عبيد الطوياوي
07-11-2013, 11:55 PM
F
رحل عام وحل عام
} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ { ،
} هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ،
} وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، أرسله :
} بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ { ،
صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم يبعثون .
أما بعد ، فيا عباد الله :
تقوى الله U وصيته سبحانه لعباده ، وخير ما يتزود به العبد ، في حياته لمعاده :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ،
} وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ {
جعلني الله وإياكم من عباده المتقين ، الذين ينجيهم الله :
} بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ { .
أيها الأخوة المؤمنون :
في حديث صحيح : جاء رجل إلى النبي r فقال ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ . قَالَ r :
(( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ )) .
فقَالَ الرجل : فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ ؟ ، قال r :
(( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ )) .
فإذا تأملنا ـ أيها الأخوة ـ قول النبي r ، والذي أجاب به سؤال هذا الرجل ، نجد أن الخير في طول العمر مع حسن العمل ، وأن الشر في طول العمر وسوء العمل ، ولذلك قال الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّ الأَوْقَاتِ وَالسَّاعَاتِ ، كَرَأْسِ الْمَالِ لِلتَّاجِرِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّجِرَ فِيمَا يَرْبَحُ فِيهِ ، وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا ، كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ , فَمَنْ اِنْتَفَعَ مِنْ عُمُرِهِ ، بِأَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ ، فَقَدْ فَازَ وَأَفْلَحَ , وَمَنْ أَضَاعَ رَأْسَ مَالِهِ ، لَمْ يَرْبَحْ ، وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا .
أيها الأخوة :
نحن في هذه الأيام ، بدأنا عاما هجريا جديدا ، هو في الحقيقة من أعمارنا ، التي كتب الله U لنا ونحن في بطون أمهاتنا ، حينما نفخت فينا أرواحنا ، كما جاء في حديث ابن مسعود الصحيح ، يقولُ t : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ r ، وَهُوَ الصَّادِقُ المصّدُوق :
(( إنَّ أحدَكم يُجمعُ خَلْقُهُ فِي بَطنِ أمِّهِ أربعينَ يوماً نُطفَة ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ إليهِ الملَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُوحَ ، ويُؤمرُ بأربعِ كَلِمَاتٍ : بِكتْبِ رِزقِهِ وَأجلِهِ وَعمَلِهِ وَشَقِي أو سَعِيد )) .
فآجالنا التي كتبت لنا ، قطعنا إليها عاما كاملا من أعمارنا ، وهي بيد الله U ، لا نستطيع معرفتها ، ولا نقدر على تأجيلها ، كما قال U :
} لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ { .
فينبغي أن لا ننشغل ولا نهتم ولا نفرح بتجدد الأعوام ، ونغفل عما عملنا ونعمل فيما سوف يكون شاهدا لنا أو علينا من الليالي والأيام . فالعبرة بنوع ما نعمله من عمل ، الذي بسببه إما نكون من خير الناس ، أو من شرارهم .
إن لنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فرح بالأيام نقـــــــــــــــــــــطعها
وكل يوم مــــــــــضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا
فإنما الربح والخسران في العمل
فعملك ـ أخي المسلم ـ هو الذي يحدد ، هل أنت من الأخيار أم من الأشرار ، ولذلك يقول النبي r ، كما في الحديث صحيح الإسناد :
(( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ ؟ )) قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ r : (( خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالاً ))
فالعبرة ـ أخي ـ بالعمل الصالح ، العبرة بما عملت في ما مضى من أعوامك وشهورك وأيامك .
روى الإمام أحمد في مسنده ، وصححه الألباني ـ رحمه الله ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : كَانَ رَجُلَانِ أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ r وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً . قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ : فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ ، فَرَأَيْتُ فِيهَا الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ ، فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ ، فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ r ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :
(( أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ ! وَصَلَّى سِتَّةَ آلافِ رَكْعَةٍ أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً ! صَلاةَ السَّنَةِ )) .
فمجرد طول العمر ليس خيراً للإنسان إلا إذا حسن عمله ، لأنه أحياناً يكون طول العمر شراً للإنسان وضرراً عليه ، كما قال الله تبارك وتعالى :
} وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ { ،
فهؤلاء الكفار يملي الله لهم - أي يمدهم بالرزق والعافية وطول العمر والبنين والزوجات - لا لخير لهم ، ولكنه شر لهم والعياذ بالله ، لأنهم سوف يزدادون بذلك إثماً . ولذلك ـ أيها الأخوة ـ كره بعض أهل العلم أن يدعى للإنسان بطول البقاء ، قال لا تقل أطال الله بقاءك إلا مقيداً ، قل : أطال الله بقاءك على طاعته ، لأن طول البقاء قد يكون شراً ـ والعياذ بالله ـ للإنسان .
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ ولنحرص على محاسبة أنفسنا ، ولنتدارك تقصيرنا ، ولنبادر بتصحيح أخطائنا ، وكما قال ـ تبارك وتعالى :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ { .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
ونحن في بداية هذا العام ، وقد ودعنا عاما هجريا كاملا ، يجدر بنا ، ويجب علينا ، أن نحاسب أنفسنا ، في مجال طاعة ربنا U ، ومن ذلك ـ أيها الأخوة ـ الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام ، والتي تجب عند تمام الحول ، ولنحذر أن نبخل بها ، فقد توعد الله U من فعل ذلك ، يقول تبارك وتعالى :
} وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ { .
وكذلك ـ أيها الأخوة ـ من العبادات العظيمة ، التي ينبغي أن نحرص عليها في بداية هذا العام ، بل في هذا الشهر ، صيام يوم عاشوراء ، ففي الحديث الصحيح يقول النبي e :
(( صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ )) .
وقد صامه النبي r وأمر بصيامه ، ففي صحيح مسلم يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :
(( فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ )) .
قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ r . وللمعلومية ـ أيها الأخوة ـ يوم عاشوراء سوف يكون يوم الخميس القادم ، حيث يوافق العاشر من هذا الشهر ، حسب إعلان المحكمة العليا ، فالأربعاء التاسع ، والخميس العاشر ، من صامهما فقد وافق قول النبي r في حديث ابن عباس . اسأل الله U أن يجعلني وإياكم من الذين طالت أعمارهم وحسنت أعمالهم إنه سميع مجيب . اللهم إنا نسألك صلاح قلوبنا ، وأعمالنا ونياتنا وذرياتنا ، يا رب العالمين .اللهم أجعل عامنا الجديد عام خير وبركة ، اللهم اجعلنا فيه من عبادك الصالحين . اللهم اجعله عام صلاح وفلاح للإسلام والمسلمين . اللهم وسع فيه أرزاقنا ، وبارك فيه في أعمالنا ، واكفنا فيه بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك . اللهم اجعلنا في عامنا الجديد من عبادك السعداء ، ومن خلقك الأتقياء ، وجنبنا فيه طريق الأشقياء يا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحةً لنا من كل شر ، برحمتك يا أرحم الراحمين
.} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .
رحل عام وحل عام
} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ { ،
} هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ،
} وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، أرسله :
} بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ { ،
صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم يبعثون .
أما بعد ، فيا عباد الله :
تقوى الله U وصيته سبحانه لعباده ، وخير ما يتزود به العبد ، في حياته لمعاده :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ،
} وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ {
جعلني الله وإياكم من عباده المتقين ، الذين ينجيهم الله :
} بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ { .
أيها الأخوة المؤمنون :
في حديث صحيح : جاء رجل إلى النبي r فقال ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ . قَالَ r :
(( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ )) .
فقَالَ الرجل : فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ ؟ ، قال r :
(( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ )) .
فإذا تأملنا ـ أيها الأخوة ـ قول النبي r ، والذي أجاب به سؤال هذا الرجل ، نجد أن الخير في طول العمر مع حسن العمل ، وأن الشر في طول العمر وسوء العمل ، ولذلك قال الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّ الأَوْقَاتِ وَالسَّاعَاتِ ، كَرَأْسِ الْمَالِ لِلتَّاجِرِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّجِرَ فِيمَا يَرْبَحُ فِيهِ ، وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا ، كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ , فَمَنْ اِنْتَفَعَ مِنْ عُمُرِهِ ، بِأَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ ، فَقَدْ فَازَ وَأَفْلَحَ , وَمَنْ أَضَاعَ رَأْسَ مَالِهِ ، لَمْ يَرْبَحْ ، وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا .
أيها الأخوة :
نحن في هذه الأيام ، بدأنا عاما هجريا جديدا ، هو في الحقيقة من أعمارنا ، التي كتب الله U لنا ونحن في بطون أمهاتنا ، حينما نفخت فينا أرواحنا ، كما جاء في حديث ابن مسعود الصحيح ، يقولُ t : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ r ، وَهُوَ الصَّادِقُ المصّدُوق :
(( إنَّ أحدَكم يُجمعُ خَلْقُهُ فِي بَطنِ أمِّهِ أربعينَ يوماً نُطفَة ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ إليهِ الملَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُوحَ ، ويُؤمرُ بأربعِ كَلِمَاتٍ : بِكتْبِ رِزقِهِ وَأجلِهِ وَعمَلِهِ وَشَقِي أو سَعِيد )) .
فآجالنا التي كتبت لنا ، قطعنا إليها عاما كاملا من أعمارنا ، وهي بيد الله U ، لا نستطيع معرفتها ، ولا نقدر على تأجيلها ، كما قال U :
} لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ { .
فينبغي أن لا ننشغل ولا نهتم ولا نفرح بتجدد الأعوام ، ونغفل عما عملنا ونعمل فيما سوف يكون شاهدا لنا أو علينا من الليالي والأيام . فالعبرة بنوع ما نعمله من عمل ، الذي بسببه إما نكون من خير الناس ، أو من شرارهم .
إن لنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فرح بالأيام نقـــــــــــــــــــــطعها
وكل يوم مــــــــــضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا
فإنما الربح والخسران في العمل
فعملك ـ أخي المسلم ـ هو الذي يحدد ، هل أنت من الأخيار أم من الأشرار ، ولذلك يقول النبي r ، كما في الحديث صحيح الإسناد :
(( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ ؟ )) قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ r : (( خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالاً ))
فالعبرة ـ أخي ـ بالعمل الصالح ، العبرة بما عملت في ما مضى من أعوامك وشهورك وأيامك .
روى الإمام أحمد في مسنده ، وصححه الألباني ـ رحمه الله ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : كَانَ رَجُلَانِ أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ r وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً . قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ : فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ ، فَرَأَيْتُ فِيهَا الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ ، فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ ، فَأَصْبَحْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ r ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :
(( أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ ! وَصَلَّى سِتَّةَ آلافِ رَكْعَةٍ أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً ! صَلاةَ السَّنَةِ )) .
فمجرد طول العمر ليس خيراً للإنسان إلا إذا حسن عمله ، لأنه أحياناً يكون طول العمر شراً للإنسان وضرراً عليه ، كما قال الله تبارك وتعالى :
} وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ { ،
فهؤلاء الكفار يملي الله لهم - أي يمدهم بالرزق والعافية وطول العمر والبنين والزوجات - لا لخير لهم ، ولكنه شر لهم والعياذ بالله ، لأنهم سوف يزدادون بذلك إثماً . ولذلك ـ أيها الأخوة ـ كره بعض أهل العلم أن يدعى للإنسان بطول البقاء ، قال لا تقل أطال الله بقاءك إلا مقيداً ، قل : أطال الله بقاءك على طاعته ، لأن طول البقاء قد يكون شراً ـ والعياذ بالله ـ للإنسان .
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ ولنحرص على محاسبة أنفسنا ، ولنتدارك تقصيرنا ، ولنبادر بتصحيح أخطائنا ، وكما قال ـ تبارك وتعالى :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ { .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
ونحن في بداية هذا العام ، وقد ودعنا عاما هجريا كاملا ، يجدر بنا ، ويجب علينا ، أن نحاسب أنفسنا ، في مجال طاعة ربنا U ، ومن ذلك ـ أيها الأخوة ـ الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام ، والتي تجب عند تمام الحول ، ولنحذر أن نبخل بها ، فقد توعد الله U من فعل ذلك ، يقول تبارك وتعالى :
} وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ { .
وكذلك ـ أيها الأخوة ـ من العبادات العظيمة ، التي ينبغي أن نحرص عليها في بداية هذا العام ، بل في هذا الشهر ، صيام يوم عاشوراء ، ففي الحديث الصحيح يقول النبي e :
(( صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ )) .
وقد صامه النبي r وأمر بصيامه ، ففي صحيح مسلم يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :
(( فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ )) .
قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ r . وللمعلومية ـ أيها الأخوة ـ يوم عاشوراء سوف يكون يوم الخميس القادم ، حيث يوافق العاشر من هذا الشهر ، حسب إعلان المحكمة العليا ، فالأربعاء التاسع ، والخميس العاشر ، من صامهما فقد وافق قول النبي r في حديث ابن عباس . اسأل الله U أن يجعلني وإياكم من الذين طالت أعمارهم وحسنت أعمالهم إنه سميع مجيب . اللهم إنا نسألك صلاح قلوبنا ، وأعمالنا ونياتنا وذرياتنا ، يا رب العالمين .اللهم أجعل عامنا الجديد عام خير وبركة ، اللهم اجعلنا فيه من عبادك الصالحين . اللهم اجعله عام صلاح وفلاح للإسلام والمسلمين . اللهم وسع فيه أرزاقنا ، وبارك فيه في أعمالنا ، واكفنا فيه بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك . اللهم اجعلنا في عامنا الجديد من عبادك السعداء ، ومن خلقك الأتقياء ، وجنبنا فيه طريق الأشقياء يا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحةً لنا من كل شر ، برحمتك يا أرحم الراحمين
.} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .