عبيد الطوياوي
23-08-2013, 12:04 AM
F
للغافلين عن نعم رب العالمين
الحمد لله العليم الخبير ، القائل في كتابه :
} وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ،
} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ { .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ،
} لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ { .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، البشير النذير ، والسراج المنير ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد ، فيا عباد الله :
تقوى الله U ، وصية الله لعباده ،
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ،
وأمره U لمن آمن من خلقه :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا { ،
جعلني الله وإياكم من عباده المتقين .
أيها الأخوة المؤمنون :
يقول U ، ممتنا ومخاطبا لقريش :
} أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ {
فقريش ـ أيها الأخوة ـ أنعم الله U عليهم بنعم كثيرة ، كما جاء في الحديث الحسن : قول النبي r :
(( فَضَّلَ اللَّه قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِلَال : أَنِّي مِنْهُمْ ، وَأَنَّ النُّبُوَّة فِيهِمْ ، وَالْحِجَابَة وَالسِّقَايَة فِيهِمْ ، وَأَنَّ اللَّه نَصَرَهُمْ عَلَى الْفِيل ، وَأَنَّهُمْ عَبَدُوا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَشْر سِنِينَ لَا يَعْبُدهُ غَيْرهمْ ، وَأَنَّ اللَّه أَنْزَلَ فِيهِمْ سُورَة مِنْ الْقُرْآن ))
فهذه نعم ميز الله U قريشا بها على غيرهم ، النبي r من قريش ، والنبوة في قريش ، وتولي أمر بيت الله U ، وخدمة الوافدين إليه ، كل ذلك من النعم العظيمة التي أنعم الله بها U على قريش ، ولكن ـ أيها الأخوة ـ هناك نعمة عظيمة ، غفلوا عنها ، فذكرهم الله U بها ، وهي كما قال تبارك وتعالى :
} الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ {
فهم في بلادهم ، حول بيت الله الحرام ،
} وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا {
كما قال U ، يسافرون لتجارتهم ومكاسبهم ، في الشتاء لليمن ، وفي الصيف للشام ، لا يعترض أحد طريقهم ، بل يقابلون بالتقدير والاحترام ، لتعظيم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب .
فالله U يقول :
} أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ {
أين أنتم من هذه النعم ، وهذا الأمن العظيم والرزق الكريم ، والناس حولكم ، ينهب بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا ،
} أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ {
أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة الإشراك به U ، وعبادة الأصنام والأوثان معه .
إن اللائق بهم : إخلاص العبادة لله U ، وعدم الإشراك به ، وتصديق وتعظيم وتوقير وطاعة رسوله r ، ليس تكذيبه ومقاتلته وإخراجه .
أيها الأخوة المؤمنون :
إن تلك النعمة ، التي أنعم الله U بها على قريش ، وأثبتها في كتابه ، لتكون عظة وعبرة ، هي ما ننعم به في هذه الأيام ، حيث جعل لنا سبحانه ، بلدا آمنا مستقرا ، والناس من حوله ، كما تشاهدون وتسمعون ، في أوضاع تجعل الحليم حيران ، تحيط بهم المخاطر ، لا يأمنون على أعراضهم ، ولا يطمأنون على دمائهم ، أغرتهم الحرية بجمال حروفها ، فأضحوا في أوحال العبودية ، سعوا إلى رخص أرغفة عيشهم ، فأكلوا ورق الشجر ، تنادوا من أجل توفير السكن ، فسكنوا في الصحاري القاحلة ، والمعتقلات الضيقة ، كانوا يحلمون بعدم تكميم أفواههم ، فقطعت أوداجهم ، بل سلطت عليهم الأسلحة المحضورة ، ووقعت فيهم المجازر ، وصاروا ضحية لكل غادر وفاسق وفاجر .
ونحن ـ أيها الأخوة ـ آمنون على أعراضنا ، وعلى دمائنا ، وعلى أبنائنا ، وعلى أموالنا ، وننعم بنعم حرم منها غيرنا ، فلنشكر الله U على هذه النعمة ، فقد جعل الله لنا :
} حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ {
حولنا ، فيجب أن لا نكون كما قال تعالى :
} أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ {
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
يوجد من الناس لجهله ، وعدم فقهه ، من لا يستشعر نعم الله عليه ، بل يوجد من يسأم من نعم الله سبحانه ، وقد ذكر الله U لنا بعض هؤلاء في كتابه ، للحذر من سلوك طريقهم ، والبعد عن نهج منهجهم ، ومن هؤلاء ، قوم سبأ ، كما قال تبارك وتعالى :
} وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ، فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ {.
يقول ابن كثير في تفسيره : ذكر تعالى ما كانوا فيه من الغِبْطة والنعمة ، والعيش الهني الرغيد ، والبلاد الرخية ، والأماكن الآمنة ، والقرى المتواصلة المتقاربة ، بعضها من بعض ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها ، بحيث أن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء ، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا ، ويقيل في قرية ، ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم . فبطروا هذه النعمة وسأموها ، وقالوا كما جاء في الآية :
} فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ{
، لا يريدون هذه النعمة ، يريدون حمل الزاد وامتطاء الرواحل والسير في الحرور والمخاوف ، فعاقبهم الله U كما قال تعالى :
} فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ {
يقول ابن كثير في تفسيره : أي جعلناهم حديثا للناس ، وسمرا يتحدثون به من خبرهم ، وكيف مكر الله بهم ، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء ،
} إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ {
أي عبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب شكور على النعم .
اسأل الله U أن يهدي ضال المسلمين إنه سميع مجيب ، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك ، وتحول عافيتك ، وفجاءة نقمتك ، وجميع سخطك . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، برحمتك يا أرحم الرحمين .
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ، ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، اللهم عجل بفرج المسلمين في بلاد الشام ، وأصلح احوال المسلمين في مصر والعراق واليمن وتونس وليبيا وبورما وفي كل مكان ، اللهم اجمع كلمتهم على الحق وولي عليهم خيارهم ، اللهم أبدل خوفهم أمنا ، اللهم احفظ أعراضهم ودماءهم وأموالهم ، اللهم عليك بمن عادى دينك وسنة نبيك وعبادك الصالحين ، ياقوي يا عزيز .
.} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .
للغافلين عن نعم رب العالمين
الحمد لله العليم الخبير ، القائل في كتابه :
} وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ،
} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ { .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ،
} لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ { .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، البشير النذير ، والسراج المنير ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد ، فيا عباد الله :
تقوى الله U ، وصية الله لعباده ،
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ،
وأمره U لمن آمن من خلقه :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا { ،
جعلني الله وإياكم من عباده المتقين .
أيها الأخوة المؤمنون :
يقول U ، ممتنا ومخاطبا لقريش :
} أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ {
فقريش ـ أيها الأخوة ـ أنعم الله U عليهم بنعم كثيرة ، كما جاء في الحديث الحسن : قول النبي r :
(( فَضَّلَ اللَّه قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِلَال : أَنِّي مِنْهُمْ ، وَأَنَّ النُّبُوَّة فِيهِمْ ، وَالْحِجَابَة وَالسِّقَايَة فِيهِمْ ، وَأَنَّ اللَّه نَصَرَهُمْ عَلَى الْفِيل ، وَأَنَّهُمْ عَبَدُوا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَشْر سِنِينَ لَا يَعْبُدهُ غَيْرهمْ ، وَأَنَّ اللَّه أَنْزَلَ فِيهِمْ سُورَة مِنْ الْقُرْآن ))
فهذه نعم ميز الله U قريشا بها على غيرهم ، النبي r من قريش ، والنبوة في قريش ، وتولي أمر بيت الله U ، وخدمة الوافدين إليه ، كل ذلك من النعم العظيمة التي أنعم الله بها U على قريش ، ولكن ـ أيها الأخوة ـ هناك نعمة عظيمة ، غفلوا عنها ، فذكرهم الله U بها ، وهي كما قال تبارك وتعالى :
} الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ {
فهم في بلادهم ، حول بيت الله الحرام ،
} وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا {
كما قال U ، يسافرون لتجارتهم ومكاسبهم ، في الشتاء لليمن ، وفي الصيف للشام ، لا يعترض أحد طريقهم ، بل يقابلون بالتقدير والاحترام ، لتعظيم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب .
فالله U يقول :
} أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ {
أين أنتم من هذه النعم ، وهذا الأمن العظيم والرزق الكريم ، والناس حولكم ، ينهب بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا ،
} أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ {
أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة الإشراك به U ، وعبادة الأصنام والأوثان معه .
إن اللائق بهم : إخلاص العبادة لله U ، وعدم الإشراك به ، وتصديق وتعظيم وتوقير وطاعة رسوله r ، ليس تكذيبه ومقاتلته وإخراجه .
أيها الأخوة المؤمنون :
إن تلك النعمة ، التي أنعم الله U بها على قريش ، وأثبتها في كتابه ، لتكون عظة وعبرة ، هي ما ننعم به في هذه الأيام ، حيث جعل لنا سبحانه ، بلدا آمنا مستقرا ، والناس من حوله ، كما تشاهدون وتسمعون ، في أوضاع تجعل الحليم حيران ، تحيط بهم المخاطر ، لا يأمنون على أعراضهم ، ولا يطمأنون على دمائهم ، أغرتهم الحرية بجمال حروفها ، فأضحوا في أوحال العبودية ، سعوا إلى رخص أرغفة عيشهم ، فأكلوا ورق الشجر ، تنادوا من أجل توفير السكن ، فسكنوا في الصحاري القاحلة ، والمعتقلات الضيقة ، كانوا يحلمون بعدم تكميم أفواههم ، فقطعت أوداجهم ، بل سلطت عليهم الأسلحة المحضورة ، ووقعت فيهم المجازر ، وصاروا ضحية لكل غادر وفاسق وفاجر .
ونحن ـ أيها الأخوة ـ آمنون على أعراضنا ، وعلى دمائنا ، وعلى أبنائنا ، وعلى أموالنا ، وننعم بنعم حرم منها غيرنا ، فلنشكر الله U على هذه النعمة ، فقد جعل الله لنا :
} حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ {
حولنا ، فيجب أن لا نكون كما قال تعالى :
} أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ {
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
يوجد من الناس لجهله ، وعدم فقهه ، من لا يستشعر نعم الله عليه ، بل يوجد من يسأم من نعم الله سبحانه ، وقد ذكر الله U لنا بعض هؤلاء في كتابه ، للحذر من سلوك طريقهم ، والبعد عن نهج منهجهم ، ومن هؤلاء ، قوم سبأ ، كما قال تبارك وتعالى :
} وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ، فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ {.
يقول ابن كثير في تفسيره : ذكر تعالى ما كانوا فيه من الغِبْطة والنعمة ، والعيش الهني الرغيد ، والبلاد الرخية ، والأماكن الآمنة ، والقرى المتواصلة المتقاربة ، بعضها من بعض ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها ، بحيث أن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء ، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا ، ويقيل في قرية ، ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم . فبطروا هذه النعمة وسأموها ، وقالوا كما جاء في الآية :
} فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ{
، لا يريدون هذه النعمة ، يريدون حمل الزاد وامتطاء الرواحل والسير في الحرور والمخاوف ، فعاقبهم الله U كما قال تعالى :
} فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ {
يقول ابن كثير في تفسيره : أي جعلناهم حديثا للناس ، وسمرا يتحدثون به من خبرهم ، وكيف مكر الله بهم ، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء ،
} إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ {
أي عبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب شكور على النعم .
اسأل الله U أن يهدي ضال المسلمين إنه سميع مجيب ، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك ، وتحول عافيتك ، وفجاءة نقمتك ، وجميع سخطك . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، برحمتك يا أرحم الرحمين .
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ، ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، اللهم عجل بفرج المسلمين في بلاد الشام ، وأصلح احوال المسلمين في مصر والعراق واليمن وتونس وليبيا وبورما وفي كل مكان ، اللهم اجمع كلمتهم على الحق وولي عليهم خيارهم ، اللهم أبدل خوفهم أمنا ، اللهم احفظ أعراضهم ودماءهم وأموالهم ، اللهم عليك بمن عادى دينك وسنة نبيك وعبادك الصالحين ، ياقوي يا عزيز .
.} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .