عبدالرحمن اليمني
17-09-2015, 02:39 PM
باب كتاب الجنايات
P
قال المصنف-رحمه الله- : [ باب العفو عن القصاص ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين ، أما بعد :
يقول المصنف-رحمه الله- : [ باب العفو عن القصاص ] : هـذا الباب يتعلق بعفو ولي المقتول عن حقه في القود ؛ وذلك أن الله-I- جعل لولي المقتول الحق في أن يأخذ بحقه فيقتص وبين أن يسامح فيعفو ، فبعد أن بين المصنف-رحمه الله- الشروط المعتبرة للقصاص واستيفاء القصاص شرع في الخيار الثاني وهو العفو عن القصاص .
يقول-رحمه الله- : [ باب العفو عن القصاص ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بعفو ولي المقتول عن القصاص والقود .
[ يجب في العمد القود أو الدية ] : الأصل في مشروعية العفو دليل الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة حيث أجمع العلماء-رحمهم الله- على المشروعية .
فأما دليل الكتاب : فإن الله-تعالى- يقـول : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } فجعل الله-U- لأولياء المقتول أن يعفوا عن القاتل ، ورغب الله-I- في العفو فقال-سبحانه- : { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } فمن عفا عن القصاص والقود فإنه بخير المنازل عند الله-I- وذلك أن الفعو إذا كان عن الجناية العظيمة كان أجره أعظم وثوابه عند الله أكبر ؛ لأنه لايمكن للإنسان أن يسامح عن دم قريب من أقربائه إلا بقوة إيمان وحسن ظن بالله-U- ورجاء في عفوه وكرمه وإحسانه-U- والله يعامل عبده إذا عمل الإحسان مع خلقه يعامله بالإحسان ، وإذا تولى الناس بالرحمة تولاه الله برحمته ، ولذلك جاءت السُّنة تؤكد هذا المعنى فقال-r- : (( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً )) وهذا الحديث وهو قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً )) رد النبي-r- فيه ظنون أهل الجاهلية فإن أهل الجهل في كل زمان إذا أراد الإنسان أن يعفو قالوا لـه : أنت جبان ! وأنت ضعيف ! وأنت لا تحترم حقك ! ولا تأخذ بحقك وأنت أنت .. فيجعلون العفو في نظره أنه منقصة وأنه ذلة وهوان فكذَّب النبي-r- هذا وقال : (( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً )) فمن عفا عن أي ذنب وعن أي جريرة وعن أي أذية من إخوانه المسلمين فإن الله-U- يبدله بهذا العفو عزاً فإذا عظم العفو عظمت عزة الله-U- للعبد وإعزازه لـه وإكرامه لـه ، ومن هنا أجمع العلماء-رحمهم الله- على مشروعية العفو وجعل الله لهذه الدية الخيار بين القصاص وبين العفو إلى الدين ، وبين العفو بدون أخذ الدية ، فالعفو عفوان :
الأول : عفو بدون عوض وهو أعظم العفوين وأجلهما وأكثرهما ثواباً عند الله-U- ، فلو أن شخصاً قتل لـه قريب فقيل له : تقتص ؟ قال : لا أريد القصاص . قيل له : تعفو وتأخذ الدية ؟ قال : لا أريد الدية وإنما عفوت لوجه الله-U- ، فهذا وأمثاله ينطبق عليهم قوله-تعالى- : { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } فإذا كان يوم القيامة تولى الله أجره وثوابه ، ولذلك انظر إلى قوله-سبحانه- : { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } ولم يبين الله-U- هذا الأجر في الدنيا والثواب كيف يكون وكم يكون وهذا يدل على أن الله يتولى جزاءه ؛ لأن الأذية والشرور والمظالم والجنايات تتفاوت والنفوس تتفاوت وضيق الحال يتفاوت بالإنسان ، فالذي يعفو عن القصاص وعن الدية عن شخصٍ عن من يرجو صلاحه ويرجو هدايته واستقامته ويكون سبباً في هدايته واستقامته ولايحمله الدية بل يستغني بغناء الله فإن الله-U- يعوضه من ذلك كله خيراً يعوضه خيراً في الدنيا وهو الذي قال عنه النبي-r- : (( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً )) ويعوضه خير الآخرة فأجره على الله إذا كان يوم القيامة ، وقد جاء في الأثر أنه إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من كان أجره على الله فليقم فتقول الملائكة : ومن هذا الذي أجره على الله ؟ فيقول-r- : (( فلا يقوم إلا من عفا عن مظلمة )) لأنه جعل الأمر إلى الله-U- أي يتولى جزاءه وثوابه وقل أن تجد إنساناً يعامل الناس بالعفو إلا وجدت أمره على اليسر وعلى السماحة وعلى العزة والكرامة فعدوه يريد أن يهينه فالله يكرمه وعدوه يريد أن يذله بتلك الأذية فإذا به بعفوه يرفعه الله ويعزه الله والله -جل وعلا- عليم بخلقه حكيم في تدبيره-I- لا تخفى عليه خافية فهو العدل-I- الذي لايضيع أجر من أحسن عملاً ومن أعظم الإحسان العفو .
ومن هنا أجمع العلماء-رحمهم الله- على مشروعية العفو عن القصاص .
لكن هنا مسألة وهي إذا كان القاتل الذي قتل المظلوم معروفاً بالشر والأذية والبغي والإضرار فهل يشرع العفو ؟ كذلك - أيضاً - يرد سؤال : هل تشرع الشفاعة من أجل العفو ؟
لأنه إذا كان العفو محموداً شرعاً فإن الشفاعة من أجله كذلك ، فلو أن إنساناً شفع ودخل بين قومين بينهم دم وأصلح ودعـاهم إلى العفو فإنه يكون له مثل أجر من عفا فمن دعا إلى خيرٍ وهدى كان له أجره وأجر من عمل به ، فإذا رغبهم في ذلك وأسكن النفوس وأطفأ ثائرات النفوس وحاول أن يدعوهم إلى العفو وإلى المجاوزة والصفح فعفوا فله مثل أجرهم ، وله أجر الشفاعة وما يتكبد ويتحمل فيها من المشاق والمتاعب فالله لايضيع أجر من أحسن عملاً { خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } وعظيماً من الله ليست بالهينة ، ولذلك قال : { أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ } لأن أعظم شيء يفسد الناس الدماء فإذا وقعت بينهم الدماء ووقعت بينهم الخصومات والنـزاعات فخرج الشخص للصلح بينهم بشرط ألا يخرج إلا لوجه الله لا حميةً ولا عصيبة ولا رياءً ولا سمعة وإنما يخرج لله وفي الله { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ } يعني طلبه { ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } أي أنه يخرج وهو يريد أن يرضى الله عنه بذلك الذي يفعله وهو يعلم أن الله يرضى عنه أن يصلح بين هذين المتخاصمين أو يطفأ ثارات النفوس بالعفو عن القصاص والمسامحة والمجاوزة عن الجاني ، فالشفاعة في العفو عن القصاص مشروعة والنبي-r- ثبت في الحديث الصحيح عنه أنه تأخر عن الصلاة مع الجماعة من أجل أن يصلح بين حيين من بني عوف والحديث في الصحيحين فهذا يدل على فضل الشفاعة وأنها سنة النبي-r- ؛ ولكن إذا كان القاتل معروفاً بالشر والفساد والبغي ففيه تفصيل :
قال بعض العلماء : إذا شفع أحد في إسقاط القصاص عنه وهو يرجو صلاحه ويغلب على ظنه أن هذا يتسبب في إصلاحه وحسن حاله فإنه يدخل في فضل الشفاعة ولايمُنع من ذلك بل يندب إليه ويرغب فيه ولايعاتب بل إنه مثاب على هذا العمل .
الحالة الثانية : أن يكون رجلاً شريراً لايزداد بالعفو إلا شراً ولا يزداد إلا تسلطاً على دماء المسلمين وأذيتهم مثل أن يسبق منه ذلك فمثلاً قتل ثم عفي عنه فقتل مرةً ثانية وعرف عنه أنه بعد القتلة الثانية أنه على حاله وأنه مصر على بغيه ومصر على كبره ومصر على أذيته للناس فهذا لا يجوز أن يُسلَّط على دماء المسلمين فالعفو عنه إبقاء لشره ، ومن هنا نص جماعة من أهل العلم على أنه لايشرع أو لاتشرع الشفاعة في مثل هذا وقد وقعت لبعض مشايخنا-رحمة الله عليهم- الوالد أذكر أن رجلاً كان معروفاً بذلك وطلب منه أن يشفع فامتنع الوالد-رحمه الله- لأنه سأل عنه وتبين من حاله أنه لايزيده العفو إلا بغياً وفساداً ، ولذلك مثل هؤلاء لا يعانون على الإضرار بالناس والإضرار بمجتمعاتهم والإضرار بالأبرياء فهؤلاء إذا عفي عنهم تسلطوا على دماء المسلمين وتسلطوا على الناس بأذيتهم والإضرار بهم وليس الأمر خاصاً بالقتل بل شامل لكل عقوبة بحيث إذا كان الجاني يتسلط ويزداد أذية وبغياً وفساداً ، فمثله لا يعان على بغيه وفساده .
[ يجب في العمد القود أو الدية ] : يجب في العمد القود يعني القصاص وقد تقدم ؛ لأن الله يقول : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } وقال-r- : (( كتاب الله القصاص )) ، وقال-r- : (( فمن قتل لـه قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقاد وإما أن يودى )) فقوله : (( إما أن يقاد )) يدل على مشروعية القود والإجماع على هذا وقد تقدم .
[ أو الدية ] : أو الدية يعني يخير يقال لـه : إما أن تأخذ الدية ، وإما أن تقتص وتأخذ بحقك بقتل من قتل وليك كما قال-تعالى- : { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً } نقول له : اقتل من قتل أباك واقتل من قتل أخاك فإن الله أعطاك هذا الحق ، فقال : لا أريد أن أقتله وقد عفوت عن قتله ، نقول له : لك الدية ؛ لأن الله-U- أمر إذا عفا ولي الدم عن الدم والقصاص أمر بإعطاء الدية لـه وقد صحت السُّنة عن رسول الله-r- بذلك فإذا قتل وعفا ولي المقتول فإنه ينتقل إلى الدية وهذا بإجماع العلماء-رحمهم الله- .
[ فيخير الولي بينهما ] : فيخير الولي بين أن يقتل قصاصاً وبين أن يأخذ الدية وسيأتينا في باب الديات ، توضيح الدية وضوابطها وأحوالها ، فهذا بإجماع أهل العلم-رحمة الله عليهم- لانعقاد نصوص الكتاب والسُّنة على أنه بالخيار بين الأمرين ؛ لأن النبي-r- نص على هذا وهو ظاهر الكتاب أن الله-U- أمر بالقصاص فقال : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } فهذا يدل على أنه يخير بين القصاص وبين أخذ حقه وهو الدية إذا كان لايريد القصاص يأخذ حقه من المال وهو الدية .
[ وعفوه مجاناً الأفضل ] : وعفوه بدون أن يأخذ شيئاً فهو أفضل لأنه إذا فعل ذلك تولى الله أجره وثوابه ولأنها غاية الإحسان أن يعفو عمن ظلمه وعمن آذاه ولا يأخذ منه شيئاً ؛ وإنما ينتظر من ربه العوض والخلف .
وإن أخذ فلا يلام لو أنه عفا ثم أخذ الدية فلا يلام ومن أدران الجاهلية والعصبيات الممقوتة عند بعض الناس أن أولياء المقتول إذا قالوا : لا نريد القصاص ونريد الدية يعتبون عليهم ويأتون أولاد العم والقرابة ويقولون : أنتم لا تقدرون أباكم وأبوكم لا يقدر بثمن وما هذه الدية ترضون بالمال دون دم أبيكم أنتم كذا ولربما هددوهم بالقطيعة-والعياذ بالله- وهذا من مضادة شرع الله-U- ومن المحادة ومن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف فإن الله يحب العفو ويقول : { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } وهؤلاء-نسأل الله السلامة والعافية- بخلاء على أنفسهم ويأمرون غيرهم بالبخل-نسأل الله السلامة والعافية- فهؤلاء لايجوز طاعتهم لأنهم لايريدون الخير لمن عفا أو أراد أن يعفو ، فالذي يريد أن يعفو ويقول : أنا مسامح لوجه الله فأجره على الله-U- والأفضل أن لا يأخذ شيئاً .
[ فإن اختار القود أو عفا عن الدية فقط فله أخذها والصلح على أكثر منها ] : فإذا طبعاً إذا اختار القود مُكِّنَ منه وإذا قال يعني أريد أن اقتص فحاول معه أولياء القاتل وقالوا لـه : اعف عنه فإذا حاولوا معه ورضي بالدية فلا إشكال ؛ ولكن في بعض الأحيان لا يرضى بالدية فيبذلون أكثر من الدية وهذا البذل لأكثر من الدية على سيبل الصلح يقولون له : إذا تنازلت نعطيك ديتين وإذا عفوت نعطيك ثلاث ديات أو إذا عفوت نعطيك أربع ديات أو خمس ديات هذا من باب الصلح وفي الحقيقة من حيث الأصول الأصل أن الدم لـه دية مقدرة شرعاً لايزاد عليها ؛ لكنه يسوغ صلحاً وكنا نميل إلى الوجه الأول وفي الحقيقة تبين في الأخير بعد تصحيح حديث الترمذي فإن النبي-r- قال : (( وإن صالحوا فلهم ما أخذوا )) يعني ما اصطلحوا عليه وهذه الزيادة حسنها غير واحد وملنا إلى تحسينها في الأخير في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله-r- ، وعلى هذا فيجوز الصلح بأكثر من الدية ، ولكن من حيث الأصل ينبغي أن ننبه على مسألة ستأتينا في الديات وهي أن القرابة والعصبة هم الذين يتحملون دية الخطأ في الأصل لكن المشكلة الآن أنهم إذا صالحوا بأكثر من الدية ألزموا القرابة وأجحفوا القرابة أن يدفعوا ثلاث ديات أو أربع ديات وتقع فيها من الإحراج والأخذ بسيف الحياء ما لايعلمه إلا الله-U- فلايجوز إحراج القرابة بمثل هذا وإذا أحد يريد أن يتبرع بدية ثانية أو ثالثة لايُضِر بقرابة القاتل لأنهم لا ذنب لهم والأصل أنهم يُحَمَّلون ما في طاقتهم فتحميلهم فوق طاقتهم وتحميلهم الديون من أجل جاني قد لا يستحق أن يبذل له ذلك وقد يكون شريراً كما ذكرنا ، فالمقصود أن الأصل يقتضي أن يقتصر على الدية وإن حصل صلح فيجوز أن يصالح على أكثر من الدية وفي هذا قصة هدبة المعروفة أنه قتل رجلاً وكان الرجل المقتول أولياؤه يتامى قاصرون منهم ابن المقتول فانتظر حتى بلغ الإبن حبس هدبة ووقعت الحادثة في زمان معاوية-t- فحبس فشفع سعيد بن العاص ، وكذلك الحسن والحسين-رضي الله عنهم- شفعوا من أجل أن يسامح ولي المقتول وبذلوا لابن القتيل سبع ديات حتى يسامح وامتنع إلا القتل فقتل به ، والشاهد في كون الصحابة بذلوا أكثر من الدية فاجتمع طبعاً دليل السُّنة ودليل الأثر عن الصحابة ، وعلى هذا جمهور العلماء-رحمهم الله- على أنه يجوز في الصلح عن الديات بأكثر من الدية .
[ وإن اختارها أو عفا مطلقاً أو هلك الجاني فليس لـه غيرها ] : قال-رحمه الله- : [ وإن اختارها ] إن اختار الدية فليس له إلا الدية بمعنى أنه لو قال عفوت ثم رجع وقال : لا أريد القصاص فإنه لايمكن من القصاص ؛ لأنه إذا قال : عفوت سقط حقه في القصاص إلى الأبد ولا رجوع عن هذا الحكم يعني لو قال عفوت وقال بعد ذلك : لا ، رجعت ما عفوت أريد القصاص فإنه ليس له إلا الدية إن اختارها يعني اختار الدية .
[ أو عفا مطلقاً ] : [ أو عفا مطلقاً ] : قال عفوت عنه ثم رجع إلى القاضي وقال ، أريد القصاص قال بعض العلماء : لاقصاص ولا دية وقيل : إنه لا قصاص ؛ ولكن لـه الدية لأنه إذا عفا عن الدية ثم رجع يكون مثل الهبة إذا وهب شيئاً ثم رجع فيه فكأنه وهب الدية للقاتل ثم رجع عن هبته وهذا مذموم شرعاً ؛ لأن النبي-r- قال : (( ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يأكل قيئه )) .
[ أو هلك الجاني ] : أو هلك الجاني لو أن شخصاً قتل عمداً عدواناً ثم جاءته نقمة من الله فأخذه الله وأهلكه فحينئذٍ لا يمكنننا القصاص ولكن يبقى حق أولياء المقتول في الدية وحينئذٍ يثبت لهم في تركته تؤخذ الدية من تركته .
[ فليس له غيرها ] : فليس لولي المقتول غير الدية ليس له القصاص لو قال رجعت أريد أن أقتص فإنه لايعطى القاتل ولايمكن من قتله .
[ وإذا قطع إصبعاً عمداً فعفا عنها ثم سرت إلى الكف أو النفس وكان العفو على غير شيء فهدر ] : هذه المسألة صورتها لو وقعت مخاصمة بين اثنين فقام أحدهما وقطع أصبع الآخر عمداً عدواناً فثبت القصاص أنه تقطع إصبعه بإصبعه فعفا صاحب الأصبع فلما عفا سرت الجناية -والعياذ بالله- حتى أتت على يده ثم سرت على جسمه حتى مات ، فالموت وقع بسبب سراية الجروح ؛ لأن الجروح تسري في البدن إما بسبب التلوث أو بسبب قوة الجناية أو بسبب الجراثيم التي تدخل فإذا سرت الجناية قد تسري على عضو هي ، تكون الجناية في جزء العضو مثل الأصبع - الأصبعين - ثم تسري إلى العضو كاملاً اليد-والعياذ بالله- ، وقد تسري إلى البدن بكماله وقد تسري إلى نصف البدن مثلاً تشلُّ نصفه-والعياذ بالله- فهذا يسميه العلماء السراية هي في الأصل جناية في موضع ثم تتوسع حتى تسري إلى مواضع وقد تأتي-والعياذ بالله- على النفس فتهلك صاحبها ، المشكلة الآن أنه جنى عليه جناية في الطرف الذي هو الأصبع أو في يده قطع يده ، فلما قيل له إن شئت أخذت بالقصاص وإن شئت عفوت قال : عفوت . فلما عفا سرت الجناية وأتت على نفسه .
اختلف العلماء-رحمهم الله- في هذه المسألة :
قال بعض العلماء : وهو مذهب الإمام مالك-رحمه الله- يجب القصاص يعني إذا عفا عن الأصبع وسرت الجناية إلى البدن كله فالعفو عن الجزء ليس عفواً عن الكل هو عفا عن جناية قاصرة متعلقة بجزء من البدن ولم يسأل عن بدنه كله وبعبارة أدق أكثر أن الجناية لم تتضح بعد بمعنى أنه سبق عفوه حقيقة الجناية ؛ لأن الجناية وقعت على البدن كله هي في الأصل على الأصبع ولكنها سرت إلى البدن كله ونحن نقول إنه مثلاً بعض الأحيان يقطعه بسكين مسمومة-والعياذ بالله- فتقطع أصبعه فتسري جنايته وهو عمد وعدوان فهذا الإتلاف إزهاق للنفس قال : إنه أتى على النفس بكاملها وقد جاء من فعل الجناية والجناية عمد فيثبت القصاص في البدن كله .
وخالفه جمهور العلماء فقالوا : لا ليس هذا موجباً للقصاص حتى لو قلنا إنه يقتص منه فإن الشبهة قائمة الشبهة قوية وقائمة أولاً : أن هذا لم يرد إزهاق روحه كله وإنما اعتدى على جزء بدنه فكيف ينـزل منـزلة من اعتدى على البدن كله هناك فرق بين الاثنين ، ثم إن القتل لم يحصل بنفس القطع للعضو ليس مما يوجب الزهوق في الأصل ، ومن هنا رد الجمهور هذا القول وقولهم أقوى لكن المشكلة الآن طبعاً إذا قطع الأصبع وطالب بالدية قال أريد الدية وأعطي دية أصبعه ثم سرت إلى بدنه كله فقال : أولياؤه نريد الدية كاملة يعطون الدية كاملة إذا لم يعفوا وأخذ الدية عن الأصبع وسرت الجناية إلى البدن كله وجب ضمان الدية كاملة إذا طالبوا بها ما عندنا إشكال .
المشكلة إذا طالبوا بالقصاص فمالك-رحمه الله- يقول : يمكنون من القصاص ، والجمهور يقولون : لايمكنون لكن لو أنه أخذ الدية عن أصبعه ثم سرت الجناية إلى بدنه كله وطالب أولياؤه بالدية كان من حقهم أن يأخذوا الدية ؛ لأنه ما في عفو والولي لم يعف .
السؤال المشكل الآن : والذي وقع فيه الخلاف بين العلماء أنه لما قعطت أصبعه عفا فعفا عن الأصبع وإذا بالجناية تسري فتأتي على النفس والسؤال هل يلزم بالدية كاملة أو يلزم بالدية إلا ما عفا عنه وهو الأصبع ؟
فمذهب طائفة من العلماء وهو مذهب الحنابلة أيضاً أنه يؤخذ ما عدا القدر الذي عفا عنه وهو الأصبع ؛ لأنه قد عفا عن أصبعه وحينئذٍ يؤخذ منه بقية الدية تسعة أعشار الدية ، وعلى هذا يقولون : إن الجناية في سرايتها مضمونة سراية الجناية مضمونة هذا أصل عند العلماء سراية الجناية مضمونة - على تفصيل سنذكره إن شاء الله في باب الديات - ؛ ولكن بالنسبة للإشكال فيما عفا عنه الأشبه أنه يسقط حقه أن الذي عفا عنه وهو الأصبع يسقط حقه فيه ويبقى الضمان عليه .
لكن بعض العلماء يقول : يجب ضمان الدية كاملة ؛ لأن الجناية على الأصبع جناية والجناية على البدن جناية ثانية وحينئذٍ يكون كأنه قتل مبتدأ لأنه قتل بسببية هنا ؛ لأنه تسبب الجرح في إتلاف البدن كله فقالوا : ما عفا عنه فهو عفو وكتب الله له أجره ؛ ولكن لأليائه أن يأخذوا الدية كاملة والسراية طبعاً إذا كانت بالسلاح فهي أقوى إذا كان السلاح آلة كالة مثل أن يقطعه بسكين ملوثة أو بسكين مسمومة القطع بالسكين المسمومة الحقيقة قوي جداً فيه مذهب القصاص لأن السكين المسمومة معروف أنها مما يفضي إلى إزهاق الروح فمذهب مالك فيها ، ولذلك كان بعض مشايخنا-رحمهم الله- يستثني هذه الحالة وهو أن يقع بآلة أو بطريقة تفضي إلى السريان يكون السريان غالباً وحينئذٍ تكون السببية على العضو ، ولكن المراد بها كل البدن .
[ وكان العفو على غير شي فهدر ] : طيب إذا قال عفوت عن الأصبع صورة كل الذي ذكرناه هذا إذا قال عفوت عن هذه الأصبع ؛ لكن المشكلة أن يقول عفوت عن هذه الجناية إذا قال عفوت عن الجناية فلا شيء له حتى ولو سرت إلى البدن كله ؛ لأنه لما قال : عفوت عن الأصبع حدد عفوه بالعضو ، لكن حينما يقول عفوت عن الجناية فقد عفا عن الشيء وما ترتب عليه ، ومن هنا لا يُعطى ولا يضمن ولا يطالب الجاني بضمان سراية الجناية لأنه عفا عن الجناية كلها ، فلما قال عفوت عن هذه الجناية يسقط حقه وإذا قال : عفوت عن هذه الأصبع فالتفصيل الذي ذكرناه والخلاف الذي بيناه بين أهل العلم-رحمهم الله- فيها .
[ وإن كان العفو على مال فله تمام الدية ] : هذا هو كما اختاره المصنف-رحمه الله- اختار أن الأصبع العفو عنها عن جزء ولكن إذا سرت إلى البدن فهو إتلاف مستأنف وحينئذٍ تجب فيه الدية كاملة هذا الذي اختاره-رحمه الله- واختاره - أيضاً - غيره من الأئمة-رحمهم الله- من أئمة المذهب وهو قوي جداً من حيث الحجة والدليل .
[ وإن وكل من يقتص ثم عفا فاقتص وكيله ولم يعلم فلا شيء عليهما ] : هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل :
أولاً : هل يشرع التوكيل في إثبات القصاص والقصاص ؟
جماهير العلماء وأئمة السلف على أنه من حق أولياء المقتول أن يوكلوا شخصاً يتولى في القضاء إثبات الجناية فإذا وكلوا شخصاً وقالوا له أثبت جناية فلان على عمِّنا أو أثبت جناية فلان على أبينا فإن هذا مشروع .
والدليل على مشروعيته الأدلة الواردة على مشروعية الوكالة وقد بينا في باب الوكالة ذلك وذكرنا أدلة النقل والعقل فيشرع للإنسان أن يوكل غيره في إثبات حقٍ من حقوقه فإذا قالوا له : وكلناك فعلى صورتين :
الصورة الأولى : أن يوكلوه في إثبات الجناية الذي هو القتل العمد العدوان الموجب للقصاص .
الصورة الثانية : أن يوكلوه في استيفاء حقهم يعني في القصاص وقتل القاتل .
ففي الصورة الأولى يقوم هذا الشخص بإحضار الأدلة والشهود على أن فلاناً قتل فلاناً فهذا يسميه العلماء ( التوكيل في الإثبات ) والتوكيل في الإثبات مشروع في قول جمهور العلماء والأئمة من المذاهب الأربعة وغيرهم إلا القاضي أبا يوسف-رحمه الله- وهو من فقهاء الحنفية-رحمهم الله- فإنه يقول : لايشرع أنه يُوكَّل شخصاً لإثبات الجناية ، الإثبات يكون على نفس أولياء المقتول هم الذين يحضرون عند القاضي وهم الذين يكون عليهم عبء الإثبات .
والصحيح مذهب جمهور العلماء وأئمة السلف وأهل العلم على أنه يشرع لأولياء المقتول أن يقوموا بأنفسهم وأن يوكلوا غيرهم في إثبات حقهم شأنهم في ذلك شأن سائر الحقوق هذه المسألة الأولى .
الإشكال في هذه المسألة الأولى : أنه يرد سؤال : لو أن محمداً قال لعلي ارفع أو ترافع عند القاضي وأثبت أن فلاناً قتل أبي فوكله هذه الوكالة على الإثبات فهل من حق علي الذي وكِّل هل من حقه إذا أثبت أن فلاناً قتل فلاناً أن يطالب بالقصاص يعني هل التوكيل في الإثبات توكيل في الاستيفاء ؟
جمهور العلماء يقولون ليس توكيلاً وهذا الوكيل ليس من حقه إلا الإثبات فقط يحضر الأدلة ويثبت فإذا أثبت وحكم القاضي بصحة إثباته انتهت الوكالة هذا مذهب جمهور العلماء والأئمة .
خالف في هذه المسألة ابن أبي ليلى-رحمه الله- من أئمة السلف فقال : إذا وُكِّل في إثبات الجريمة وإثبات القصاص كان من حقه أن يطالب بالقصاص لأن المقصود من الإثبات هو القصاص فإذا وكل في الإثبات فمعناه أنه موكل في القصاص كما لو إذا وكِّل في البيع له حق القبض .
والصحيح مذهب الجمهور أنه إذا وكِّل في الإثبات فقد اختصت الوكالة بالإثبات فهي وكالة خاصة لا يكون من حقه أن يطالب بالاستيفاء ، طيب إذا ثبت مشروعية الوكالة على الإثبات يرد السؤال على الاستيفاء : الاستيفاء هو تنفيذ الحكم وفي القديم كان - الحمد الله الآن أريح الناس وهذا طبعاً نص العلماء على جوازه أن ولي الأمر ينصب شخصاً أو جهة معينة تقوم بتنفيذ هذه الحدود والحقوق وارتاح الناس وأيضاً ارتاحوا من كثير من الإشكالات الموجودة في الفقه بهذه الطريقة والحمد الله - لكن لا يمنع من أن نذكر هذه المسائل لأنها تتفرع عليها مسائل أخر في الوكالة وترتبط بها في الفقه الإسلامي مسائل أخر فلو أنه أراد أن يوكله في استيفاء القصاص في القديم إذا ثبت عند القاضي أن زيداً قتل عمرو يقول القاضي لأولياء عمراً مثلاً ولي عمرو محمد يقول القاضي : هذا زيد القاتل اقتله إذا أردت يعني قد ثبت عندي أنه قاتل فيمكنه من قتله فيأخذ محمد سيفه ويقتله فيكون ولي الدم هو الذي يباشر القتل كما ذكرناه في الاستيفاء .
المشكلة في مثل هذه الصور في بعض الأحيان ولي الدم لايستطيع أن ينفذ لا يستطيع أن يقتل قاتل أبيه إما لصغر سنه صغير توه بلغ ولايحسن الضرب بالسيف مثلاً ، أو يكون رجلاً كبيراً في السن ما يستطيع .. أو مشلولاً أو مقعداً أو زمناً أو مريضاً فقد تكون هناك أعذار في ولي المقتول فحينئذٍ يحتاج إلى شخص يقيمه مقامه من أجل تنفيذ القصاص فهذه مسألة التوكيل في الاستيفاء أن يوكله في الاستيفاء هو ممكن أن يوكله من أجل أن يذهب إلى القاضي كما هو موجود الآن ويقول للقاضي أنا وكيل فلان في المطالبة بقتل فلان يعني بتنفيذ الحكم حكم القاضي التي هي المرحلة الثانية فإذا وكل شخص شخصاً من أجل أن يقتل بوليه المقتول أن يقتل قاتل وليه إذا وكله عندنا صور :
الصورة الأولى : أن يوكله ولا يرجع عن الوكالة ويذهب الوكيل ويقتص فهذه الصورة لا إشكال فيها الوكالة صحيحة والتنفيذ صحيح ولم يرجع الموكل عن وكالته حتى حصل التنفيذ هذه ما فيها إشكال أن يوكله فيذهب الوكيل وينفذ الوكالة ويقتل القاتل وحينئذٍ لا إشكال كما أن الأصيل لـه حق الاستيفاء قام الوكيل مقامه والقاعدة : " أن الوكيل ينـزل منـزلة الأصيل أو من وكله " .
الصورة الثانية : أن يرجع الموكل عن وكالته وهي التي أشار إليها المصنف-رحمه الله- أن يقول لـه : اقتل من قتل أبي أو وكلتك في قتل من قتل أبي أو وكلتك في استيفاء حقي في القصاص من فلان خرج هذا الوكيل من أجل أن ينفذ الوكالة فلما خرج رجع الموكل عن وكالته وحينئذٍ هذا الرجوع رجع عن وكالته يقول : عفوت عنه طبعاً رجوع بالعفو ما يكون رجوع مطلق لأن الرجوع المطلق الأمر أخف ؛ لكن الرجوع بالعفو يقول قد عفوت عن من قتل أبي جاءه قرابة القاتل وقالوا له أو جاءه شخص ورغبه في العفو فقال : قد عفوت .
المشكلة الآن أن الوكيل ذهب والعفو وقع من صاحب الحق فحينئذٍ تقع أحوال :
الحالة الأولى : أن يقع العفو بعد التنفيذ مثلاً خرج الوكيل وطالب بالدم وقتل القاتل في الساعة الواحدة ظهراً الموكل عفا عن الدم الساعة الثانية ظهراً أو الواحدة والنصف فمعنى ذلك أن العفو وقع بعد استيفاء الحق فلا شيء لا على الوكيل ولا على الموكل ؛ لأن العفو لم يصادف محلاً فإن الوكيل حينما قتل القاتل قتله وعنده مستند شرعي؛ لأن الوكالة شرعية والشخص صاحب الحق لازال على حقه فقتله بدون أي شبهة ولا غبار على قتله فلما عفا ولي الدم عفا بعد القتل ، وإذا قُتل القاتل سقط حق الموكل لأنه ما عاد للموكل حق فلما يقول عفوت فقد عفا عن شيء غير موجود أصلاً لأن حقه انتهى بتنفيذ القصاص .
إذاً في هذه الحالة إذا حصل العفو بعد التنفيذ فإنه لا شيء على الوكيل ولا شيء على الموكل الذي عفا .
أما الوكيل فقد نفذ الوكالة وقتله لمن قتل وقع في محله وإذن صاحب الحق مستصحب ما فيه أي غبار عليه .
وأما عفو من عفا وهو صاحب الدم فقد وقع في غير موقعه لأنه وقع بعد الاستيفاء ولما وقع بعد الاستيفاء فإنه بمجرد الاستيفاء سقط الحق كليةً لولي المقتول سقط حقه حينئذٍ قد عفا عن شيء غير موجود أصلاً لأنه قد انتهى حقه .
الحالة الثانية : أن يقع العفو قبل التنفيذ فيقول اشهدوا أني قد عفوت عن القاتل سواءً قال أريد الدية أو قال عفوت مطلقاً .
المشكلة الآن : الوكيل خرج وقال قد عفوت فإما أن يبلغ الوكيل هذه الصورة الأولى من الحالة الأخيرة إما أن يبلغ الوكيل رجوع من وكله فحينئذٍ لايجوز له شرعاً أن يقتل القاتل بإجماع العلماء لايجوز له أن يقتل القاتل إذا بلغه وجاءه أناس عدول وقالوا لـه : يا فلان فلان رجع عن وكالته لك وقد عفا عن الدم ، فماطل وكابر وذهب وقتل القاتل وهو عالم أن الوكيل قد رجع فحينئذٍ يكون قاتلاً عمداً عدواناً فيقتص منه إذا قتل الوكيل وقد بلغه أن موكله قد رجع عن الوكالة ورجع عن حقه فإنه يقتص منه لأنه قتل عمد عدوان هذا إذا علم وثبت عنده الرجوع .
أما إذا لم يعلم إذا لم يعلم ذكر العلماء منها صور في القديم قالوا مثلاً أن يكون بين الوكيل والموكل خمسة أيام يعني في المسافة وبلوغ الوكيل للقصاص يبقى عليه يومين فالمسافة ما بين الموكل والوكيل لايمكن أن يتوصل بها إلى إعلام الوكيل ذهب الوكيل فقتل ثم علم برجوع وكيله قبل القتل فالمشكلة الآن هل يتحمل المسؤولية الوكيل بناءً على أنه بعفو الموكل سقط حق القصاص ؟ وحينئذٍ الذي نفذ القصاص هو الوكيل والذي باشر القصاص هو الوكيل فهل هو الذي يضمن أم أنه يكون الاستحقاق على الموكل لأنه هو الذي عفا وغرر بالوكيل وكان المفروض أنه يتعاطى الأسباب بإعلام الوكيل ؟
هذه المسألة اختلف فيها العلماء-رحمهم الله- :
وبعض أهل العلم-رحمهم الله- يقول : لاشيء على الوكيل ولا شيء على الموكل ، أما الموكل لأنه يتعذر عليه أن يعلم الوكيل ، وأما الوكيل فلأنه يستند إلى أصلٍ شرعي والأصل مستصحب وهو الإذن فلما كان العفو على وجهٍ لايمكن فيه البلوغ كان ضرباً من العبث يعني وجود هذا العفو وعدمه على حدٍ سواءً لأنه لا يبلغ فصار عفوه في هذه الحالة واقعاً في غير موقعه لأنه قد انتهى الأمر إنما يكون مؤثراً أن لو كان هناك مجال لإعلام الوكيل وتنبيهه وتلافي القتل فلما أصبح الأمر على هذا الوجه الذي لايمكن فيه التدارك سقط .
أما بالنسبة للموكل فلا شيء عليه لأنه حينما وكل كان معذوراً شرعاً وحينما عفا عفا على وجه لا يؤثر ؛ لأنه لايمكن تدارك الوكيل وإعطاءه الخبر بالرجوع .
وأما بالنسبة للوكيل فإنه قد فعل ما أذن به .
الوجه الثاني : أنه يضمن الموكل لأنه يعلم أنه لا يبلغ وخاطره بالوكيل والوكيل معذور في تنفيذ ما أمر به ، وأما الموكل فهو الذي لما عفا تحمل عاقبة عفوه لأن كلا الأمرين وقع بسببه الوكالة بسببه والعفو جاء بسببه ففي هذه الحالة إذا رجع تحمل مسؤولية الرجوع لأن الرجوع منه ، والوكيل منـزل منـزلة الأصيل فهو متحمل لتبعة ما نجم عن عفوه وهذا القول الثاني الحقيقة من القوة بمكان في تحمل الموكل لا الوكيل في الضمان .
[ وإن وجب لرقيق قود أو تعزير قذف قتل فطلبه وإسقاطه إليه ] : هذه مسألة أخيرة يُختم بها هذا الفصل مسألة حقوق العبد إذا كانت في قتل أو قذف فإذا كان للعبد حق معنوي فإنه يتولى الأخذ والعفو له أن يطالب وله أن يعفو ولا أحد يستطيع أن يجبره على أمر يخير بتخيير الله-U- في حقه لأن هذه الأمور لا يملكها السيد فليس للسيد أن يقول أتولى أمر عبدي في هذا الحق لمن ؟ للعبد فإذا قذفه شخص فإنه حق ليس بمادي إنما هو معنوي والحقوق المعنوية يتولى العبد أمر نفسه وليس لسيده عليه سلطان .
بين المصنف بهذا أن الحق في القصاص في النفس والأطراف راجع للعبد وليس إلى السيد وهكذا بالنسبة لبقية الحقوق كما في القذف ونحوه .
[ فإن مات فلسيده ] : فإن مات فإنه ينتقل إلى سيده لأنه وليه ، ومعلوم أن الولاء لحمة كلحمة النسب وهذا في حال العتق فكيف إذا لم يعتق فمن باب أولى وأحرى ، ولذلك كما أن النسيب والقريب يرث نسيبه وقريبه كذلك - أيضاً - السيد يرث حق عبده في هذا كوراثة المقذوف ينـزلون منـزلة المقذوف بعد موته .
@ @ @ @ @ الأسئلة @ @ @ @ @
السؤال الأول :
إذا أراد الدية لصرفها في وجوه الخير فهل هي أفضل أم العفو ؟
الجواب :
بسم الله ، الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أمابعد :
فهل الأفضل أن يعفو أو يأخذ الدية ويتصدق بها على الضعفاء والفقراء ؟ الحقيقة هذا أمر يحتاج أن ينظر الإنسان في الثواب المترتب على عفوه ، والثواب المترتب على توزيع هذه الصدقات وهذا أمر غيبي ما يستطيع الإنسان أن يجزم به ؛ لكن عند العلماء نظائر من هذه المسائل وهي : الحكم النسبي يعني في بعض الصور الأحكام النسبية معتبرة فأنت تقول مثلاً : إذا كان القاتل غنياً ثرياً لا تهمه الدية والمال عنده يسير وهناك ضعفاء وفقراء محتاجون وقد يكون في قرابة المقتول نفسه فأحب وليه أن يأخذ الدية وأن يتصدق بها على رَحِمِه وأن يعيل بها أيتاماً وضعفاء وفقراء فهذا لاشك أن أجره عند الله عظيم لكن هذا شيء نسبي ، فالمشكلة أنه بعض الأحيان في بعض الصور العادية تطبق على حكم المسألة كلها ، ولذلك تجد في بعض الفتاوى يقول لا الأفضل أن يأخذها ويتصدق بها وذلك أنه إذا أخذها وتصدق بها على الضعفاء والفقراء فهذا أعظم ، طيب قد يكون أولياء المقتول ضعفاء وفقراء لايستطيعون الدية ! وإذا حملوا الدية تحملو مشقة كبيرة طبعاً في العمد لا يتحملون ولكن معروف وجرت العادة أنهم يضغطون ويحُمَّلُون هذه الدية ، طيب إذا كان القاتل سيتحمل عناء الدية وضعيفاً ويتحمل مشقة الدية ما تستطيع أن تطبق عليه هذا الأصل ، ولذلك نقول : من حيث الأصل الأمر غيبي ما يستطيع أحد أن يقول ثواب العفو أعظم من ثواب إنفاق الدية على الضعفاء ؛ لأن الناس تتفاوت أحوالهم وتختلف وأصل هذا الأمر غيبي لايستطيع الإنسان أن يحكم به ما لم يرد نص يبين أيهما أفضل ؛ لكن في الأحوال الخاصة مثل ما ذكرنا إذا كان أولياء القاتل لايهمهم المال ودفع المال يسيراً عليهم وممكن أخذ هذا المال والتصدق به فهذا لاشك أنه أفضل وأحسن وأكمل والتصدق بالمال فيه ثواب عظيم عند الله-U- ، ولذلك لما باع حكيم بن حزام داره دار الأرقم قيل له : بعت مفخرة قريش ! قال : ستعلمون من هو المغبون ، ثم نزل ونادى في الناس من كان عليه دين فليأتني فمابقي أحد إلا قضى دينه فكان ربحه عند الله أعظم وثوابه أجَلَّ من أن يمسك داراً على أنها مفخرة لكن رضي بمفخرة الآخرة على مفخرة الدنيا ، ورضي بربح الآخرة على ربح الدنيا ، ورضي بعز الآخرة على عز الدنيا ، ومن هنا الأمور النسبية والأحوال النسبية معتبرة لكنها لا تعتبر قواعد في الفتوى يعني لاتعتبر أصولاً تحكم بها حكماً عاماً في الفتاوى ، نقول ممكن نسبياً ممكن أن يقع هذا ، ولذلك نترك الأمر إذا نظر الشخص إلى مصلحة قرابته وجماعته وأوليائه أن يصل رحمه وأن يحسن إليهم بهذه الدية وتأول أن يكون لـه أفضل عند الله فأرجو ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال الثاني :
هل الصلح على أكثر من الدية في العمد فقط أو في جميع أنواع القتل ؟
الجواب :
من حيث الخطأ ما لهم إلا الدية المقدرة شرعاً ، ما يستطيعون ما يجوز أن يزيدوا إذا كان القتل خطأ يأخذون الدية المقررة شرعاً وجهاً واحداً ما فيه إشكال ؛ لكن الإشكال إذا استحق أولياء المقتول القصاص فقالوا لهم اتركوا القصاص ونعطيكم ديتين أو نعطيكم دية ونصف أو نعطيكم ثلاث ديات فيحتاجون أن يرغبوهم ترغيباً أكثر ، أما إذا كان القتل خطأ ما تحتاج أن ترغب بأكثر من الدية لأنه هو ليس له إلا الدية يعني إذا دهسه بالسيارة فإنه لايُقتل به وحينئذٍ سيحكم القاضي بأن له دية واحدة ما يستطيع أحد أن يحكم بأن لـه ثلاث ديات أو ديتين لأن هذه مخالفة مضادة لشرع الله-U- لأن الله جعل لها حق الدية الواحدة ، ومن هنا كنا نستشكل الصلح في قتل العمد على أكثر من الدية هذا وجهه أن الله قدر المقادير فلايجوز لأحد أن يزيد عليها ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال الثالث :
هل يجوز صرف أموال الزكاة فيمن وجبت عليه الدية وكان فقيراً لا يستطيع السداد ؟
الجواب :
الغارم وهو المديون يستحق الزكاة ؛ لكن ينبغي أن ينتبه إلى أن الدين فيه نظر فإن كان سبب الدين يُعذر به شرعاً فإنه يعطى من الزكاة سداد دينه مثلاً شخص عنده عائلة ويسكن في شقة تكفيه وتكفي عياله دون بذخ ودون إسراف فسكن في هذه الشقة بعشرة آلاف في السنة وأصبح مديوناً نعطيه العشرة آلاف كاملة ؛ لأن الغارم يعطى سداد دينه ما تعطيه مثلاً بعض الدين من حقك أن تعطيه كل الدين بشرط أن يكون دينه على الوجه المعروف .
لكن لو كان دينه في الحرام يسافر للخارج للحرام والفساد-والعياذ بالله- ثم أصابته ديون فحينئذٍ نقول : إنه لا يعطى لأن الأصل في الدين محرم ، كذلك - أيضاً - لو أنه فعل زواجاً والزواج يكفيه مثلاً فرضنا ثمانون ألفاً ففعل زواجاً بمائتي ألف يعطى في حدود الثمانين يعني إذا تحمل ديون ثلاثمائة نعطيه في حدود ما لا سرف فيه ولا بذخ يعني يعطى في الدين على أصل الحق الذي هو لا إسراف فيه ولا حرمة .
في هذه المسألة فيها نظر :
أولاً : إما أن يكون القتل عمداً ، وإما أن يكون خطأ . وإذا كان عمداً فهي جناية وجريمة ومثلها لايساعد فيها لأن أصل الجناية لاتجوز شرعاً وعلى هذا كل ما قتل قاتل وعفي عن قتله نأتي ونعطيه الزكاة إذاً ذهب المعنى من زجر الناس وتحملهم لمشقة الدية حتى يجدوا العناء فيحجموا عن الدماء المحرمة وعن سفك الدم الحرام ، فإذا جئنا نعطيهم من الزكاة ونقول يشرع حتى من الزكاة فهذا أمر أبداً لايمكن للشرع أن يحكم به متى ما كان القتل عمداً عدواناً .
أما إذا كان القتل خطأً شخص عنده حافلة أو أتوبيس وصار عليه حادث ضرب عليه كفر فمات معه شخصان وتحمل دية شخصين المائتي ألف مثلاً التي هي الدية لو جئنا ننظر الأصل يتحملها قرابته وسيأتينا هذا أن العصبة هم الذين يتحملون الدية يعني من فوق ثلث الدية تتحمل أي جناية خطأ فوق الثلث يتحملها قرابة الرجل وهم العصبة وهذا نظام معروف في الإسلام الذي هو ( نظام العاقلة ) ولذلك قال في الحديث الصحيح : (( وقضى بديتها على عاقلتها )) العاقلة نظام شرعي وموجود الحمد لله الآن في بعض القبائل-جزاهم الله خيراً- مبقين هذه السُّنة ولايزال ما يسمى بصندوق القبائل يفعل الحقيقة العقل الشرعي ولا زال باقي إلى الآن في كثير من الصور تشبه الأصول الشرعية وهذا أمر محمود ينبغي بقاؤه ؛ لكن إذا كانت العاقلة هي المطالبة بدية الخطأ فلو جاءنا شخص وقال علي ديتين ما نساعده نقول لـه : اذهب إلى عاقلتك فإذا كانت عاقلته غنية فالواجب أن يشتكيهم إلى القاضي حتى يدفعوا ما عليهم والقاضي يلزم عاقلته ما يلزمه هو هذا الأصل ، لكن لو أن العاقلة فقيرة ما عندها أصبحت العاقلة مديونة وحينئذٍ يشرع إعطاء الزكاة سداداً لهذا الدين إذا كانت العاقلة ما عندهم وفقراء وضعفاء وهذا المقتول مرهون ومحبوس في الدين يشرع أن يعطى إذا كانت عاقلته لا تستطيع أن تدفع فيفصل في هذا الأمر سواءً كانت الجناية بالقتل ، أو كانت الجناية على الأطراف بالخطأ صار عليه حادث فقطعت يد راكب من ركابه فعليه نصف دية أو تعور راكب من الركاب فبترت رجله فعليه نصف الدية في هذه الحالة ننظر إذا كانت عاقلته قادرة على السداد فلا إشكال وإذا كانت غير قادرة على السداد فإنه يعطى من الزكاة على قدر دينه ، وعلى كل حال ينبغي على من يتولى الزكاة أن يتقي الله-U- وأن يحذر من حرمان أهل الحقوق حقوقهم هناك فقراء هناك مساكين وهناك أيتام وأرامل لهم حق في هذه الزكوات ، ولذلك حتى ولو وجدت بعض الفتاوى فيها توسع مثل طبع الكتب من أموال الزكاة ومثل إعانة المتزوج من أموال الزكاة بناءً على قوله : { وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ } وهذا مذهب مرجوح وضعيف عند أهل العلم الصحيح أن { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } مختصة بالجهاد في سبيل الله-U- حتى ولو قيل بهذه الفتوى ينبغي أن ننظر إلى هو أحوج وأحق وبدل من أن يعطى هؤلاء القتلة يعطى من هو أحوج ، ولذلك تجد الآن مثلاً تطبع بعض الكتب وتدفع فيها عشرات الألوف ثم هذه الكتب توزع هكذا هدراً يعني بعض الأحيان تأتي مثلاً في صالة سفر تعطى للذي يستطيع أن يشتري الكتاب والذي لايستطيع أن يشتري الكتاب ، ينبغي الانضباط وينبغي تحديد هذه الأمور بالضوابط الشرعية هناك من هو أحق وأحوج هناك اليتيم هناك الأرملة ، هناك الأسر التي تكتوي بنار الفقر والمسكنة جعل الله لهم حقاً في الزكاة فما يتوسع في هذه الأمور على حساب من هو أحق وأحوج وانظر وأنت طالب علم كم عندك في مكتبتك من الكتب فأسألك بالله كم من كتاب قرأت ؟ المنشورة تأخذها وتطويها يأخذون المنشورات ويطوونها ويرمونها في الصناديق ولربما يرمونها في مكاتبهم ولا ينظرون إليها إلا قليلاً وهذا كله على حساب من هو أحوج وأحق فنبيغي أن ينتبه لهذه الأمور في الزكوات وتوزيع الزكوات وبمناسبة هذا السؤال إخلالات والله يخشى على من يتولاها أن يصلى بنار جهنم ! الزكاة أمرها عظيم وأمرها ليس من السهولة بمكان أن الشخص يأتي ويحرم صاحب الحق حقه ويذهب في أمور مختلف فيها بل يعطيها بدون ضوابط ويفعلها بدون قيود .
وأذكر رجلاً ذات مرة طبع مطوية في أمر يمكن فيه أكثر من رسالة وقتله أهل العلم بحثاً وهو طويلب علم مبتدئ ليس من أهل العلم وليس من أهل التأليف فجاء وقال : أبشرك أن بعض المحسنين دفع لي فوزعت منها بتسعين ألف ريال طيب تسعين ألف ريال كم من أسر لو أعطيت لأنقذت ! وكم من نساء قد يتعرضن للحرام بسبب الفقر والجوع والمسكنة ! وليس معنى هذا أننا نحُجِّم أمور الدعوة ، الدعوة لها وسائل كثيرة ولها طرق كثيرة ولا تقتصر على المطوية ولا على الشريط ؛ ولاشك أن من دفع في الشريط والمطوية مأجور ومثاب ولكن ليس في الحقوق الواجبة في الزكوات إنما تكون من بابها المعروف وإذا جئنا لثري نريد أن نصرفه لمقام أفضل فهذا من النصيحة لعامة المسلمين ، مثلاً المديونين في السجون هناك أناس أصحاب أسر وعوائل مديون في حقوق ومسجونون لأن الدين سجنه الغريم فمثل هذا الذي عليه عشرون ألفاً أو عشرة آلاف أو خمسة آلاف وأسرته ربما وقع أولاده في المخدرات وربما وقعت زوجته في الحرام والزنا هؤلاء هم الذين يوجه الناس يقال للأثرياء والأغنياء أن يرفقوا بالمحتاجين حقاً هؤلاء هم أحوج وأحق ، ونريد من هذا أن ننتبه إلى أن الخير ينبغي أن يصرف في بابه وأمور المعونة والزكوات والصدقات ينبغي أن تصرف في بابها وأعظم ما يكون من هذا الباب باب الزكوات إذا صُرفت عن حقها كذلك الصدقات فمثلاً تجد شخصاً يأتي ويتبرع لجميعة خيرية من أجل أن تنفق هذا المال على الأيتام والفقراء والضعفاء والمساكين وتأتي الجمعية وتفعل مسابقة ويجلسون مثلاً في مخيم بعشرات الآلاف لانشك أن أهل الجمعية يريدون الخير ولانشك أنهم يريدون الطاعة ويريدون ولكن الجهل وعدم الرجوع إلى العلماء وعدم ضبط الأمور بضوابطها الشرعية ، إذا وضعت جمعية للصدقات ضع صندوقاً للمسابقات وانظر من الذي يضع لك تبرعاً من أجل المسابقات ، وانظر من الذي يضع لك من أجل الأمور الفاضلة التي تكون على حساب ما هو أحق ، أنت مؤتمن من دفع لك هذا المال أن تدفعه للمحتاج تدفعه للمحتاج وتنضبط بضوابط شرعية وتوضع صناديق خاصة للأمور الفاضلة وهي أمور خير يوزع شريط أمور خير يوزع كتيب أمور خير يوزع منشورة أمور خير ؛ لكن لاتكون عُمِّيا وبدون ضوابط شرعية فلابد من التقيد بهذا ولابد من الرجوع إلى أهل العلم ، وأما الاجتهادات والتأويلات وأكثر ما ضر الدعوة اليوم الاجتهاد الذي لايرجع إلى فتوى من أهل العلم المعتبرين كلٌ يجتهد ، وكل يرى أنه على حق وإذا جئت مثلاً تأخذ عليه ملاحظة أو كذا ظن بك ظن السوء-نسأل الله السلامة والعافية- هذا لايجوز ، لابد من بيان هذه الحقوق ولابد من التوجيه فيها ولابد من ضبطها بالضوابط الشرعية ، ولذلك ينبغي صرف الزكاة في مجالها والله-جل وعلا- لم يكل أمر قسمة الزكاة لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ولكن تولى قسمتها من فوق سبع سماوات ؛ لأن فيها الحق المعلوم للسائل والمحروم ، وجعل هذه الزكاة لا مِنَّة فيها للغني على الفقير حتى كـان بعض أهل العلم يقول : ينبغي على الغني إذا أعطى الفقير أن لا يشعره بالنقص ، لماذا ؟ لأن الله يقول : { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ } فليست فيها مِنَّة للغني على الفقير وهذا يدلك على عظم أمرها فتولى الله قسمتها من فوق سبع سموات ، وأنزل جبريل الأمين على نبيه { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } فعددها وبينها وجعلها آيات تتلى إلى يوم القيامة إنصافاً لهم في حقوهم وتنبيهاً للأمة على خطر هذا الباب ، وإذا كان الشخص قاتلاً واحتاج إلى المساعدة وهو من أهل المساعدة في قتل الخطأ لا قتل العمد وعند عجز أوليائه وعاقلته عن تحمل الدية يعطى من باب سداد الدين على العاقلة لأنهم أصبحوا مديونين فيندرجون تحت القسم الذي ذكره الله-U- في قوله : { وَالْغَارِمِينَ } والغارمون : جمع غارم والغريم هو المديون الذي عليه دين ويشترط عند العلماء ألا يكون دينه في سفه مثل ما ذكرنا من يتدين من أجل طعام عائلته تأتي وتبحث عن صاحب أسرة عنده عائلة استدان من بقالة في طعام لأسرته وبلغت ديونه ستة آلاف وجاءك وقال : والله عليَّ دين في طعام أسرتي خمسة آلاف ريال أو ستة آلاف ريال تعطيه إياها كاملة وهؤلاء المديونون خاصةً في زماننا هم من أحق الناس في الزكاة فينبغي تفقدهم والسعي في قضاء حوائجهم وتفريج كرباتهم - فنسأل الله العظيم ، رب العرش الكريم ، أن يجعلنا مفاتيح للخير أن يجري الخير على أيدينا وأيديكم ، إنه سميع مجيب - ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال الرابع :
في قول النبي-r- : (( من قال لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يومه مائة مرة... الحديث )) هل تقال مائة مرة مجتمعة أم تقال متفرقة ؟
الجواب :
بسم الله ، الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أمابعد :
فالأصل أنها تقال مجتمعة والتفريق الذي لايطول لا يضر لكن الأصل أنها تقال مجتمعة في حين المساء لأنه قال : (( من قالها حين يمسي ومن قالها حين يصبح )) وهذا يدل على أنها تكون في الحين حين الإمساء وحين الإصباح ، وأما أن تكون في طيلة اليوم مجموع ما قاله (( لا إله إلا الله وحده لاشريك لـه له الملك وله الحمد )) هذا ليس ذكراً للمساء والصباح لأن هذا ذكر مقيد من أجل الحفظ والحرز صباحاً ومساءً فينبغي أن يكون عند أول المساء وعند أول الصباح ؛ لكن يجوز لو أنه بعد العصر وقلنا إنها تبتدئ من بعد العصر ، بعد العصر قال خمسين مرة ثم جلس ساعة يرتاح ثم قالها بعد ذلك فما زال في حين المساء لايضره ولا يضره أن يقول عشرين ثم يرتاح أو يقوم يقضي عمله ثم يرجع ويقول عشرين ثم يتكلم بكلام ثم يقول عشرين لأنه في حين الإمساء لكن خلال اليوم بمعنى أنه يدخل طيلة اليوم لأن الفضل هو الحفظ والحرز وهذا يقتضي أن تكون في أول النهار حتى يحُفظ إلى مسائه وإذا قالها إذا أمسى كانت لـه حرزاً من الشيطان حتى يصبح المراد بها الحيليه والوقت وهذا يتقيد بالبداية ، ومن هنا كذلك مثلاً لو قلت قال يا رسول الله ما أقول قال : (( { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } والمعوذتين إذا أمسيت وأصبحت تكفيك من كل شيء )) ثلاث مرات هل معنى ذلك أنه طيلة اليوم يقولها ثلاث مرات قال لـه : (( إذا أمسيت وإذا أصبحت )) فهذا يقتضي على أنها تكون حرزاً في حين المساء وحرزاً في حين الصباح ، ومن هنا لابد وأن تكون مجتمعة يعني أنها في الحين والظرفية التي يبتدئ بها المساء أو الحين والظرفية التي يبتدئ بها الصباح أن ينتهي ويفرغ من العدد كاملاً وليس المراد أنها طيلة اليوم يقولها ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال الخامس :
شخص كان يؤدي سنة الظهر بعد الصلاة فجاء شخص والتقى به فحول نيته من السُّنة إلى أربع ركعات فما الحكم ؟
الجواب :
هذا فيه جوانب :
الجانب الأول : يجوز الانتقال من الأدنى عدداً إلى الأكثر ركعتين ينوي أربعاً كان في قيام الليل وقرأ الركعة الأولى والثانية ثم نظر إلى أنه يحتاج إلى كسب الوقت فبدل أن يجلس للتشهد ويسلم يأتي بالأربعة متصلة لابأس ما في حرج على هذا ؛ لكن المشكلة أن الانتقال هنا سيشبه النافلة بالفريضة وهذا أصل منع منه طائفة من أهل العلم -رحمة الله عليهم- ، ولذلك نُهي عن الوتر أن يجلس بين الركعة الثالثة والثانية إذا قصد الوصل حتى لاتتشبه بصلاة المغرب وهو الأمر الذي اختلف فيه الجمهور مع الحنفية-رحمهم الله- ، فالشاهد من هذا أن الأفضل أن تصلي ركعيتن وتسلم ثم يقوم هذا الشخص ويتم الركعتين الباقيتين عليه ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال السادس :
كنت مريضاً ونذرت إن شافاني الله أعبده-I- وقلت مرة أعبده حق عبادته فشافاني الله-U- لكنني قلق جداً لأنني نذرت بما لا أستطيع ؟
الجواب :
تعبده حق عبادته بما تستطيع تكون عابداً لله-U- وهذا يستلزم ثلاثة أمور :
في عقيدتك تكون أخلص الناس قلباً لله-U- وأصدقهم حباً لله-I- وأخوفهم لله وأشدهم خشية لله وأكملهم رضاً عن الله-U- وتستجمع معاني العقيدة في الله-U- في قلبك فتوحده في ألوهيته وتوحده في ربوبيته وتوحده في أسمائه وصفاته على أكمل وأتم ما يكون التوحيد .
ثم كذلك في قولك تعبد الله حق عبادته باستدامة قراءة القرآن والذكر لله-U- .
وتعبده كذلك-سبحانه- حق عبادته في جوارحك وأركانك فتسخرها في طاعة الله ومرضاة الله ، وما الذي يمنعك من هذا ؟! ما الذي يمنعك أن تعبد ربك حق عبادته ؟! الأصل أن المسلم يعبد الله حق العبادة وما خُلق إلا من أجل هذا فلا يأتيك الشيطان ويُعجزك وييئسك هذا خير عظيم فتح الله عليك بابه فإن استغللت وجود النذر والإلزام عليك وصدقت مع الله صدق الله معك .
يا هذا إذا كان الإنسان في بعده عن الله-U- يجد من التيسير ويجد من الأمور ما لم يخطر له على بال فكيف بمن أحب الله وتقرب إلى الله-U- ؟!
وما الذي يحول بينك وبين عبادة الله حق عبادته ؟! هو لاشك لايستطيع أحد أن يبلغ المقام الكامل في العبادة وقد قال-r- : (( ألا إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأتقاكم )) ما قال : إني خشيت الله كمال الخشية ولم يقل عبدته كمال العبادة ! وإنما هذا أمر نسبي لأنك تقول أعبده حق العبادة بالنسبة لما تستطيع وأنت مكلف بما تستطيع لا بمالا تستطيع ؛ لكن لو قلت أعبده عبادة الأنبياء أعبده عبادة الملائكة هذا أمر ليس بيديك هذا نذر فيما لاتملك ، ولا نذر على الإنسان فيما لا يملك ولا طلاق فيما لا يملك كما في حديث السنن ؛ لكن بالنسبة لك أنت حينما قلت أعبده حق عبادته هذا أمر نسبي معروف بالنسبة لك والنذور يدخلها الحقيقة الشرعية وتدخلها الحقيقة العرفية وتدخلها الحقيقة اللغوية وأنت حينما نذرت هذا النذر في نفسك والأصل أن المكلف إذا تلفظ بهذا اللفظ يقصد الأمر النسبي أي أنني أكون ملتزماً بالإسلام حقاً وأكون مؤمناً صدقاً وأكون موحداً كما يحب الله ويرضى ، فاستعن بالله-U- ولا تعجزن ومن تقرب إلى الله شبراً تقرب الله منه ذراعاً ، ومن تقرب إلى الله ذراعاً تقرب الله منه باعاً ، ومن أتى يمشي أتاه الله هرولة ، مقام أي مقام ؟! حينما تفكر فقط أن تقبل على الله حين تفكر أن تكون مع الله-U- تجد من نفحاته ورحماته وبركاته ما لم يخطر لك على بال ، فالله أكرم من أن تسيء الظن به أنه يجعلك من العاجزين ، استعن بالله ولا تعجزن ، ومن المجرب المعروف وأوصى به العلماء والأئمة أنت حينما تكون في هذه الحياة تستشعر أن الله خلقك لعبادته وأن الله أوجدك لطاعته وهو أغنى ما يكون عنك وأنت أفقر ما تكون إليه ، وأنك لو بلغت مقام العابدين في غاية المقامات فلن تنفع الله شيئاً (( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلبٍ رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً )) فلاتحسب أن الله بحاجة لهذا الله في غنى عنك وأنت أفقر ما تكون إليه إنما هي أعمال العبد فالأصل أن المسلم عنده شعور دائماً إذا أراد الله به الخير وأراد أن يجعله من الصالحين وأن يهيئه لمراتب المفلحين جعل في قرارة قلبه أنه لايرضى لنفسه إلا بالمقام الأعلى في طاعة الله ومرضاته فإذا دخل المسجد تمنى من الله وسأل الله أن يكون أحب العباد إليه ، وإذا جلس في مجلس الذكر تمنى ورجا من الله-U- أن يكون أكثر الناس فوزاً برحمة الله-U- ، وإذا قال أو عمل أو سلك أي طريق من الخير دخله وفي قلبه حسن الظن بالله وحسن الرجاء بالله ما يبلغ به مقامات الخير إذا لم يكن بعمله فبنيته فهذا هو الواجب على المسلم إذا كان عندك هذا الشعور هذا بدون نذر إذا كان عندك هذا الشعور أنك لا ترضى لنفسك بالأقل ممكن الشخص الآن يدخل في حلقة أو يفعل طاعة أو يأتي في أمر من أمور الخير والطاعة والبر ويشترك مع أمة فيدخل في المسجد ويصلي مع الجماعة ويخرج من المسجد حينما يدخل وهو يرجو أن يكون أفلح الناس وكأنه حينما يدخل المسجد منكسر القلب يقول يا رب لا تجعلني أشقى القوم اللهم لا تحل بيني وبين رحمتك بسبب ما كان من ذنبي وتقصيري فيدخل منكسر القلب فيرفعه الله بهذا الانكسار ويفتح عليه من الخشوع والقرب والدنو والإنابة من الله-U- الخير الكثير فإذا أراد أن يخرج خرج بالانكسار أيضاً خرج وهو يظن أنه أحقر الناس وأنه أقل الناس فلا يزال بهذا الاحتقار يرفع إلى درجات ، والعكس لربما دخل-والعياذ بالله- وهو لايفكر في شيء إلا أن يؤدي الصلاة فيدخل وقلبه خاوٍ-والعياذ بالله- ، ثم إذا خرج ظن وأنه كطالب علم أو كأنه بلغ منـزلة من نال العبادة وأنه ليس بالحال التي يعتقد بها القوم فلا يزال في سفال من الله-U- ، هذا الشعور حينما دخلت وأنت تقول يا رب لا تجعلني أشقى القوم معناه أنك تستشعر أن لله عليك حقاً أن تقف بين يديه أكمل الوقوف وأن تخشع بين يديه كمال الخشوع فلما استشعرت أن لله عليك هذا الحق جاهدت نفسك قبل العبادة ، ثم احتقرت نفسك وانتقصتها بعد العبادة فَبَلَّغَك الله بهذا مقام العابدين ، إذا لم يكن عندك هذا الشعور وبطبيعة العلم كإنسان صالح تقي فإنه جاءك بالنذر فأنت حينما تحس أنه نذر عليك وبينك وبين الله -U- أن تكون في هذا المقام الصالح على أكمل ما يكون عليه أهل العبادة قولاً وعملاً واعتقاداً كلما قصرت احتقرت نفسك فنحن نريد أن هذا الشعور أن يبقى معك ونريد هذا الأمر يبقى ملزماً لك أن تكون في أعلى المقامات واستعن بالله ولا تعجزن ، فإنها ما بينك وبين الجنة شيء فإنها أقرب إليك من شراك نعلك ، وليس بينك وبين النار شيء فإنها أقرب إليك من شراك نعلك كما أخبر رسول الله-r- ، وما هي إلا الأعمال والأقوال تدني إلى ذي العزة والجلال أو تنتهي إلى خسارة ووبال والمعصوم من عصمه ذو العزة والجلال ، فعلى العبد أن يتقي الله-U- وأن يحرص دائماً سواءً نذر أو لم ينذر على أن يكون في أكمل المقامات إذا دخل بيته رجا من الله أن يكون أبر الناس لوالديه وأكمل والد لولد وأعطفهم وأرحمهم على ذريته ومن ولاه الله من رعيته ، ثم إذا جا إلى عمله طمع في ربه أن يجعله في وظيفته وعمله ومكتبه على أحسن من يكون من تحمل الأمانة وقام بها فيرعاها حق رعايتها ويسأل الله أن يجعله موفقاً مسدداً ، وهكذا ينتقل من بر إلى بر ومن خير إلى خير فيتخوض في الرحمات ويفوز بأعالي الدرجات حتى ينتهي به الحال والأمر إلى الجنات .
- نسأل العظيم ، رب العرش الكريم ، أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل ، إنه ولي ذلك والقادر عليه - .
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .
P
قال المصنف-رحمه الله- : [ باب العفو عن القصاص ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين ، أما بعد :
يقول المصنف-رحمه الله- : [ باب العفو عن القصاص ] : هـذا الباب يتعلق بعفو ولي المقتول عن حقه في القود ؛ وذلك أن الله-I- جعل لولي المقتول الحق في أن يأخذ بحقه فيقتص وبين أن يسامح فيعفو ، فبعد أن بين المصنف-رحمه الله- الشروط المعتبرة للقصاص واستيفاء القصاص شرع في الخيار الثاني وهو العفو عن القصاص .
يقول-رحمه الله- : [ باب العفو عن القصاص ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بعفو ولي المقتول عن القصاص والقود .
[ يجب في العمد القود أو الدية ] : الأصل في مشروعية العفو دليل الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة حيث أجمع العلماء-رحمهم الله- على المشروعية .
فأما دليل الكتاب : فإن الله-تعالى- يقـول : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } فجعل الله-U- لأولياء المقتول أن يعفوا عن القاتل ، ورغب الله-I- في العفو فقال-سبحانه- : { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } فمن عفا عن القصاص والقود فإنه بخير المنازل عند الله-I- وذلك أن الفعو إذا كان عن الجناية العظيمة كان أجره أعظم وثوابه عند الله أكبر ؛ لأنه لايمكن للإنسان أن يسامح عن دم قريب من أقربائه إلا بقوة إيمان وحسن ظن بالله-U- ورجاء في عفوه وكرمه وإحسانه-U- والله يعامل عبده إذا عمل الإحسان مع خلقه يعامله بالإحسان ، وإذا تولى الناس بالرحمة تولاه الله برحمته ، ولذلك جاءت السُّنة تؤكد هذا المعنى فقال-r- : (( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً )) وهذا الحديث وهو قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً )) رد النبي-r- فيه ظنون أهل الجاهلية فإن أهل الجهل في كل زمان إذا أراد الإنسان أن يعفو قالوا لـه : أنت جبان ! وأنت ضعيف ! وأنت لا تحترم حقك ! ولا تأخذ بحقك وأنت أنت .. فيجعلون العفو في نظره أنه منقصة وأنه ذلة وهوان فكذَّب النبي-r- هذا وقال : (( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً )) فمن عفا عن أي ذنب وعن أي جريرة وعن أي أذية من إخوانه المسلمين فإن الله-U- يبدله بهذا العفو عزاً فإذا عظم العفو عظمت عزة الله-U- للعبد وإعزازه لـه وإكرامه لـه ، ومن هنا أجمع العلماء-رحمهم الله- على مشروعية العفو وجعل الله لهذه الدية الخيار بين القصاص وبين العفو إلى الدين ، وبين العفو بدون أخذ الدية ، فالعفو عفوان :
الأول : عفو بدون عوض وهو أعظم العفوين وأجلهما وأكثرهما ثواباً عند الله-U- ، فلو أن شخصاً قتل لـه قريب فقيل له : تقتص ؟ قال : لا أريد القصاص . قيل له : تعفو وتأخذ الدية ؟ قال : لا أريد الدية وإنما عفوت لوجه الله-U- ، فهذا وأمثاله ينطبق عليهم قوله-تعالى- : { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } فإذا كان يوم القيامة تولى الله أجره وثوابه ، ولذلك انظر إلى قوله-سبحانه- : { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } ولم يبين الله-U- هذا الأجر في الدنيا والثواب كيف يكون وكم يكون وهذا يدل على أن الله يتولى جزاءه ؛ لأن الأذية والشرور والمظالم والجنايات تتفاوت والنفوس تتفاوت وضيق الحال يتفاوت بالإنسان ، فالذي يعفو عن القصاص وعن الدية عن شخصٍ عن من يرجو صلاحه ويرجو هدايته واستقامته ويكون سبباً في هدايته واستقامته ولايحمله الدية بل يستغني بغناء الله فإن الله-U- يعوضه من ذلك كله خيراً يعوضه خيراً في الدنيا وهو الذي قال عنه النبي-r- : (( ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً )) ويعوضه خير الآخرة فأجره على الله إذا كان يوم القيامة ، وقد جاء في الأثر أنه إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من كان أجره على الله فليقم فتقول الملائكة : ومن هذا الذي أجره على الله ؟ فيقول-r- : (( فلا يقوم إلا من عفا عن مظلمة )) لأنه جعل الأمر إلى الله-U- أي يتولى جزاءه وثوابه وقل أن تجد إنساناً يعامل الناس بالعفو إلا وجدت أمره على اليسر وعلى السماحة وعلى العزة والكرامة فعدوه يريد أن يهينه فالله يكرمه وعدوه يريد أن يذله بتلك الأذية فإذا به بعفوه يرفعه الله ويعزه الله والله -جل وعلا- عليم بخلقه حكيم في تدبيره-I- لا تخفى عليه خافية فهو العدل-I- الذي لايضيع أجر من أحسن عملاً ومن أعظم الإحسان العفو .
ومن هنا أجمع العلماء-رحمهم الله- على مشروعية العفو عن القصاص .
لكن هنا مسألة وهي إذا كان القاتل الذي قتل المظلوم معروفاً بالشر والأذية والبغي والإضرار فهل يشرع العفو ؟ كذلك - أيضاً - يرد سؤال : هل تشرع الشفاعة من أجل العفو ؟
لأنه إذا كان العفو محموداً شرعاً فإن الشفاعة من أجله كذلك ، فلو أن إنساناً شفع ودخل بين قومين بينهم دم وأصلح ودعـاهم إلى العفو فإنه يكون له مثل أجر من عفا فمن دعا إلى خيرٍ وهدى كان له أجره وأجر من عمل به ، فإذا رغبهم في ذلك وأسكن النفوس وأطفأ ثائرات النفوس وحاول أن يدعوهم إلى العفو وإلى المجاوزة والصفح فعفوا فله مثل أجرهم ، وله أجر الشفاعة وما يتكبد ويتحمل فيها من المشاق والمتاعب فالله لايضيع أجر من أحسن عملاً { خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } وعظيماً من الله ليست بالهينة ، ولذلك قال : { أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ } لأن أعظم شيء يفسد الناس الدماء فإذا وقعت بينهم الدماء ووقعت بينهم الخصومات والنـزاعات فخرج الشخص للصلح بينهم بشرط ألا يخرج إلا لوجه الله لا حميةً ولا عصيبة ولا رياءً ولا سمعة وإنما يخرج لله وفي الله { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ } يعني طلبه { ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } أي أنه يخرج وهو يريد أن يرضى الله عنه بذلك الذي يفعله وهو يعلم أن الله يرضى عنه أن يصلح بين هذين المتخاصمين أو يطفأ ثارات النفوس بالعفو عن القصاص والمسامحة والمجاوزة عن الجاني ، فالشفاعة في العفو عن القصاص مشروعة والنبي-r- ثبت في الحديث الصحيح عنه أنه تأخر عن الصلاة مع الجماعة من أجل أن يصلح بين حيين من بني عوف والحديث في الصحيحين فهذا يدل على فضل الشفاعة وأنها سنة النبي-r- ؛ ولكن إذا كان القاتل معروفاً بالشر والفساد والبغي ففيه تفصيل :
قال بعض العلماء : إذا شفع أحد في إسقاط القصاص عنه وهو يرجو صلاحه ويغلب على ظنه أن هذا يتسبب في إصلاحه وحسن حاله فإنه يدخل في فضل الشفاعة ولايمُنع من ذلك بل يندب إليه ويرغب فيه ولايعاتب بل إنه مثاب على هذا العمل .
الحالة الثانية : أن يكون رجلاً شريراً لايزداد بالعفو إلا شراً ولا يزداد إلا تسلطاً على دماء المسلمين وأذيتهم مثل أن يسبق منه ذلك فمثلاً قتل ثم عفي عنه فقتل مرةً ثانية وعرف عنه أنه بعد القتلة الثانية أنه على حاله وأنه مصر على بغيه ومصر على كبره ومصر على أذيته للناس فهذا لا يجوز أن يُسلَّط على دماء المسلمين فالعفو عنه إبقاء لشره ، ومن هنا نص جماعة من أهل العلم على أنه لايشرع أو لاتشرع الشفاعة في مثل هذا وقد وقعت لبعض مشايخنا-رحمة الله عليهم- الوالد أذكر أن رجلاً كان معروفاً بذلك وطلب منه أن يشفع فامتنع الوالد-رحمه الله- لأنه سأل عنه وتبين من حاله أنه لايزيده العفو إلا بغياً وفساداً ، ولذلك مثل هؤلاء لا يعانون على الإضرار بالناس والإضرار بمجتمعاتهم والإضرار بالأبرياء فهؤلاء إذا عفي عنهم تسلطوا على دماء المسلمين وتسلطوا على الناس بأذيتهم والإضرار بهم وليس الأمر خاصاً بالقتل بل شامل لكل عقوبة بحيث إذا كان الجاني يتسلط ويزداد أذية وبغياً وفساداً ، فمثله لا يعان على بغيه وفساده .
[ يجب في العمد القود أو الدية ] : يجب في العمد القود يعني القصاص وقد تقدم ؛ لأن الله يقول : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } وقال-r- : (( كتاب الله القصاص )) ، وقال-r- : (( فمن قتل لـه قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقاد وإما أن يودى )) فقوله : (( إما أن يقاد )) يدل على مشروعية القود والإجماع على هذا وقد تقدم .
[ أو الدية ] : أو الدية يعني يخير يقال لـه : إما أن تأخذ الدية ، وإما أن تقتص وتأخذ بحقك بقتل من قتل وليك كما قال-تعالى- : { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً } نقول له : اقتل من قتل أباك واقتل من قتل أخاك فإن الله أعطاك هذا الحق ، فقال : لا أريد أن أقتله وقد عفوت عن قتله ، نقول له : لك الدية ؛ لأن الله-U- أمر إذا عفا ولي الدم عن الدم والقصاص أمر بإعطاء الدية لـه وقد صحت السُّنة عن رسول الله-r- بذلك فإذا قتل وعفا ولي المقتول فإنه ينتقل إلى الدية وهذا بإجماع العلماء-رحمهم الله- .
[ فيخير الولي بينهما ] : فيخير الولي بين أن يقتل قصاصاً وبين أن يأخذ الدية وسيأتينا في باب الديات ، توضيح الدية وضوابطها وأحوالها ، فهذا بإجماع أهل العلم-رحمة الله عليهم- لانعقاد نصوص الكتاب والسُّنة على أنه بالخيار بين الأمرين ؛ لأن النبي-r- نص على هذا وهو ظاهر الكتاب أن الله-U- أمر بالقصاص فقال : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } فهذا يدل على أنه يخير بين القصاص وبين أخذ حقه وهو الدية إذا كان لايريد القصاص يأخذ حقه من المال وهو الدية .
[ وعفوه مجاناً الأفضل ] : وعفوه بدون أن يأخذ شيئاً فهو أفضل لأنه إذا فعل ذلك تولى الله أجره وثوابه ولأنها غاية الإحسان أن يعفو عمن ظلمه وعمن آذاه ولا يأخذ منه شيئاً ؛ وإنما ينتظر من ربه العوض والخلف .
وإن أخذ فلا يلام لو أنه عفا ثم أخذ الدية فلا يلام ومن أدران الجاهلية والعصبيات الممقوتة عند بعض الناس أن أولياء المقتول إذا قالوا : لا نريد القصاص ونريد الدية يعتبون عليهم ويأتون أولاد العم والقرابة ويقولون : أنتم لا تقدرون أباكم وأبوكم لا يقدر بثمن وما هذه الدية ترضون بالمال دون دم أبيكم أنتم كذا ولربما هددوهم بالقطيعة-والعياذ بالله- وهذا من مضادة شرع الله-U- ومن المحادة ومن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف فإن الله يحب العفو ويقول : { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } وهؤلاء-نسأل الله السلامة والعافية- بخلاء على أنفسهم ويأمرون غيرهم بالبخل-نسأل الله السلامة والعافية- فهؤلاء لايجوز طاعتهم لأنهم لايريدون الخير لمن عفا أو أراد أن يعفو ، فالذي يريد أن يعفو ويقول : أنا مسامح لوجه الله فأجره على الله-U- والأفضل أن لا يأخذ شيئاً .
[ فإن اختار القود أو عفا عن الدية فقط فله أخذها والصلح على أكثر منها ] : فإذا طبعاً إذا اختار القود مُكِّنَ منه وإذا قال يعني أريد أن اقتص فحاول معه أولياء القاتل وقالوا لـه : اعف عنه فإذا حاولوا معه ورضي بالدية فلا إشكال ؛ ولكن في بعض الأحيان لا يرضى بالدية فيبذلون أكثر من الدية وهذا البذل لأكثر من الدية على سيبل الصلح يقولون له : إذا تنازلت نعطيك ديتين وإذا عفوت نعطيك ثلاث ديات أو إذا عفوت نعطيك أربع ديات أو خمس ديات هذا من باب الصلح وفي الحقيقة من حيث الأصول الأصل أن الدم لـه دية مقدرة شرعاً لايزاد عليها ؛ لكنه يسوغ صلحاً وكنا نميل إلى الوجه الأول وفي الحقيقة تبين في الأخير بعد تصحيح حديث الترمذي فإن النبي-r- قال : (( وإن صالحوا فلهم ما أخذوا )) يعني ما اصطلحوا عليه وهذه الزيادة حسنها غير واحد وملنا إلى تحسينها في الأخير في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله-r- ، وعلى هذا فيجوز الصلح بأكثر من الدية ، ولكن من حيث الأصل ينبغي أن ننبه على مسألة ستأتينا في الديات وهي أن القرابة والعصبة هم الذين يتحملون دية الخطأ في الأصل لكن المشكلة الآن أنهم إذا صالحوا بأكثر من الدية ألزموا القرابة وأجحفوا القرابة أن يدفعوا ثلاث ديات أو أربع ديات وتقع فيها من الإحراج والأخذ بسيف الحياء ما لايعلمه إلا الله-U- فلايجوز إحراج القرابة بمثل هذا وإذا أحد يريد أن يتبرع بدية ثانية أو ثالثة لايُضِر بقرابة القاتل لأنهم لا ذنب لهم والأصل أنهم يُحَمَّلون ما في طاقتهم فتحميلهم فوق طاقتهم وتحميلهم الديون من أجل جاني قد لا يستحق أن يبذل له ذلك وقد يكون شريراً كما ذكرنا ، فالمقصود أن الأصل يقتضي أن يقتصر على الدية وإن حصل صلح فيجوز أن يصالح على أكثر من الدية وفي هذا قصة هدبة المعروفة أنه قتل رجلاً وكان الرجل المقتول أولياؤه يتامى قاصرون منهم ابن المقتول فانتظر حتى بلغ الإبن حبس هدبة ووقعت الحادثة في زمان معاوية-t- فحبس فشفع سعيد بن العاص ، وكذلك الحسن والحسين-رضي الله عنهم- شفعوا من أجل أن يسامح ولي المقتول وبذلوا لابن القتيل سبع ديات حتى يسامح وامتنع إلا القتل فقتل به ، والشاهد في كون الصحابة بذلوا أكثر من الدية فاجتمع طبعاً دليل السُّنة ودليل الأثر عن الصحابة ، وعلى هذا جمهور العلماء-رحمهم الله- على أنه يجوز في الصلح عن الديات بأكثر من الدية .
[ وإن اختارها أو عفا مطلقاً أو هلك الجاني فليس لـه غيرها ] : قال-رحمه الله- : [ وإن اختارها ] إن اختار الدية فليس له إلا الدية بمعنى أنه لو قال عفوت ثم رجع وقال : لا أريد القصاص فإنه لايمكن من القصاص ؛ لأنه إذا قال : عفوت سقط حقه في القصاص إلى الأبد ولا رجوع عن هذا الحكم يعني لو قال عفوت وقال بعد ذلك : لا ، رجعت ما عفوت أريد القصاص فإنه ليس له إلا الدية إن اختارها يعني اختار الدية .
[ أو عفا مطلقاً ] : [ أو عفا مطلقاً ] : قال عفوت عنه ثم رجع إلى القاضي وقال ، أريد القصاص قال بعض العلماء : لاقصاص ولا دية وقيل : إنه لا قصاص ؛ ولكن لـه الدية لأنه إذا عفا عن الدية ثم رجع يكون مثل الهبة إذا وهب شيئاً ثم رجع فيه فكأنه وهب الدية للقاتل ثم رجع عن هبته وهذا مذموم شرعاً ؛ لأن النبي-r- قال : (( ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يأكل قيئه )) .
[ أو هلك الجاني ] : أو هلك الجاني لو أن شخصاً قتل عمداً عدواناً ثم جاءته نقمة من الله فأخذه الله وأهلكه فحينئذٍ لا يمكنننا القصاص ولكن يبقى حق أولياء المقتول في الدية وحينئذٍ يثبت لهم في تركته تؤخذ الدية من تركته .
[ فليس له غيرها ] : فليس لولي المقتول غير الدية ليس له القصاص لو قال رجعت أريد أن أقتص فإنه لايعطى القاتل ولايمكن من قتله .
[ وإذا قطع إصبعاً عمداً فعفا عنها ثم سرت إلى الكف أو النفس وكان العفو على غير شيء فهدر ] : هذه المسألة صورتها لو وقعت مخاصمة بين اثنين فقام أحدهما وقطع أصبع الآخر عمداً عدواناً فثبت القصاص أنه تقطع إصبعه بإصبعه فعفا صاحب الأصبع فلما عفا سرت الجناية -والعياذ بالله- حتى أتت على يده ثم سرت على جسمه حتى مات ، فالموت وقع بسبب سراية الجروح ؛ لأن الجروح تسري في البدن إما بسبب التلوث أو بسبب قوة الجناية أو بسبب الجراثيم التي تدخل فإذا سرت الجناية قد تسري على عضو هي ، تكون الجناية في جزء العضو مثل الأصبع - الأصبعين - ثم تسري إلى العضو كاملاً اليد-والعياذ بالله- ، وقد تسري إلى البدن بكماله وقد تسري إلى نصف البدن مثلاً تشلُّ نصفه-والعياذ بالله- فهذا يسميه العلماء السراية هي في الأصل جناية في موضع ثم تتوسع حتى تسري إلى مواضع وقد تأتي-والعياذ بالله- على النفس فتهلك صاحبها ، المشكلة الآن أنه جنى عليه جناية في الطرف الذي هو الأصبع أو في يده قطع يده ، فلما قيل له إن شئت أخذت بالقصاص وإن شئت عفوت قال : عفوت . فلما عفا سرت الجناية وأتت على نفسه .
اختلف العلماء-رحمهم الله- في هذه المسألة :
قال بعض العلماء : وهو مذهب الإمام مالك-رحمه الله- يجب القصاص يعني إذا عفا عن الأصبع وسرت الجناية إلى البدن كله فالعفو عن الجزء ليس عفواً عن الكل هو عفا عن جناية قاصرة متعلقة بجزء من البدن ولم يسأل عن بدنه كله وبعبارة أدق أكثر أن الجناية لم تتضح بعد بمعنى أنه سبق عفوه حقيقة الجناية ؛ لأن الجناية وقعت على البدن كله هي في الأصل على الأصبع ولكنها سرت إلى البدن كله ونحن نقول إنه مثلاً بعض الأحيان يقطعه بسكين مسمومة-والعياذ بالله- فتقطع أصبعه فتسري جنايته وهو عمد وعدوان فهذا الإتلاف إزهاق للنفس قال : إنه أتى على النفس بكاملها وقد جاء من فعل الجناية والجناية عمد فيثبت القصاص في البدن كله .
وخالفه جمهور العلماء فقالوا : لا ليس هذا موجباً للقصاص حتى لو قلنا إنه يقتص منه فإن الشبهة قائمة الشبهة قوية وقائمة أولاً : أن هذا لم يرد إزهاق روحه كله وإنما اعتدى على جزء بدنه فكيف ينـزل منـزلة من اعتدى على البدن كله هناك فرق بين الاثنين ، ثم إن القتل لم يحصل بنفس القطع للعضو ليس مما يوجب الزهوق في الأصل ، ومن هنا رد الجمهور هذا القول وقولهم أقوى لكن المشكلة الآن طبعاً إذا قطع الأصبع وطالب بالدية قال أريد الدية وأعطي دية أصبعه ثم سرت إلى بدنه كله فقال : أولياؤه نريد الدية كاملة يعطون الدية كاملة إذا لم يعفوا وأخذ الدية عن الأصبع وسرت الجناية إلى البدن كله وجب ضمان الدية كاملة إذا طالبوا بها ما عندنا إشكال .
المشكلة إذا طالبوا بالقصاص فمالك-رحمه الله- يقول : يمكنون من القصاص ، والجمهور يقولون : لايمكنون لكن لو أنه أخذ الدية عن أصبعه ثم سرت الجناية إلى بدنه كله وطالب أولياؤه بالدية كان من حقهم أن يأخذوا الدية ؛ لأنه ما في عفو والولي لم يعف .
السؤال المشكل الآن : والذي وقع فيه الخلاف بين العلماء أنه لما قعطت أصبعه عفا فعفا عن الأصبع وإذا بالجناية تسري فتأتي على النفس والسؤال هل يلزم بالدية كاملة أو يلزم بالدية إلا ما عفا عنه وهو الأصبع ؟
فمذهب طائفة من العلماء وهو مذهب الحنابلة أيضاً أنه يؤخذ ما عدا القدر الذي عفا عنه وهو الأصبع ؛ لأنه قد عفا عن أصبعه وحينئذٍ يؤخذ منه بقية الدية تسعة أعشار الدية ، وعلى هذا يقولون : إن الجناية في سرايتها مضمونة سراية الجناية مضمونة هذا أصل عند العلماء سراية الجناية مضمونة - على تفصيل سنذكره إن شاء الله في باب الديات - ؛ ولكن بالنسبة للإشكال فيما عفا عنه الأشبه أنه يسقط حقه أن الذي عفا عنه وهو الأصبع يسقط حقه فيه ويبقى الضمان عليه .
لكن بعض العلماء يقول : يجب ضمان الدية كاملة ؛ لأن الجناية على الأصبع جناية والجناية على البدن جناية ثانية وحينئذٍ يكون كأنه قتل مبتدأ لأنه قتل بسببية هنا ؛ لأنه تسبب الجرح في إتلاف البدن كله فقالوا : ما عفا عنه فهو عفو وكتب الله له أجره ؛ ولكن لأليائه أن يأخذوا الدية كاملة والسراية طبعاً إذا كانت بالسلاح فهي أقوى إذا كان السلاح آلة كالة مثل أن يقطعه بسكين ملوثة أو بسكين مسمومة القطع بالسكين المسمومة الحقيقة قوي جداً فيه مذهب القصاص لأن السكين المسمومة معروف أنها مما يفضي إلى إزهاق الروح فمذهب مالك فيها ، ولذلك كان بعض مشايخنا-رحمهم الله- يستثني هذه الحالة وهو أن يقع بآلة أو بطريقة تفضي إلى السريان يكون السريان غالباً وحينئذٍ تكون السببية على العضو ، ولكن المراد بها كل البدن .
[ وكان العفو على غير شي فهدر ] : طيب إذا قال عفوت عن الأصبع صورة كل الذي ذكرناه هذا إذا قال عفوت عن هذه الأصبع ؛ لكن المشكلة أن يقول عفوت عن هذه الجناية إذا قال عفوت عن الجناية فلا شيء له حتى ولو سرت إلى البدن كله ؛ لأنه لما قال : عفوت عن الأصبع حدد عفوه بالعضو ، لكن حينما يقول عفوت عن الجناية فقد عفا عن الشيء وما ترتب عليه ، ومن هنا لا يُعطى ولا يضمن ولا يطالب الجاني بضمان سراية الجناية لأنه عفا عن الجناية كلها ، فلما قال عفوت عن هذه الجناية يسقط حقه وإذا قال : عفوت عن هذه الأصبع فالتفصيل الذي ذكرناه والخلاف الذي بيناه بين أهل العلم-رحمهم الله- فيها .
[ وإن كان العفو على مال فله تمام الدية ] : هذا هو كما اختاره المصنف-رحمه الله- اختار أن الأصبع العفو عنها عن جزء ولكن إذا سرت إلى البدن فهو إتلاف مستأنف وحينئذٍ تجب فيه الدية كاملة هذا الذي اختاره-رحمه الله- واختاره - أيضاً - غيره من الأئمة-رحمهم الله- من أئمة المذهب وهو قوي جداً من حيث الحجة والدليل .
[ وإن وكل من يقتص ثم عفا فاقتص وكيله ولم يعلم فلا شيء عليهما ] : هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل :
أولاً : هل يشرع التوكيل في إثبات القصاص والقصاص ؟
جماهير العلماء وأئمة السلف على أنه من حق أولياء المقتول أن يوكلوا شخصاً يتولى في القضاء إثبات الجناية فإذا وكلوا شخصاً وقالوا له أثبت جناية فلان على عمِّنا أو أثبت جناية فلان على أبينا فإن هذا مشروع .
والدليل على مشروعيته الأدلة الواردة على مشروعية الوكالة وقد بينا في باب الوكالة ذلك وذكرنا أدلة النقل والعقل فيشرع للإنسان أن يوكل غيره في إثبات حقٍ من حقوقه فإذا قالوا له : وكلناك فعلى صورتين :
الصورة الأولى : أن يوكلوه في إثبات الجناية الذي هو القتل العمد العدوان الموجب للقصاص .
الصورة الثانية : أن يوكلوه في استيفاء حقهم يعني في القصاص وقتل القاتل .
ففي الصورة الأولى يقوم هذا الشخص بإحضار الأدلة والشهود على أن فلاناً قتل فلاناً فهذا يسميه العلماء ( التوكيل في الإثبات ) والتوكيل في الإثبات مشروع في قول جمهور العلماء والأئمة من المذاهب الأربعة وغيرهم إلا القاضي أبا يوسف-رحمه الله- وهو من فقهاء الحنفية-رحمهم الله- فإنه يقول : لايشرع أنه يُوكَّل شخصاً لإثبات الجناية ، الإثبات يكون على نفس أولياء المقتول هم الذين يحضرون عند القاضي وهم الذين يكون عليهم عبء الإثبات .
والصحيح مذهب جمهور العلماء وأئمة السلف وأهل العلم على أنه يشرع لأولياء المقتول أن يقوموا بأنفسهم وأن يوكلوا غيرهم في إثبات حقهم شأنهم في ذلك شأن سائر الحقوق هذه المسألة الأولى .
الإشكال في هذه المسألة الأولى : أنه يرد سؤال : لو أن محمداً قال لعلي ارفع أو ترافع عند القاضي وأثبت أن فلاناً قتل أبي فوكله هذه الوكالة على الإثبات فهل من حق علي الذي وكِّل هل من حقه إذا أثبت أن فلاناً قتل فلاناً أن يطالب بالقصاص يعني هل التوكيل في الإثبات توكيل في الاستيفاء ؟
جمهور العلماء يقولون ليس توكيلاً وهذا الوكيل ليس من حقه إلا الإثبات فقط يحضر الأدلة ويثبت فإذا أثبت وحكم القاضي بصحة إثباته انتهت الوكالة هذا مذهب جمهور العلماء والأئمة .
خالف في هذه المسألة ابن أبي ليلى-رحمه الله- من أئمة السلف فقال : إذا وُكِّل في إثبات الجريمة وإثبات القصاص كان من حقه أن يطالب بالقصاص لأن المقصود من الإثبات هو القصاص فإذا وكل في الإثبات فمعناه أنه موكل في القصاص كما لو إذا وكِّل في البيع له حق القبض .
والصحيح مذهب الجمهور أنه إذا وكِّل في الإثبات فقد اختصت الوكالة بالإثبات فهي وكالة خاصة لا يكون من حقه أن يطالب بالاستيفاء ، طيب إذا ثبت مشروعية الوكالة على الإثبات يرد السؤال على الاستيفاء : الاستيفاء هو تنفيذ الحكم وفي القديم كان - الحمد الله الآن أريح الناس وهذا طبعاً نص العلماء على جوازه أن ولي الأمر ينصب شخصاً أو جهة معينة تقوم بتنفيذ هذه الحدود والحقوق وارتاح الناس وأيضاً ارتاحوا من كثير من الإشكالات الموجودة في الفقه بهذه الطريقة والحمد الله - لكن لا يمنع من أن نذكر هذه المسائل لأنها تتفرع عليها مسائل أخر في الوكالة وترتبط بها في الفقه الإسلامي مسائل أخر فلو أنه أراد أن يوكله في استيفاء القصاص في القديم إذا ثبت عند القاضي أن زيداً قتل عمرو يقول القاضي لأولياء عمراً مثلاً ولي عمرو محمد يقول القاضي : هذا زيد القاتل اقتله إذا أردت يعني قد ثبت عندي أنه قاتل فيمكنه من قتله فيأخذ محمد سيفه ويقتله فيكون ولي الدم هو الذي يباشر القتل كما ذكرناه في الاستيفاء .
المشكلة في مثل هذه الصور في بعض الأحيان ولي الدم لايستطيع أن ينفذ لا يستطيع أن يقتل قاتل أبيه إما لصغر سنه صغير توه بلغ ولايحسن الضرب بالسيف مثلاً ، أو يكون رجلاً كبيراً في السن ما يستطيع .. أو مشلولاً أو مقعداً أو زمناً أو مريضاً فقد تكون هناك أعذار في ولي المقتول فحينئذٍ يحتاج إلى شخص يقيمه مقامه من أجل تنفيذ القصاص فهذه مسألة التوكيل في الاستيفاء أن يوكله في الاستيفاء هو ممكن أن يوكله من أجل أن يذهب إلى القاضي كما هو موجود الآن ويقول للقاضي أنا وكيل فلان في المطالبة بقتل فلان يعني بتنفيذ الحكم حكم القاضي التي هي المرحلة الثانية فإذا وكل شخص شخصاً من أجل أن يقتل بوليه المقتول أن يقتل قاتل وليه إذا وكله عندنا صور :
الصورة الأولى : أن يوكله ولا يرجع عن الوكالة ويذهب الوكيل ويقتص فهذه الصورة لا إشكال فيها الوكالة صحيحة والتنفيذ صحيح ولم يرجع الموكل عن وكالته حتى حصل التنفيذ هذه ما فيها إشكال أن يوكله فيذهب الوكيل وينفذ الوكالة ويقتل القاتل وحينئذٍ لا إشكال كما أن الأصيل لـه حق الاستيفاء قام الوكيل مقامه والقاعدة : " أن الوكيل ينـزل منـزلة الأصيل أو من وكله " .
الصورة الثانية : أن يرجع الموكل عن وكالته وهي التي أشار إليها المصنف-رحمه الله- أن يقول لـه : اقتل من قتل أبي أو وكلتك في قتل من قتل أبي أو وكلتك في استيفاء حقي في القصاص من فلان خرج هذا الوكيل من أجل أن ينفذ الوكالة فلما خرج رجع الموكل عن وكالته وحينئذٍ هذا الرجوع رجع عن وكالته يقول : عفوت عنه طبعاً رجوع بالعفو ما يكون رجوع مطلق لأن الرجوع المطلق الأمر أخف ؛ لكن الرجوع بالعفو يقول قد عفوت عن من قتل أبي جاءه قرابة القاتل وقالوا له أو جاءه شخص ورغبه في العفو فقال : قد عفوت .
المشكلة الآن أن الوكيل ذهب والعفو وقع من صاحب الحق فحينئذٍ تقع أحوال :
الحالة الأولى : أن يقع العفو بعد التنفيذ مثلاً خرج الوكيل وطالب بالدم وقتل القاتل في الساعة الواحدة ظهراً الموكل عفا عن الدم الساعة الثانية ظهراً أو الواحدة والنصف فمعنى ذلك أن العفو وقع بعد استيفاء الحق فلا شيء لا على الوكيل ولا على الموكل ؛ لأن العفو لم يصادف محلاً فإن الوكيل حينما قتل القاتل قتله وعنده مستند شرعي؛ لأن الوكالة شرعية والشخص صاحب الحق لازال على حقه فقتله بدون أي شبهة ولا غبار على قتله فلما عفا ولي الدم عفا بعد القتل ، وإذا قُتل القاتل سقط حق الموكل لأنه ما عاد للموكل حق فلما يقول عفوت فقد عفا عن شيء غير موجود أصلاً لأن حقه انتهى بتنفيذ القصاص .
إذاً في هذه الحالة إذا حصل العفو بعد التنفيذ فإنه لا شيء على الوكيل ولا شيء على الموكل الذي عفا .
أما الوكيل فقد نفذ الوكالة وقتله لمن قتل وقع في محله وإذن صاحب الحق مستصحب ما فيه أي غبار عليه .
وأما عفو من عفا وهو صاحب الدم فقد وقع في غير موقعه لأنه وقع بعد الاستيفاء ولما وقع بعد الاستيفاء فإنه بمجرد الاستيفاء سقط الحق كليةً لولي المقتول سقط حقه حينئذٍ قد عفا عن شيء غير موجود أصلاً لأنه قد انتهى حقه .
الحالة الثانية : أن يقع العفو قبل التنفيذ فيقول اشهدوا أني قد عفوت عن القاتل سواءً قال أريد الدية أو قال عفوت مطلقاً .
المشكلة الآن : الوكيل خرج وقال قد عفوت فإما أن يبلغ الوكيل هذه الصورة الأولى من الحالة الأخيرة إما أن يبلغ الوكيل رجوع من وكله فحينئذٍ لايجوز له شرعاً أن يقتل القاتل بإجماع العلماء لايجوز له أن يقتل القاتل إذا بلغه وجاءه أناس عدول وقالوا لـه : يا فلان فلان رجع عن وكالته لك وقد عفا عن الدم ، فماطل وكابر وذهب وقتل القاتل وهو عالم أن الوكيل قد رجع فحينئذٍ يكون قاتلاً عمداً عدواناً فيقتص منه إذا قتل الوكيل وقد بلغه أن موكله قد رجع عن الوكالة ورجع عن حقه فإنه يقتص منه لأنه قتل عمد عدوان هذا إذا علم وثبت عنده الرجوع .
أما إذا لم يعلم إذا لم يعلم ذكر العلماء منها صور في القديم قالوا مثلاً أن يكون بين الوكيل والموكل خمسة أيام يعني في المسافة وبلوغ الوكيل للقصاص يبقى عليه يومين فالمسافة ما بين الموكل والوكيل لايمكن أن يتوصل بها إلى إعلام الوكيل ذهب الوكيل فقتل ثم علم برجوع وكيله قبل القتل فالمشكلة الآن هل يتحمل المسؤولية الوكيل بناءً على أنه بعفو الموكل سقط حق القصاص ؟ وحينئذٍ الذي نفذ القصاص هو الوكيل والذي باشر القصاص هو الوكيل فهل هو الذي يضمن أم أنه يكون الاستحقاق على الموكل لأنه هو الذي عفا وغرر بالوكيل وكان المفروض أنه يتعاطى الأسباب بإعلام الوكيل ؟
هذه المسألة اختلف فيها العلماء-رحمهم الله- :
وبعض أهل العلم-رحمهم الله- يقول : لاشيء على الوكيل ولا شيء على الموكل ، أما الموكل لأنه يتعذر عليه أن يعلم الوكيل ، وأما الوكيل فلأنه يستند إلى أصلٍ شرعي والأصل مستصحب وهو الإذن فلما كان العفو على وجهٍ لايمكن فيه البلوغ كان ضرباً من العبث يعني وجود هذا العفو وعدمه على حدٍ سواءً لأنه لا يبلغ فصار عفوه في هذه الحالة واقعاً في غير موقعه لأنه قد انتهى الأمر إنما يكون مؤثراً أن لو كان هناك مجال لإعلام الوكيل وتنبيهه وتلافي القتل فلما أصبح الأمر على هذا الوجه الذي لايمكن فيه التدارك سقط .
أما بالنسبة للموكل فلا شيء عليه لأنه حينما وكل كان معذوراً شرعاً وحينما عفا عفا على وجه لا يؤثر ؛ لأنه لايمكن تدارك الوكيل وإعطاءه الخبر بالرجوع .
وأما بالنسبة للوكيل فإنه قد فعل ما أذن به .
الوجه الثاني : أنه يضمن الموكل لأنه يعلم أنه لا يبلغ وخاطره بالوكيل والوكيل معذور في تنفيذ ما أمر به ، وأما الموكل فهو الذي لما عفا تحمل عاقبة عفوه لأن كلا الأمرين وقع بسببه الوكالة بسببه والعفو جاء بسببه ففي هذه الحالة إذا رجع تحمل مسؤولية الرجوع لأن الرجوع منه ، والوكيل منـزل منـزلة الأصيل فهو متحمل لتبعة ما نجم عن عفوه وهذا القول الثاني الحقيقة من القوة بمكان في تحمل الموكل لا الوكيل في الضمان .
[ وإن وجب لرقيق قود أو تعزير قذف قتل فطلبه وإسقاطه إليه ] : هذه مسألة أخيرة يُختم بها هذا الفصل مسألة حقوق العبد إذا كانت في قتل أو قذف فإذا كان للعبد حق معنوي فإنه يتولى الأخذ والعفو له أن يطالب وله أن يعفو ولا أحد يستطيع أن يجبره على أمر يخير بتخيير الله-U- في حقه لأن هذه الأمور لا يملكها السيد فليس للسيد أن يقول أتولى أمر عبدي في هذا الحق لمن ؟ للعبد فإذا قذفه شخص فإنه حق ليس بمادي إنما هو معنوي والحقوق المعنوية يتولى العبد أمر نفسه وليس لسيده عليه سلطان .
بين المصنف بهذا أن الحق في القصاص في النفس والأطراف راجع للعبد وليس إلى السيد وهكذا بالنسبة لبقية الحقوق كما في القذف ونحوه .
[ فإن مات فلسيده ] : فإن مات فإنه ينتقل إلى سيده لأنه وليه ، ومعلوم أن الولاء لحمة كلحمة النسب وهذا في حال العتق فكيف إذا لم يعتق فمن باب أولى وأحرى ، ولذلك كما أن النسيب والقريب يرث نسيبه وقريبه كذلك - أيضاً - السيد يرث حق عبده في هذا كوراثة المقذوف ينـزلون منـزلة المقذوف بعد موته .
@ @ @ @ @ الأسئلة @ @ @ @ @
السؤال الأول :
إذا أراد الدية لصرفها في وجوه الخير فهل هي أفضل أم العفو ؟
الجواب :
بسم الله ، الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أمابعد :
فهل الأفضل أن يعفو أو يأخذ الدية ويتصدق بها على الضعفاء والفقراء ؟ الحقيقة هذا أمر يحتاج أن ينظر الإنسان في الثواب المترتب على عفوه ، والثواب المترتب على توزيع هذه الصدقات وهذا أمر غيبي ما يستطيع الإنسان أن يجزم به ؛ لكن عند العلماء نظائر من هذه المسائل وهي : الحكم النسبي يعني في بعض الصور الأحكام النسبية معتبرة فأنت تقول مثلاً : إذا كان القاتل غنياً ثرياً لا تهمه الدية والمال عنده يسير وهناك ضعفاء وفقراء محتاجون وقد يكون في قرابة المقتول نفسه فأحب وليه أن يأخذ الدية وأن يتصدق بها على رَحِمِه وأن يعيل بها أيتاماً وضعفاء وفقراء فهذا لاشك أن أجره عند الله عظيم لكن هذا شيء نسبي ، فالمشكلة أنه بعض الأحيان في بعض الصور العادية تطبق على حكم المسألة كلها ، ولذلك تجد في بعض الفتاوى يقول لا الأفضل أن يأخذها ويتصدق بها وذلك أنه إذا أخذها وتصدق بها على الضعفاء والفقراء فهذا أعظم ، طيب قد يكون أولياء المقتول ضعفاء وفقراء لايستطيعون الدية ! وإذا حملوا الدية تحملو مشقة كبيرة طبعاً في العمد لا يتحملون ولكن معروف وجرت العادة أنهم يضغطون ويحُمَّلُون هذه الدية ، طيب إذا كان القاتل سيتحمل عناء الدية وضعيفاً ويتحمل مشقة الدية ما تستطيع أن تطبق عليه هذا الأصل ، ولذلك نقول : من حيث الأصل الأمر غيبي ما يستطيع أحد أن يقول ثواب العفو أعظم من ثواب إنفاق الدية على الضعفاء ؛ لأن الناس تتفاوت أحوالهم وتختلف وأصل هذا الأمر غيبي لايستطيع الإنسان أن يحكم به ما لم يرد نص يبين أيهما أفضل ؛ لكن في الأحوال الخاصة مثل ما ذكرنا إذا كان أولياء القاتل لايهمهم المال ودفع المال يسيراً عليهم وممكن أخذ هذا المال والتصدق به فهذا لاشك أنه أفضل وأحسن وأكمل والتصدق بالمال فيه ثواب عظيم عند الله-U- ، ولذلك لما باع حكيم بن حزام داره دار الأرقم قيل له : بعت مفخرة قريش ! قال : ستعلمون من هو المغبون ، ثم نزل ونادى في الناس من كان عليه دين فليأتني فمابقي أحد إلا قضى دينه فكان ربحه عند الله أعظم وثوابه أجَلَّ من أن يمسك داراً على أنها مفخرة لكن رضي بمفخرة الآخرة على مفخرة الدنيا ، ورضي بربح الآخرة على ربح الدنيا ، ورضي بعز الآخرة على عز الدنيا ، ومن هنا الأمور النسبية والأحوال النسبية معتبرة لكنها لا تعتبر قواعد في الفتوى يعني لاتعتبر أصولاً تحكم بها حكماً عاماً في الفتاوى ، نقول ممكن نسبياً ممكن أن يقع هذا ، ولذلك نترك الأمر إذا نظر الشخص إلى مصلحة قرابته وجماعته وأوليائه أن يصل رحمه وأن يحسن إليهم بهذه الدية وتأول أن يكون لـه أفضل عند الله فأرجو ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال الثاني :
هل الصلح على أكثر من الدية في العمد فقط أو في جميع أنواع القتل ؟
الجواب :
من حيث الخطأ ما لهم إلا الدية المقدرة شرعاً ، ما يستطيعون ما يجوز أن يزيدوا إذا كان القتل خطأ يأخذون الدية المقررة شرعاً وجهاً واحداً ما فيه إشكال ؛ لكن الإشكال إذا استحق أولياء المقتول القصاص فقالوا لهم اتركوا القصاص ونعطيكم ديتين أو نعطيكم دية ونصف أو نعطيكم ثلاث ديات فيحتاجون أن يرغبوهم ترغيباً أكثر ، أما إذا كان القتل خطأ ما تحتاج أن ترغب بأكثر من الدية لأنه هو ليس له إلا الدية يعني إذا دهسه بالسيارة فإنه لايُقتل به وحينئذٍ سيحكم القاضي بأن له دية واحدة ما يستطيع أحد أن يحكم بأن لـه ثلاث ديات أو ديتين لأن هذه مخالفة مضادة لشرع الله-U- لأن الله جعل لها حق الدية الواحدة ، ومن هنا كنا نستشكل الصلح في قتل العمد على أكثر من الدية هذا وجهه أن الله قدر المقادير فلايجوز لأحد أن يزيد عليها ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال الثالث :
هل يجوز صرف أموال الزكاة فيمن وجبت عليه الدية وكان فقيراً لا يستطيع السداد ؟
الجواب :
الغارم وهو المديون يستحق الزكاة ؛ لكن ينبغي أن ينتبه إلى أن الدين فيه نظر فإن كان سبب الدين يُعذر به شرعاً فإنه يعطى من الزكاة سداد دينه مثلاً شخص عنده عائلة ويسكن في شقة تكفيه وتكفي عياله دون بذخ ودون إسراف فسكن في هذه الشقة بعشرة آلاف في السنة وأصبح مديوناً نعطيه العشرة آلاف كاملة ؛ لأن الغارم يعطى سداد دينه ما تعطيه مثلاً بعض الدين من حقك أن تعطيه كل الدين بشرط أن يكون دينه على الوجه المعروف .
لكن لو كان دينه في الحرام يسافر للخارج للحرام والفساد-والعياذ بالله- ثم أصابته ديون فحينئذٍ نقول : إنه لا يعطى لأن الأصل في الدين محرم ، كذلك - أيضاً - لو أنه فعل زواجاً والزواج يكفيه مثلاً فرضنا ثمانون ألفاً ففعل زواجاً بمائتي ألف يعطى في حدود الثمانين يعني إذا تحمل ديون ثلاثمائة نعطيه في حدود ما لا سرف فيه ولا بذخ يعني يعطى في الدين على أصل الحق الذي هو لا إسراف فيه ولا حرمة .
في هذه المسألة فيها نظر :
أولاً : إما أن يكون القتل عمداً ، وإما أن يكون خطأ . وإذا كان عمداً فهي جناية وجريمة ومثلها لايساعد فيها لأن أصل الجناية لاتجوز شرعاً وعلى هذا كل ما قتل قاتل وعفي عن قتله نأتي ونعطيه الزكاة إذاً ذهب المعنى من زجر الناس وتحملهم لمشقة الدية حتى يجدوا العناء فيحجموا عن الدماء المحرمة وعن سفك الدم الحرام ، فإذا جئنا نعطيهم من الزكاة ونقول يشرع حتى من الزكاة فهذا أمر أبداً لايمكن للشرع أن يحكم به متى ما كان القتل عمداً عدواناً .
أما إذا كان القتل خطأً شخص عنده حافلة أو أتوبيس وصار عليه حادث ضرب عليه كفر فمات معه شخصان وتحمل دية شخصين المائتي ألف مثلاً التي هي الدية لو جئنا ننظر الأصل يتحملها قرابته وسيأتينا هذا أن العصبة هم الذين يتحملون الدية يعني من فوق ثلث الدية تتحمل أي جناية خطأ فوق الثلث يتحملها قرابة الرجل وهم العصبة وهذا نظام معروف في الإسلام الذي هو ( نظام العاقلة ) ولذلك قال في الحديث الصحيح : (( وقضى بديتها على عاقلتها )) العاقلة نظام شرعي وموجود الحمد لله الآن في بعض القبائل-جزاهم الله خيراً- مبقين هذه السُّنة ولايزال ما يسمى بصندوق القبائل يفعل الحقيقة العقل الشرعي ولا زال باقي إلى الآن في كثير من الصور تشبه الأصول الشرعية وهذا أمر محمود ينبغي بقاؤه ؛ لكن إذا كانت العاقلة هي المطالبة بدية الخطأ فلو جاءنا شخص وقال علي ديتين ما نساعده نقول لـه : اذهب إلى عاقلتك فإذا كانت عاقلته غنية فالواجب أن يشتكيهم إلى القاضي حتى يدفعوا ما عليهم والقاضي يلزم عاقلته ما يلزمه هو هذا الأصل ، لكن لو أن العاقلة فقيرة ما عندها أصبحت العاقلة مديونة وحينئذٍ يشرع إعطاء الزكاة سداداً لهذا الدين إذا كانت العاقلة ما عندهم وفقراء وضعفاء وهذا المقتول مرهون ومحبوس في الدين يشرع أن يعطى إذا كانت عاقلته لا تستطيع أن تدفع فيفصل في هذا الأمر سواءً كانت الجناية بالقتل ، أو كانت الجناية على الأطراف بالخطأ صار عليه حادث فقطعت يد راكب من ركابه فعليه نصف دية أو تعور راكب من الركاب فبترت رجله فعليه نصف الدية في هذه الحالة ننظر إذا كانت عاقلته قادرة على السداد فلا إشكال وإذا كانت غير قادرة على السداد فإنه يعطى من الزكاة على قدر دينه ، وعلى كل حال ينبغي على من يتولى الزكاة أن يتقي الله-U- وأن يحذر من حرمان أهل الحقوق حقوقهم هناك فقراء هناك مساكين وهناك أيتام وأرامل لهم حق في هذه الزكوات ، ولذلك حتى ولو وجدت بعض الفتاوى فيها توسع مثل طبع الكتب من أموال الزكاة ومثل إعانة المتزوج من أموال الزكاة بناءً على قوله : { وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ } وهذا مذهب مرجوح وضعيف عند أهل العلم الصحيح أن { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } مختصة بالجهاد في سبيل الله-U- حتى ولو قيل بهذه الفتوى ينبغي أن ننظر إلى هو أحوج وأحق وبدل من أن يعطى هؤلاء القتلة يعطى من هو أحوج ، ولذلك تجد الآن مثلاً تطبع بعض الكتب وتدفع فيها عشرات الألوف ثم هذه الكتب توزع هكذا هدراً يعني بعض الأحيان تأتي مثلاً في صالة سفر تعطى للذي يستطيع أن يشتري الكتاب والذي لايستطيع أن يشتري الكتاب ، ينبغي الانضباط وينبغي تحديد هذه الأمور بالضوابط الشرعية هناك من هو أحق وأحوج هناك اليتيم هناك الأرملة ، هناك الأسر التي تكتوي بنار الفقر والمسكنة جعل الله لهم حقاً في الزكاة فما يتوسع في هذه الأمور على حساب من هو أحق وأحوج وانظر وأنت طالب علم كم عندك في مكتبتك من الكتب فأسألك بالله كم من كتاب قرأت ؟ المنشورة تأخذها وتطويها يأخذون المنشورات ويطوونها ويرمونها في الصناديق ولربما يرمونها في مكاتبهم ولا ينظرون إليها إلا قليلاً وهذا كله على حساب من هو أحوج وأحق فنبيغي أن ينتبه لهذه الأمور في الزكوات وتوزيع الزكوات وبمناسبة هذا السؤال إخلالات والله يخشى على من يتولاها أن يصلى بنار جهنم ! الزكاة أمرها عظيم وأمرها ليس من السهولة بمكان أن الشخص يأتي ويحرم صاحب الحق حقه ويذهب في أمور مختلف فيها بل يعطيها بدون ضوابط ويفعلها بدون قيود .
وأذكر رجلاً ذات مرة طبع مطوية في أمر يمكن فيه أكثر من رسالة وقتله أهل العلم بحثاً وهو طويلب علم مبتدئ ليس من أهل العلم وليس من أهل التأليف فجاء وقال : أبشرك أن بعض المحسنين دفع لي فوزعت منها بتسعين ألف ريال طيب تسعين ألف ريال كم من أسر لو أعطيت لأنقذت ! وكم من نساء قد يتعرضن للحرام بسبب الفقر والجوع والمسكنة ! وليس معنى هذا أننا نحُجِّم أمور الدعوة ، الدعوة لها وسائل كثيرة ولها طرق كثيرة ولا تقتصر على المطوية ولا على الشريط ؛ ولاشك أن من دفع في الشريط والمطوية مأجور ومثاب ولكن ليس في الحقوق الواجبة في الزكوات إنما تكون من بابها المعروف وإذا جئنا لثري نريد أن نصرفه لمقام أفضل فهذا من النصيحة لعامة المسلمين ، مثلاً المديونين في السجون هناك أناس أصحاب أسر وعوائل مديون في حقوق ومسجونون لأن الدين سجنه الغريم فمثل هذا الذي عليه عشرون ألفاً أو عشرة آلاف أو خمسة آلاف وأسرته ربما وقع أولاده في المخدرات وربما وقعت زوجته في الحرام والزنا هؤلاء هم الذين يوجه الناس يقال للأثرياء والأغنياء أن يرفقوا بالمحتاجين حقاً هؤلاء هم أحوج وأحق ، ونريد من هذا أن ننتبه إلى أن الخير ينبغي أن يصرف في بابه وأمور المعونة والزكوات والصدقات ينبغي أن تصرف في بابها وأعظم ما يكون من هذا الباب باب الزكوات إذا صُرفت عن حقها كذلك الصدقات فمثلاً تجد شخصاً يأتي ويتبرع لجميعة خيرية من أجل أن تنفق هذا المال على الأيتام والفقراء والضعفاء والمساكين وتأتي الجمعية وتفعل مسابقة ويجلسون مثلاً في مخيم بعشرات الآلاف لانشك أن أهل الجمعية يريدون الخير ولانشك أنهم يريدون الطاعة ويريدون ولكن الجهل وعدم الرجوع إلى العلماء وعدم ضبط الأمور بضوابطها الشرعية ، إذا وضعت جمعية للصدقات ضع صندوقاً للمسابقات وانظر من الذي يضع لك تبرعاً من أجل المسابقات ، وانظر من الذي يضع لك من أجل الأمور الفاضلة التي تكون على حساب ما هو أحق ، أنت مؤتمن من دفع لك هذا المال أن تدفعه للمحتاج تدفعه للمحتاج وتنضبط بضوابط شرعية وتوضع صناديق خاصة للأمور الفاضلة وهي أمور خير يوزع شريط أمور خير يوزع كتيب أمور خير يوزع منشورة أمور خير ؛ لكن لاتكون عُمِّيا وبدون ضوابط شرعية فلابد من التقيد بهذا ولابد من الرجوع إلى أهل العلم ، وأما الاجتهادات والتأويلات وأكثر ما ضر الدعوة اليوم الاجتهاد الذي لايرجع إلى فتوى من أهل العلم المعتبرين كلٌ يجتهد ، وكل يرى أنه على حق وإذا جئت مثلاً تأخذ عليه ملاحظة أو كذا ظن بك ظن السوء-نسأل الله السلامة والعافية- هذا لايجوز ، لابد من بيان هذه الحقوق ولابد من التوجيه فيها ولابد من ضبطها بالضوابط الشرعية ، ولذلك ينبغي صرف الزكاة في مجالها والله-جل وعلا- لم يكل أمر قسمة الزكاة لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ولكن تولى قسمتها من فوق سبع سماوات ؛ لأن فيها الحق المعلوم للسائل والمحروم ، وجعل هذه الزكاة لا مِنَّة فيها للغني على الفقير حتى كـان بعض أهل العلم يقول : ينبغي على الغني إذا أعطى الفقير أن لا يشعره بالنقص ، لماذا ؟ لأن الله يقول : { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ } فليست فيها مِنَّة للغني على الفقير وهذا يدلك على عظم أمرها فتولى الله قسمتها من فوق سبع سموات ، وأنزل جبريل الأمين على نبيه { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } فعددها وبينها وجعلها آيات تتلى إلى يوم القيامة إنصافاً لهم في حقوهم وتنبيهاً للأمة على خطر هذا الباب ، وإذا كان الشخص قاتلاً واحتاج إلى المساعدة وهو من أهل المساعدة في قتل الخطأ لا قتل العمد وعند عجز أوليائه وعاقلته عن تحمل الدية يعطى من باب سداد الدين على العاقلة لأنهم أصبحوا مديونين فيندرجون تحت القسم الذي ذكره الله-U- في قوله : { وَالْغَارِمِينَ } والغارمون : جمع غارم والغريم هو المديون الذي عليه دين ويشترط عند العلماء ألا يكون دينه في سفه مثل ما ذكرنا من يتدين من أجل طعام عائلته تأتي وتبحث عن صاحب أسرة عنده عائلة استدان من بقالة في طعام لأسرته وبلغت ديونه ستة آلاف وجاءك وقال : والله عليَّ دين في طعام أسرتي خمسة آلاف ريال أو ستة آلاف ريال تعطيه إياها كاملة وهؤلاء المديونون خاصةً في زماننا هم من أحق الناس في الزكاة فينبغي تفقدهم والسعي في قضاء حوائجهم وتفريج كرباتهم - فنسأل الله العظيم ، رب العرش الكريم ، أن يجعلنا مفاتيح للخير أن يجري الخير على أيدينا وأيديكم ، إنه سميع مجيب - ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال الرابع :
في قول النبي-r- : (( من قال لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يومه مائة مرة... الحديث )) هل تقال مائة مرة مجتمعة أم تقال متفرقة ؟
الجواب :
بسم الله ، الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أمابعد :
فالأصل أنها تقال مجتمعة والتفريق الذي لايطول لا يضر لكن الأصل أنها تقال مجتمعة في حين المساء لأنه قال : (( من قالها حين يمسي ومن قالها حين يصبح )) وهذا يدل على أنها تكون في الحين حين الإمساء وحين الإصباح ، وأما أن تكون في طيلة اليوم مجموع ما قاله (( لا إله إلا الله وحده لاشريك لـه له الملك وله الحمد )) هذا ليس ذكراً للمساء والصباح لأن هذا ذكر مقيد من أجل الحفظ والحرز صباحاً ومساءً فينبغي أن يكون عند أول المساء وعند أول الصباح ؛ لكن يجوز لو أنه بعد العصر وقلنا إنها تبتدئ من بعد العصر ، بعد العصر قال خمسين مرة ثم جلس ساعة يرتاح ثم قالها بعد ذلك فما زال في حين المساء لايضره ولا يضره أن يقول عشرين ثم يرتاح أو يقوم يقضي عمله ثم يرجع ويقول عشرين ثم يتكلم بكلام ثم يقول عشرين لأنه في حين الإمساء لكن خلال اليوم بمعنى أنه يدخل طيلة اليوم لأن الفضل هو الحفظ والحرز وهذا يقتضي أن تكون في أول النهار حتى يحُفظ إلى مسائه وإذا قالها إذا أمسى كانت لـه حرزاً من الشيطان حتى يصبح المراد بها الحيليه والوقت وهذا يتقيد بالبداية ، ومن هنا كذلك مثلاً لو قلت قال يا رسول الله ما أقول قال : (( { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } والمعوذتين إذا أمسيت وأصبحت تكفيك من كل شيء )) ثلاث مرات هل معنى ذلك أنه طيلة اليوم يقولها ثلاث مرات قال لـه : (( إذا أمسيت وإذا أصبحت )) فهذا يقتضي على أنها تكون حرزاً في حين المساء وحرزاً في حين الصباح ، ومن هنا لابد وأن تكون مجتمعة يعني أنها في الحين والظرفية التي يبتدئ بها المساء أو الحين والظرفية التي يبتدئ بها الصباح أن ينتهي ويفرغ من العدد كاملاً وليس المراد أنها طيلة اليوم يقولها ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال الخامس :
شخص كان يؤدي سنة الظهر بعد الصلاة فجاء شخص والتقى به فحول نيته من السُّنة إلى أربع ركعات فما الحكم ؟
الجواب :
هذا فيه جوانب :
الجانب الأول : يجوز الانتقال من الأدنى عدداً إلى الأكثر ركعتين ينوي أربعاً كان في قيام الليل وقرأ الركعة الأولى والثانية ثم نظر إلى أنه يحتاج إلى كسب الوقت فبدل أن يجلس للتشهد ويسلم يأتي بالأربعة متصلة لابأس ما في حرج على هذا ؛ لكن المشكلة أن الانتقال هنا سيشبه النافلة بالفريضة وهذا أصل منع منه طائفة من أهل العلم -رحمة الله عليهم- ، ولذلك نُهي عن الوتر أن يجلس بين الركعة الثالثة والثانية إذا قصد الوصل حتى لاتتشبه بصلاة المغرب وهو الأمر الذي اختلف فيه الجمهور مع الحنفية-رحمهم الله- ، فالشاهد من هذا أن الأفضل أن تصلي ركعيتن وتسلم ثم يقوم هذا الشخص ويتم الركعتين الباقيتين عليه ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال السادس :
كنت مريضاً ونذرت إن شافاني الله أعبده-I- وقلت مرة أعبده حق عبادته فشافاني الله-U- لكنني قلق جداً لأنني نذرت بما لا أستطيع ؟
الجواب :
تعبده حق عبادته بما تستطيع تكون عابداً لله-U- وهذا يستلزم ثلاثة أمور :
في عقيدتك تكون أخلص الناس قلباً لله-U- وأصدقهم حباً لله-I- وأخوفهم لله وأشدهم خشية لله وأكملهم رضاً عن الله-U- وتستجمع معاني العقيدة في الله-U- في قلبك فتوحده في ألوهيته وتوحده في ربوبيته وتوحده في أسمائه وصفاته على أكمل وأتم ما يكون التوحيد .
ثم كذلك في قولك تعبد الله حق عبادته باستدامة قراءة القرآن والذكر لله-U- .
وتعبده كذلك-سبحانه- حق عبادته في جوارحك وأركانك فتسخرها في طاعة الله ومرضاة الله ، وما الذي يمنعك من هذا ؟! ما الذي يمنعك أن تعبد ربك حق عبادته ؟! الأصل أن المسلم يعبد الله حق العبادة وما خُلق إلا من أجل هذا فلا يأتيك الشيطان ويُعجزك وييئسك هذا خير عظيم فتح الله عليك بابه فإن استغللت وجود النذر والإلزام عليك وصدقت مع الله صدق الله معك .
يا هذا إذا كان الإنسان في بعده عن الله-U- يجد من التيسير ويجد من الأمور ما لم يخطر له على بال فكيف بمن أحب الله وتقرب إلى الله-U- ؟!
وما الذي يحول بينك وبين عبادة الله حق عبادته ؟! هو لاشك لايستطيع أحد أن يبلغ المقام الكامل في العبادة وقد قال-r- : (( ألا إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأتقاكم )) ما قال : إني خشيت الله كمال الخشية ولم يقل عبدته كمال العبادة ! وإنما هذا أمر نسبي لأنك تقول أعبده حق العبادة بالنسبة لما تستطيع وأنت مكلف بما تستطيع لا بمالا تستطيع ؛ لكن لو قلت أعبده عبادة الأنبياء أعبده عبادة الملائكة هذا أمر ليس بيديك هذا نذر فيما لاتملك ، ولا نذر على الإنسان فيما لا يملك ولا طلاق فيما لا يملك كما في حديث السنن ؛ لكن بالنسبة لك أنت حينما قلت أعبده حق عبادته هذا أمر نسبي معروف بالنسبة لك والنذور يدخلها الحقيقة الشرعية وتدخلها الحقيقة العرفية وتدخلها الحقيقة اللغوية وأنت حينما نذرت هذا النذر في نفسك والأصل أن المكلف إذا تلفظ بهذا اللفظ يقصد الأمر النسبي أي أنني أكون ملتزماً بالإسلام حقاً وأكون مؤمناً صدقاً وأكون موحداً كما يحب الله ويرضى ، فاستعن بالله-U- ولا تعجزن ومن تقرب إلى الله شبراً تقرب الله منه ذراعاً ، ومن تقرب إلى الله ذراعاً تقرب الله منه باعاً ، ومن أتى يمشي أتاه الله هرولة ، مقام أي مقام ؟! حينما تفكر فقط أن تقبل على الله حين تفكر أن تكون مع الله-U- تجد من نفحاته ورحماته وبركاته ما لم يخطر لك على بال ، فالله أكرم من أن تسيء الظن به أنه يجعلك من العاجزين ، استعن بالله ولا تعجزن ، ومن المجرب المعروف وأوصى به العلماء والأئمة أنت حينما تكون في هذه الحياة تستشعر أن الله خلقك لعبادته وأن الله أوجدك لطاعته وهو أغنى ما يكون عنك وأنت أفقر ما تكون إليه ، وأنك لو بلغت مقام العابدين في غاية المقامات فلن تنفع الله شيئاً (( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلبٍ رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً )) فلاتحسب أن الله بحاجة لهذا الله في غنى عنك وأنت أفقر ما تكون إليه إنما هي أعمال العبد فالأصل أن المسلم عنده شعور دائماً إذا أراد الله به الخير وأراد أن يجعله من الصالحين وأن يهيئه لمراتب المفلحين جعل في قرارة قلبه أنه لايرضى لنفسه إلا بالمقام الأعلى في طاعة الله ومرضاته فإذا دخل المسجد تمنى من الله وسأل الله أن يكون أحب العباد إليه ، وإذا جلس في مجلس الذكر تمنى ورجا من الله-U- أن يكون أكثر الناس فوزاً برحمة الله-U- ، وإذا قال أو عمل أو سلك أي طريق من الخير دخله وفي قلبه حسن الظن بالله وحسن الرجاء بالله ما يبلغ به مقامات الخير إذا لم يكن بعمله فبنيته فهذا هو الواجب على المسلم إذا كان عندك هذا الشعور هذا بدون نذر إذا كان عندك هذا الشعور أنك لا ترضى لنفسك بالأقل ممكن الشخص الآن يدخل في حلقة أو يفعل طاعة أو يأتي في أمر من أمور الخير والطاعة والبر ويشترك مع أمة فيدخل في المسجد ويصلي مع الجماعة ويخرج من المسجد حينما يدخل وهو يرجو أن يكون أفلح الناس وكأنه حينما يدخل المسجد منكسر القلب يقول يا رب لا تجعلني أشقى القوم اللهم لا تحل بيني وبين رحمتك بسبب ما كان من ذنبي وتقصيري فيدخل منكسر القلب فيرفعه الله بهذا الانكسار ويفتح عليه من الخشوع والقرب والدنو والإنابة من الله-U- الخير الكثير فإذا أراد أن يخرج خرج بالانكسار أيضاً خرج وهو يظن أنه أحقر الناس وأنه أقل الناس فلا يزال بهذا الاحتقار يرفع إلى درجات ، والعكس لربما دخل-والعياذ بالله- وهو لايفكر في شيء إلا أن يؤدي الصلاة فيدخل وقلبه خاوٍ-والعياذ بالله- ، ثم إذا خرج ظن وأنه كطالب علم أو كأنه بلغ منـزلة من نال العبادة وأنه ليس بالحال التي يعتقد بها القوم فلا يزال في سفال من الله-U- ، هذا الشعور حينما دخلت وأنت تقول يا رب لا تجعلني أشقى القوم معناه أنك تستشعر أن لله عليك حقاً أن تقف بين يديه أكمل الوقوف وأن تخشع بين يديه كمال الخشوع فلما استشعرت أن لله عليك هذا الحق جاهدت نفسك قبل العبادة ، ثم احتقرت نفسك وانتقصتها بعد العبادة فَبَلَّغَك الله بهذا مقام العابدين ، إذا لم يكن عندك هذا الشعور وبطبيعة العلم كإنسان صالح تقي فإنه جاءك بالنذر فأنت حينما تحس أنه نذر عليك وبينك وبين الله -U- أن تكون في هذا المقام الصالح على أكمل ما يكون عليه أهل العبادة قولاً وعملاً واعتقاداً كلما قصرت احتقرت نفسك فنحن نريد أن هذا الشعور أن يبقى معك ونريد هذا الأمر يبقى ملزماً لك أن تكون في أعلى المقامات واستعن بالله ولا تعجزن ، فإنها ما بينك وبين الجنة شيء فإنها أقرب إليك من شراك نعلك ، وليس بينك وبين النار شيء فإنها أقرب إليك من شراك نعلك كما أخبر رسول الله-r- ، وما هي إلا الأعمال والأقوال تدني إلى ذي العزة والجلال أو تنتهي إلى خسارة ووبال والمعصوم من عصمه ذو العزة والجلال ، فعلى العبد أن يتقي الله-U- وأن يحرص دائماً سواءً نذر أو لم ينذر على أن يكون في أكمل المقامات إذا دخل بيته رجا من الله أن يكون أبر الناس لوالديه وأكمل والد لولد وأعطفهم وأرحمهم على ذريته ومن ولاه الله من رعيته ، ثم إذا جا إلى عمله طمع في ربه أن يجعله في وظيفته وعمله ومكتبه على أحسن من يكون من تحمل الأمانة وقام بها فيرعاها حق رعايتها ويسأل الله أن يجعله موفقاً مسدداً ، وهكذا ينتقل من بر إلى بر ومن خير إلى خير فيتخوض في الرحمات ويفوز بأعالي الدرجات حتى ينتهي به الحال والأمر إلى الجنات .
- نسأل العظيم ، رب العرش الكريم ، أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل ، إنه ولي ذلك والقادر عليه - .
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .