عبيد الطوياوي
02-01-2014, 11:35 PM
F
للمديون للأب الحنون
الحمد لله السميع العليم ، و العلي العظيم ، القائل في كتابه :
} نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا هو ، وحده لا شريك له ،
} اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ {.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وعلى آله وأصحابه ، ومن سار على نهجه ، إلى يوم الدين .
أما بعد ، فيا عباد الله :
يقول U في كتابه ، آمرا لعباده :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ {
جعلني الله وإياكم من عباده المتقين ، الذين
} لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ {.
أيها الأخوة المؤمنون :
من المخالفات الخطيرة ، والذنوب الكبيرة ، التي يقع بها بعض الناس ، ويبتلى بها بعض ضعاف الإيمان والدين ،
بل والإحساس والعقل : الاستهانة بالأب ، وخاصة عندما يكون كبيرا في السن ، متقدما في العمر ، فكثير هم ـ أيها الأخوة ـ هداهم الله ـ
الذين تغرهم صحة أجسامهم ، وتخدعهم شهاداتهم وأموالهم ، وتؤثر بهم مستجدات حياتهم ، فيقعون بهذه الجريمة النكراء ،
فلا يعتبرون آباءهم ، ولا يعدونهم إلا كقطع أثاث في بيوتهم ، والله ـ أيها الأخوة ـ أن أحدهم ـ وقد مات رحمه الله ـ ما علم في زواج ابنته ، إلا عند كتابة عقد نكاحها .
وأما الشباب وهذه الظاهرة ، فحدث ولا حرج ، فعدم اعتبار الأب وتهميشه ، صار مبدأ من أهم مبادئهم ،
وصفة من أبرز صفاتهم ، فتجد أكثرهم ، لا يعترفون بآبائهم إلا عندما يحتاجون إلى شيء من المال .
ولا شك ـ أيها الأخوة ـ أن هذه الظاهرة الخطيرة ، فيها دليل واضح ، وبرهان بين ، على بعد من بلي بها عن دينه ،
وقلة خوفه من ربه ، وإنكاره وجحوده ، لواجب أمر الله U به وحث عليه . بل ـ ايها الأخوة ـ فيه دليل على مخالفة أمر الله U وارتكاب نهيه ،
حيث نهى عن العقوق ، وأمر بالبر والإحسان ، يقول U :
} وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ
وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا {
فالله U أمر بحقه ، وهو عبادته وتوحيده ، وأتبع ذلك حق الوالدين ، وهو الإحسان بأشكاله وأنواعه ،
} إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ { لا حظ ـ أخي الكريم ـ كلمة عندك ، فقد كنت عندهما ، وهم اليوم عندك ،
} فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا { .
فالاستهانة بالأب ، وعدم اعتباره وتهميشه ـ أيها الأخوة ـ جريمة خطيرة ، وكبيرة من كبائر الذنوب ، وقد تؤدي إلى مرضه ،
بل قد تكون سببا في تعاسته وشقائه ، فيكون الموت أغلى غائب ينتظره ، وخاصة عندما يقارن بين ماضيه ،
الذي كان يأمر وينهى ، وينصح ويوجه ، ويعاتب ويؤدب ، وبين حاضره السيئ ، حيث لا كلمة له ، ولا رأي ولا قدرة ،
إنما هو كالضيف الثقيل ، ينتظر من حوله رحيله ، بل ويتمنى بعضهم زواله ، ليكون حرا طليقا من بعده .
أيها الأخوة المؤمنون :
إن تهميش الأب ، وعدم اعتباره ، ماهو إلا من باب عدم تقديره ، وتجاهل قيمته ، والاستهانة بمكانته ،
ولا شك أن هذا من العقوق الذي نهى الله U عنه ، وحذر منه ، إن كان ـ أيها الأخوة ـ أف عندما تقال للوالد ،
يعتبرها الدين كبيرة من كبائر الذنوب ، وهي حركة قد لا ينتبه لها الوالد ، عندما يقوم بها أحد أبنائه ، فكيف به ،
وهو يرى أبناءه ، وهم لا يرونه شيئا بينهم ، ولا قيمة لكلمته أو رأيه عندهم .
ولا شك ـ أيها الأخوة ـ أن العقوق كبيرة من كبائر الذنوب ، ففي الحديث الصحيح ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ،
قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ r ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الكَبَائِرُ ؟ قَالَ : (( الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ )) قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ :
(( ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ )) قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : (( اليَمِينُ الغَمُوسُ )) يقول عبدالله بن عمرو ؛ قُلْتُ : وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ ؟
قَالَ : (( الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ )) .فليحذر الأبناء ، عقوق آبائهم ، فقد يكون ذلك سببا لتعاستهم وشقائهم
في الدنيا قبل الآخرة ، ففي الحديث صحيح الإسناد عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( كُلُّ الذُّنُوبِ تُؤَخَّرُ إِلَى مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ ، فَإِنَّهُ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ )) ،
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ،
وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
مما لاشك فيه ، أن ما يفعله الأبناء في آبائهم ، ماهو إلا دين في أعناقهم ، وسوف يجدون سداده من قبل أبنائهم ، والجزاء من جنس العمل .
يحكى عن الأصمعي ، أنه قال : حدثني رجل من الأعراب قال : خرجت من الحي ، أطلب أعق الناس وأبر الناس ،
فكنت أطوف بالأحياء ، حتى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبل ، يستقي بدلو لا تطيقه الإبل ، في الهاجرة والحر الشديد ،
وخلفه شاب في يده رشاء من قدّ ملوّى ، يضربه به ، قد شقّ ظهره بذلك الحبل . فقلت : أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف ؟
أما يكفيه ما هو فيه من مدّ هذا الحبل حتى تضربه ؟ قال : إنه مع هذا أبي . قلت : فلا جزاك الله خيراً !
قال : اسكت ، فهكذا كان يصنع هو بأبيه ، وكذا كان يصنع أبيه بجده . فقلت : هذا أعق الناس .
ثم جلت أيضاً ، حتى انتهيت إلى شاب في عنقه زبيل ، فيه شيخ كأنه فرخ ، فيضعه بين يديه في كل ساعة ،
فيزقّه كما يزقّ الفرخ ـ أي يطعمه ـ فقلت له : ما هذا ؟ فقال : أبي وقد خرف ، فأنا أكفله . قلت : فهذا أبر العرب . فرجعت وقد رأيت أعقهم وأبرهم .
ألا فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ لا سيما فيما يخص آباءنا ، فسوف يأتي يوم فلا نجدهم بيننا ،
أسأل الله لي ولكم علما نافعا ، وعملا خالصا ، وسلامة دائمة ، إنه سميع مجيب .
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ، اللهم أحينا سعداء ، وتوفنا شهداء ، واحشرنا في زمرة الأتقياء ،
برحمتك يا أرحم الراحمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ،
وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحةً لنا من كل شر ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ، ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، وعجل بزوال الطغاة المجرمين ،
وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم إنا نسألك وأنت في عليائك ، وأنت الغني ونحن الفقراء إليك ، أن تغيث قلوبنا بالإيمان ، وبلادنا بالأمطار ،
اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا . اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، هنيئا مريئا ، سحا غدقا ، عاجلا غير آجل ،
غيثا تغيث به البلاد والعباد ، وتعم به وببركته الحاضر والباد ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين
.} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {.
عباد الله :} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .
للمديون للأب الحنون
الحمد لله السميع العليم ، و العلي العظيم ، القائل في كتابه :
} نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا هو ، وحده لا شريك له ،
} اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ {.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وعلى آله وأصحابه ، ومن سار على نهجه ، إلى يوم الدين .
أما بعد ، فيا عباد الله :
يقول U في كتابه ، آمرا لعباده :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ {
جعلني الله وإياكم من عباده المتقين ، الذين
} لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ {.
أيها الأخوة المؤمنون :
من المخالفات الخطيرة ، والذنوب الكبيرة ، التي يقع بها بعض الناس ، ويبتلى بها بعض ضعاف الإيمان والدين ،
بل والإحساس والعقل : الاستهانة بالأب ، وخاصة عندما يكون كبيرا في السن ، متقدما في العمر ، فكثير هم ـ أيها الأخوة ـ هداهم الله ـ
الذين تغرهم صحة أجسامهم ، وتخدعهم شهاداتهم وأموالهم ، وتؤثر بهم مستجدات حياتهم ، فيقعون بهذه الجريمة النكراء ،
فلا يعتبرون آباءهم ، ولا يعدونهم إلا كقطع أثاث في بيوتهم ، والله ـ أيها الأخوة ـ أن أحدهم ـ وقد مات رحمه الله ـ ما علم في زواج ابنته ، إلا عند كتابة عقد نكاحها .
وأما الشباب وهذه الظاهرة ، فحدث ولا حرج ، فعدم اعتبار الأب وتهميشه ، صار مبدأ من أهم مبادئهم ،
وصفة من أبرز صفاتهم ، فتجد أكثرهم ، لا يعترفون بآبائهم إلا عندما يحتاجون إلى شيء من المال .
ولا شك ـ أيها الأخوة ـ أن هذه الظاهرة الخطيرة ، فيها دليل واضح ، وبرهان بين ، على بعد من بلي بها عن دينه ،
وقلة خوفه من ربه ، وإنكاره وجحوده ، لواجب أمر الله U به وحث عليه . بل ـ ايها الأخوة ـ فيه دليل على مخالفة أمر الله U وارتكاب نهيه ،
حيث نهى عن العقوق ، وأمر بالبر والإحسان ، يقول U :
} وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ
وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا {
فالله U أمر بحقه ، وهو عبادته وتوحيده ، وأتبع ذلك حق الوالدين ، وهو الإحسان بأشكاله وأنواعه ،
} إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ { لا حظ ـ أخي الكريم ـ كلمة عندك ، فقد كنت عندهما ، وهم اليوم عندك ،
} فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا { .
فالاستهانة بالأب ، وعدم اعتباره وتهميشه ـ أيها الأخوة ـ جريمة خطيرة ، وكبيرة من كبائر الذنوب ، وقد تؤدي إلى مرضه ،
بل قد تكون سببا في تعاسته وشقائه ، فيكون الموت أغلى غائب ينتظره ، وخاصة عندما يقارن بين ماضيه ،
الذي كان يأمر وينهى ، وينصح ويوجه ، ويعاتب ويؤدب ، وبين حاضره السيئ ، حيث لا كلمة له ، ولا رأي ولا قدرة ،
إنما هو كالضيف الثقيل ، ينتظر من حوله رحيله ، بل ويتمنى بعضهم زواله ، ليكون حرا طليقا من بعده .
أيها الأخوة المؤمنون :
إن تهميش الأب ، وعدم اعتباره ، ماهو إلا من باب عدم تقديره ، وتجاهل قيمته ، والاستهانة بمكانته ،
ولا شك أن هذا من العقوق الذي نهى الله U عنه ، وحذر منه ، إن كان ـ أيها الأخوة ـ أف عندما تقال للوالد ،
يعتبرها الدين كبيرة من كبائر الذنوب ، وهي حركة قد لا ينتبه لها الوالد ، عندما يقوم بها أحد أبنائه ، فكيف به ،
وهو يرى أبناءه ، وهم لا يرونه شيئا بينهم ، ولا قيمة لكلمته أو رأيه عندهم .
ولا شك ـ أيها الأخوة ـ أن العقوق كبيرة من كبائر الذنوب ، ففي الحديث الصحيح ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ،
قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ r ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الكَبَائِرُ ؟ قَالَ : (( الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ )) قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ :
(( ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ )) قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : (( اليَمِينُ الغَمُوسُ )) يقول عبدالله بن عمرو ؛ قُلْتُ : وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ ؟
قَالَ : (( الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ )) .فليحذر الأبناء ، عقوق آبائهم ، فقد يكون ذلك سببا لتعاستهم وشقائهم
في الدنيا قبل الآخرة ، ففي الحديث صحيح الإسناد عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( كُلُّ الذُّنُوبِ تُؤَخَّرُ إِلَى مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ ، فَإِنَّهُ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ )) ،
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ،
وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
مما لاشك فيه ، أن ما يفعله الأبناء في آبائهم ، ماهو إلا دين في أعناقهم ، وسوف يجدون سداده من قبل أبنائهم ، والجزاء من جنس العمل .
يحكى عن الأصمعي ، أنه قال : حدثني رجل من الأعراب قال : خرجت من الحي ، أطلب أعق الناس وأبر الناس ،
فكنت أطوف بالأحياء ، حتى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبل ، يستقي بدلو لا تطيقه الإبل ، في الهاجرة والحر الشديد ،
وخلفه شاب في يده رشاء من قدّ ملوّى ، يضربه به ، قد شقّ ظهره بذلك الحبل . فقلت : أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف ؟
أما يكفيه ما هو فيه من مدّ هذا الحبل حتى تضربه ؟ قال : إنه مع هذا أبي . قلت : فلا جزاك الله خيراً !
قال : اسكت ، فهكذا كان يصنع هو بأبيه ، وكذا كان يصنع أبيه بجده . فقلت : هذا أعق الناس .
ثم جلت أيضاً ، حتى انتهيت إلى شاب في عنقه زبيل ، فيه شيخ كأنه فرخ ، فيضعه بين يديه في كل ساعة ،
فيزقّه كما يزقّ الفرخ ـ أي يطعمه ـ فقلت له : ما هذا ؟ فقال : أبي وقد خرف ، فأنا أكفله . قلت : فهذا أبر العرب . فرجعت وقد رأيت أعقهم وأبرهم .
ألا فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ لا سيما فيما يخص آباءنا ، فسوف يأتي يوم فلا نجدهم بيننا ،
أسأل الله لي ولكم علما نافعا ، وعملا خالصا ، وسلامة دائمة ، إنه سميع مجيب .
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ، اللهم أحينا سعداء ، وتوفنا شهداء ، واحشرنا في زمرة الأتقياء ،
برحمتك يا أرحم الراحمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ،
وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحةً لنا من كل شر ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ، ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، وعجل بزوال الطغاة المجرمين ،
وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم إنا نسألك وأنت في عليائك ، وأنت الغني ونحن الفقراء إليك ، أن تغيث قلوبنا بالإيمان ، وبلادنا بالأمطار ،
اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا . اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، هنيئا مريئا ، سحا غدقا ، عاجلا غير آجل ،
غيثا تغيث به البلاد والعباد ، وتعم به وببركته الحاضر والباد ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين
.} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {.
عباد الله :} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .