محمدالمهوس
23-01-2013, 08:52 PM
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ )) ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا))أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله : مسألة خطيرة جدا قد يتعرض لها أحد من المسلمين فيهلك بسببها ، قد يتكلم بها عند أحد من الناس أو في جمع من
الخلق أو عند أهله ، أو حتى عند زوجته أو ينشرها عبر وسائل التقنية الحديثة ، وهو يعلم أو لا يعلم ما يترتب على قوله من الهلاك والعياذ بالله ، هذه المسألة الخطيرة ياعباد الله هي القذف ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { اجتنبوا السبع الموبقات ، قيل يا رسول الله وما هن ؟ قال الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات }
والقذف في اللغة هو الرمي والسب واصطلاحا هو رمي المرأة العفيفة الشريفة أو المحصنة بالزنا ، والقذف أمره جسيم وعذابه عظيم ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) فياله من وعيد شديد ، فهذه المحصنة الشريفة العفيفة ، الغافلة ، المؤمنة ، قد تولى الله أمر الذب عنها ومعاقبة من قذفها ، وقوله: (المحصنات الغافلات) لأن الغافلة لم ترتكب خطأ ولم تقع في ذنب تترقب أن يعلم به الناس وتخاف أن يطلع عليه أحد فهي غافلة مؤمنة ، فقذف هذه المرأة الشريفة العفيفة كبيرة من كبائر الذنوب ، وموبقة من الموبقات ومهلكة من المهلكات ، تعرض صاحبها لغضب الله ولعنه والطرد من رحمته في الدنيا والآخرة ، فكيف ومع هذا الوعيد الشديد يتجرأ من لا يخاف الله على الرمي والقذف في المجالس وفي القنوات الفضائية أو بشتى وسائل الاتصال ، وعيد عتيد وعذاب شديد يقع فيه الناس من حيث علموا أم لم يعلموا ، وقد ذكر العلماء أن من قذف امرأة شريفة عفيفة ، أو قذف الرجل الشريف العفيف ، ولم يأت القاذف بأربعة شهداء فإنه يجلد ثمانين جلدة ، وترد شهادته أبدا ، ويصبح فاسقا عند الله وعند الناس كما قال تعالى ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )
هذا الأمر الرباني – ياعباد الله - وهو الإتيان بأربعة شهداء شق على صحابي جليل ، شديد الغيرة ، هو سيد الأنصار ، سعد بن عبادة رضي الله عنه فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَهُوَ سَيِّدُ الأَنْصَارِ : أَهَكَذَا أُنْزِلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلا تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ، إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ ؟ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلا بِكْرًا وَمَا طَلَّقَ امْرَأَةً قَطُّ ، فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ ، وَأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ قَدْ تَعَجَّبْتُ أَنْ لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعاً قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهِيجَهُ وَلا أُحَرِّكَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لا آتِي بِهِمْ حَتَّى يَقْضِي حَاجَتَهُ ، فَمَا لَبِثُوا إِلا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ أَرْضِهِ عَشِيَّةً ، فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا ، فَرَأَى بِعَيْنِهِ ، وَسَمِعَ بِأُذُنِهِ ، فَلَمْ يُهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ ، فَغَدا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عَشِيًّا فَوَجَدْتُ عِنْدَهَا رَجُلًا فَرَأَيْتُ بِعَيْنِي ، وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : الآنَ يَضْرِبُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ ، وَيُبْطِلُ شَهَادَتَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ هِلالٌ : وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي مِنْهَا مَخْرَجًا ، فَقَالَ هِلالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ أَرَى مَا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ مِمَّا جِئْتُكَ بِهِ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ عَرَفُوا ذَلِكَ فِي تَرَبُّدِ جِلْدِهِ ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْوَحْيِ ، فَنَزَلَتْ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) ، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أَبْشِرْ يَا هِلالُ ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا " فَقَالَ هِلالٌ : قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَاكَ مِنْ رَبِّي ، ثم أمرا بأن يتلاعنا فذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية بالله والنار والعذاب ، فلما أصر على قوله أمره أن يشهد بالله أربع مرات إنه لمن الصادقين وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، ثم ذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم زوجته بالله وبالنار والعذاب ، فتلكأت قليلا ثم أصرت على تكذيبها لزوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تشهد بالله أربع مرات إنه لمن الكاذبين والخامسة أن تقول أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، فلما فرغا من اللعان فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما فلا تحل له أبدا واللعان ياعباد الله هو بمثابة البينة للزوج إن لم يكن لديه بينة أو أربعة شهداء ، وهنا أيها المسلمون يتبين أن الكلمة أثرها خطير وأمرها عظيم .
نسأل الله عز وجل أن يحفظنا وإياكم من كل سوء وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمدُ لله علَى إحسانِه، والشّكرُ له علَى توفيقه وامتِنانِه، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وَحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشَأنه، وأشهَد أنّ نبيَّنا محمّدًا عبدُه ورَسوله، صلّى الله عليه وعلى آلِه وأصحَابه وسلم
تسليماً كثيراً ، أما بعد عباد الله : اتقوا الله تعالى حق تقاته ،واجتنبوا هذا المنكر العظيم فالقذف ليس بالأمر اليسير ، فهو كبيرة
موبقة مهلكة ، وقد تهاون به كثير من الناس ، وابتلي به أهل الشكوك والأوهام من الأزواج والزوجات ، وشغل به من يتكلمون في بعض القنوات الفضائية أو عبر وسائل الاتصال المختلفة
، حاشاكم أيها الطيبون ، فلا أدري هل يجهلون حكم القذف وما يترتب عليه من عاجل وآجل العقوبة ، أم أنهم يعلمون الحكم ويتعامون عنه ، وهذه أشد وأنكى
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
هذا القذف في حق سائر عباد الله ، فكيف بهؤلاء الملعونين في الدنيا والآخرة الذين لا يزالون يقذفون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، زوج أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، التي برأها الله عز وجل في كتاب يتلى إلى أن تقوم الساعة ، فابتلى الله عز وجل كل من قذفها إبتلاه بالمتعة والزنا والعياذ بالله لأن ذلك من اللعن في الدنيا والجزاء من جنس العمل ، أسأل الله أن يأخذ كل من تطاول على شرف الطاهرة زوجة خير الناس ، وأن يرد كيده في نحره
وأسأل الله أن يحفظ ألسنتنا وأسماعنا وأبصارنا وفروجنا ، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم ربُّكم بالصلاة والسلام عليه ؛ فقال: ((إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا))
اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك وأنعم على عبدك ونبيك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة ...
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ )) ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا))أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله : مسألة خطيرة جدا قد يتعرض لها أحد من المسلمين فيهلك بسببها ، قد يتكلم بها عند أحد من الناس أو في جمع من
الخلق أو عند أهله ، أو حتى عند زوجته أو ينشرها عبر وسائل التقنية الحديثة ، وهو يعلم أو لا يعلم ما يترتب على قوله من الهلاك والعياذ بالله ، هذه المسألة الخطيرة ياعباد الله هي القذف ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { اجتنبوا السبع الموبقات ، قيل يا رسول الله وما هن ؟ قال الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات }
والقذف في اللغة هو الرمي والسب واصطلاحا هو رمي المرأة العفيفة الشريفة أو المحصنة بالزنا ، والقذف أمره جسيم وعذابه عظيم ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) فياله من وعيد شديد ، فهذه المحصنة الشريفة العفيفة ، الغافلة ، المؤمنة ، قد تولى الله أمر الذب عنها ومعاقبة من قذفها ، وقوله: (المحصنات الغافلات) لأن الغافلة لم ترتكب خطأ ولم تقع في ذنب تترقب أن يعلم به الناس وتخاف أن يطلع عليه أحد فهي غافلة مؤمنة ، فقذف هذه المرأة الشريفة العفيفة كبيرة من كبائر الذنوب ، وموبقة من الموبقات ومهلكة من المهلكات ، تعرض صاحبها لغضب الله ولعنه والطرد من رحمته في الدنيا والآخرة ، فكيف ومع هذا الوعيد الشديد يتجرأ من لا يخاف الله على الرمي والقذف في المجالس وفي القنوات الفضائية أو بشتى وسائل الاتصال ، وعيد عتيد وعذاب شديد يقع فيه الناس من حيث علموا أم لم يعلموا ، وقد ذكر العلماء أن من قذف امرأة شريفة عفيفة ، أو قذف الرجل الشريف العفيف ، ولم يأت القاذف بأربعة شهداء فإنه يجلد ثمانين جلدة ، وترد شهادته أبدا ، ويصبح فاسقا عند الله وعند الناس كما قال تعالى ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )
هذا الأمر الرباني – ياعباد الله - وهو الإتيان بأربعة شهداء شق على صحابي جليل ، شديد الغيرة ، هو سيد الأنصار ، سعد بن عبادة رضي الله عنه فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَهُوَ سَيِّدُ الأَنْصَارِ : أَهَكَذَا أُنْزِلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلا تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ، إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ ؟ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطُّ إِلا بِكْرًا وَمَا طَلَّقَ امْرَأَةً قَطُّ ، فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ ، وَأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ قَدْ تَعَجَّبْتُ أَنْ لَوْ وَجَدْتُ لَكَاعاً قَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهِيجَهُ وَلا أُحَرِّكَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لا آتِي بِهِمْ حَتَّى يَقْضِي حَاجَتَهُ ، فَمَا لَبِثُوا إِلا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ أَرْضِهِ عَشِيَّةً ، فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا ، فَرَأَى بِعَيْنِهِ ، وَسَمِعَ بِأُذُنِهِ ، فَلَمْ يُهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ ، فَغَدا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عَشِيًّا فَوَجَدْتُ عِنْدَهَا رَجُلًا فَرَأَيْتُ بِعَيْنِي ، وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : الآنَ يَضْرِبُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ ، وَيُبْطِلُ شَهَادَتَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ هِلالٌ : وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي مِنْهَا مَخْرَجًا ، فَقَالَ هِلالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ أَرَى مَا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ مِمَّا جِئْتُكَ بِهِ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ عَرَفُوا ذَلِكَ فِي تَرَبُّدِ جِلْدِهِ ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْوَحْيِ ، فَنَزَلَتْ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) ، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " أَبْشِرْ يَا هِلالُ ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا " فَقَالَ هِلالٌ : قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَاكَ مِنْ رَبِّي ، ثم أمرا بأن يتلاعنا فذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية بالله والنار والعذاب ، فلما أصر على قوله أمره أن يشهد بالله أربع مرات إنه لمن الصادقين وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، ثم ذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم زوجته بالله وبالنار والعذاب ، فتلكأت قليلا ثم أصرت على تكذيبها لزوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تشهد بالله أربع مرات إنه لمن الكاذبين والخامسة أن تقول أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، فلما فرغا من اللعان فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما فلا تحل له أبدا واللعان ياعباد الله هو بمثابة البينة للزوج إن لم يكن لديه بينة أو أربعة شهداء ، وهنا أيها المسلمون يتبين أن الكلمة أثرها خطير وأمرها عظيم .
نسأل الله عز وجل أن يحفظنا وإياكم من كل سوء وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمدُ لله علَى إحسانِه، والشّكرُ له علَى توفيقه وامتِنانِه، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وَحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشَأنه، وأشهَد أنّ نبيَّنا محمّدًا عبدُه ورَسوله، صلّى الله عليه وعلى آلِه وأصحَابه وسلم
تسليماً كثيراً ، أما بعد عباد الله : اتقوا الله تعالى حق تقاته ،واجتنبوا هذا المنكر العظيم فالقذف ليس بالأمر اليسير ، فهو كبيرة
موبقة مهلكة ، وقد تهاون به كثير من الناس ، وابتلي به أهل الشكوك والأوهام من الأزواج والزوجات ، وشغل به من يتكلمون في بعض القنوات الفضائية أو عبر وسائل الاتصال المختلفة
، حاشاكم أيها الطيبون ، فلا أدري هل يجهلون حكم القذف وما يترتب عليه من عاجل وآجل العقوبة ، أم أنهم يعلمون الحكم ويتعامون عنه ، وهذه أشد وأنكى
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
هذا القذف في حق سائر عباد الله ، فكيف بهؤلاء الملعونين في الدنيا والآخرة الذين لا يزالون يقذفون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، زوج أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، التي برأها الله عز وجل في كتاب يتلى إلى أن تقوم الساعة ، فابتلى الله عز وجل كل من قذفها إبتلاه بالمتعة والزنا والعياذ بالله لأن ذلك من اللعن في الدنيا والجزاء من جنس العمل ، أسأل الله أن يأخذ كل من تطاول على شرف الطاهرة زوجة خير الناس ، وأن يرد كيده في نحره
وأسأل الله أن يحفظ ألسنتنا وأسماعنا وأبصارنا وفروجنا ، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم ربُّكم بالصلاة والسلام عليه ؛ فقال: ((إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا))
اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك وأنعم على عبدك ونبيك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة ...