عبيد الطوياوي
13-07-2014, 08:18 PM
F
إنهم الخوارج
الحمد لله ، ذي القوة المتين ، } لَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ { القائل في كتابه : } أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ، أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ، } هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ { . وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، } قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ { .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، أمر بطاعته فقال : } وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ { صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، ومن سار على نهجه ، وتمسك بسنته ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَادَ اللهِ :
تَقْوَىْ اللهِ U ، وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَاْدِهِ ، فَهُوَ الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ؛ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، فَلْنَتَقِ اللهَ ـ أَحِبَتِيْ فِيْ اللهِ ـ جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَقِيْن .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُون :
روى البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t ، قَالَ : بَعَثَ عَلِيٌّ t ، وَهْوَ بِالْيَمَنِ ، إِلَى النَّبِيِّ r ، بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا ، فَقَسَمَهَا r ، بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ ، وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلاَثَةَ الْعَامِرِيِّ ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلاَبٍ ، وَبَيْنَ زَيْدِ الْخَيْلِ الطَّائِيِّ ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ ، فَتَغَضَّبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ ، فَقَالُوا : يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا ! قَالَ r : (( إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ )) . فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ ، نَاتِئُ الْجَبِينِ ، كَثُّ اللِّحْيَةِ ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ . فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ! اتَّقِ اللَّهَ . فَقَالَ النَّبِيُّ r : (( فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ ، فَيَأْمَنِّي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ ، وَلاَ تَأْمَنُونِي )) ، فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ - قَتْلَهُ أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ - فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ r ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ r : (( إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا ، قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ ، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ ، لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَاد )) وفي رواية ذكرها الإمام أحمد في مسنده ، قال r : (( يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، رِجَالٌ كَأَنَّ هَذَا مِنْهُمْ هَدْيُهُمْ ، هَكَذَا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، ثُمَّ لاَ يَرْجِعُونَ فِيهِ ، سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ ، لاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ ، حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الدَّجَّالِ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ ، فَاقْتُلُوهُمْ ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ )) .
أيها الإخوة :
إنهم الخوارج ، وهذه أبرز صفاتهم ، ذكرها الذي لا ينطق عن الهوى لأمته ، لمعرفتهم ، وللحذر من الوقوع في شراكهم ، والإندراج في معسكرهم ، فخطرهم لا يقل شأنا عن خطر اليهود والنصارى على الإسلام والمسلمين ، وخاصة ـ أيها الإخوة ـ أنهم كما قال النبي r : (( لاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الدَّجَّالِ )) وأنهم كما جاء في بعض الأحاديث : (( يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ )) ، أي من كتاب الله U ، يختارون ما يلبسون به على غيرهم ، وما يؤثرون به على من لا يفقه في دين الله U من ضحاياهم ، ولذلك قال الحافظ : كانت أول كلمة خرجوا بها قولهم : لا حكم إلا لله ، وانتزعوها من القرآن ، وحملوها على غير محملها . وهي كلمة حق أريد بها باطلا . فخطر الخوارج ، خطر يهدد أمن الأمة وسلامتها ، ولذلك حذرنا نبينا r ، من هذا الخطر فقال r : (( أنّهُم كُلّما خَرَجَ مِنْهُم قَرْنٌ قُطِع حتّى يكونَ آخِرُهُم معَ الدَّجّال )) ومما يزيد في خطرهم وشرهم وضررهم ، أنهم يتكلمون من كلام خير البرية ، أي الكتاب والسنة ، ولكنهم يعتقدون ثم يستدلون ، لديهم أهداف ومطامع ومساعي ، فيبحثون لذلك عن دليل ، فمنهجهم لي عنق الأدلة لتوافق أهوائهم ، وأولائك هم أصحابنا في هذا الزمان ، الذين يربون بعض الشباب ، التابعين لهم ، على أن ولاة الأمر ، موالون للكفار ، طواغيت ، قد غيروا دين الله ! وبعد أن يتشرب تابعهم ، بهذا الفكر التكفيري الخارجي ، تراه يبحث عن أي دليل يسعفه ويلبس به ، فإذا أتيتهم بأحاديث رسول الله e ، بوجوب السمع والطاعة للأمراء ، وأن الجهاد يكون خلفهم وبإذنهم ، وأنه يحرم التحريض عليهم ، والسعي في شق العصا ، عند ذلك ترى التفلت والتملص المخزي من هذه النصوص ، وتأويلها ، أو يقرون بها ويقولون : هي للخلفاء الراشدين الأربعة ، أو للقرشي ، أو لمن لا معصية عنده . بل قد يتجرءون ، ويقولون : هي للحاكم المسلم ، وليست لولاة أمرنا ، وفي هذا الكلام ما فيه .
الشاهد ـ أيها الإخوة ـ الخوارج ومن يحمل فكرهم المنحرف ، لا ينخدع بهم إلا من يجهل حقيقتهم ، ولذلك جملة أتباعهم ، كما قال النبي r في الحديث الصحيح : (( أحداثُ الأسنانِ ، سفهاءُ الأحلامِ )) أي صغار سن ، شباب ، وعقولهم رديئة ، وهذا مما يزيد في خطرهم ، فإذا اجتمعت قوة الشباب ، مع قلت العقل ، فالله المستعان . فالذي عنده فقه في دين الله U ، لا يجهل حقيقة هؤلاء ، ولا تنطلي على مثله طرقهم ، ووسائل وصولهم لاهدافهم ، ولذلك أشد عداوة الخوارج ، هي لمن يحذر منهم ، ولمن يعمل لتصدى لهم ، وفضح معتقاداتهم وأفكارهم ومخططاتهم .
يذكر العسقلاني في كتابه : الإصابة في تمييز الصحابة ، أن رجلا كان مع الخوارج ثمّ فارقهم ، يقول الرجل : دخلوا قرية ، فخرج عليهم عبد الله بن خبّاب ذَعِرًا . قالوا : لن تُرَاعَ ، قال : والله لقد رُعْتموني ، قالوا : لن تُرَاعَ ، قال : والله لقد رعتموني قالوا : أنت عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ؟ قال : نعم ، قالوا : فهل سمعتَ من أبيك حديثًا يحدّثه عن رسول الله r ، تحدّثناه ؟ قال : نعم سمعتُ أبي يحدّث عن رسول الله ذِكْرَ فِتنةٍ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي والماشي فيها خيرٌ من الساعي قال : فإن أدركتَ ذاك فكن عبد الله المقتولَ ، ولا تكن عبد الله القاتل قالوا : أسمعتَ هذا من أبيك يحدّثه عن رسول الله r ؟ قال : نعم . قال فقدّموه على ضفّة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنّه شراك نعل وبقروا بطن زوجته أمّ ولده فبهذا استحلّ عليّ قتالهم في معركة النهروان .
هذه ـ أيها الإخوة ـ صفات الخوارج ، وبعض أعمالهم ، اسأل الله U أن يكفينا شرهم ، وأن يجعل كيدهم في نحرهم ، إنه قوي عزيز . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فإنه هو الغفور الرحيم .
&&&&&&&&&&&&&&&
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُون :
ومما يزيد في خطر الخوارج ، على الإسلام والمسلمين ، مع جهلهم ، وخروجهم بين حين وآخر ، قول النبي r : (( يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ )) ولا أدل على ذلك مما حدث في الأيام الماضية ، في هذا الشهر العظيم ، الذي تضاعف فيه الحسنات ، وفي خير يوم طلعت عليه الشمس ، يوم الجمعة ، حيث اعتدى بعض أفراد هذه الفئة الضالة من الخوارج ، على رجال أمننا ، الذين يرابطون على حدود بلادنا ، وقتلهم لأربعة منهم ، وهم صائمون مرابطون ، فعلوا ذلك باسم الجهاد ونشر الدين ، فأي دين وجهاد هذا ، والله U يقول : } وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا { .
أي دين ، وأي جهاد ، يدعيهما هؤلاء ، فيستحلون دماء مسلمين ، صائمين ، مرابطين على ثغر من ثغور المسلمين ، والنبي r في الحديث الصحيح ، يقول : (( لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِ وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ )) .
نعم إنه دين الخوارج ، الذين يقتلون أهل الإسلام ، نسأل الله المغفرة والرحمة لمن قتلوا ، وعزاؤنا بما ذكره الطبراني ، عن أبي أمامة الباهلي ، حينما أَبْصَرَ رُؤوسَ الْخَوَارِجِ عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r ، يَقُولُ : (( كِلابُ أَهْلِ النَّارِ ، كِلابُ أَهْلِ النَّارِ ، كِلابُ أَهْلِ النَّارِ )) ثُمَّ بَكَى ، وَقَالَ : شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ ، وَخَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ ، فسأل t : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r ؟ قَالَ : إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ ، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَلا مَرَّتَيْنِ ، وَلا ثَلاثٍ .
فهنيئا لرجال أمننا ، فقتلهم على يد الخوارج ، خير لهم بشهادة النبي r .
اسأل الله U أن يحفظ لنا أمننا ورجاله ، وولاة أمرنا ، وعلماءنا ودعاتنا ، إنه سميع مجيب .
اللهم من أرادنا بسوء اللهم اشغله بنفسه ، واجعل كيده في نحره ، واجعل تدبيره سببا لتدميره ، ياقوي يا عزيز . اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا في هذا الشهر العظيم ، اَللّهُمَّ اجْعَلْ صِيامنا فيهِ صِيامَ الصّائِمينَ وَ قِيامنا فيِهِ قِيامَ القائِمينَ ، وأيقضنا منم رقدة الغافلين ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
اَللّهُمَّ قَوِّنا فيهِ عَلى اِقامَةِ اَمرِكَ ، وَ اَذِقنا فيهِ حَلاوَةِ ذِكْرِكَ ، وَ اَوْزِعْنا فيهِ لِأداءِ شُكْرِكَ ، وَ احْفَظْنا فيهِ بِحِفظِكَ و َسَتْرِكَ يا رب العالمين .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .
إنهم الخوارج
الحمد لله ، ذي القوة المتين ، } لَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ { القائل في كتابه : } أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ، أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ، } هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ { . وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، } قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ { .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، أمر بطاعته فقال : } وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ { صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، ومن سار على نهجه ، وتمسك بسنته ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَادَ اللهِ :
تَقْوَىْ اللهِ U ، وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَاْدِهِ ، فَهُوَ الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ؛ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، فَلْنَتَقِ اللهَ ـ أَحِبَتِيْ فِيْ اللهِ ـ جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَقِيْن .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُون :
روى البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t ، قَالَ : بَعَثَ عَلِيٌّ t ، وَهْوَ بِالْيَمَنِ ، إِلَى النَّبِيِّ r ، بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا ، فَقَسَمَهَا r ، بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ ، وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلاَثَةَ الْعَامِرِيِّ ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلاَبٍ ، وَبَيْنَ زَيْدِ الْخَيْلِ الطَّائِيِّ ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ ، فَتَغَضَّبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ ، فَقَالُوا : يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا ! قَالَ r : (( إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ )) . فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ ، نَاتِئُ الْجَبِينِ ، كَثُّ اللِّحْيَةِ ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ . فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ! اتَّقِ اللَّهَ . فَقَالَ النَّبِيُّ r : (( فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ ، فَيَأْمَنِّي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ ، وَلاَ تَأْمَنُونِي )) ، فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ - قَتْلَهُ أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ - فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ r ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ r : (( إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا ، قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ ، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ ، لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَاد )) وفي رواية ذكرها الإمام أحمد في مسنده ، قال r : (( يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، رِجَالٌ كَأَنَّ هَذَا مِنْهُمْ هَدْيُهُمْ ، هَكَذَا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، ثُمَّ لاَ يَرْجِعُونَ فِيهِ ، سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ ، لاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ ، حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الدَّجَّالِ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ ، فَاقْتُلُوهُمْ ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ )) .
أيها الإخوة :
إنهم الخوارج ، وهذه أبرز صفاتهم ، ذكرها الذي لا ينطق عن الهوى لأمته ، لمعرفتهم ، وللحذر من الوقوع في شراكهم ، والإندراج في معسكرهم ، فخطرهم لا يقل شأنا عن خطر اليهود والنصارى على الإسلام والمسلمين ، وخاصة ـ أيها الإخوة ـ أنهم كما قال النبي r : (( لاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الدَّجَّالِ )) وأنهم كما جاء في بعض الأحاديث : (( يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ )) ، أي من كتاب الله U ، يختارون ما يلبسون به على غيرهم ، وما يؤثرون به على من لا يفقه في دين الله U من ضحاياهم ، ولذلك قال الحافظ : كانت أول كلمة خرجوا بها قولهم : لا حكم إلا لله ، وانتزعوها من القرآن ، وحملوها على غير محملها . وهي كلمة حق أريد بها باطلا . فخطر الخوارج ، خطر يهدد أمن الأمة وسلامتها ، ولذلك حذرنا نبينا r ، من هذا الخطر فقال r : (( أنّهُم كُلّما خَرَجَ مِنْهُم قَرْنٌ قُطِع حتّى يكونَ آخِرُهُم معَ الدَّجّال )) ومما يزيد في خطرهم وشرهم وضررهم ، أنهم يتكلمون من كلام خير البرية ، أي الكتاب والسنة ، ولكنهم يعتقدون ثم يستدلون ، لديهم أهداف ومطامع ومساعي ، فيبحثون لذلك عن دليل ، فمنهجهم لي عنق الأدلة لتوافق أهوائهم ، وأولائك هم أصحابنا في هذا الزمان ، الذين يربون بعض الشباب ، التابعين لهم ، على أن ولاة الأمر ، موالون للكفار ، طواغيت ، قد غيروا دين الله ! وبعد أن يتشرب تابعهم ، بهذا الفكر التكفيري الخارجي ، تراه يبحث عن أي دليل يسعفه ويلبس به ، فإذا أتيتهم بأحاديث رسول الله e ، بوجوب السمع والطاعة للأمراء ، وأن الجهاد يكون خلفهم وبإذنهم ، وأنه يحرم التحريض عليهم ، والسعي في شق العصا ، عند ذلك ترى التفلت والتملص المخزي من هذه النصوص ، وتأويلها ، أو يقرون بها ويقولون : هي للخلفاء الراشدين الأربعة ، أو للقرشي ، أو لمن لا معصية عنده . بل قد يتجرءون ، ويقولون : هي للحاكم المسلم ، وليست لولاة أمرنا ، وفي هذا الكلام ما فيه .
الشاهد ـ أيها الإخوة ـ الخوارج ومن يحمل فكرهم المنحرف ، لا ينخدع بهم إلا من يجهل حقيقتهم ، ولذلك جملة أتباعهم ، كما قال النبي r في الحديث الصحيح : (( أحداثُ الأسنانِ ، سفهاءُ الأحلامِ )) أي صغار سن ، شباب ، وعقولهم رديئة ، وهذا مما يزيد في خطرهم ، فإذا اجتمعت قوة الشباب ، مع قلت العقل ، فالله المستعان . فالذي عنده فقه في دين الله U ، لا يجهل حقيقة هؤلاء ، ولا تنطلي على مثله طرقهم ، ووسائل وصولهم لاهدافهم ، ولذلك أشد عداوة الخوارج ، هي لمن يحذر منهم ، ولمن يعمل لتصدى لهم ، وفضح معتقاداتهم وأفكارهم ومخططاتهم .
يذكر العسقلاني في كتابه : الإصابة في تمييز الصحابة ، أن رجلا كان مع الخوارج ثمّ فارقهم ، يقول الرجل : دخلوا قرية ، فخرج عليهم عبد الله بن خبّاب ذَعِرًا . قالوا : لن تُرَاعَ ، قال : والله لقد رُعْتموني ، قالوا : لن تُرَاعَ ، قال : والله لقد رعتموني قالوا : أنت عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ؟ قال : نعم ، قالوا : فهل سمعتَ من أبيك حديثًا يحدّثه عن رسول الله r ، تحدّثناه ؟ قال : نعم سمعتُ أبي يحدّث عن رسول الله ذِكْرَ فِتنةٍ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي والماشي فيها خيرٌ من الساعي قال : فإن أدركتَ ذاك فكن عبد الله المقتولَ ، ولا تكن عبد الله القاتل قالوا : أسمعتَ هذا من أبيك يحدّثه عن رسول الله r ؟ قال : نعم . قال فقدّموه على ضفّة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنّه شراك نعل وبقروا بطن زوجته أمّ ولده فبهذا استحلّ عليّ قتالهم في معركة النهروان .
هذه ـ أيها الإخوة ـ صفات الخوارج ، وبعض أعمالهم ، اسأل الله U أن يكفينا شرهم ، وأن يجعل كيدهم في نحرهم ، إنه قوي عزيز . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فإنه هو الغفور الرحيم .
&&&&&&&&&&&&&&&
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ، وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُون :
ومما يزيد في خطر الخوارج ، على الإسلام والمسلمين ، مع جهلهم ، وخروجهم بين حين وآخر ، قول النبي r : (( يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ )) ولا أدل على ذلك مما حدث في الأيام الماضية ، في هذا الشهر العظيم ، الذي تضاعف فيه الحسنات ، وفي خير يوم طلعت عليه الشمس ، يوم الجمعة ، حيث اعتدى بعض أفراد هذه الفئة الضالة من الخوارج ، على رجال أمننا ، الذين يرابطون على حدود بلادنا ، وقتلهم لأربعة منهم ، وهم صائمون مرابطون ، فعلوا ذلك باسم الجهاد ونشر الدين ، فأي دين وجهاد هذا ، والله U يقول : } وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا { .
أي دين ، وأي جهاد ، يدعيهما هؤلاء ، فيستحلون دماء مسلمين ، صائمين ، مرابطين على ثغر من ثغور المسلمين ، والنبي r في الحديث الصحيح ، يقول : (( لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِ وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ )) .
نعم إنه دين الخوارج ، الذين يقتلون أهل الإسلام ، نسأل الله المغفرة والرحمة لمن قتلوا ، وعزاؤنا بما ذكره الطبراني ، عن أبي أمامة الباهلي ، حينما أَبْصَرَ رُؤوسَ الْخَوَارِجِ عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r ، يَقُولُ : (( كِلابُ أَهْلِ النَّارِ ، كِلابُ أَهْلِ النَّارِ ، كِلابُ أَهْلِ النَّارِ )) ثُمَّ بَكَى ، وَقَالَ : شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ ، وَخَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ ، فسأل t : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r ؟ قَالَ : إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ ، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَلا مَرَّتَيْنِ ، وَلا ثَلاثٍ .
فهنيئا لرجال أمننا ، فقتلهم على يد الخوارج ، خير لهم بشهادة النبي r .
اسأل الله U أن يحفظ لنا أمننا ورجاله ، وولاة أمرنا ، وعلماءنا ودعاتنا ، إنه سميع مجيب .
اللهم من أرادنا بسوء اللهم اشغله بنفسه ، واجعل كيده في نحره ، واجعل تدبيره سببا لتدميره ، ياقوي يا عزيز . اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا في هذا الشهر العظيم ، اَللّهُمَّ اجْعَلْ صِيامنا فيهِ صِيامَ الصّائِمينَ وَ قِيامنا فيِهِ قِيامَ القائِمينَ ، وأيقضنا منم رقدة الغافلين ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
اَللّهُمَّ قَوِّنا فيهِ عَلى اِقامَةِ اَمرِكَ ، وَ اَذِقنا فيهِ حَلاوَةِ ذِكْرِكَ ، وَ اَوْزِعْنا فيهِ لِأداءِ شُكْرِكَ ، وَ احْفَظْنا فيهِ بِحِفظِكَ و َسَتْرِكَ يا رب العالمين .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عباد الله :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .