عبيد الطوياوي
31-05-2013, 12:04 AM
F
} وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ {
الحمد لله السميع البصير ، الذي
} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ {.
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ،
} لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، تعالى عن الند والضد والظهير ، :
} غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ {.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، أصدق بشير وأخلص نذير ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، ومن سار على نهجه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد ، فياعباد الله :
تقوى الله U ، وصيته سبحانه لعباده الأولين والآخرين ، فهو القائل في كتابه :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ {
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ جعلني الله وإياكم من عباده المتقين .
أيها الأخوة المؤمنون :
يقول U في سورة مريم :
} وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ، إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ { ،
وأنذرهم : أي أخبرهم وحذرهم وخوفهم ، يوم الحسرة : أي يوم القيامة ، يقول ابن عباس ـ رضي الله عنهما : يوم الحسرة : اسمٌ من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله، وحذَّر منه عبادَة .
والحسرة ـ أيها الأخوة ـ هي الندامة ، فالناس جميعهم يوم القيامة ، برهم وفاجرهم ، مسلمهم وكافرهم ، مطيعهم وعاصيهم ، تتقطع قلوبهم ندما وأسفا وحسرة ، على مافاتهم من طاعة الله U . فالكافر والفاجر والعاصي ، يتحسر ويندم على تفريطه ، وعدم انقياده لأمر ربه U ، كما في قوله تعالى :
} كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ {
، وقوله U :
} أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ { .
وأيضا المسلم المطيع ، يتحسر على أنه لم يزداد من الأعمال الصالحة ، يتحسر على بعض أوقاته التي ضيعها في شهواته ، وعلى ما أنفق من ماله في ملذاته ، وعلى ما بذل من جهده في سبيل مباحاته ومحبوباته ، بل يتحسر ويندم ، على أنه لم يضاعف ويكثر من أعماله الصالحة ، فإن كان قد بنى لله مسجدا ، يندم على أنه لم يبن لله مسجدين ، وإن كان من أهل قيام ركعتين في جوف الليل ، يندم على أنه لم يقم الليل كله ، وإن كان يقرأ صفحة من كتاب الله في اليوم ، يندم أنه لم يقرأ صفحتين ، وهكذا بقية الأعمال الصالحة .
فيوم القيامة ـ أيها الأخوة ـ هو يوم الحسرة الحقيقة ، والندم الذي لا ينفع صاحبه ، فليس هناك إلا الجنة أو النار ، يقول النبي r في الحديث الصحيح :
(( يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ . وَيُقَالُ : يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ قَالَ : فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ . فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ . وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ )) .
ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ r : } وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ { ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا .
وفي الحديث الصحيح ـ عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ r :
(( إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ ؛ جِيءَ بِالْمَوْتِ ، حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، ثُمَّ يُذْبَحُ ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ : يَا أَهْلَ الْجنَّةِ لاَ مَوْتَ ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لاَ مَوْتَ ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ )) .
فأي حسرة ـ أيها الأخوة ـ تنتظر المفرطين والمتهاونين والتاركين لأمر الله U ، المعرضين عن أمره ونهيه .
أيها الأخوة :
هل تأملتم حال بعض الناس ، عندما يفوته أمر من أمور الدنيا ، هل استشعرتم مقدار ندمه وألمه وحسرته ، أنت أخي المسلم ، بالله عليك ، لو فاتك منصب تستحقه ، أو حرمت ترقية تنتظرها ، أو فضل عليك غيرك بمبلغ من المال ، أو فشل ابنك في دراسته ، يا ترى ما مقدار حسرتك وألمك . هذا من أجل حطام فان ، أو من أجل شيء تستطيع تعويضه وتداركه ، فكيف أخي بحسرة من فاته نعيم الله U ، أو صار من أهل عذابه وعقابه .
نعم ـ أخي المسلم ـ ذكر الله U لنا ، حال هؤلاء ، فقال تبارك وتعالى :
} وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا {
فمن شدة ألمه وحسرته وندمه ، لا يكفيه العض على يد واحده ، إنما يعض كلتا يديه ، أو يداول بينهما في العض ،
} يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا {
يتمنى لو سلك طريق الرسول r ، يتمنى لو اتبع سنة نبيه محمد r ، يتمنى لو عمل بقول الرسول r !
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
} إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ، فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ، يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا {،
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
ولهذه الحسرة الأكيدة ، التي سوف يتجرعها كل واحد منا ، ينبغي لنا أن لا نكون في غفلة منها ، بل يجب أن نكون على استعداد لها ، يقول U :
} مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {
ويقول U :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ { .
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ ولنحذر الغفلة عن الآخرة ، وعن يوم القيامة ، يوم الحسرة والندامة ، ولنجعل شعارنا طاعة ربنا ، طوال حياتنا وحتى مماتنا ، يقول U :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ {
ولنا ـ أيها الأخوة ـ أسوة وقدوة بنبينا r ، الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، تقول عائشة ـ عائشة - رضي الله عنها ـ كان يُكْثِرُ يقول :
(( يا مُقَلِّبَ القلوب ، ثَبِّتْ قلبي على دينكَ وطاعتكَ )) ،
وفي حديث آخر عن عبدالله بن عمر ، أنه r كان من دعائه :
(( اللهم مُصَرِّفَ القلوب ، صَرِّفْ قلوبنا على طاعتكَ )) .
فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك ، واللهم يا مصرف القلوب ، صرف قلوبنا على طاعتك إنك سميع مجيب .
فلنتق الله ـ عباد الله ـ اسأله U أن يجعلني وإياكم ، من الهداة المهتدين ، السامعين له والمطيعين ، العاملين في كتابه ، المتبعين لسنة نبيه محمد r ، إنه سميع مجيب .
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى ، والعفاف والغنى ، اللهم أحينا سعداء وتوفنا شهداء واحشرنا في زمرة الاتقياء برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ { .
} وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ {
الحمد لله السميع البصير ، الذي
} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ {.
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ،
} لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، تعالى عن الند والضد والظهير ، :
} غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ {.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، أصدق بشير وأخلص نذير ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، ومن سار على نهجه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد ، فياعباد الله :
تقوى الله U ، وصيته سبحانه لعباده الأولين والآخرين ، فهو القائل في كتابه :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ {
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ جعلني الله وإياكم من عباده المتقين .
أيها الأخوة المؤمنون :
يقول U في سورة مريم :
} وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ، إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ { ،
وأنذرهم : أي أخبرهم وحذرهم وخوفهم ، يوم الحسرة : أي يوم القيامة ، يقول ابن عباس ـ رضي الله عنهما : يوم الحسرة : اسمٌ من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله، وحذَّر منه عبادَة .
والحسرة ـ أيها الأخوة ـ هي الندامة ، فالناس جميعهم يوم القيامة ، برهم وفاجرهم ، مسلمهم وكافرهم ، مطيعهم وعاصيهم ، تتقطع قلوبهم ندما وأسفا وحسرة ، على مافاتهم من طاعة الله U . فالكافر والفاجر والعاصي ، يتحسر ويندم على تفريطه ، وعدم انقياده لأمر ربه U ، كما في قوله تعالى :
} كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ {
، وقوله U :
} أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ { .
وأيضا المسلم المطيع ، يتحسر على أنه لم يزداد من الأعمال الصالحة ، يتحسر على بعض أوقاته التي ضيعها في شهواته ، وعلى ما أنفق من ماله في ملذاته ، وعلى ما بذل من جهده في سبيل مباحاته ومحبوباته ، بل يتحسر ويندم ، على أنه لم يضاعف ويكثر من أعماله الصالحة ، فإن كان قد بنى لله مسجدا ، يندم على أنه لم يبن لله مسجدين ، وإن كان من أهل قيام ركعتين في جوف الليل ، يندم على أنه لم يقم الليل كله ، وإن كان يقرأ صفحة من كتاب الله في اليوم ، يندم أنه لم يقرأ صفحتين ، وهكذا بقية الأعمال الصالحة .
فيوم القيامة ـ أيها الأخوة ـ هو يوم الحسرة الحقيقة ، والندم الذي لا ينفع صاحبه ، فليس هناك إلا الجنة أو النار ، يقول النبي r في الحديث الصحيح :
(( يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ . وَيُقَالُ : يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ قَالَ : فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ . فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ . وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ )) .
ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ r : } وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ { ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا .
وفي الحديث الصحيح ـ عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ r :
(( إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ ؛ جِيءَ بِالْمَوْتِ ، حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، ثُمَّ يُذْبَحُ ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ : يَا أَهْلَ الْجنَّةِ لاَ مَوْتَ ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لاَ مَوْتَ ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ )) .
فأي حسرة ـ أيها الأخوة ـ تنتظر المفرطين والمتهاونين والتاركين لأمر الله U ، المعرضين عن أمره ونهيه .
أيها الأخوة :
هل تأملتم حال بعض الناس ، عندما يفوته أمر من أمور الدنيا ، هل استشعرتم مقدار ندمه وألمه وحسرته ، أنت أخي المسلم ، بالله عليك ، لو فاتك منصب تستحقه ، أو حرمت ترقية تنتظرها ، أو فضل عليك غيرك بمبلغ من المال ، أو فشل ابنك في دراسته ، يا ترى ما مقدار حسرتك وألمك . هذا من أجل حطام فان ، أو من أجل شيء تستطيع تعويضه وتداركه ، فكيف أخي بحسرة من فاته نعيم الله U ، أو صار من أهل عذابه وعقابه .
نعم ـ أخي المسلم ـ ذكر الله U لنا ، حال هؤلاء ، فقال تبارك وتعالى :
} وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا {
فمن شدة ألمه وحسرته وندمه ، لا يكفيه العض على يد واحده ، إنما يعض كلتا يديه ، أو يداول بينهما في العض ،
} يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا {
يتمنى لو سلك طريق الرسول r ، يتمنى لو اتبع سنة نبيه محمد r ، يتمنى لو عمل بقول الرسول r !
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
} إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ، فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ، يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا {،
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
ولهذه الحسرة الأكيدة ، التي سوف يتجرعها كل واحد منا ، ينبغي لنا أن لا نكون في غفلة منها ، بل يجب أن نكون على استعداد لها ، يقول U :
} مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {
ويقول U :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ { .
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ ولنحذر الغفلة عن الآخرة ، وعن يوم القيامة ، يوم الحسرة والندامة ، ولنجعل شعارنا طاعة ربنا ، طوال حياتنا وحتى مماتنا ، يقول U :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ {
ولنا ـ أيها الأخوة ـ أسوة وقدوة بنبينا r ، الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، تقول عائشة ـ عائشة - رضي الله عنها ـ كان يُكْثِرُ يقول :
(( يا مُقَلِّبَ القلوب ، ثَبِّتْ قلبي على دينكَ وطاعتكَ )) ،
وفي حديث آخر عن عبدالله بن عمر ، أنه r كان من دعائه :
(( اللهم مُصَرِّفَ القلوب ، صَرِّفْ قلوبنا على طاعتكَ )) .
فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك ، واللهم يا مصرف القلوب ، صرف قلوبنا على طاعتك إنك سميع مجيب .
فلنتق الله ـ عباد الله ـ اسأله U أن يجعلني وإياكم ، من الهداة المهتدين ، السامعين له والمطيعين ، العاملين في كتابه ، المتبعين لسنة نبيه محمد r ، إنه سميع مجيب .
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى ، والعفاف والغنى ، اللهم أحينا سعداء وتوفنا شهداء واحشرنا في زمرة الاتقياء برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ { .