عبيد الطوياوي
25-04-2013, 11:42 PM
F
دس السم في العسل
الحمد لله الحليم الغفور ، الصبور الشكور ، الذي :
} يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ { ،
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه
،} لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ { .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ،
} خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، البشير النذير ، والسراج المنير ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، ومن سار على نهجه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد ، عباد الله :
تقوى الله U ، وصيته سبحانه لعباده :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ {
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ جعلني الله وإياكم من عباده المتقين .
أيها الأخوة المؤمنون :
روى البخاري ومسلم ، عن حذيفة بن اليمان t أنه قال : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ r عَنِ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا كُنَّا فِى جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ r :
(( نَعَمْ )).
فَقُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ :
(( نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ )).
فَقُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ :
(( قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِى تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ )) .
قُلْتُ : هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ :
(( نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا )) .
قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ
(( هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا )) .
قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ ؟ قَالَ :
(( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ )).
قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ :
(( فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ كَذَلِكَ )) .
أيها الأخوة :
ففي هذا الحديث الشريف ، يحذر النبي r أمته ، ونحن من أمته ، بل من أحوجهم للحذر ،
(( فَإنَّهُ لا يَأتي زَمَانٌ إلاَّ والَّذِي بَعدَهُ شَرٌّ مِنهُ )) ،
كما أخبر بذلك النبي r في الحديث الصحيح . فالنبي r يحذر أمته من وجود أناس ، بل دعاة ، يدعون إلى النار ـ والعياذ بالله ـ ويشير r في هذا الحديث ، إلى أن هؤلاء الدعاة ، سوف يجدون من يستجيب لدعوتهم ، ويسمع ويطيع لهم ، ولهذا قال r :
(( نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا )) .
ومن اللطائف ـ أيها الأخوة ـ أن هؤلاء الدعاة ـ كما أشار الحديث ـ من أبرز أهدافهم ، وأوضح مقاصدهم : تفريق جماعة المسلمين ، وتنفيرهم من ولاة أمرهم ، ولهذا لما سأل حذيفة t النبي r وقال : فَمَا تَأْمُرُنِى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ ؟ قال r :
(( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ )) .
فهؤلاء الدعاة ، الذين يمثلون الشر في الأمة ، لا بد من وجودهم ، لإخبار النبي r بذلك ، وكما قال U:
} وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {،
وشرهم ـ أيها الأخوة ـ يتمثل في تشكيك المسلمين في إمامهم ، والدعوة إلى كل أمر من شأنه تمزيق وحدتهم ، وتفريق كلمتهم ، وما أكثر هؤلاء اليوم بين المسلمين .
أيها الأخوة :
إن هؤلاء الدعاة ، الذين حذر منهم النبي r ، لديهم أهداف ، يسعون إلى تحقيقها ، وفي رؤوسهم أشياء ، يعملون جاهدين للوصول إليها ، ولكنهم لا يستطيعون إلا عن طريق دس السم في العسل ، وكسب جهلة الناس ، بتحريك نوازع أنفسهم الأمارة بالسوء ، وخاصة أولائك الذين لا يبالون بالنتائج ، ولا يدركون عواقب الأمور .
فهؤلاء الدعاة ، يقدمون أفكارهم ، ويبررون أعمالهم ، ويحسنون مقاصدهم ، لينخدع بهم من يجهل حقيقتهم ، وينغر بهم من يخفى عليه أمرهم ، فيرى ما يقومون به عسلا ، ولكنه في حقيقته عسلا قد دس فيه سما ، وهكذا يفعل المجرمون قديما وحديثا ، وهذا ما أثبته القرآن الكريم ، عن فرعون أخبث داعية عرفته البشرية ، كما قال U عنه :
} وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ { .
فتبديل الدين ، وترك واجباته ، ومخالفة أوامره ، وكذلك الافساد في الأرض ، هذا عسل فرعون ، والسم الذي فيه ، يريدهم يتبعونه ، ويطيعون أوامره ، ويخضعون تحت سيطرته وملكه .
وهذا ـ أيها الأخوة ـ ما يريده دعاة الشر اليوم ، عبر قنواتهم ، ومنتدياتهم ، وخطبهم وكلماتهم ، ودروسهم واجتماعاتهم ، فهم يزعمون الحفاظ على الدين ، والحد من الفساد بين المسلمين ، ونشر الأمن بأنواعه وأشكاله ، ولكنهم يخططون لغير ذلك ، ولا أدل على ذلك من تحذير العلماء الذين لم تنحرف أفكارهم ، ولم تزغ أفهامهم منهم ، ومن الانضمام إلى أحزابهم وجماعاتهم .
فمعالجة الفقر ، والحد من البطالة ، ووجود المساكن الفسيحة ، والمراكب الفارهة ، وتعبئة الارصدة ، والقضاء على المخدرات ، ومحاسبة المسؤولين الفاسدين ، ووضع الشمس في يد والقمر في الأخرى ، هذا كله عسل ، يسيل له اللعاب ، ولكن يا ترى ما وراء ذلك .
إنه السم ، ولو كان ليس سما ، لما قال النبي r لحذيفة في رواية مسلم للحديث السابق :
(( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) .
نعم ـ أيها الأخوة ـ من السم الذي يدس في العسل ، الحقد والحسد عندما يوغرا الصدر ، ويحاول صاحبهما الانتقام . ومن السم الشهوة الخفية وحب الرئاسة والوصول إلى السلطة ، ونصر الظلمة بإعانتهم على ظلمهم ، وتصيد الأخطاء ، وإحصاء المعايب ونشر المثالب ، وتعظيم الحقير ، وتحقير العظيم من الأمور ، هذا كله وغيره ، مما يتقنه خبراء العسل المسموم .
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ ولنحذر هؤلاء ، ولنكن يدا واحدة ضدهم ، ففي ذلك سلامتنا ونجاتنا في الدنيا والآخرة .
اسأل الله أن يهدي ضال المسلمين ، إنه سميع مجيب ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
لاشك أن هؤلاء الدعاة ، خبراء العسل المسموم ، يجدون ما يتعلقون به ، وما يجعلونه مادة دسمة ، لترويج بضاعتهم الكاسدة ، ومن ذلك ـ أيها الأخوة ـ بعض المسلمين ، الذين لا يبالون في ذممهم ، الخونة لأماناتهم ، المضيعون لمسؤولياتهم ، الذين يصدق عليهم قول النبي r في الحديث الصحيح :
(( قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ ))
فلاهم لهم إلا مصالحهم ، ولا خوف إلا على كراسيهم .
وهؤلاء ـ أيها الأخوة ـ هم الطعم الحقيقي ، الذي يستخدمه دعاة أبواب جهنم ، لاصطياد السفهاء والجهلة وأصحاب الشهوات ، وضمهم لجماعاتهم وأحزابهم ، وجعلهم يكرهون ويبغضون ولاة أمرهم ، ومن ثم التفرق والاختلاف والنزاع .
أيها الأخوة المؤمنون :
إننا في هذه البلاد ، قد من الله U علينا ، باجتماع كلمتنا ، والتفافنا حول ولاة أمرنا ، ليس خوفا أو جبنا منا ، ولكنه امتثالا لأمر ربنا ، ومحبة بمن ولاه الله أمرنا ، فحري بنا أن نحذر ممن حذرنا منه نبينا r ، وأن نكون يدا واحده ، وصفا واحدا ، أمام من يتسبب أو يريد أو يطمح إلى زعزعة أمننا ، وتفريق شملنا ، وهدم بناء وحدتنا .
اسأل الله U أن لا يحقق لهم غاية ، وأن يجعل كيدهم في نحورهم ، وأن يجعل تدبيرهم سببا لتدميرهم ، إنه قوي عزيز . اللهم إنا نسألك حفظ أمننا ، وجمع شتات كلمتنا ، اللهم جنبنا الفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، اللهم وآمنا في أوطاننا ، واستعمل علينا خيارنا ، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين .
اللهم إنا نسألك الهدى ، والتقى ، والعفاف والغنى ، اللهم أحينا سعداء ، وتوفنا شهداء ، واحشرنا في زمرة الأتقياء برحمتك يا أرحم الراحمين . اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ، ويذل فيه أهل معصيتك ، ويؤمر فيه بالمعروف ، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء .
} رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم ، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .
دس السم في العسل
الحمد لله الحليم الغفور ، الصبور الشكور ، الذي :
} يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ { ،
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه
،} لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ { .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ،
} خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، البشير النذير ، والسراج المنير ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، ومن سار على نهجه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد ، عباد الله :
تقوى الله U ، وصيته سبحانه لعباده :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ {
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ جعلني الله وإياكم من عباده المتقين .
أيها الأخوة المؤمنون :
روى البخاري ومسلم ، عن حذيفة بن اليمان t أنه قال : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ r عَنِ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّا كُنَّا فِى جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ r :
(( نَعَمْ )).
فَقُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ :
(( نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ )).
فَقُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ :
(( قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِى تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ )) .
قُلْتُ : هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ :
(( نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا )) .
قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ
(( هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا )) .
قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ ؟ قَالَ :
(( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ )).
قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ :
(( فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ كَذَلِكَ )) .
أيها الأخوة :
ففي هذا الحديث الشريف ، يحذر النبي r أمته ، ونحن من أمته ، بل من أحوجهم للحذر ،
(( فَإنَّهُ لا يَأتي زَمَانٌ إلاَّ والَّذِي بَعدَهُ شَرٌّ مِنهُ )) ،
كما أخبر بذلك النبي r في الحديث الصحيح . فالنبي r يحذر أمته من وجود أناس ، بل دعاة ، يدعون إلى النار ـ والعياذ بالله ـ ويشير r في هذا الحديث ، إلى أن هؤلاء الدعاة ، سوف يجدون من يستجيب لدعوتهم ، ويسمع ويطيع لهم ، ولهذا قال r :
(( نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا )) .
ومن اللطائف ـ أيها الأخوة ـ أن هؤلاء الدعاة ـ كما أشار الحديث ـ من أبرز أهدافهم ، وأوضح مقاصدهم : تفريق جماعة المسلمين ، وتنفيرهم من ولاة أمرهم ، ولهذا لما سأل حذيفة t النبي r وقال : فَمَا تَأْمُرُنِى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ ؟ قال r :
(( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ )) .
فهؤلاء الدعاة ، الذين يمثلون الشر في الأمة ، لا بد من وجودهم ، لإخبار النبي r بذلك ، وكما قال U:
} وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {،
وشرهم ـ أيها الأخوة ـ يتمثل في تشكيك المسلمين في إمامهم ، والدعوة إلى كل أمر من شأنه تمزيق وحدتهم ، وتفريق كلمتهم ، وما أكثر هؤلاء اليوم بين المسلمين .
أيها الأخوة :
إن هؤلاء الدعاة ، الذين حذر منهم النبي r ، لديهم أهداف ، يسعون إلى تحقيقها ، وفي رؤوسهم أشياء ، يعملون جاهدين للوصول إليها ، ولكنهم لا يستطيعون إلا عن طريق دس السم في العسل ، وكسب جهلة الناس ، بتحريك نوازع أنفسهم الأمارة بالسوء ، وخاصة أولائك الذين لا يبالون بالنتائج ، ولا يدركون عواقب الأمور .
فهؤلاء الدعاة ، يقدمون أفكارهم ، ويبررون أعمالهم ، ويحسنون مقاصدهم ، لينخدع بهم من يجهل حقيقتهم ، وينغر بهم من يخفى عليه أمرهم ، فيرى ما يقومون به عسلا ، ولكنه في حقيقته عسلا قد دس فيه سما ، وهكذا يفعل المجرمون قديما وحديثا ، وهذا ما أثبته القرآن الكريم ، عن فرعون أخبث داعية عرفته البشرية ، كما قال U عنه :
} وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ { .
فتبديل الدين ، وترك واجباته ، ومخالفة أوامره ، وكذلك الافساد في الأرض ، هذا عسل فرعون ، والسم الذي فيه ، يريدهم يتبعونه ، ويطيعون أوامره ، ويخضعون تحت سيطرته وملكه .
وهذا ـ أيها الأخوة ـ ما يريده دعاة الشر اليوم ، عبر قنواتهم ، ومنتدياتهم ، وخطبهم وكلماتهم ، ودروسهم واجتماعاتهم ، فهم يزعمون الحفاظ على الدين ، والحد من الفساد بين المسلمين ، ونشر الأمن بأنواعه وأشكاله ، ولكنهم يخططون لغير ذلك ، ولا أدل على ذلك من تحذير العلماء الذين لم تنحرف أفكارهم ، ولم تزغ أفهامهم منهم ، ومن الانضمام إلى أحزابهم وجماعاتهم .
فمعالجة الفقر ، والحد من البطالة ، ووجود المساكن الفسيحة ، والمراكب الفارهة ، وتعبئة الارصدة ، والقضاء على المخدرات ، ومحاسبة المسؤولين الفاسدين ، ووضع الشمس في يد والقمر في الأخرى ، هذا كله عسل ، يسيل له اللعاب ، ولكن يا ترى ما وراء ذلك .
إنه السم ، ولو كان ليس سما ، لما قال النبي r لحذيفة في رواية مسلم للحديث السابق :
(( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) .
نعم ـ أيها الأخوة ـ من السم الذي يدس في العسل ، الحقد والحسد عندما يوغرا الصدر ، ويحاول صاحبهما الانتقام . ومن السم الشهوة الخفية وحب الرئاسة والوصول إلى السلطة ، ونصر الظلمة بإعانتهم على ظلمهم ، وتصيد الأخطاء ، وإحصاء المعايب ونشر المثالب ، وتعظيم الحقير ، وتحقير العظيم من الأمور ، هذا كله وغيره ، مما يتقنه خبراء العسل المسموم .
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ ولنحذر هؤلاء ، ولنكن يدا واحدة ضدهم ، ففي ذلك سلامتنا ونجاتنا في الدنيا والآخرة .
اسأل الله أن يهدي ضال المسلمين ، إنه سميع مجيب ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
لاشك أن هؤلاء الدعاة ، خبراء العسل المسموم ، يجدون ما يتعلقون به ، وما يجعلونه مادة دسمة ، لترويج بضاعتهم الكاسدة ، ومن ذلك ـ أيها الأخوة ـ بعض المسلمين ، الذين لا يبالون في ذممهم ، الخونة لأماناتهم ، المضيعون لمسؤولياتهم ، الذين يصدق عليهم قول النبي r في الحديث الصحيح :
(( قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ ))
فلاهم لهم إلا مصالحهم ، ولا خوف إلا على كراسيهم .
وهؤلاء ـ أيها الأخوة ـ هم الطعم الحقيقي ، الذي يستخدمه دعاة أبواب جهنم ، لاصطياد السفهاء والجهلة وأصحاب الشهوات ، وضمهم لجماعاتهم وأحزابهم ، وجعلهم يكرهون ويبغضون ولاة أمرهم ، ومن ثم التفرق والاختلاف والنزاع .
أيها الأخوة المؤمنون :
إننا في هذه البلاد ، قد من الله U علينا ، باجتماع كلمتنا ، والتفافنا حول ولاة أمرنا ، ليس خوفا أو جبنا منا ، ولكنه امتثالا لأمر ربنا ، ومحبة بمن ولاه الله أمرنا ، فحري بنا أن نحذر ممن حذرنا منه نبينا r ، وأن نكون يدا واحده ، وصفا واحدا ، أمام من يتسبب أو يريد أو يطمح إلى زعزعة أمننا ، وتفريق شملنا ، وهدم بناء وحدتنا .
اسأل الله U أن لا يحقق لهم غاية ، وأن يجعل كيدهم في نحورهم ، وأن يجعل تدبيرهم سببا لتدميرهم ، إنه قوي عزيز . اللهم إنا نسألك حفظ أمننا ، وجمع شتات كلمتنا ، اللهم جنبنا الفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، اللهم وآمنا في أوطاننا ، واستعمل علينا خيارنا ، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين .
اللهم إنا نسألك الهدى ، والتقى ، والعفاف والغنى ، اللهم أحينا سعداء ، وتوفنا شهداء ، واحشرنا في زمرة الأتقياء برحمتك يا أرحم الراحمين . اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ، ويذل فيه أهل معصيتك ، ويؤمر فيه بالمعروف ، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء .
} رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم ، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .