عبيد الطوياوي
01-11-2014, 12:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
عاشوراء الهلاك والعطاء
https://www.youtube.com/watch?v=6MBAAdl4hkc
اَلْحَمْدُ للهِ ، اَلَّذِيْ :
} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ { ،
أَحْمَدُهُ حَمْدَاً يَلِيْقُ بِكَرِيْمِ وَجْهِهِ ، وَعَظِيْمِ سُلْطَاْنِهِ : } لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ ،
} لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ { ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، وَصَفِيُهُ وَخَلِيْلُهُ ، وَخِيْرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، أرسله
} بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ { ، ،
صَلَىْ اللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ يبعثون .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَادَ اللهِ :
تَقْوَىْ اللهِ U ، وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَاْدِهِ ، فَهُوَ الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِيْنَ أُوتُوا الْكِتَاْبَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوْا اللَّهَ { ،
فَلْنَتَقِ اللهَ ـ أَحِبَتِيْ فِيْ اللهِ ـ جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَقِيْن .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُوْن :
اَلْصِّرَاْعُ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَاَلْبَاْطِلِ ، سُنَّةٌ رَبَّاْنِيْةٌ كَوْنِيَةٌ ، لِأَجْلِهِ قَاْمَ عَلَمُ اَلْجِهَاْدِ ، وَلِأَجْلِهِ خُلِقَتْ اَلْنَّاْرُ وَبِئْسَ اَلْمِهَاْدُ ،
وَلِأَجْلِهِ أُوْجِدَتِ اَلْجَنَّةُ لِخَيْرِ اَلْعِبَاْدِ ، وَلَكِنْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مَهْمَاْ هَيْمَنَ اَلْبَاْطِلُ ، وَعَلَاْ وَسَاْدَ فِيْ نَظَرِ بَعْضِ اَلْنَّاْسِ ،
فَإِنَّهُ لَاْبُدَّ لَهُ مِنْ إِبَاْدَةٍ وَ زَوَاْلٍ ، وَلَاْبُدَّ لَهُ مِنْ نِهَاْيَةٍ وَاَضْمِحْلَاْلٍ ، يَقُوْلُ U :
} لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ { ، وَيَقُوْلُ جَلَّ وَعَلَاْ :
} بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ {
وَيَقُوْلُ سُبْحَاْنَهُ : } وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً {
أَيْ مُضْمَحِلٌ ، هَاْلِكٌ ، لَاْ ثَبَاْتَ لَهُ مَعَ اَلْحَقِّ وَلَاْ بَقَاْءَ .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ :
وَمِنَ اَلْحَوَاْدِثِ اَلَّتِيْ تُعْتَبَرُ مِثَاْلَاً حَيَّاً لِاِنْتِصَاْرِ اَلْحَقِّ عَلَىْ اَلْبَاْطِلِ : حَاْدِثَةُ نَبِيْ اللهِ مُوْسَىْ مَعَ فِرْعَوْنَ اَلْطَّاْغِيَةِ ،
وَاَلَّتِيْ كَاْنَتْ نِهَاْيَتُهَاْ فِيْ اَلْيَوْمِ اَلْعَاْشِرِ مِنْ شَهْرِ اللهِ اَلْمُحَرَّم . وَقَعَتْ تِلْكَ اَلْحَاْدِثَة ، أَوْ تِلْكَ اَلْمَعْرَكَة ،
بَيْنَ أَهْلِ اَلْتَّوْحِيْدِ وَأَهْلِ اَلْشِّرْكِ وَاَلْضَّلَاْلِ . بَيْنَ نَبِيٍ مِنْ أَنْبِيَاْءِ اللهِ ، لَيْسَ مَعَهُ إِلَّاْ أَخُوْهُ وَعَصَاْهُ ،
وَبِيْنَ طَاْغِيَةٍ مِنْ طَوَاْغِيْتِ اَلْأَرْضِ . وَصَفَهُ اللهُ U بِذَلِكَ فَقَاْلَ لِمُوْسَىْ : } اِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى {
مَاْذَاْ كَاْنَ يَفْعَلُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ ؟ كَاْنَ يَقِفُ خَطِيْبَاً فِيْ قَوْمِهِ فَيَقُوْلُ لَهُمْ : } يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي {
وَقَوْمُهُ بَلَغَ فِيْهِمْ اَلْغَبَاْءُ وَاَلْبَلَاْدَةُ مَبْلَغَاً عَظِيْمَاً ، وَكَمَاْ وَصَفَهُمُ اللهُ U بِقَوْلِهِ :
} فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ { لَعِبَ فِيْ عُقُوْلِهِمْ ،
فَأَطَاْعُوْهُ وَاَسْتَجَاْبُوْا لَهُ ، يَقُوْلُ لَهُمْ : } يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ {
فَيَهُزُّوْنَ رُؤُوْسَهُمْ : أَنْ نَعَم . وَيَسْجُدُوْنَ لَهُ , وَيُنَاْدِيْ فِيْهِمْ قَاْئِلَاً : } أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى {
فَيَقُوْلُوْنَ : نَعَم . وَيُصَفِّقُوْنَ لَهُ ، لِأَنَّهُمْ بَلَغُوْا مِنَ اَلْبَلَاْدَةِ وَاَلْغَبَاْءِ مَبْلَغَاً عَظِيْمَاً .
فَاَلْطَّاْغِيَةُ فِرْعَوْن ، أَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِ مُوْسَىْ ، فَأَتَاْهُ وَمَعَهُ أَخُوْهُ وَعَصَاْهُ ، بَعْدَ أَنْ أَوْصَاْهُمَاْ U بِاَلْرِّفْقِ بِهِ وَاَلْلِيْنِ مَعَهُ ،
كَمَاْ قَاْلَ تَعَاْلَىْ : } اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى { .
فَأَتَيَاْ إِلَيْهِ وَفَعَلَاْ مَاْ أَمَرَهُمَاْ رَبُهُمَاْ بِهِ ، وَلَكِنَّ فِرْعَوْنُ مُجْرِمٌ عَنِيْدٌ ، غَرَّهُ مُلْكُهُ وَ سُلْطَاْنُهُ ، نَظَرَ إِلَىْ قُصُوْرِهِ وَخَدَمِهِ ،
ثُمَّ نَظَرَ إِلَىْ مُوْسَىْ وَأَخِيْهِ ، فَسَأَلَ بِاَسْتِهْزَاْءٍ وَاَسْتِهْتَاْرٍ : } فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى { ؟
قَاْلَ مُوْسَىْ : } رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى { جَوَاْبٌ مُقْنِعٌ ،
وَلَكِنْ كَمَاْ قَاْلَ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ : } إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ { ،
لَمْ يُرِدِ اللهُ هِدَاْيَتَهُ ، فَذَهَبَ يَبْحَثُ عَنْ حِيْلَةٍ ، لِيُشَكِّكَ وَيَطْعَنَ فِيْ مَقْصِدِ مُوْسَىْ ،
فَقَاْمَ بِاَلْأَغْبِيَاْءِ خَطِيْبَاً فَقَاْلَ : } إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ {
اللهُ أَكْبَرُ ! إِذَاْ كَاْنَ مُوْسَىْ يُفْسِدُ فِيْ اَلْأَرْضِ أَنْتَ مَاْذَاْ تَفْعَلُ يَاْ فِرْعَوْن ؟ وَأَيُ دِيْنٍ هَذَاْ اَلَّذِيْ تَخَاْفُ أَنْ يُبَدَّلَ ؟
ضَحِكَ عَلَىْ عُبَّاْدِهِ فِيْ هَذِهِ اَلْحِيْلَةِ ، وَعَلَىْ رَأْسِهِمْ بِطَاْنَتُهُ اَلْفَاْسِدَة ، هَاْمَاْنُ وَقَاْرُوْنُ ،
فَاَتَّهَمُوْا مُوْسَىْ بِاَلْكَذِبِ وَاَلْسِّحْرِ ، يَقُوْلُ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ :
} وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ { .
فَاَتَّهَمُوْهُ بِاَلْسِّحْرِ ، وَلِذَلِكَ اِسْتَعَاْنُوْا بِسَحَرَتِهِمْ لِإِبْطَاْلِ سِحْرِهِ كَمَاْ زَعَمُوْا ،
وَقَدْ وَعَدَهُمْ فِرْعَوْنُ اَلْأَجْرَ وَاَلْقُرْبَ مِنْهُ إِذَاْ هُمْ غَلَبُوْا مُوْسَىْ ، وَلَكِنَّهُمْ وَلِعِلْمِهِمْ بِاَلْسِّحْرِ عَرَفُوْا صِدْقَ رِسَاْلَتِهِ ،
فَآمَنُوْا مَعَهْ وَصَدَّقُوْا بِهِ ، فَغَضِبَ اَلْطَّاْغِيَةُ وَقَاْلَ لَهُمْ : } آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ {
سَخَاْفَةٌ ، وَإِلَّاْ مَتَىْ يَحْتَاْجُ اَلْإِيْمَاْنُ لِأِذْنٍ مَنْ بَشَرٍ ؟
} قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ {
مُوْسَىْ هُوَ اَلَّذِيْ عَلَمَهُمْ اَلْسِّحْرَ ! كُلُّ هَذَاْ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَبْقَىْ لَهُ مُلْكُ مِصْرَ !
} فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِيْ جُذُوْعِ اَلْنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاْباً وَأَبْقَىْ {
فَمَاْذَاْ كَاْنَ جَوَاْبُ أَهْلِ اَلْإِيْمَاْنِ ؟ مَاْذَا كَاْنَ جَوَاْبُ هَؤُلَاْءِ ، اَلَّذِيْنَ قَبْلَ قَلِيْلٍ ، يَسْأَلُوْنَ عَنِ اَلْأَجْرِ ، مُقَاْبِلَ غَلَبَتِهِمْ لِمُوْسَىْ ؟
لَمَّاْ كَاْنُوْا سَحَرَةً فَجَرَةً ، وَهُوَ يُمَنِيْهِمْ وَيَعِدُهُمْ بِاَلْأَجْرِ ، وَجَعْلِهِمْ مِنْ اَلْمُقَرَّبِيْنَ لَهُ ، أَيْ مِنْ رِجَاْلِهِ وَحَاْشِيَتِهِ ،
فَلَمَّاْ آمَنُوْا ، صَاْرَ يَتَوَّعَدُهُمْ بِتَقْطِيْعِ أَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ ، وَصَلْبِهِمْ عَلَىْ جُذُوْعِ اَلْنَّخْلِ . فَلِلهِ دَرْهُمْ ، مَاْذَاْ كَاْنَ جَوَاْبُهُمْ ؟
أَسْمَعُوْهُ مِنْ كَلَامِ اللهِ U :
} قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا {
أَفْعَلْ مَاْ تَشَاْءَ ، وَمَاْ تَسْتَطِيْع ، فَإِنَنَاْ نُرِيْدُ اَلْآخِرَةَ
} إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى {
فَيَقِفُ حَاْئِرَاً ، وَتَأْتِيْ اَلْبِطَاْنَةُ اَلْفَاْسِدَةُ فَتَقُوْلُ :
} أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ {
فَيَشْتَاْطُ غَيْظَاً وَيُصْدِرُ قَرَاْرَاً عَشْوَاْئِيَاً :
} قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ {
وَلَكِنَّ هَذَاْ اَلْتَّهْدِيْدُ لَمْ يَثْنِ مُوْسَىْ عَنْ دَعْوَتِهِ ، حَتَّىْ أَتَاْهُ أَمْرُ اللهِ بِاَلْخُرُوْجِ ،
فَيَخْرُجُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ اَلَّذِيْنَ آمَنُوْا فِيْ جُنْحِ اَلْظَّلَاْمِ ، وَفِيْ صَبَاْحِ اَلْيَوْمِ اَلْتَّاْلِيْ ،
يَنْظُرُ فِرْعَوْنُ ، فَلَمْ يَجِدْ مُوْسَىْ وَلَاْ أَحَدَاً مِنْ اَلْمُؤْمِنِيْنَ ، فَيَجْمَعُ جُنْدَهُ ، وَيُصْدِرُ أَمْرَهُ :
} إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ { ،
فَيَسِيْرُ بِجُنِوْدِهِ عَنْدَ طُلُوْعِ اَلْشَّمْسِ ، كَمَاْ قَاْلَ تَعَاْلَىْ :
} فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ { } فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَان ِ {
أَيْ نَظَرَ كُلٌّ مِنْ اَلْفَرِيْقَيْنِ إِلَىْ اَلْآخَرِ
} قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ {
وَفِعْلَاً ، يَأْتِيْ اَلْوَحْيُ مِن اللهِ إِلَىْ مُوْسَىْ ، يَأْتِيْ فِيْ لَحَظَاْتٍ حَرِجَةٍ ، اَلْبَحْرُ أَمَاْمَهُمْ بِأَمْوَاْجِهِ اَلْمُتَلَاْطِمَةِ ،
وَفِرْعَوْنُ خَلْفَهُمْ بِجُنْدِهِ وَجَيْشِهِ ، فِيْ هَذِهِ اَلْلَحَظَاْتِ يَأْتِيْ اَلْوَحْيُ مِنْ اللهِ إِلَىْ مُوْسَىْ :
} فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى {
أَيْ لَاْ تَخَاْفُ دَرَكَاً مِنْ فِرْعَوْنَ وَلَاْ تَخْشَىْ مِنْ اَلْغَرَقِ ، وَفِعْلَاً يُنْفَلِقُ اَلْبَحْرُ حَتَّىْ صَاْرَ كَاَلْجَبَلِ اَلْعَظِيْمِ ،
وَيَمُرُ مُوْسَىْ وَمَنْ مَعَهُ وَكَأْنَّهُمْ يَمْشُوْنَ عَلَىْ أَرْضٍ لَمْ تَعْرِفِ اَلْبَحْرَ يَوْمَاً مِنْ اَلْأَيَّاْمِ ،
وَيَتْبَعُهُمْ اَلْشَّقِيُ وَجُنُوْدُهُ ، يَتْبَعُهُمْ فِرْعَوْنُ وَمِنْ مَعَهُ مِنْ اَلْمُجْرِمِيْن ،
فَلَمَّاْ تَجَاْوَزَ اَلْبَحْرَ مُوْسَىْ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ اَلْمُؤْمِنِيْنَ ، وَتَوَسَّطَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ اَلْكَاْفِرِيْنَ ،
وَإِذَاْ بِاَلْبَحْرِ يَعُوْدُ بَحْرَاً بِأَمْرٍ مِنْ اللهِ U ، فَيَغْرَقُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ أَجْمَعُوْنَ ، فَلَمَّاْ أَحَسَّ فِرْعَوْنُ بِاَلْغَرَقِ ،
وَطَاْحَ مَاْ فِيْ رَأْسِهِ ، صَاْحَ بِأَعْلَىْ صَوْتِهِ وَهُوَ تَحْتَ أَمْوَاْجِ اَلْمَاْءِ :
} آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ {
وَيَأْتِيْ اَلْنِّدَاْءُ اَلْأَخِيْرُ اَلَّذِيْ يُقَطِّعُ نِيَاْطَ اَلْقُلُوْبِ :
} آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ { .
اَلْلَّهُمَّ لَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْغَاْفِلِيْن ، اَلْلَّهُمَّ أَغِثْنَاْ بِاَلْإِيْمَاْنِ وَاَلْيَقِيْنِ ، وَاَجْعَلْنَاْ مِنْ عِبَاْدِكَ اَلْصَّاْلِحِيْن ،
وَاَرْحَمْنَاْ بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ . ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ .
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَالْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُون :
إِنَّ ذَلِكَ اَلْيَوْم ، اَلَّذِيْ نُجِّيَ فِيْهِ مُوْسَىْ عَلِيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَاْ اَلْصَّلَاْةُ وَاَلْسَّلَاْمُ ، وَأُغْرِقَ فِيْهِ فِرْعَوْن ،
هُوَ اَلْيَوْمُ اَلْعَاْشِرُ مَنْ شَهْرِ اللهِ اَلْمُحَرَّم ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ عَنِ اِبْنِ عَبَّاْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ،
أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ e :
(( مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ ؟ )) فَقَالُوا : هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ ،
أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا ،
فَنَحْنُ نَصُومُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e : (( فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ )) ،
فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ e ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُوْن :
فَيَوْمُ عَاْشُوْرَاْء ، وَاَلَّذِيْ يُوَاْفِقُ يَوْمَ اَلْإِثْنَيْن اَلْقَاْدِم ، حَسَب تَقْوُيْمِ أُمِّ اَلْقُرَىْ ، هُوَ يَوْمٌ عَظِيْمٌ ،
يُشْرَعُ صِيَاْمُهُ ، فَكَمَاْ سَمِعْتُمْ صَاْمَهُ اَلْنَّبِيُ e وَأَمَرَ بِصِيَاْمِهِ ،
فَصُوْمُوْا ذَلِكَ اَلْيَوْمِ إِتِّبَاعَاً لِسُنَّةِ نَبِيْكُمْ وَاَحْتِسَاْبَاً لِلْأَجْرِ مِنْ رَبِّكُمْ
فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ يَقُوْلُ e :
(( صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إنِّي أحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ )) .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُوْن :
وَاَعْلَمُوْا بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصُوْمَ عَاْشُوْرَاْء ، أَنْ يَصُوْمَ مَعَهُ اَلْيَوْمَ اَلْتَّاسِع ،
فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بِنِ عَبَّاْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، قَاْلَ :
حِيْنَ صَاْمَ رَسُوْلُ اللهِ e يَوْمَ عَاْشُوْرَاْءَ وَأَمَرَ بِصِيَاْمِهِ قَاْلُوا :
يَاْ رَسُوْلَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e :
(( فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ ))
قَالَ : فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ e .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ :
سُأِلَ اَلْشِّيْخُ اِبْنُ بَاْزٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ عَنْ إِذَاْ صَاْمَ اَلْشَّخْصُ يَوْمَ عَاْشُوْرَاْءَ
مِنْ مُحَرَّمَ فَـقَط وَلَمْ يَصُمْ يَوْمَاً قَبَلَهُ وَلَاْيَوْمَاً بَعْدَهُ , هَلْ يُجْزِئَهُ ذَلِكَ؟
فَكَاْنَ جَوَاْبُهُ كَاَلْتَّاْلِيْ : نَعَمْ ، يُجْزِئَهُ ، لَكِنَّهُ تَرَكَ اَلْأَفْضَلَ ، فَاَلْأَفْضَلُ أَنْ يَصُوْمَ قَـبْـلَـهُ يَوْمَاً أَوْ بَعْدَهُ يَوْمَاً ،
هَذَاْ هُوَ اَلْأَفْضَلُ ، أَيْ يَصُوْمُ يَوْمَيْنِ ، اَلْتَّاْسِعَ وَاَلْعَاْشِرَ أَوْ اَلْعَاْشِرَ وَاَلْحَاْدِيْ عَشَر أَوْ يَصُوْمُ اَلْثَّلَاْثَةَ ،
اَلْتَّاْسِعَ وَاَلْعَاشِرَ وَاَلْحَاْدِيْ عَشَر ، هَذَاْ أَفْضَلُ ، خِلَاْفَاً لِلْيَهُوْدِ .
أَسْأَلُ اللهَ U أَنْ يَجْعَلَنِيْ وَإِيَّاْكُمْ مِنْ أَهْلِ سُنَّةِ رَسُوْلِهِ اَلْكَرِيْمِ ، وَأَنْ يُحْيِيْنَاْ عَلَىْ اَلْإِسْلَاْمِ ،
وَيُمِيْتُنَاْ عَلَىْ اَلْإِيْمَاْنِ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَاْ فِيْ رِضَاْهُ ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مٌجِيْبٌ .
اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ أَنْ تَنْصُرَ عِبَاْدَكَ اَلْمُؤْمِنِيْنَ ، وَأَنْ تُذِلَّ اَلْشِّرْكَ وَاَلْمُشْرِكِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ عَلَيْكَ بِاَلْيَهُوْدِ اَلْمُعْتَدِيْنَ ،
وَاَلْنَّصَاْرَىْ اَلْحَاْقِدَيْنَ ، وَمَنْ كَرِهَ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَلْمُسْلِمِيْنَ ،
اَلْلَّهُمَّ عَلَيْكَ بِاَلْيَهُوْدِ اَلْمُتَطَرِّفِيْن ، اَلَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ اَلْمُسْلِمِيْنَ فِيْ فِلِسْطِيْنَ ،
اَلْلَّهُمَّ يَاْ قَوُيُ يَاْ عَزِيْز ، أَرِنَاْ فِيْهِمْ عَجَاْئِبَ قُدْرَتِكَ ، وَفُجَاْءَةَ نِقْمَتِكَ ، وَأَلِيْ
مَ عَذَاْبِكَ ، عَاْجِلَاً غَيْرَ آجِلٍ ، اَلْلَّهُمَّ أَنْقِذِ اَلْمَسْجِدَ اَلْأَقْصَىْ مِنْ رِجْزِهم ، وَاَجْعَلْهُ شَاْمِخَاً عَزِيْزَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْن ،
اَلْلَّهُمَّ أَكْرِمْنَاْ بِاَلْصَّلَاْةِ فَيْهِ قَبْلَ اَلْممَاْتِ ، يَاْ حَيُّ يَاْ قَيُوْم ، يَاْذَاْ اَلْجَلَاْلِ وَاَلْإِكْرَاْمِ .
اَلْلَّهُمَّ اِحْفَظْ بِلَاْدَنَاْ وَوُلَاْةَ أَمْرِنَاْ وَعُلَمَاْءَنَاْ وَدُعَاْتَنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ وَحْدْ كَلِمَتَنَاْ وَقُوْيِ شَوْكَتَنَاْ يَاْ رَبَّ اَلْعَاْلَمِيْنَ .
اللّهُمّ أَنْتَ اللّهُ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ ، تَفْعَلُ مَاْ تَشَاْءُ وَمَاْ تُرِيدُ ، وَأَنْتَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيْدُ ، وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ وَاَلْعَبِيْدُ ،
اَلْلّهُمّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْقَاْنِطِيْنَ ،
اللّهُمّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيّت اللّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ ،
اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون.
عاشوراء الهلاك والعطاء
https://www.youtube.com/watch?v=6MBAAdl4hkc
اَلْحَمْدُ للهِ ، اَلَّذِيْ :
} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ { ،
أَحْمَدُهُ حَمْدَاً يَلِيْقُ بِكَرِيْمِ وَجْهِهِ ، وَعَظِيْمِ سُلْطَاْنِهِ : } لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ ،
} لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ { ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، وَصَفِيُهُ وَخَلِيْلُهُ ، وَخِيْرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، أرسله
} بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ { ، ،
صَلَىْ اللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ يبعثون .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَادَ اللهِ :
تَقْوَىْ اللهِ U ، وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَاْدِهِ ، فَهُوَ الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِيْنَ أُوتُوا الْكِتَاْبَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوْا اللَّهَ { ،
فَلْنَتَقِ اللهَ ـ أَحِبَتِيْ فِيْ اللهِ ـ جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَقِيْن .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُوْن :
اَلْصِّرَاْعُ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَاَلْبَاْطِلِ ، سُنَّةٌ رَبَّاْنِيْةٌ كَوْنِيَةٌ ، لِأَجْلِهِ قَاْمَ عَلَمُ اَلْجِهَاْدِ ، وَلِأَجْلِهِ خُلِقَتْ اَلْنَّاْرُ وَبِئْسَ اَلْمِهَاْدُ ،
وَلِأَجْلِهِ أُوْجِدَتِ اَلْجَنَّةُ لِخَيْرِ اَلْعِبَاْدِ ، وَلَكِنْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مَهْمَاْ هَيْمَنَ اَلْبَاْطِلُ ، وَعَلَاْ وَسَاْدَ فِيْ نَظَرِ بَعْضِ اَلْنَّاْسِ ،
فَإِنَّهُ لَاْبُدَّ لَهُ مِنْ إِبَاْدَةٍ وَ زَوَاْلٍ ، وَلَاْبُدَّ لَهُ مِنْ نِهَاْيَةٍ وَاَضْمِحْلَاْلٍ ، يَقُوْلُ U :
} لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ { ، وَيَقُوْلُ جَلَّ وَعَلَاْ :
} بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ {
وَيَقُوْلُ سُبْحَاْنَهُ : } وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً {
أَيْ مُضْمَحِلٌ ، هَاْلِكٌ ، لَاْ ثَبَاْتَ لَهُ مَعَ اَلْحَقِّ وَلَاْ بَقَاْءَ .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ :
وَمِنَ اَلْحَوَاْدِثِ اَلَّتِيْ تُعْتَبَرُ مِثَاْلَاً حَيَّاً لِاِنْتِصَاْرِ اَلْحَقِّ عَلَىْ اَلْبَاْطِلِ : حَاْدِثَةُ نَبِيْ اللهِ مُوْسَىْ مَعَ فِرْعَوْنَ اَلْطَّاْغِيَةِ ،
وَاَلَّتِيْ كَاْنَتْ نِهَاْيَتُهَاْ فِيْ اَلْيَوْمِ اَلْعَاْشِرِ مِنْ شَهْرِ اللهِ اَلْمُحَرَّم . وَقَعَتْ تِلْكَ اَلْحَاْدِثَة ، أَوْ تِلْكَ اَلْمَعْرَكَة ،
بَيْنَ أَهْلِ اَلْتَّوْحِيْدِ وَأَهْلِ اَلْشِّرْكِ وَاَلْضَّلَاْلِ . بَيْنَ نَبِيٍ مِنْ أَنْبِيَاْءِ اللهِ ، لَيْسَ مَعَهُ إِلَّاْ أَخُوْهُ وَعَصَاْهُ ،
وَبِيْنَ طَاْغِيَةٍ مِنْ طَوَاْغِيْتِ اَلْأَرْضِ . وَصَفَهُ اللهُ U بِذَلِكَ فَقَاْلَ لِمُوْسَىْ : } اِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى {
مَاْذَاْ كَاْنَ يَفْعَلُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ ؟ كَاْنَ يَقِفُ خَطِيْبَاً فِيْ قَوْمِهِ فَيَقُوْلُ لَهُمْ : } يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي {
وَقَوْمُهُ بَلَغَ فِيْهِمْ اَلْغَبَاْءُ وَاَلْبَلَاْدَةُ مَبْلَغَاً عَظِيْمَاً ، وَكَمَاْ وَصَفَهُمُ اللهُ U بِقَوْلِهِ :
} فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ { لَعِبَ فِيْ عُقُوْلِهِمْ ،
فَأَطَاْعُوْهُ وَاَسْتَجَاْبُوْا لَهُ ، يَقُوْلُ لَهُمْ : } يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ {
فَيَهُزُّوْنَ رُؤُوْسَهُمْ : أَنْ نَعَم . وَيَسْجُدُوْنَ لَهُ , وَيُنَاْدِيْ فِيْهِمْ قَاْئِلَاً : } أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى {
فَيَقُوْلُوْنَ : نَعَم . وَيُصَفِّقُوْنَ لَهُ ، لِأَنَّهُمْ بَلَغُوْا مِنَ اَلْبَلَاْدَةِ وَاَلْغَبَاْءِ مَبْلَغَاً عَظِيْمَاً .
فَاَلْطَّاْغِيَةُ فِرْعَوْن ، أَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِ مُوْسَىْ ، فَأَتَاْهُ وَمَعَهُ أَخُوْهُ وَعَصَاْهُ ، بَعْدَ أَنْ أَوْصَاْهُمَاْ U بِاَلْرِّفْقِ بِهِ وَاَلْلِيْنِ مَعَهُ ،
كَمَاْ قَاْلَ تَعَاْلَىْ : } اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى { .
فَأَتَيَاْ إِلَيْهِ وَفَعَلَاْ مَاْ أَمَرَهُمَاْ رَبُهُمَاْ بِهِ ، وَلَكِنَّ فِرْعَوْنُ مُجْرِمٌ عَنِيْدٌ ، غَرَّهُ مُلْكُهُ وَ سُلْطَاْنُهُ ، نَظَرَ إِلَىْ قُصُوْرِهِ وَخَدَمِهِ ،
ثُمَّ نَظَرَ إِلَىْ مُوْسَىْ وَأَخِيْهِ ، فَسَأَلَ بِاَسْتِهْزَاْءٍ وَاَسْتِهْتَاْرٍ : } فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى { ؟
قَاْلَ مُوْسَىْ : } رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى { جَوَاْبٌ مُقْنِعٌ ،
وَلَكِنْ كَمَاْ قَاْلَ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ : } إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ { ،
لَمْ يُرِدِ اللهُ هِدَاْيَتَهُ ، فَذَهَبَ يَبْحَثُ عَنْ حِيْلَةٍ ، لِيُشَكِّكَ وَيَطْعَنَ فِيْ مَقْصِدِ مُوْسَىْ ،
فَقَاْمَ بِاَلْأَغْبِيَاْءِ خَطِيْبَاً فَقَاْلَ : } إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ {
اللهُ أَكْبَرُ ! إِذَاْ كَاْنَ مُوْسَىْ يُفْسِدُ فِيْ اَلْأَرْضِ أَنْتَ مَاْذَاْ تَفْعَلُ يَاْ فِرْعَوْن ؟ وَأَيُ دِيْنٍ هَذَاْ اَلَّذِيْ تَخَاْفُ أَنْ يُبَدَّلَ ؟
ضَحِكَ عَلَىْ عُبَّاْدِهِ فِيْ هَذِهِ اَلْحِيْلَةِ ، وَعَلَىْ رَأْسِهِمْ بِطَاْنَتُهُ اَلْفَاْسِدَة ، هَاْمَاْنُ وَقَاْرُوْنُ ،
فَاَتَّهَمُوْا مُوْسَىْ بِاَلْكَذِبِ وَاَلْسِّحْرِ ، يَقُوْلُ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ :
} وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ { .
فَاَتَّهَمُوْهُ بِاَلْسِّحْرِ ، وَلِذَلِكَ اِسْتَعَاْنُوْا بِسَحَرَتِهِمْ لِإِبْطَاْلِ سِحْرِهِ كَمَاْ زَعَمُوْا ،
وَقَدْ وَعَدَهُمْ فِرْعَوْنُ اَلْأَجْرَ وَاَلْقُرْبَ مِنْهُ إِذَاْ هُمْ غَلَبُوْا مُوْسَىْ ، وَلَكِنَّهُمْ وَلِعِلْمِهِمْ بِاَلْسِّحْرِ عَرَفُوْا صِدْقَ رِسَاْلَتِهِ ،
فَآمَنُوْا مَعَهْ وَصَدَّقُوْا بِهِ ، فَغَضِبَ اَلْطَّاْغِيَةُ وَقَاْلَ لَهُمْ : } آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ {
سَخَاْفَةٌ ، وَإِلَّاْ مَتَىْ يَحْتَاْجُ اَلْإِيْمَاْنُ لِأِذْنٍ مَنْ بَشَرٍ ؟
} قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ {
مُوْسَىْ هُوَ اَلَّذِيْ عَلَمَهُمْ اَلْسِّحْرَ ! كُلُّ هَذَاْ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَبْقَىْ لَهُ مُلْكُ مِصْرَ !
} فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِيْ جُذُوْعِ اَلْنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاْباً وَأَبْقَىْ {
فَمَاْذَاْ كَاْنَ جَوَاْبُ أَهْلِ اَلْإِيْمَاْنِ ؟ مَاْذَا كَاْنَ جَوَاْبُ هَؤُلَاْءِ ، اَلَّذِيْنَ قَبْلَ قَلِيْلٍ ، يَسْأَلُوْنَ عَنِ اَلْأَجْرِ ، مُقَاْبِلَ غَلَبَتِهِمْ لِمُوْسَىْ ؟
لَمَّاْ كَاْنُوْا سَحَرَةً فَجَرَةً ، وَهُوَ يُمَنِيْهِمْ وَيَعِدُهُمْ بِاَلْأَجْرِ ، وَجَعْلِهِمْ مِنْ اَلْمُقَرَّبِيْنَ لَهُ ، أَيْ مِنْ رِجَاْلِهِ وَحَاْشِيَتِهِ ،
فَلَمَّاْ آمَنُوْا ، صَاْرَ يَتَوَّعَدُهُمْ بِتَقْطِيْعِ أَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ ، وَصَلْبِهِمْ عَلَىْ جُذُوْعِ اَلْنَّخْلِ . فَلِلهِ دَرْهُمْ ، مَاْذَاْ كَاْنَ جَوَاْبُهُمْ ؟
أَسْمَعُوْهُ مِنْ كَلَامِ اللهِ U :
} قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا {
أَفْعَلْ مَاْ تَشَاْءَ ، وَمَاْ تَسْتَطِيْع ، فَإِنَنَاْ نُرِيْدُ اَلْآخِرَةَ
} إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى {
فَيَقِفُ حَاْئِرَاً ، وَتَأْتِيْ اَلْبِطَاْنَةُ اَلْفَاْسِدَةُ فَتَقُوْلُ :
} أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ {
فَيَشْتَاْطُ غَيْظَاً وَيُصْدِرُ قَرَاْرَاً عَشْوَاْئِيَاً :
} قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ {
وَلَكِنَّ هَذَاْ اَلْتَّهْدِيْدُ لَمْ يَثْنِ مُوْسَىْ عَنْ دَعْوَتِهِ ، حَتَّىْ أَتَاْهُ أَمْرُ اللهِ بِاَلْخُرُوْجِ ،
فَيَخْرُجُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ اَلَّذِيْنَ آمَنُوْا فِيْ جُنْحِ اَلْظَّلَاْمِ ، وَفِيْ صَبَاْحِ اَلْيَوْمِ اَلْتَّاْلِيْ ،
يَنْظُرُ فِرْعَوْنُ ، فَلَمْ يَجِدْ مُوْسَىْ وَلَاْ أَحَدَاً مِنْ اَلْمُؤْمِنِيْنَ ، فَيَجْمَعُ جُنْدَهُ ، وَيُصْدِرُ أَمْرَهُ :
} إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ { ،
فَيَسِيْرُ بِجُنِوْدِهِ عَنْدَ طُلُوْعِ اَلْشَّمْسِ ، كَمَاْ قَاْلَ تَعَاْلَىْ :
} فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ { } فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَان ِ {
أَيْ نَظَرَ كُلٌّ مِنْ اَلْفَرِيْقَيْنِ إِلَىْ اَلْآخَرِ
} قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ {
وَفِعْلَاً ، يَأْتِيْ اَلْوَحْيُ مِن اللهِ إِلَىْ مُوْسَىْ ، يَأْتِيْ فِيْ لَحَظَاْتٍ حَرِجَةٍ ، اَلْبَحْرُ أَمَاْمَهُمْ بِأَمْوَاْجِهِ اَلْمُتَلَاْطِمَةِ ،
وَفِرْعَوْنُ خَلْفَهُمْ بِجُنْدِهِ وَجَيْشِهِ ، فِيْ هَذِهِ اَلْلَحَظَاْتِ يَأْتِيْ اَلْوَحْيُ مِنْ اللهِ إِلَىْ مُوْسَىْ :
} فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى {
أَيْ لَاْ تَخَاْفُ دَرَكَاً مِنْ فِرْعَوْنَ وَلَاْ تَخْشَىْ مِنْ اَلْغَرَقِ ، وَفِعْلَاً يُنْفَلِقُ اَلْبَحْرُ حَتَّىْ صَاْرَ كَاَلْجَبَلِ اَلْعَظِيْمِ ،
وَيَمُرُ مُوْسَىْ وَمَنْ مَعَهُ وَكَأْنَّهُمْ يَمْشُوْنَ عَلَىْ أَرْضٍ لَمْ تَعْرِفِ اَلْبَحْرَ يَوْمَاً مِنْ اَلْأَيَّاْمِ ،
وَيَتْبَعُهُمْ اَلْشَّقِيُ وَجُنُوْدُهُ ، يَتْبَعُهُمْ فِرْعَوْنُ وَمِنْ مَعَهُ مِنْ اَلْمُجْرِمِيْن ،
فَلَمَّاْ تَجَاْوَزَ اَلْبَحْرَ مُوْسَىْ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ اَلْمُؤْمِنِيْنَ ، وَتَوَسَّطَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ اَلْكَاْفِرِيْنَ ،
وَإِذَاْ بِاَلْبَحْرِ يَعُوْدُ بَحْرَاً بِأَمْرٍ مِنْ اللهِ U ، فَيَغْرَقُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ أَجْمَعُوْنَ ، فَلَمَّاْ أَحَسَّ فِرْعَوْنُ بِاَلْغَرَقِ ،
وَطَاْحَ مَاْ فِيْ رَأْسِهِ ، صَاْحَ بِأَعْلَىْ صَوْتِهِ وَهُوَ تَحْتَ أَمْوَاْجِ اَلْمَاْءِ :
} آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ {
وَيَأْتِيْ اَلْنِّدَاْءُ اَلْأَخِيْرُ اَلَّذِيْ يُقَطِّعُ نِيَاْطَ اَلْقُلُوْبِ :
} آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ { .
اَلْلَّهُمَّ لَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْغَاْفِلِيْن ، اَلْلَّهُمَّ أَغِثْنَاْ بِاَلْإِيْمَاْنِ وَاَلْيَقِيْنِ ، وَاَجْعَلْنَاْ مِنْ عِبَاْدِكَ اَلْصَّاْلِحِيْن ،
وَاَرْحَمْنَاْ بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ . ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ .
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَالْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُون :
إِنَّ ذَلِكَ اَلْيَوْم ، اَلَّذِيْ نُجِّيَ فِيْهِ مُوْسَىْ عَلِيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَاْ اَلْصَّلَاْةُ وَاَلْسَّلَاْمُ ، وَأُغْرِقَ فِيْهِ فِرْعَوْن ،
هُوَ اَلْيَوْمُ اَلْعَاْشِرُ مَنْ شَهْرِ اللهِ اَلْمُحَرَّم ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ عَنِ اِبْنِ عَبَّاْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ،
أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ e :
(( مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ ؟ )) فَقَالُوا : هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ ،
أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا ،
فَنَحْنُ نَصُومُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e : (( فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ )) ،
فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ e ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُوْن :
فَيَوْمُ عَاْشُوْرَاْء ، وَاَلَّذِيْ يُوَاْفِقُ يَوْمَ اَلْإِثْنَيْن اَلْقَاْدِم ، حَسَب تَقْوُيْمِ أُمِّ اَلْقُرَىْ ، هُوَ يَوْمٌ عَظِيْمٌ ،
يُشْرَعُ صِيَاْمُهُ ، فَكَمَاْ سَمِعْتُمْ صَاْمَهُ اَلْنَّبِيُ e وَأَمَرَ بِصِيَاْمِهِ ،
فَصُوْمُوْا ذَلِكَ اَلْيَوْمِ إِتِّبَاعَاً لِسُنَّةِ نَبِيْكُمْ وَاَحْتِسَاْبَاً لِلْأَجْرِ مِنْ رَبِّكُمْ
فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ يَقُوْلُ e :
(( صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إنِّي أحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ )) .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُوْن :
وَاَعْلَمُوْا بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصُوْمَ عَاْشُوْرَاْء ، أَنْ يَصُوْمَ مَعَهُ اَلْيَوْمَ اَلْتَّاسِع ،
فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بِنِ عَبَّاْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، قَاْلَ :
حِيْنَ صَاْمَ رَسُوْلُ اللهِ e يَوْمَ عَاْشُوْرَاْءَ وَأَمَرَ بِصِيَاْمِهِ قَاْلُوا :
يَاْ رَسُوْلَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e :
(( فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ ))
قَالَ : فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ e .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ :
سُأِلَ اَلْشِّيْخُ اِبْنُ بَاْزٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ عَنْ إِذَاْ صَاْمَ اَلْشَّخْصُ يَوْمَ عَاْشُوْرَاْءَ
مِنْ مُحَرَّمَ فَـقَط وَلَمْ يَصُمْ يَوْمَاً قَبَلَهُ وَلَاْيَوْمَاً بَعْدَهُ , هَلْ يُجْزِئَهُ ذَلِكَ؟
فَكَاْنَ جَوَاْبُهُ كَاَلْتَّاْلِيْ : نَعَمْ ، يُجْزِئَهُ ، لَكِنَّهُ تَرَكَ اَلْأَفْضَلَ ، فَاَلْأَفْضَلُ أَنْ يَصُوْمَ قَـبْـلَـهُ يَوْمَاً أَوْ بَعْدَهُ يَوْمَاً ،
هَذَاْ هُوَ اَلْأَفْضَلُ ، أَيْ يَصُوْمُ يَوْمَيْنِ ، اَلْتَّاْسِعَ وَاَلْعَاْشِرَ أَوْ اَلْعَاْشِرَ وَاَلْحَاْدِيْ عَشَر أَوْ يَصُوْمُ اَلْثَّلَاْثَةَ ،
اَلْتَّاْسِعَ وَاَلْعَاشِرَ وَاَلْحَاْدِيْ عَشَر ، هَذَاْ أَفْضَلُ ، خِلَاْفَاً لِلْيَهُوْدِ .
أَسْأَلُ اللهَ U أَنْ يَجْعَلَنِيْ وَإِيَّاْكُمْ مِنْ أَهْلِ سُنَّةِ رَسُوْلِهِ اَلْكَرِيْمِ ، وَأَنْ يُحْيِيْنَاْ عَلَىْ اَلْإِسْلَاْمِ ،
وَيُمِيْتُنَاْ عَلَىْ اَلْإِيْمَاْنِ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَاْ فِيْ رِضَاْهُ ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مٌجِيْبٌ .
اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ أَنْ تَنْصُرَ عِبَاْدَكَ اَلْمُؤْمِنِيْنَ ، وَأَنْ تُذِلَّ اَلْشِّرْكَ وَاَلْمُشْرِكِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ عَلَيْكَ بِاَلْيَهُوْدِ اَلْمُعْتَدِيْنَ ،
وَاَلْنَّصَاْرَىْ اَلْحَاْقِدَيْنَ ، وَمَنْ كَرِهَ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَلْمُسْلِمِيْنَ ،
اَلْلَّهُمَّ عَلَيْكَ بِاَلْيَهُوْدِ اَلْمُتَطَرِّفِيْن ، اَلَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ اَلْمُسْلِمِيْنَ فِيْ فِلِسْطِيْنَ ،
اَلْلَّهُمَّ يَاْ قَوُيُ يَاْ عَزِيْز ، أَرِنَاْ فِيْهِمْ عَجَاْئِبَ قُدْرَتِكَ ، وَفُجَاْءَةَ نِقْمَتِكَ ، وَأَلِيْ
مَ عَذَاْبِكَ ، عَاْجِلَاً غَيْرَ آجِلٍ ، اَلْلَّهُمَّ أَنْقِذِ اَلْمَسْجِدَ اَلْأَقْصَىْ مِنْ رِجْزِهم ، وَاَجْعَلْهُ شَاْمِخَاً عَزِيْزَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْن ،
اَلْلَّهُمَّ أَكْرِمْنَاْ بِاَلْصَّلَاْةِ فَيْهِ قَبْلَ اَلْممَاْتِ ، يَاْ حَيُّ يَاْ قَيُوْم ، يَاْذَاْ اَلْجَلَاْلِ وَاَلْإِكْرَاْمِ .
اَلْلَّهُمَّ اِحْفَظْ بِلَاْدَنَاْ وَوُلَاْةَ أَمْرِنَاْ وَعُلَمَاْءَنَاْ وَدُعَاْتَنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ وَحْدْ كَلِمَتَنَاْ وَقُوْيِ شَوْكَتَنَاْ يَاْ رَبَّ اَلْعَاْلَمِيْنَ .
اللّهُمّ أَنْتَ اللّهُ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ ، تَفْعَلُ مَاْ تَشَاْءُ وَمَاْ تُرِيدُ ، وَأَنْتَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيْدُ ، وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ وَاَلْعَبِيْدُ ،
اَلْلّهُمّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْقَاْنِطِيْنَ ،
اللّهُمّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيّت اللّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ ،
اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون.