عبيد الطوياوي
22-01-2016, 11:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اَلْرُّقَاْةُ وَبَعْضُ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ
https://www.youtube.com/watch?v=VXe9Iih6ug0
} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ { ، } يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ { ، } هُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { ، أَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ هُوَ ، وَحْدَهُ لَاْشَرِيْكَ لَهُ ، } لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ، الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ { وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيْلُهُ ، وَخِيْرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، أَرْسَلَهُ } بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ { صَلَّىْ اَللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً } إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ { .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
تَقْوَىْ اَللهِ U ، هِيَ خَيْرُ مَاْ يَتَزَوَّدُ بِهِ اَلْمُسْلِمُ فِيْ حَيَاْتِهِ لَيَنْجُوْ فِيْ مَعَاْدِهِ : } وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى { وَلِذَلِكَ كَاْنَتْ اَلْتَّقْوَىْ ، وَصِيَةُ اَللهِ U لِلْأَوَّلِيْنَ وَاَلْآخِرِيْنَ مِنْ عِبَاْدِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { فَاَتَّقُوْا اَللهَ ـ عِبَاْدَ اَللهِ ـ وَاَعْلَمُوْا ـ رَحِمَكُمْ اَللهُ ـ بِأَنَّ وُجُوْدَ اَلْجِنِ وَاَلْسِّحْرِ وَاَلْعَيْنِ ، مِمَّاْ جَاْءَ ذِكْرُهُ بِكِتَاْبِ اَللهِ U ، وَسُنَّةِ نَبِيْهِ e ، وَلَاْ يُنْكِرُهُ إِلَّاْ كَاْفِرٌ مُكَذِّبٌ بِهِمَاْ ، وَاَلْرُّقْيَةُ اَلْشَّرْعِيَّةُ ، مِمَّاْ يُعَاْلَجُ فَيْهِ مَنْ أُصِيْبَ بِشَئٍ مِمَّاْ ذَكَرْنَاْ ، وَمِنْ كَمَاْلِ اَلْإِسْلَاْمِ وَتَمَاْمِهِ ، أَنَّهُ بَيَّنَ أَحْكَاْمَ اَلْرُّقْيَةِ وَآدَاْبَهَاْ ، وَهِيَ مُعَاْلَجَةُ اَلْمَرِيْضِ بِتَلَاْوَةِ آيَاْتٍ مِنْ كِتَاْبِ اَللهِ U ، وَلِذَلِكَ عُرُفَتْ بِاَلْرُّقْيَةِ اَلْشَّرْعِيَةِ ، وَلَنْ تَكُوْنَ كَذَلِكَ ، إِلَّاْ إِذَاْ كَاْنَتْ مُوَاْفِقَةً لمَاْ جَاْءَ بِهِ اَلْشَّرْعُ ، وَأَمَرَ بِهِ اَلْدُّيْنُ ، أَيْ مَاْ اِقْتَضَاْهُ اَلْدَّلِيْلُ اَلْشَّرْعِيُ ، يَقُوْلُ U : } وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا { وَيَقُوْلُ سُبْحَاْنَهُ : } وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ { ، وَيَقُوْلُ شَيْخُ اَلْاِسْلِاْمِ اِبْنُ تَيْمِيَّة ـ رَحِمَهُ اَللهُ ـ لِمَّاْ سُأَلَ عَنْ مَشْرُوْعِيَّةِ اَلْرُّقْيَةِ : هَـذَاْ مِـنَ أَفْضَلِ اَلْأَعْمَاْلِ ، وَهُوَ مِنْ أَعْمَاْلِ اَلْأَنْبِيَاْءِ وَاَلْصَّاْلِحِيْنَ ؛ فَإِنَّهُ مَاْ زَاْلَ اَلْأَنْبِيَاْءُ وَاَلْصَّاْلِحُوْنَ ، يَدْفَعُونَ الشَّيَاطِينَ عَنْ بَنِي آدَمَ ، بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ، كَمَا كَانَ الْمَسِيحُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَكَمَا كَانَ نَبِيُّنَا e يَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ ، وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ، مِنْ حَدِيثِ مَطَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْنَقِ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي أُمُّ أَبَانَ بِنْتُ الْوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ ؛ عَنْ أَبِيهَا ، أَنَّ جَدَّهَا الزَّارِعَ انْطَلَقَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ e فَانْطَلَقَ مَعَهُ بِابْنٍ لَهُ مَجْنُونٍ - أَوْ ابْنِ أُخْتٍ لَهُ - قَالَ جَدِّي : فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ e قُلْت : إنَّ مَعِي ابْنًا لِي - أَوْ ابْنَ أُخْتٍ لِي - مَجْنُونٌ أَتَيْتُك بِهِ تَدْعُو اللَّهَ لَهُ . قَالَ e : (( ائْتِنِي بِهِ )) قَالَ : فَانْطَلَقْت بِهِ إلَيْهِ وَهُوَ فِي الرِّكَابِ ، فَأَطْلَقْت عَنْهُ ، وَأَلْقَيْت عَنْهُ ثِيَابَ السَّفَرِ ، وَأَلْبَسْته ثَوْبَيْنِ حَسَنَيْنِ ، وَأَخَذْت بِيَدِهِ ، حَتَّى انْتَهَيْت بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ e فَقَالَ : (( اُدْنُهُ مِنِّي ، اجْعَلْ ظَهْرَهُ مِمَّا يَلِينِية )) قَالَ : بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ ظَهْرَهُ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إبِطَيْهِ وَيَقُولُ : (( اُخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ ، اُخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ )) ، فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ نَظَرَ الصَّحِيحِ ـ أَيْ اَلْغُلَاْم ـ لَيْسَ بِنَظَرِهِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ أَقْعَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ e بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَدَعَا لَهُ بِمَاءِ ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَدَعَا لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَفْدِ أَحَدٌ بَعْدَ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ e يَفْضُلُ عَلَيْهِ .
فَاَلْرُّقْيَةُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مَشْرُوْعَةٌ بِاَلْكِتَاْبِ وَاَلْسُّنَّةِ ، فَعَلَهَاْ أَصْحَاْبُ اَلْنَّبِيِ e فِيْ عَهْدِهِ ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَىْ ذَلِكَ ، كَمَاْ فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ t ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ e ، أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ ـ أَيْ لَمْ يُضَيِّفُوْهُمْ ـ ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ ، إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ ، فَقَالُوا : هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ ؟ فَقَالُوا : إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا ، وَلاَ نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا ، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ ، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ ، فَقَالُوا : لاَ نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ e ، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ : (( وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ، خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ )) .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
فَرُقْيَةُ اَلْمَرْضَىْ وَمَنْهُمْ بِحَاْجَةٍ لَهَاْ ، أَمَرٌ لَاْ يُنْكِرَهُ مُسْلِمٌ عَاْقِلٌ ، وَلَكِنَّ اَلْمُصِيْبَةَ تَكْمُنُ بِمَاْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ اَلْرُّقَاْةِ فِيْ هَذَاْ اَلْزَّمَاْنِ ، حَيْثُ تَوَسَّعُوْا تَوَسُّعَاً عَجِيْبَاً فِيْ أَمْرِ اَلْرُّقْيَةِ ، وَاَرْتَكَبُوْا مَاْ اَللهُ بِهِ عَلِيْمٌ مِنْ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ ، بَلْ وَاَلْمُحَرَّمَاْتِ وَمَاْ لَيْسَ لَهُ عِلَاْقَةٌ بِاَلْرُّقْيَةِ اَلْوَاْرِدَةِ فِيْ اَلْكِتَاْبِ وَاَلْسُّنَّةِ ، وَمِنْ ذَلِكَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ جَعْلُ اَلْرُّقْيَةَ وَسِيْلَةً لِاْسْتِنْزَاْفِ جُيُوْبِ اَلْنَّاْسِ ، وَأَكْلَ أَمْوَاْلِهِمْ بِاَلْبَاْطِلِ ، وَنَحْنُ لَاْ نُنْكِرُ جَوَاْزَ أَخْذِ اَلْجُعْلِ عَلَىْ اَلْرُّقْيَةِ ، وَلَكِنَّنَاْ نُحَذِّرُ مِنَ اَلْمُبَاْلَغَةِ فِيْ ذَلِكَ ، وَجَعْلِ اَلْمَاْلِ غَاْيَةً لِلْرَّاْقِيْ مِنْ رُقْيَتِهِ ، وَإِرْهَاْقِهِ لِلْمَرْضَىْ وَخَاْصَةً اَلْفُقَرَاْءَ مِنْهُمْ ، وَاَللهِ اَلْعَظِيْمِ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَنَّهُ وُجِدَ مِنْ اَلْمَرْضَىْ ، مَنْ يَسْتَلِفْ أَوْ يَسْأَلْ مِنْ أَجْلِ اَلْرُّقْيَةِ عَنْدَ بَعْضِهِمْ ، وَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، عَنْ جَابِرٍ t قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ e ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أَرْقِي مِنَ الْحُمَّةِ ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنْهَا ، فَقَالَ e : (( مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ )) ، وَمبَاْلَغَةُ بَعْضِ اَلْرُّقَاْةِ ، بِأَخْذِ اَلْأَمْوَاْلِ اَلْطَّاْئِلَةِ عَلَىْ اَلْرُّقْيَةِ ، فَيْهِ مَضَرَّةٌ وَاْضِحَةٌ لِبَعْضِ اَلْمَرْضَىْ ، فَيُضِيْفُوْنَ إِلَىْ أَمْرَاْضِهِمْ أَخْذَ أَمْوَاْلِهِمْ ، مُسْتَغِلِّيْنَ حَاْجَتَهُمْ لِلْشِّفَاْءِ ، وَاَسْتِغْلَاْلُ اَلْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ حَرَّاْمٌ ، (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) كَمَاْ صَحَّ عَنْ اَلْنَّبِيِ e .
فَأَخْذُ اَلْأَمْوَاْلِ اَلْطَّاْئِلَةِ ، بِحُجَّةِ جَوَاْزِ أَخْذِ اَلْأَجْرِ عَلَىْ اَلْرُّقْيَةِ ، أَمْرٌ يَجِبُ أَنْ يَنْتَبَهَ إِلَيْهِ اَلْرُّقَاْةُ اَلَّذِيْنَ أَعْمَىْ حُبُّ اَلْمَاْلِ قُلُوْبَهُمْ ، وَكَذَلِكَ اَلْكَذِبُ وَاَلْإِدِّعَاْءَاْتُ اَلْبَاْطِلَةُ ، اَلَّتِيْ لَيْسَ عَلَيْهَاْ دَلِيْلٌ مِنَ اَلْقُرَّآنِ أَوْ اَلْسُّنَّةِ ، كَفِعْلِ أَكْثَرِهِمْ ، إِذَاْ جَاْءَهُ اَلْمَرِيْضُ ، فَلَاْ يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ ، إِلَّاْ وَقَدْ أَقْنَعَهُ بِأَنَّهُ مَجْنُوْنٌ أَوْ مَسْحُوْرٌ أَوْ مُصَاْبٌ بِعَيْنٍ ، وَقَدْ يَكُوْنُ اَلْمَرِيْضُ لَيْسَ فِيْهِ شَيْئِاً مِنْ ذَلِكَ ، قَدْ يَكُوْنُ مَاْ يُعَاْنِيْ مِنْهُ ، إِمَّاْ لِمَرَضٍ فِيْ جَسَدِهِ ، أَوْ لِسُوْءِ تَصَرُّفَاْتِهِ مَعَ مَجْرِيَاْتِ حَيَاْتِهِ ، أَوْ لِتَوَرُّطِهِ بِمَاْ أَفْسَدَ عَقْلَهُ ، كَاَلَّذِيْنَ يَسْتَعْمِلُوْنَ اَلْمُخَدِّرَاْتِ وَنَحْوَهَاْ ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَىْ حَاْلَاْتِ كَثِيْرٍ مِنْهُمْ .
فَلَيْسَ كُلَّ مَنْ اِخْتَلَّتْ حَيَاْتُهُ اَلْطَّبِيْعِيَّةُ مَجْنُوْنَاً أَوْ مَسْحُوْرَاً أَوْ مُصَاْبَاً بِعَيْنٍ ، فَلَاْ يَجُوْزُ وَلَاْ يَنْبَغِي ، لِلْرَّاْقِيْ أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ جُزَاْفَاً بِنَاْءً عَلَىْ تَجَاْرُبِهِ أَوْ تَجَاْرُبِ غَيْرِهِ ، اَلَّذِيْ لَيْسَ عَلَيْهَاْ دَلِيْلٌ مِنْ اَلْنَّقْلِ وَلَاْ اَلْعَقْلِ ، بَلْ بَعْضُهُمْ يُحَدِّدُ لِلْمَرِيْضِ مَنْ قَاْمَ بِسِحْرِهِ ، أَوْ مَنْ أَصَاْبَتْهُ عَيْنُهُ ، بِاَلْتَّلْمِيْحِ لَهُ بِصِفَاْةٍ مُعَيَّنَةٍ ، حَتَّىْ يَتَّهِمُ بَعْضَ أَقَاْرِبِهِ ، وَمَنْ يَحْتَكُّ بِهِمْ فِيْ مَعِيْشَتِهِ ، فَيَتَعَاْمَلُ مَعَهُمْ عَلَىْ حَسَبِ مَاْ قَاْلَ لَهُ هَذَاْ اَلْرَّاْقِيْ اَلْدَّجَّاْل ، وَاَلَّذِيْ أَيَّدَهُ وَضْعُهُ اَلْنَّفْسِيْ اَلْهَشُّ ، وَجَهْلُهُ اَلْخَطِيْرُ بِشَرْعِ رَبِّهِ ، سَأَلَنِيْ أَحَدُهُمْ ، عَنَ اَلَّذِيْنَ يَأْتُوْنَ لِلْرُّقْيَةِ ، مَاْهِيَ أَحْوَاْلُهُمْ ، فَقُلْتُ لَهُ بِاَلْأَلْفِ يَأْتِيْ وَاْحِدٌ أَشُكُّ أَنَّ فَيْهِ عَيْنٌ أَوْ سِحْرٌ أَوْ جَاْنٌ ، قَاْلَ صَدَقَتَ ، جَاْءَنِيْ أَحَدُ اَلْمَرْضَىْ ، فَقَرَأَتُ عَلَيْهِ أَلْفِيَّةَ بِنَ مَاْلِكٍ ، فَصُرِعَ .
فَأَيُ لَعِبٍ يَفْعَلُهُ بَعْضُ اَلْرُّقَاْةِ فِيْ عَقُوْلِ اَلْنَّاْسِ ، بَلْ بَعْضُهُمْ يُجْرِيْ مُقَاْبَلَةً مَعَ اَلْجِنِّ مِنْ خِلَاْلِ مَرِيْضِهِ ، مَاْ اُسْمُكَ ، أَمُسْلِمٌ أَمْ كَاْفِرٌ ، وَمَنْ أَيْنَ أَتَيْتَ ، وَلِمَاْذَاْ دَخَلْتَ ، وَمَنْ أَرْسَلَكَ ، وَمَنْ مَعَكَ ، وَيُحَدِّدُ لَهُ اَلْمَكَاْنَ اَلَّذِيْ سَيَخْرُجُ مِنْهُ ، وَيُصَدِّقُ قَوْلَهُ لِجَهْلِهِ ، وَمِمَّاْ يَدُلُّ عَلَىْ عَدَمِ جَوَاْزِ ذَلِكَ ، فِعْلُ اَلْنَّبِيِ e ، لِمَّاْ جَاْءَهُ اَلْغُلَاْمُ اَلْمَجْنُوْنُ ، لَمْ يُحَاْوِرْ جِنِّيَّهُ كَمَاْ يَفْعَلُ هَؤُلَاْءِ ، إِنَّمَاْ قَاْلَ : (( اُخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ ، اُخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ )) فَلَاْ يَنْبَغِيْ لِلْرَّاْقِيْ ، أَنْ يَبْنِيَ أَحْكَاْمَهُ ، وَيُوَجِّهَ مَرْضَاْهُ ، بِنَاْءً عَلَىْ مَاْ يَسْمَعُهُ مِنْ اَلْمَرِيْضِ ، فَقَدْ يَتَكَلَّمُ اَلْمَرِيْضُ لِهَوَسٍ فِيْ عَقْلِهِ ، أَوْ لِمَرَضٍ فِيْ نَفْسِهِ ، أَوْ لِأَمْرٍ يُرِيْدُ أَنْ يُوْصِلَهُ لِغَيْرِهْ .
وَحَتَّىْ لَوْ فَرَضْنَاْ جَدَلَاً ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَنَّ اَلْجِنِيَ هُوَ اَلَّذِيْ يَتَكَلَّمُ عَلَىْ لِسَاْنِ اَلْمَرِيْضِ ، فَلَاْ يَجُوْزُ لَنَاْ أَنْ نُصَدِّقَهُ وَأَنْ نَبْنِيَ أَحْكَاْمَاً عَلَىْ كَلَاْمِهِ ، وَلَاْ يَنْبَغِيْ لَنَاْ أَنْ نَجْعَلَ اَلْمَرِيْضَ يَعِيْشُ عَلَىْ ضَوْءِ أَقْوَاْلِهِ ، لِأَنَّ اَللهَ U يَقُوْلُ : } إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا { فَأَيُ وَسِيْلَةٍ ، وَأَيُ طَرِيْقَةٍ ، يَتَبَيَّنُ بِهَاْ هَؤُلَاْءِ .
فَلْنَتَّقِ اَللهَ ـ أَحِبَتِيْ فِيْ اَللهِ ـ وَلْنَكُنْ كَمَاْ قَاْلَ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ : } قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ { بَاْرَكَ اَللهُ لِيْ وَلَكُمْ بِاَلْقُرَّآْنِ اَلْعَظِيْمِ ، وَنَفَعَنِيْ وَإِيَّاْكُمْ بِمَاْ فَيْهِ مِنَ اَلْآيَاْتِ وَاَلْذِّكْرِ اَلْحَكِيْمِ ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَاَسْتَغْفِرُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ .
الخطبة الثانية
اَلْحَمْدُ لِلهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَاَلْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَاَمْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ اَلْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
وَمِنَ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ اَلَّتِيْ يَقَعُ فِيْهَاْ بَعْضُ اَلْرُّقَاْةِ ، اَلْخَلْوَةُ بِاَلْمَرْأَةِ بِحُجَّةِ رُقْيَتِهَاْ ، وَلَاْ شَكَّ أَنَّ اَلْخَلْوَةَ بِاَلْمَرْأَةِ ، قَدْ يُفْضِيْ إِلَىْ مَاْلَاْ تُحْمَدُ عُقْبَاْهُ ، وَلِذَلِكَ حَذَّرَ مِنْهُ اَلْنَّبِيُ e ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، يَقُوْلُ : (( لَاْ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ، إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا )) ، وَكَذَلِكَ مِنَ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ اَلْخَطِيْرَةِ ، مَسُّ اَلْرَّاْقِيِ لِشَيْئٍ مِنْ جَسَدِ اَلْمَرْأَةِ ، كَرَقَبَتِهَاْ أَوْ ظَهْرِهَاْ أَوْ صَدْرِهَاْ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَاْ لَاْ يَجُوْزُ ، لِمَاْ فِيْهِ مِنَ اَلْفِتْنَةِ ، وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، بِحُجَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوْزُ عَنْدَ اَلْضَّرُوْرَةِ لِلْطَّبِيْبِ ، وَهُنَاْكَ فَرْقٌ بَيْنَ عَمَلِ اَلْرَّاْقِيْ وَعَمَلِ اَلْطَّبِيْبِ ؛ لِأَنَّ اَلْطَّبِيْبَ قَدْ لَاْ يُمْكِنُهُ اَلْعِلَاْجَ إِلَّاْ بِمَسِ اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِيْ يُرِيْدُ أَنْ يُعَاْلِجَهُ ، بِخِلَاْفِ اَلْرَّاْقِي ، فَإِنَّ عَمَلَهُ - وَهُوَ اَلْقِرَاْءَةُ وَاَلْنَّفْثُ - لَاْ يَتَوَقَّفَ عَلَىْ اَلْلِّمْسِ .
وَمِنْ مُخَاْلَفَاْتِهِمْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ كِتَاْبَةُ شَيْئٍ مِنْ آيَاْتِ اَلْقُرْآنِ أَوْ اَلْآدْعِيَةِ ، وَتَكْلِيْفُ اَلْمَرِيْضِ بِإِلْصَاْقِهَاْ عَلَىْ شَيْئٍ مِنْ جَسَدِهِ ، أَوْ وَضْعِهَاْ فِيْ عُنُقِهِ ، أَوْ تَحْتَ فِرَاْشِهِ ، فَهَذَاْ لَاْ يَجُوْزُ شَرْعَاً ، لِأَنَّهُ مِنْ تَعْلِيْقِ اَلْتَّمَاْئِمِ اَلْمَنْهِيْ عَنْهَاْ ، يَقُوْلُ e : (( مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ )) .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
هَذِهِ بَعْضُ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ ، اَلَّتِيْ يَقَعُ فِيْهَاْ بَعْضُ رُقَاْتِنَاْ ـ هَدَاْهُمُ اَلله ـ يَنْبَغِيَ اَلْحَذَرُ مِنْهَاْ ، وَاَلْتَّنْبِيْهُ عَنْهَاْ ، وَخَاْصَةً فِيْ هَذَاْ اَلْزَّمَنْ ، اَلَّذِيْ أَصَاْبَ فَيْهِ اَلْوَهْنُ وَاَلْهَلَعُ كَثِيْرَاً مِنَ اَلْنَّاْسِ ، وَلَاْ سِيَّمَاْ اَلْنِّسَاْء ، اَلْلَّاْتِيْ يُشَكِّلْنَ اَلْنِّسْبَةَ اَلْعُظْمَىْ ، مِنَ اَلَّذِيْنَ يَتَرَدَّدُوْنَ عَلَىْ أَبْوَاْبِ اَلْرُّقَاْةِ ، وَبَعْضُهُنَّ تَفْعَلُ ذَلِكَ ، بِأَنَّهَاْ مَحْسُوْدَةٌ أَوْ مَسْحُوْرَةٌ أَوْ مَعْشُوْقَةٌ لِلْجِنِّ ، لِلْتَّبَاْهِى بَيْنَ اَلْنَّاْسِ .
اَسْأَلُ اَللهَ U أَنْ يُوَفِّقَنَاْ لِهُدَاْهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَاْ فِيْ رِضَاْهُ ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَاْ اَلْفِتَنَ مَاْ ظَهَرَ مِنْهَاْ وَمَاْ بَطَنَ ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ . اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ وَأَنْتَ فِيْ عَلْيَاْئِكَ ، أَنْ تَهْدِيَ شَبَاْبَنَاْ وَنِسَاْءَنَاْ ، وَأَنْ تَجْعَلَهُمْ هُدَاْةً مُهْتَدِيْنَ ، لَاْ ضَاْلِيْنَ وَلَاْ مُظِلِّيْنَ يَاْرَبَّ اَلْعَاْلَمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ اَلْمَهْمُوْمِيْنَ مِنَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَنَفِّسْ كُرَبَ اَلْمَكْرُوْبِيْنَ مِنْ عِبَاْدِكَ اَلْمُؤْمِنِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ مَنْ أَرَاْدَنَاْ ، أَوْ أَرَاْدَ بِلَاْدَنَاْ ، أَوْ أَرَاْدَ وُحْدَتَنَاْ بِسُوْءٍ ، فَاَلْلَّهُمَّ أَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَاَجْعَلْ كَيْدَهُ فِيْ نَحْرِهِ ، وَاَجْعَلْ تَدْبِيْرَهُ سَبَبَاً لِتَدْمِيْرِهِ ، يَاَقَوُيَّ يَاْ عَزِيْز . اللّهُمّ أَنْتَ اللّهُ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ ، تَفْعَلُ مَاْ تَشَاْءُ وَمَاْ تُرِيدُ ، وَأَنْتَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيْدُ ، وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ وَاَلْعَبِيْدُ ، اَلْلّهُمّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْقَاْنِطِيْنَ ،اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيعًا طَبَقًا غَدَقًا غَيْرَ رَائِثٍ ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ . } رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَاْدَ اَللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .
اَلْرُّقَاْةُ وَبَعْضُ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ
https://www.youtube.com/watch?v=VXe9Iih6ug0
} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ { ، } يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ { ، } هُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { ، أَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ هُوَ ، وَحْدَهُ لَاْشَرِيْكَ لَهُ ، } لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ، الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ { وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيْلُهُ ، وَخِيْرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، أَرْسَلَهُ } بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ { صَلَّىْ اَللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً } إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ { .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
تَقْوَىْ اَللهِ U ، هِيَ خَيْرُ مَاْ يَتَزَوَّدُ بِهِ اَلْمُسْلِمُ فِيْ حَيَاْتِهِ لَيَنْجُوْ فِيْ مَعَاْدِهِ : } وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى { وَلِذَلِكَ كَاْنَتْ اَلْتَّقْوَىْ ، وَصِيَةُ اَللهِ U لِلْأَوَّلِيْنَ وَاَلْآخِرِيْنَ مِنْ عِبَاْدِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { فَاَتَّقُوْا اَللهَ ـ عِبَاْدَ اَللهِ ـ وَاَعْلَمُوْا ـ رَحِمَكُمْ اَللهُ ـ بِأَنَّ وُجُوْدَ اَلْجِنِ وَاَلْسِّحْرِ وَاَلْعَيْنِ ، مِمَّاْ جَاْءَ ذِكْرُهُ بِكِتَاْبِ اَللهِ U ، وَسُنَّةِ نَبِيْهِ e ، وَلَاْ يُنْكِرُهُ إِلَّاْ كَاْفِرٌ مُكَذِّبٌ بِهِمَاْ ، وَاَلْرُّقْيَةُ اَلْشَّرْعِيَّةُ ، مِمَّاْ يُعَاْلَجُ فَيْهِ مَنْ أُصِيْبَ بِشَئٍ مِمَّاْ ذَكَرْنَاْ ، وَمِنْ كَمَاْلِ اَلْإِسْلَاْمِ وَتَمَاْمِهِ ، أَنَّهُ بَيَّنَ أَحْكَاْمَ اَلْرُّقْيَةِ وَآدَاْبَهَاْ ، وَهِيَ مُعَاْلَجَةُ اَلْمَرِيْضِ بِتَلَاْوَةِ آيَاْتٍ مِنْ كِتَاْبِ اَللهِ U ، وَلِذَلِكَ عُرُفَتْ بِاَلْرُّقْيَةِ اَلْشَّرْعِيَةِ ، وَلَنْ تَكُوْنَ كَذَلِكَ ، إِلَّاْ إِذَاْ كَاْنَتْ مُوَاْفِقَةً لمَاْ جَاْءَ بِهِ اَلْشَّرْعُ ، وَأَمَرَ بِهِ اَلْدُّيْنُ ، أَيْ مَاْ اِقْتَضَاْهُ اَلْدَّلِيْلُ اَلْشَّرْعِيُ ، يَقُوْلُ U : } وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا { وَيَقُوْلُ سُبْحَاْنَهُ : } وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ { ، وَيَقُوْلُ شَيْخُ اَلْاِسْلِاْمِ اِبْنُ تَيْمِيَّة ـ رَحِمَهُ اَللهُ ـ لِمَّاْ سُأَلَ عَنْ مَشْرُوْعِيَّةِ اَلْرُّقْيَةِ : هَـذَاْ مِـنَ أَفْضَلِ اَلْأَعْمَاْلِ ، وَهُوَ مِنْ أَعْمَاْلِ اَلْأَنْبِيَاْءِ وَاَلْصَّاْلِحِيْنَ ؛ فَإِنَّهُ مَاْ زَاْلَ اَلْأَنْبِيَاْءُ وَاَلْصَّاْلِحُوْنَ ، يَدْفَعُونَ الشَّيَاطِينَ عَنْ بَنِي آدَمَ ، بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ، كَمَا كَانَ الْمَسِيحُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَكَمَا كَانَ نَبِيُّنَا e يَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ ، وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ، مِنْ حَدِيثِ مَطَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْنَقِ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي أُمُّ أَبَانَ بِنْتُ الْوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ ؛ عَنْ أَبِيهَا ، أَنَّ جَدَّهَا الزَّارِعَ انْطَلَقَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ e فَانْطَلَقَ مَعَهُ بِابْنٍ لَهُ مَجْنُونٍ - أَوْ ابْنِ أُخْتٍ لَهُ - قَالَ جَدِّي : فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ e قُلْت : إنَّ مَعِي ابْنًا لِي - أَوْ ابْنَ أُخْتٍ لِي - مَجْنُونٌ أَتَيْتُك بِهِ تَدْعُو اللَّهَ لَهُ . قَالَ e : (( ائْتِنِي بِهِ )) قَالَ : فَانْطَلَقْت بِهِ إلَيْهِ وَهُوَ فِي الرِّكَابِ ، فَأَطْلَقْت عَنْهُ ، وَأَلْقَيْت عَنْهُ ثِيَابَ السَّفَرِ ، وَأَلْبَسْته ثَوْبَيْنِ حَسَنَيْنِ ، وَأَخَذْت بِيَدِهِ ، حَتَّى انْتَهَيْت بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ e فَقَالَ : (( اُدْنُهُ مِنِّي ، اجْعَلْ ظَهْرَهُ مِمَّا يَلِينِية )) قَالَ : بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ ظَهْرَهُ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إبِطَيْهِ وَيَقُولُ : (( اُخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ ، اُخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ )) ، فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ نَظَرَ الصَّحِيحِ ـ أَيْ اَلْغُلَاْم ـ لَيْسَ بِنَظَرِهِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ أَقْعَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ e بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَدَعَا لَهُ بِمَاءِ ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَدَعَا لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَفْدِ أَحَدٌ بَعْدَ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ e يَفْضُلُ عَلَيْهِ .
فَاَلْرُّقْيَةُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مَشْرُوْعَةٌ بِاَلْكِتَاْبِ وَاَلْسُّنَّةِ ، فَعَلَهَاْ أَصْحَاْبُ اَلْنَّبِيِ e فِيْ عَهْدِهِ ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَىْ ذَلِكَ ، كَمَاْ فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ t ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ e ، أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ ـ أَيْ لَمْ يُضَيِّفُوْهُمْ ـ ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ ، إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ ، فَقَالُوا : هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ ؟ فَقَالُوا : إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا ، وَلاَ نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا ، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ ، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ ، فَقَالُوا : لاَ نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ e ، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ : (( وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ، خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ )) .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
فَرُقْيَةُ اَلْمَرْضَىْ وَمَنْهُمْ بِحَاْجَةٍ لَهَاْ ، أَمَرٌ لَاْ يُنْكِرَهُ مُسْلِمٌ عَاْقِلٌ ، وَلَكِنَّ اَلْمُصِيْبَةَ تَكْمُنُ بِمَاْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ اَلْرُّقَاْةِ فِيْ هَذَاْ اَلْزَّمَاْنِ ، حَيْثُ تَوَسَّعُوْا تَوَسُّعَاً عَجِيْبَاً فِيْ أَمْرِ اَلْرُّقْيَةِ ، وَاَرْتَكَبُوْا مَاْ اَللهُ بِهِ عَلِيْمٌ مِنْ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ ، بَلْ وَاَلْمُحَرَّمَاْتِ وَمَاْ لَيْسَ لَهُ عِلَاْقَةٌ بِاَلْرُّقْيَةِ اَلْوَاْرِدَةِ فِيْ اَلْكِتَاْبِ وَاَلْسُّنَّةِ ، وَمِنْ ذَلِكَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ جَعْلُ اَلْرُّقْيَةَ وَسِيْلَةً لِاْسْتِنْزَاْفِ جُيُوْبِ اَلْنَّاْسِ ، وَأَكْلَ أَمْوَاْلِهِمْ بِاَلْبَاْطِلِ ، وَنَحْنُ لَاْ نُنْكِرُ جَوَاْزَ أَخْذِ اَلْجُعْلِ عَلَىْ اَلْرُّقْيَةِ ، وَلَكِنَّنَاْ نُحَذِّرُ مِنَ اَلْمُبَاْلَغَةِ فِيْ ذَلِكَ ، وَجَعْلِ اَلْمَاْلِ غَاْيَةً لِلْرَّاْقِيْ مِنْ رُقْيَتِهِ ، وَإِرْهَاْقِهِ لِلْمَرْضَىْ وَخَاْصَةً اَلْفُقَرَاْءَ مِنْهُمْ ، وَاَللهِ اَلْعَظِيْمِ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَنَّهُ وُجِدَ مِنْ اَلْمَرْضَىْ ، مَنْ يَسْتَلِفْ أَوْ يَسْأَلْ مِنْ أَجْلِ اَلْرُّقْيَةِ عَنْدَ بَعْضِهِمْ ، وَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، عَنْ جَابِرٍ t قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ e ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أَرْقِي مِنَ الْحُمَّةِ ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنْهَا ، فَقَالَ e : (( مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ )) ، وَمبَاْلَغَةُ بَعْضِ اَلْرُّقَاْةِ ، بِأَخْذِ اَلْأَمْوَاْلِ اَلْطَّاْئِلَةِ عَلَىْ اَلْرُّقْيَةِ ، فَيْهِ مَضَرَّةٌ وَاْضِحَةٌ لِبَعْضِ اَلْمَرْضَىْ ، فَيُضِيْفُوْنَ إِلَىْ أَمْرَاْضِهِمْ أَخْذَ أَمْوَاْلِهِمْ ، مُسْتَغِلِّيْنَ حَاْجَتَهُمْ لِلْشِّفَاْءِ ، وَاَسْتِغْلَاْلُ اَلْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ حَرَّاْمٌ ، (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) كَمَاْ صَحَّ عَنْ اَلْنَّبِيِ e .
فَأَخْذُ اَلْأَمْوَاْلِ اَلْطَّاْئِلَةِ ، بِحُجَّةِ جَوَاْزِ أَخْذِ اَلْأَجْرِ عَلَىْ اَلْرُّقْيَةِ ، أَمْرٌ يَجِبُ أَنْ يَنْتَبَهَ إِلَيْهِ اَلْرُّقَاْةُ اَلَّذِيْنَ أَعْمَىْ حُبُّ اَلْمَاْلِ قُلُوْبَهُمْ ، وَكَذَلِكَ اَلْكَذِبُ وَاَلْإِدِّعَاْءَاْتُ اَلْبَاْطِلَةُ ، اَلَّتِيْ لَيْسَ عَلَيْهَاْ دَلِيْلٌ مِنَ اَلْقُرَّآنِ أَوْ اَلْسُّنَّةِ ، كَفِعْلِ أَكْثَرِهِمْ ، إِذَاْ جَاْءَهُ اَلْمَرِيْضُ ، فَلَاْ يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ ، إِلَّاْ وَقَدْ أَقْنَعَهُ بِأَنَّهُ مَجْنُوْنٌ أَوْ مَسْحُوْرٌ أَوْ مُصَاْبٌ بِعَيْنٍ ، وَقَدْ يَكُوْنُ اَلْمَرِيْضُ لَيْسَ فِيْهِ شَيْئِاً مِنْ ذَلِكَ ، قَدْ يَكُوْنُ مَاْ يُعَاْنِيْ مِنْهُ ، إِمَّاْ لِمَرَضٍ فِيْ جَسَدِهِ ، أَوْ لِسُوْءِ تَصَرُّفَاْتِهِ مَعَ مَجْرِيَاْتِ حَيَاْتِهِ ، أَوْ لِتَوَرُّطِهِ بِمَاْ أَفْسَدَ عَقْلَهُ ، كَاَلَّذِيْنَ يَسْتَعْمِلُوْنَ اَلْمُخَدِّرَاْتِ وَنَحْوَهَاْ ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَىْ حَاْلَاْتِ كَثِيْرٍ مِنْهُمْ .
فَلَيْسَ كُلَّ مَنْ اِخْتَلَّتْ حَيَاْتُهُ اَلْطَّبِيْعِيَّةُ مَجْنُوْنَاً أَوْ مَسْحُوْرَاً أَوْ مُصَاْبَاً بِعَيْنٍ ، فَلَاْ يَجُوْزُ وَلَاْ يَنْبَغِي ، لِلْرَّاْقِيْ أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ جُزَاْفَاً بِنَاْءً عَلَىْ تَجَاْرُبِهِ أَوْ تَجَاْرُبِ غَيْرِهِ ، اَلَّذِيْ لَيْسَ عَلَيْهَاْ دَلِيْلٌ مِنْ اَلْنَّقْلِ وَلَاْ اَلْعَقْلِ ، بَلْ بَعْضُهُمْ يُحَدِّدُ لِلْمَرِيْضِ مَنْ قَاْمَ بِسِحْرِهِ ، أَوْ مَنْ أَصَاْبَتْهُ عَيْنُهُ ، بِاَلْتَّلْمِيْحِ لَهُ بِصِفَاْةٍ مُعَيَّنَةٍ ، حَتَّىْ يَتَّهِمُ بَعْضَ أَقَاْرِبِهِ ، وَمَنْ يَحْتَكُّ بِهِمْ فِيْ مَعِيْشَتِهِ ، فَيَتَعَاْمَلُ مَعَهُمْ عَلَىْ حَسَبِ مَاْ قَاْلَ لَهُ هَذَاْ اَلْرَّاْقِيْ اَلْدَّجَّاْل ، وَاَلَّذِيْ أَيَّدَهُ وَضْعُهُ اَلْنَّفْسِيْ اَلْهَشُّ ، وَجَهْلُهُ اَلْخَطِيْرُ بِشَرْعِ رَبِّهِ ، سَأَلَنِيْ أَحَدُهُمْ ، عَنَ اَلَّذِيْنَ يَأْتُوْنَ لِلْرُّقْيَةِ ، مَاْهِيَ أَحْوَاْلُهُمْ ، فَقُلْتُ لَهُ بِاَلْأَلْفِ يَأْتِيْ وَاْحِدٌ أَشُكُّ أَنَّ فَيْهِ عَيْنٌ أَوْ سِحْرٌ أَوْ جَاْنٌ ، قَاْلَ صَدَقَتَ ، جَاْءَنِيْ أَحَدُ اَلْمَرْضَىْ ، فَقَرَأَتُ عَلَيْهِ أَلْفِيَّةَ بِنَ مَاْلِكٍ ، فَصُرِعَ .
فَأَيُ لَعِبٍ يَفْعَلُهُ بَعْضُ اَلْرُّقَاْةِ فِيْ عَقُوْلِ اَلْنَّاْسِ ، بَلْ بَعْضُهُمْ يُجْرِيْ مُقَاْبَلَةً مَعَ اَلْجِنِّ مِنْ خِلَاْلِ مَرِيْضِهِ ، مَاْ اُسْمُكَ ، أَمُسْلِمٌ أَمْ كَاْفِرٌ ، وَمَنْ أَيْنَ أَتَيْتَ ، وَلِمَاْذَاْ دَخَلْتَ ، وَمَنْ أَرْسَلَكَ ، وَمَنْ مَعَكَ ، وَيُحَدِّدُ لَهُ اَلْمَكَاْنَ اَلَّذِيْ سَيَخْرُجُ مِنْهُ ، وَيُصَدِّقُ قَوْلَهُ لِجَهْلِهِ ، وَمِمَّاْ يَدُلُّ عَلَىْ عَدَمِ جَوَاْزِ ذَلِكَ ، فِعْلُ اَلْنَّبِيِ e ، لِمَّاْ جَاْءَهُ اَلْغُلَاْمُ اَلْمَجْنُوْنُ ، لَمْ يُحَاْوِرْ جِنِّيَّهُ كَمَاْ يَفْعَلُ هَؤُلَاْءِ ، إِنَّمَاْ قَاْلَ : (( اُخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ ، اُخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ )) فَلَاْ يَنْبَغِيْ لِلْرَّاْقِيْ ، أَنْ يَبْنِيَ أَحْكَاْمَهُ ، وَيُوَجِّهَ مَرْضَاْهُ ، بِنَاْءً عَلَىْ مَاْ يَسْمَعُهُ مِنْ اَلْمَرِيْضِ ، فَقَدْ يَتَكَلَّمُ اَلْمَرِيْضُ لِهَوَسٍ فِيْ عَقْلِهِ ، أَوْ لِمَرَضٍ فِيْ نَفْسِهِ ، أَوْ لِأَمْرٍ يُرِيْدُ أَنْ يُوْصِلَهُ لِغَيْرِهْ .
وَحَتَّىْ لَوْ فَرَضْنَاْ جَدَلَاً ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَنَّ اَلْجِنِيَ هُوَ اَلَّذِيْ يَتَكَلَّمُ عَلَىْ لِسَاْنِ اَلْمَرِيْضِ ، فَلَاْ يَجُوْزُ لَنَاْ أَنْ نُصَدِّقَهُ وَأَنْ نَبْنِيَ أَحْكَاْمَاً عَلَىْ كَلَاْمِهِ ، وَلَاْ يَنْبَغِيْ لَنَاْ أَنْ نَجْعَلَ اَلْمَرِيْضَ يَعِيْشُ عَلَىْ ضَوْءِ أَقْوَاْلِهِ ، لِأَنَّ اَللهَ U يَقُوْلُ : } إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا { فَأَيُ وَسِيْلَةٍ ، وَأَيُ طَرِيْقَةٍ ، يَتَبَيَّنُ بِهَاْ هَؤُلَاْءِ .
فَلْنَتَّقِ اَللهَ ـ أَحِبَتِيْ فِيْ اَللهِ ـ وَلْنَكُنْ كَمَاْ قَاْلَ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ : } قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ { بَاْرَكَ اَللهُ لِيْ وَلَكُمْ بِاَلْقُرَّآْنِ اَلْعَظِيْمِ ، وَنَفَعَنِيْ وَإِيَّاْكُمْ بِمَاْ فَيْهِ مِنَ اَلْآيَاْتِ وَاَلْذِّكْرِ اَلْحَكِيْمِ ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَاَسْتَغْفِرُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ .
الخطبة الثانية
اَلْحَمْدُ لِلهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَاَلْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَاَمْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ اَلْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
وَمِنَ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ اَلَّتِيْ يَقَعُ فِيْهَاْ بَعْضُ اَلْرُّقَاْةِ ، اَلْخَلْوَةُ بِاَلْمَرْأَةِ بِحُجَّةِ رُقْيَتِهَاْ ، وَلَاْ شَكَّ أَنَّ اَلْخَلْوَةَ بِاَلْمَرْأَةِ ، قَدْ يُفْضِيْ إِلَىْ مَاْلَاْ تُحْمَدُ عُقْبَاْهُ ، وَلِذَلِكَ حَذَّرَ مِنْهُ اَلْنَّبِيُ e ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، يَقُوْلُ : (( لَاْ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ، إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا )) ، وَكَذَلِكَ مِنَ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ اَلْخَطِيْرَةِ ، مَسُّ اَلْرَّاْقِيِ لِشَيْئٍ مِنْ جَسَدِ اَلْمَرْأَةِ ، كَرَقَبَتِهَاْ أَوْ ظَهْرِهَاْ أَوْ صَدْرِهَاْ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَاْ لَاْ يَجُوْزُ ، لِمَاْ فِيْهِ مِنَ اَلْفِتْنَةِ ، وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، بِحُجَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوْزُ عَنْدَ اَلْضَّرُوْرَةِ لِلْطَّبِيْبِ ، وَهُنَاْكَ فَرْقٌ بَيْنَ عَمَلِ اَلْرَّاْقِيْ وَعَمَلِ اَلْطَّبِيْبِ ؛ لِأَنَّ اَلْطَّبِيْبَ قَدْ لَاْ يُمْكِنُهُ اَلْعِلَاْجَ إِلَّاْ بِمَسِ اَلْمَوْضِعِ اَلَّذِيْ يُرِيْدُ أَنْ يُعَاْلِجَهُ ، بِخِلَاْفِ اَلْرَّاْقِي ، فَإِنَّ عَمَلَهُ - وَهُوَ اَلْقِرَاْءَةُ وَاَلْنَّفْثُ - لَاْ يَتَوَقَّفَ عَلَىْ اَلْلِّمْسِ .
وَمِنْ مُخَاْلَفَاْتِهِمْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ كِتَاْبَةُ شَيْئٍ مِنْ آيَاْتِ اَلْقُرْآنِ أَوْ اَلْآدْعِيَةِ ، وَتَكْلِيْفُ اَلْمَرِيْضِ بِإِلْصَاْقِهَاْ عَلَىْ شَيْئٍ مِنْ جَسَدِهِ ، أَوْ وَضْعِهَاْ فِيْ عُنُقِهِ ، أَوْ تَحْتَ فِرَاْشِهِ ، فَهَذَاْ لَاْ يَجُوْزُ شَرْعَاً ، لِأَنَّهُ مِنْ تَعْلِيْقِ اَلْتَّمَاْئِمِ اَلْمَنْهِيْ عَنْهَاْ ، يَقُوْلُ e : (( مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ )) .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
هَذِهِ بَعْضُ اَلْمُخَاْلَفَاْتِ ، اَلَّتِيْ يَقَعُ فِيْهَاْ بَعْضُ رُقَاْتِنَاْ ـ هَدَاْهُمُ اَلله ـ يَنْبَغِيَ اَلْحَذَرُ مِنْهَاْ ، وَاَلْتَّنْبِيْهُ عَنْهَاْ ، وَخَاْصَةً فِيْ هَذَاْ اَلْزَّمَنْ ، اَلَّذِيْ أَصَاْبَ فَيْهِ اَلْوَهْنُ وَاَلْهَلَعُ كَثِيْرَاً مِنَ اَلْنَّاْسِ ، وَلَاْ سِيَّمَاْ اَلْنِّسَاْء ، اَلْلَّاْتِيْ يُشَكِّلْنَ اَلْنِّسْبَةَ اَلْعُظْمَىْ ، مِنَ اَلَّذِيْنَ يَتَرَدَّدُوْنَ عَلَىْ أَبْوَاْبِ اَلْرُّقَاْةِ ، وَبَعْضُهُنَّ تَفْعَلُ ذَلِكَ ، بِأَنَّهَاْ مَحْسُوْدَةٌ أَوْ مَسْحُوْرَةٌ أَوْ مَعْشُوْقَةٌ لِلْجِنِّ ، لِلْتَّبَاْهِى بَيْنَ اَلْنَّاْسِ .
اَسْأَلُ اَللهَ U أَنْ يُوَفِّقَنَاْ لِهُدَاْهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَاْ فِيْ رِضَاْهُ ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَاْ اَلْفِتَنَ مَاْ ظَهَرَ مِنْهَاْ وَمَاْ بَطَنَ ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ . اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ وَأَنْتَ فِيْ عَلْيَاْئِكَ ، أَنْ تَهْدِيَ شَبَاْبَنَاْ وَنِسَاْءَنَاْ ، وَأَنْ تَجْعَلَهُمْ هُدَاْةً مُهْتَدِيْنَ ، لَاْ ضَاْلِيْنَ وَلَاْ مُظِلِّيْنَ يَاْرَبَّ اَلْعَاْلَمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ اَلْمَهْمُوْمِيْنَ مِنَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَنَفِّسْ كُرَبَ اَلْمَكْرُوْبِيْنَ مِنْ عِبَاْدِكَ اَلْمُؤْمِنِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ مَنْ أَرَاْدَنَاْ ، أَوْ أَرَاْدَ بِلَاْدَنَاْ ، أَوْ أَرَاْدَ وُحْدَتَنَاْ بِسُوْءٍ ، فَاَلْلَّهُمَّ أَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَاَجْعَلْ كَيْدَهُ فِيْ نَحْرِهِ ، وَاَجْعَلْ تَدْبِيْرَهُ سَبَبَاً لِتَدْمِيْرِهِ ، يَاَقَوُيَّ يَاْ عَزِيْز . اللّهُمّ أَنْتَ اللّهُ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ ، تَفْعَلُ مَاْ تَشَاْءُ وَمَاْ تُرِيدُ ، وَأَنْتَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيْدُ ، وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ وَاَلْعَبِيْدُ ، اَلْلّهُمّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْقَاْنِطِيْنَ ،اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيعًا طَبَقًا غَدَقًا غَيْرَ رَائِثٍ ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ . } رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَاْدَ اَللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .