةُ الضعيفةُ المكسورةُ ، وهي تبكي بكاءً مؤلماً ، يُمزِّقُ الفؤادَ ، ويُدمى القلبَ ، طلَّقَهاَ زوجُها ، لِخلافٍ بينَهُماَ ، وأرادَ أنْ يتشفَّى منهاَ ، فلمْ يجدْ سبيلاً إلا هؤلاءِ الأطفالَ ، أخذَ أولادَهاَ ، ومنعَ هؤلاءِ الأطفالَ مِنْ رؤيتِهاَ ، حرمَهُم مِنْ رؤيةِ أمِّهِم ، التي حملتْهُم وهْناً على وهنٍ ، وأخذَ يساومُهُم على أبوَّتِهِ ونفقتِهِ ورعايتِهِ ، ويهدِّدُهُم إنْ طلبوا رؤيةَ أمِّهِم ، كسرَ الخواطرَ ، وجرحَ الأفئدةَ ، وقرَّحَ الأكبادَ ، وفجعَ هذهِ الأمَّ المسكينةَ بأولادِها ،
قال ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: كُناَّ معَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في سفرٍ فانطلقَ لحاجتِهِ فرأيناَ حُمَّرَةً معهاَ فرخانِ ، حُمرةً ، طيراً من الطيورِ ، فأخذناَ فرخيْهاَ فجاءتْ الحمرةُ فجعلتْ تفرشُ – أي تُحرِّك جَناحيْهَا فجاءَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فقالَ : ( مَنْ فجعَ هذهِ بولدِهاَ ؟ رُدُّوا ولدَها إليها ! ) ، طيرُ حمرةٍ ، رقَّ قلبُ الحبيبِ لحالِها ، وأمرَ بِرَدِّ ولدِهاَ عليهاَ ، وهذا الأبُ كأنَّ قلبَهُ صفوانٌ أصمٌّ ، فأيُّ قلبٍ غليظٍ ذلكَ القلبُ الرابضُ في صدرِ هذا الفظِّ الغليظِ ، أيُّ عقليةٍ حقودةٍ قاتمةٍ مظلمةٍ تلكَ التي نامتْ على أُمِّ رأسِهِ ، أيُّ أنانيةٍ وحبٍّ للذاتِ بلغَ بهذاَ العنيدِ البعيدِ عن الهدايةِ والتوفيقِ ، يالَمَرَارَة ِالأمرِ عباد الله ، ويا لَعَتَامَةِ الموقفِ ، حينماَ يكونُ هؤلاءِ الأطفال المساكين ، حلبةُ عراكٍ بينَ الزوجينِ ، وأدواتُ تصفيةِ حساباتٍ ، ووسائلُ ضغطٍ وإذلالٍ ، أطفالٌ مساكينٌ ، يُحرمونَ رؤيةَ أمهِم لأشهرٍ وسنواتٍ ، ليُشبِعَ هذا المعتوهُ شهوةَ كبريائِهِ ، ولذةَ خُيلائِهِ ، ونشوةَ تعاليهِ ، على حسابِ أطفالِهِ ، وفلذةِ كبدِهِ ، وثمرةِ فؤادِهِ ، كأنهمْ آلاتٌ وجماداتٌ ، لا إحساسَ لهم ، ولا شعورَ لديهم ، ولا ولَهَ عندَهُم ، فما هو الذنبُ الذي اقترفوهُ ، وما هو الخطأُ الذي ارتكبوهُ ، تصرفاتٌ عدوانيةٌ ، وتوجهاتٌ همجيةٌ ، أُبتُلِيَ بها قلةٌ في هذا المجتمعِ ، إذا وقعَ بينَهُ وبينَ زوجتِهِ خلافٌ ، أوطلَّقَها ، أصبحَ هؤلاءِ الضعفةُ المغلوبونَ على أمرِهِم ، أصبحَ هؤلاءِ الأطفالُ الذينَ ليسَ لهم يدٌ في زواجٍ ولا طلاقٍ ولا فراقٍ ، أصبحَ حرمانُهُم منْ أُمِّهِم متنفساً لضعافِ النفوسِ ، ومستراحاً لغلاظِ القلوبِ ، فأينَ الرحمةُ والشفقةُ ، فأيْن هُم منْ قولِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، أينَ غابتْ تلكُمُ الرحمةُ التي أشرقَ لها الكونُ ، وكيفَ ضاقت تلكُمُ الرحمةُ التي وسِعتْ حتىَ قلوبَ البهائمِ والطيورِ ، هل صُمَّ عنها قلبُ هذا الأعوجِ الأهوجِ ،
وأيْنهُم منْ قوْلِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عندما قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَناً أَوْ حُسَيْناً ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا ... فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ ! قَالَ ( كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِى فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ ) اللهُ أكبرُ – عباد اللهِ – الرحمةُ المهداة ، والنعمةُ المسداة بأبي هوَ وأمِّي القائلُ ( إِنِّى لأَقُومُ فِى الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ )
عباد اللهِ : رحمةُ الأطفالِ والشفقةُ بهم والعطفُ والحنوُّ عليهِم ، وعدمُ حرمانِهِم مِنْ أمَّهاتِهِم ، واجبٌ عليكُم ، حتى لو كانَ بينَكَ أيها الزوجُ وبينَ زوجتِكَ ، مشاكلٌ وخصوماتٌ ، وحتى لو كُنتَ قدْ طلقْتَهاَ ، الخصومةُ والطلاقُ بينكَ وبينَ الزوجةِ ، أماَّ الأطفالُ ، فما ذنبُ هؤلاءِ الصغارِ ، نحنُ أهلُ دينٍ وأهلُ رسالةٍ ربانيةٍ ، يجبُ أنْ نكونَ قدوةً للأممِ والشعوبِ ، في تعاملِناَ وتربيتِنا ورحمتِنا وشفقتِنا .
اللهمَّ اجعلْنَا منَ المتراحمينَ المرحومينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ. اللهمَّ وفِّقْنَا لطاعتِكَ ومرضاتِكَ ياربَّ العالميِنَ .
أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم فاستغفرُوهُ وتُوبُوا إليْهِ إنّه هو الغَفُورُ الرَّحيم .
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ أرحمُ الراحمينَ , وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, رحمةُ اللهِ للعالمينَ , اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .
أمَّا بَعْدُ : فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوَى، واعلمُوا أنَّ معاملةَ الأطفالِ بالرَّحمةِ والرِّفق واللِّينِ هيَ السبيلُ الأمثلُ لبناءِ الأسرةِ المترابطةِ القويَّةِ ، ومجتمع يسودُهُ الحبُّ والوئامُ ، وهذَا مَا دعانَا إليهِ دينُنَا الحنيفُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( مَا كَانَ الرِّفْقُ فِى شَىْءٍ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ نُزِعَ منْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ) واعلمْ أيهاَ الأبُ الذي حَرمتَ أطفالَكَ من أمِّهِم ، أنكَ ستُحرَمُ من بِرِّهِمْ إذا كبُرْتَ ، وصرتَ في أمسِّ الحاجةِ لرعايتِهم وبرهِم وعنايتِهم ، ولنْ تجدَ أُماًّ تحثُّهُم على صلةِ والدِهِم ، واعلمْ أنَّ الدنيا لا تدومُ على حالٍ وكما تدينُ تدانُ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ تَعَالَى ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, الْقَائِلُ ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمَّداً عبدُ اللهِ ورسولُهُ أَرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ القائلُ صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ) اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .
أمَّا بعدُ أيهاَ الناسَ : فأوصيكُمْ وإيَّايَ بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ ، قَالَ سبحانَهُ وتعالَى (وَٱتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )
عبادَ اللهِ: الرّحمةََُ سمةُ المسلمِ ، وعنوانُ المؤمنِ ، وطريقُ مَنْ وفقهُ اللهُ لاستحقاق رحمةِ الرحمنِ الرحيمِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ ) ألا وإنَّ أوْلَى النَّاسِ برحمتِكُم – عباد الله - أولائكَ الذينَ ارتسمتْ البراءةُ على وجوهِهِم ، وأقبلتْ وأدبرتْ الحَيْرةُ وقلةُ الحيلةِ في أيديهِم ، أولائكَ الورودُ والرياحينُ ، زينةُ الحياةِ الدنياَ وجمالُها ، وأُنسُهاَ وسعادتُهاَ ، أُنْسُ البيوتِ ، وثمراتُ الأفئدةِ ، ومآخذُ القلوبِ ، أولائكَ الأطفالُ الصِّغارُ، الذين هُمْ بأمسِّ الحاجةِ إلَى كَنَفٍ رحيمٍ ، ورعايةٍ حانيةٍ ، وبشاشةٍ سمحةٍ ، ووُدٍّ يسعُهُمْ ، وحُلمٍ يراعِي ضعفَهُمْ ، إنَّهُمْ بحاجةٍ إلَى قلبٍ كبيرٍ، يرحمُهُم ويُحسنُ إليهِمْ، ويرفقُ بِهمْ ويعطِفُ عليهِمْ
عباد اللهِ : أنقلُ لكمْ صورةً مأساويةً لِماَ يحدِثُ مِنْ بعضِ الرجالِ في هذا المجتمعِ خلاكُمْ وحاشاَ هذهِ الوجوهَ الطيبةَ ، إحدى الأخواتِ تشتكي وتبحثُ عَنْ حَلِّ لمشكلتِها ، تتكلمُ تلكمُ المرأةُ الضعيفةُ المكسورةُ ، وهي تبكي بكاءً مؤلماً ، يُمزِّقُ الفؤادَ ، ويُدمى القلبَ ، طلَّقَهاَ زوجُها ، لِخلافٍ بينَهُماَ ، وأرادَ أنْ يتشفَّى منهاَ ، فلمْ يجدْ سبيلاً إلا هؤلاءِ الأطفالَ ، أخذَ أولادَهاَ ، ومنعَ هؤلاءِ الأطفالَ مِنْ رؤيتِهاَ ، حرمَهُم مِنْ رؤيةِ أمِّهِم ، التي حملتْهُم وهْناً على وهنٍ ، وأخذَ يساومُهُم على أبوَّتِهِ ونفقتِهِ ورعايتِهِ ، ويهدِّدُهُم إنْ طلبوا رؤيةَ أمِّهِم ، كسرَ الخواطرَ ، وجرحَ الأفئدةَ ، وقرَّحَ الأكبادَ ، وفجعَ هذهِ الأمَّ المسكينةَ بأولادِها ،
قال ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: كُناَّ معَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في سفرٍ فانطلقَ لحاجتِهِ فرأيناَ حُمَّرَةً معهاَ فرخانِ ، حُمرةً ، طيراً من الطيورِ ، فأخذناَ فرخيْهاَ فجاءتْ الحمرةُ فجعلتْ تفرشُ – أي تُحرِّك جَناحيْهَا فجاءَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فقالَ : ( مَنْ فجعَ هذهِ بولدِهاَ ؟ رُدُّوا ولدَها إليها ! ) ، طيرُ حمرةٍ ، رقَّ قلبُ الحبيبِ لحالِها ، وأمرَ بِرَدِّ ولدِهاَ عليهاَ ، وهذا الأبُ كأنَّ قلبَهُ صفوانٌ أصمٌّ ، فأيُّ قلبٍ غليظٍ ذلكَ القلبُ الرابضُ في صدرِ هذا الفظِّ الغليظِ ، أيُّ عقليةٍ حقودةٍ قاتمةٍ مظلمةٍ تلكَ التي نامتْ على أُمِّ رأسِهِ ، أيُّ أنانيةٍ وحبٍّ للذاتِ بلغَ بهذاَ العنيدِ البعيدِ عن الهدايةِ والتوفيقِ ، يالَمَرَارَة ِالأمرِ عباد الله ، ويا لَعَتَامَةِ الموقفِ ، حينماَ يكونُ هؤلاءِ الأطفال المساكين ، حلبةُ عراكٍ بينَ الزوجينِ ، وأدواتُ تصفيةِ حساباتٍ ، ووسائلُ ضغطٍ وإذلالٍ ، أطفالٌ مساكينٌ ، يُحرمونَ رؤيةَ أمهِم لأشهرٍ وسنواتٍ ، ليُشبِعَ هذا المعتوهُ شهوةَ كبريائِهِ ، ولذةَ خُيلائِهِ ، ونشوةَ تعاليهِ ، على حسابِ أطفالِهِ ، وفلذةِ كبدِهِ ، وثمرةِ فؤادِهِ ، كأنهمْ آلاتٌ وجماداتٌ ، لا إحساسَ لهم ، ولا شعورَ لديهم ، ولا ولَهَ عندَهُم ، فما هو الذنبُ الذي اقترفوهُ ، وما هو الخطأُ الذي ارتكبوهُ ، تصرفاتٌ عدوانيةٌ ، وتوجهاتٌ همجيةٌ ، أُبتُلِيَ بها قلةٌ في هذا المجتمعِ ، إذا وقعَ بينَهُ وبينَ زوجتِهِ خلافٌ ، أوطلَّقَها ، أصبحَ هؤلاءِ الضعفةُ المغلوبونَ على أمرِهِم ، أصبحَ هؤلاءِ الأطفالُ الذينَ ليسَ لهم يدٌ في زواجٍ ولا طلاقٍ ولا فراقٍ ، أصبحَ حرمانُهُم منْ أُمِّهِم متنفساً لضعافِ النفوسِ ، ومستراحاً لغلاظِ القلوبِ ، فأينَ الرحمةُ والشفقةُ ، فأيْن هُم منْ قولِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، أينَ غابتْ تلكُمُ الرحمةُ التي أشرقَ لها الكونُ ، وكيفَ ضاقت تلكُمُ الرحمةُ التي وسِعتْ حتىَ قلوبَ البهائمِ والطيورِ ، هل صُمَّ عنها قلبُ هذا الأعوجِ الأهوجِ ،
وأيْنهُم منْ قوْلِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عندما قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى إِحْدَى صَلاَتَىِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَناً أَوْ حُسَيْناً ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا ... فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاَةَ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ صَلاَتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ ! قَالَ ( كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِى فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ ) اللهُ أكبرُ – عباد اللهِ – الرحمةُ المهداة ، والنعمةُ المسداة بأبي هوَ وأمِّي القائلُ ( إِنِّى لأَقُومُ فِى الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ )
عباد اللهِ : رحمةُ الأطفالِ والشفقةُ بهم والعطفُ والحنوُّ عليهِم ، وعدمُ حرمانِهِم مِنْ أمَّهاتِهِم ، واجبٌ عليكُم ، حتى لو كانَ بينَكَ أيها الزوجُ وبينَ زوجتِكَ ، مشاكلٌ وخصوماتٌ ، وحتى لو كُنتَ قدْ طلقْتَهاَ ، الخصومةُ والطلاقُ بينكَ وبينَ الزوجةِ ، أماَّ الأطفالُ ، فما ذنبُ هؤلاءِ الصغارِ ، نحنُ أهلُ دينٍ وأهلُ رسالةٍ ربانيةٍ ، يجبُ أنْ نكونَ قدوةً للأممِ والشعوبِ ، في تعاملِناَ وتربيتِنا ورحمتِنا وشفقتِنا .
اللهمَّ اجعلْنَا منَ المتراحمينَ المرحومينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ. اللهمَّ وفِّقْنَا لطاعتِكَ ومرضاتِكَ ياربَّ العالميِنَ .
أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولكُم فاستغفرُوهُ وتُوبُوا إليْهِ إنّه هو الغَفُورُ الرَّحيم .
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ, وأشهدُ أنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لاَ شريكَ لهُ أرحمُ الراحمينَ , وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, رحمةُ اللهِ للعالمينَ , اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، ومَنْ تبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ .
أمَّا بَعْدُ : فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوَى، واعلمُوا أنَّ معاملةَ الأطفالِ بالرَّحمةِ والرِّفق واللِّينِ هيَ السبيلُ الأمثلُ لبناءِ الأسرةِ المترابطةِ القويَّةِ ، ومجتمع يسودُهُ الحبُّ والوئامُ ، وهذَا مَا دعانَا إليهِ دينُنَا الحنيفُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( مَا كَانَ الرِّفْقُ فِى شَىْءٍ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ نُزِعَ منْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ) واعلمْ أيهاَ الأبُ الذي حَرمتَ أطفالَكَ من أمِّهِم ، أنكَ ستُحرَمُ من بِرِّهِمْ إذا كبُرْتَ ، وصرتَ في أمسِّ الحاجةِ لرعايتِهم وبرهِم وعنايتِهم ، ولنْ تجدَ أُماًّ تحثُّهُم على صلةِ والدِهِم ، واعلمْ أنَّ الدنيا لا تدومُ على حالٍ وكما تدينُ تدانُ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ تَعَالَى ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )