عبيد الطوياوي
23-03-2016, 09:45 AM
https://www.youtube.com/watch?v=uB7z5tikSJg&feature=youtube_gdata
حَقِيْقَةُ اَلْدُّنْيَاْ
إِنَّ اَلْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَهْدِيْه ، وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، وَنَعُوْذُ بِهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفِسِنَاْ ، وَسَيِّئَاْتِ أَعْمَاْلِنَاْ . مَنْ يَهْدِهِ اَللهُ فَلَاْ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَاْ هَاْدِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
تَقْوَىْ اَللهِ ، وَصِيَتُهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَاْنَ قَبْلَكُمْ ، يَقُوْلُ مِنْ قَاْئِلٍ : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ . فَاَتَّقُوْا اَللهَ عِبَاْدَ اَللهِ ، جَعَلَنِيْ اَللهُ وَإِيَّاْكُمْ مِنْ عِبَاْدِهِ اَلْمُتَّقِيْن .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ اَلْمُؤْمِنُوْنَ :
يَقُوْلُ : اِعْلَمُوا أَنَّمَاْ اَلْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ، وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ، وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ، ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ .
فَفِيْ هَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْكَرِيْمَةِ اَلْعَظِيْمَةِ ، يُبَيِّنُ ، حَقِيْقَةَ اَلْدُّنْيَاْ . يُبَيِّنُهَاْ لِأَنَّهُ هُوَ اَلَّذِيْ خَلَقَهَاْ ، وَهُوَ اَلْعَاْلِمُ بِهَاْ ، وَاَلْخَبِيْرُ بِصِفَاْتِهَاْ . هَذِهِ اَلْدُّنْيَاْ ، أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ اَلَّتِيْ تَعَلَّقَتْ بِهَاْ اَلْنُّفُوْسُ ، وَاَطْمَأَنَّتْ لَهَاْ اَلْقُلُوْبُ ، وَهَاْمَتْ بِحُبِّهَاْ اَلْأَفْئِدَةُ ، مَاْ حَقِيْقَتُهَاْ ؟ وَمَاْ هُوَ مِقْدَاْرُهَاْ ؟
يَقُوْلُ : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ، وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ ، وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ، وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ .
بِيَاْنٌ وَاْضِحٌ لِحَقَاْرَةِ اَلْدُّنْيَاْ وَمَهَاْنَتِهَاْ ، وَصَدَقَ اَللهُ ، فَمَاْ مِقْدَاْرُ وَمَاْ حَقِيْقَةُ اَلْلَّعِبِ وَاَلْلَّهْوُ ، وَاَلْزِّيْنَةِ وَاَلْتَّفَاْخُرِ ، وَاَلْتَّكَاْثُرِ بِحُطَاْمٍ فَاْنٍ ، إِنَّمَاْ هَذِهِ كَمَثَلِ غَيْثٍ ، أَيْ كَمَطَرٍ نَزَلَ فَأَنْبَتَ حَتَّىْ اِكْتَمَلَ نَبَاْتُهُ ، فَنَاْلَ إِعْجَاْبَ اَلْنَّاْسِ ، وَمَاْ هِيَ إِلَّاْ أَيَّاْم ، وَإِذَاْ بِهِ : يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ، ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً فَلَمْ تَبْقَ لَهُ نَضَاْرَةٌ ، وَلَمْ تَسْتَمِرْ لَهُ خُضْرَةٌ ، إِنَّمَاْ صَاْرَ يَاْبِسَاً مُتَحَطِّمَاً ! وَهَكَذَاْ هِيَ اَلْدُّنْيَاْ ، يُعْجَبُ بِهَاْ مَنْ جَهَلَ حَقِيْقَتَهَاْ ، وَمَنْ خُدِعَ بِزَخَاْرِفِهَاْ ، فَمَاْ هِيَ إِلَّاْ فَتْرَةٌ مِنَ اَلْزَّمَنِ ، فَإِذَاْ بِهَاْ لَاْ وُجُوْدَ لَهَاْ .
وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ، أَيْ لَيْسَ فِيْ اَلْآخِرَةِ اَلْآتِيَةِ اَلْقَرِيْبَةِ ، إِلَّاْ إِمَّاْ هَذَاْ وَإِمَّاْ هَذَاْ . إِمَّاْ عَذَاْبٌ شَدِيْدٌ ، وَإِمَّاْ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللهِ وَرُضْوَاْن . وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
فِيْ حَدِيْثٍ حَسَنٍ صَحِيْحٍ ، عَنْ اِبْنِ مَسْعُوْدٍ : أنَّ رسولَ اللَّهِ ، نامَ عَلَىْ حَصِيْرٍ ، فَقَاْمَ وَقَدْ أَثَّرَ فِيْ جَسَدِهِ ، فَقَاْلَ اِبْنُ مَسْعُوْدٍ : يَاْ رَسُوْلَ اَللَّهِ ، لَوْ أَمَرْتَنَاْ أَنْ نَبْسُطَ لَكَ وَنَعْمَلَ ، فَقَاْلَ : (( مَاْلِيْ وَلِلْدُّنْيَاْ ، وَمَاْ أَنَاْ وَاَلْدُّنْيَاْ إلّاْ كَرَاْكِبٍ اِسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاْحَ وَتَرَكَهَاْ )) . هَذِهِ حَقِيْقَةُ اَلْدُّنْيَاْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ وَلَكِنَّ أَكْثَرُنَاْ يَجْهَلُهَاْ ، وَلَاْ يُدْرِكُ مِقْدَاْرَهَاْ اَلْحَقِيْقِي ، وَلِذَلِكَ وَجَدَتْ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهَاْ ، وَيَجْعَلُهَاْ كُلَّ شَيْءٍ فِيْ حَيَاْتِهِ ، وَهِيَ لَاْشَيْء ، شَبَّهَهَاْ اَلْنَّبِيُ بِمَاْ لَاْ قِيْمَةَ وَلَاْ وَزْنَ لَهُ ، كَمَاْ فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّهُ مَرَّ بِالسُّوقِ ، دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ : (( أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ )) . فَقَالُوا : مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ : (( أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ ؟ )) ، قَالُوا : وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ ، لِأَنَّهُ أَسَكُّ ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ ؟ فَقَالَ : (( فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا ، أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ )) .
فَلْنَحْذَرْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مِنْ هَذِهِ اَلْدُّنْيَاْ ، وَمِنَ اَلْتَّنَعُّمِ بِهَاْ ، وَخَاْصَةً إِذَاْ كَاْنَ ذَلِكَ عَلَىْ حِسَاْبِ اَلْآخِرَةِ . فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : (( يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ، هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ . وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ ؟ وَهَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ )) . فَاَلْلَّهُمَّ لَاْ تَجْعَلِ اَلْدُّنْيَاْ أَكْبَرَ هَمِّنَاْ ، وَلَاْ مَبْلَغَ عِلْمِنَاْ ، بَرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَاَسْتَغْفِرُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ .
الخطبة الثانية
اَلْحَمْدُ لِلهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَاَلْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَاَمْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ اَلْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
هَذِهِ هِيَ اَلْدُّنْيَاْ ، وَتَلْكَ حَقِيْقَتِهَاْ ، وَلَكِنَّهَاْ مُزَيَّنَةً كَمَاْ قَاْلَ : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ، وَالْبَنِينَ ، وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ، وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ، ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ . وَلِذَلِكَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ حَذَّرَ اَللهُ مِنَ اَلْاِغْتِرَاْرِ بِهَاْ ، وَاَلْاِنْخِدَاْعِ بِزَخَاْرِفِهَاْ وَمَلَذَّاْتِهَاْ ، يَقُوْلُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
إِنَّ اَلْحَيَاْةَ اَلْدُّنْيَاْ ، وَاَلْتَّعَلُّقَ بِهَاْ ، وَاَلْعَمَلَ مِنْ أَجْلِهَاْ ، أَمْرٌ خَطِيْرٌ ، بَيَّنَ اَللهُ سُوْءَ عَوَاْقِبِهِ ، وَشَرَّ نَتَاْئِجِهِ ، وَحَذَّرَ مِنْهُ ، وَحَثَّ عَلَىْ اَلْإِعْرَاْضِ عَنْهُ ، وَاَلْإِقْبَاْلِ عَلَىْ اَلْآخِرَةِ ، اَلَّتِيْ لَاْ تُقَاْرَنُ اَلْدُّنْيَاْ بِهَاْ ، يَقُوْلُ : وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، أَيْ أَنَّ اَلْدَّاْرَ اَلْآخِرَةَ هِيَ اَلْحَيَاْةُ اَلْحَقِيْقِيَّةُ ، اَلْحَيَاْةُ اَلْبَاْقِيَةُ ، اَلْحَيَاْةُ اَلْهَاْنِئَةُ اَلَّتِيْ لَاْ زَوَاْلَ لَهَاْ وَلَاْ اِنْقِضَاْءَ . يَقُوْلُ فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ : (( مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ ، إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ )) . وَاَلْيَمُّ يَعْنِيْ اَلْبَحْر .
أَلَاْ وَصَلُّوْا عَلَىْ اَلْبَشِيْرِ اَلْنَّذِيْرِ ، وَاَلْسِّرَاْجِ اَلْمُنِيْرِ ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اَلْلَّطِيْفُ اَلْخَبِيْرُ ، فَقَاْلَ جَلَّ مِنْ قَاْئِلٍ عَلِيْمَاً : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، يَقُوْلُ : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا )) فَاَلْلَّهُمَّ صَلِيْ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَاْرَكْ عَلَىْ نَبِيِّنَاْ مُحَمَّدٍ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ أَجْمَعِيْنَ ، وَاَرْضِ اَلْلَّهُمَّ عَنِ اَلْتَّاْبِعِيْنَ وَتَاْبِعِيْ اَلْتَّاْبِعِيْنَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَاْنٍ إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ ، وَعَنَّاْ مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَجُوْدِكَ وَرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْن . اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ نَصْرَ اَلْإِسْلَاْمِ وَعِزَّ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ أَعِزَّ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَنْصُرَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَاَحْمِيْ حَوْزَةَ اَلْدِّيْنَ ، وَاَجْعَلْ بَلَدَنَاْ آمِنَاً مُطْمَئِنَاً وَسَاْئِرَ بِلَاْدِ اَلْمُسْلِمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ فِيْ هَذَاْ اَلْيَوْمِ اَلْعَظِيْمِ ، نَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ دَاْئِرَةَ اَلْسَّوْءِ عَلَىْ اَلْصَّفَوُيِّيْنَ اَلْحَاْقِدِيْنَ ، وَكُلِّ مَنْ نَصَبَ اَلْعِدَاْءَ لِعِبَاْدِكَ اَلْصَّاْلِحِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ عَلِيْكَ بِمَنْ يَكِيْدُ لِبِلَاْدِنَاْ ، وَيَعْمَلُ عَلَىْ تَفْرِيْقِ كَلِمَتِنَاْ ، وَتَمْزِيْقِ وُحْدَتِنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ مِنْ أَرَاْدَنَاْ بِسُوْءٍ ، فَاَلْلَّهُمَّ أَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَاَجْعَلْ كَيْدَهُ فِيْ نَحْرِهِ ، وَتَدْبِيْرَهُ سَبَبَاً لِتَدْمِيْرِهِ يَاْقَوُيَ يَاْ عَزِيْزَ . اللّهُمّ أَنْتَ اللّهُ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ ، تَفْعَلُ مَاْ تَشَاْءُ وَمَاْ تُرِيدُ ، وَأَنْتَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيْدُ ، وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ وَاَلْعَبِيْدُ ، اَلْلّهُمّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْقَاْنِطِيْنَ ،اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيعًا طَبَقًا غَدَقًا غَيْرَ رَائِثٍ ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ . رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .
عِبَاْدَ اَللهِ :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .
حَقِيْقَةُ اَلْدُّنْيَاْ
إِنَّ اَلْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَهْدِيْه ، وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، وَنَعُوْذُ بِهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفِسِنَاْ ، وَسَيِّئَاْتِ أَعْمَاْلِنَاْ . مَنْ يَهْدِهِ اَللهُ فَلَاْ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَاْ هَاْدِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
تَقْوَىْ اَللهِ ، وَصِيَتُهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَاْنَ قَبْلَكُمْ ، يَقُوْلُ مِنْ قَاْئِلٍ : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ . فَاَتَّقُوْا اَللهَ عِبَاْدَ اَللهِ ، جَعَلَنِيْ اَللهُ وَإِيَّاْكُمْ مِنْ عِبَاْدِهِ اَلْمُتَّقِيْن .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ اَلْمُؤْمِنُوْنَ :
يَقُوْلُ : اِعْلَمُوا أَنَّمَاْ اَلْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ، وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ، وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ، ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ .
فَفِيْ هَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْكَرِيْمَةِ اَلْعَظِيْمَةِ ، يُبَيِّنُ ، حَقِيْقَةَ اَلْدُّنْيَاْ . يُبَيِّنُهَاْ لِأَنَّهُ هُوَ اَلَّذِيْ خَلَقَهَاْ ، وَهُوَ اَلْعَاْلِمُ بِهَاْ ، وَاَلْخَبِيْرُ بِصِفَاْتِهَاْ . هَذِهِ اَلْدُّنْيَاْ ، أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ اَلَّتِيْ تَعَلَّقَتْ بِهَاْ اَلْنُّفُوْسُ ، وَاَطْمَأَنَّتْ لَهَاْ اَلْقُلُوْبُ ، وَهَاْمَتْ بِحُبِّهَاْ اَلْأَفْئِدَةُ ، مَاْ حَقِيْقَتُهَاْ ؟ وَمَاْ هُوَ مِقْدَاْرُهَاْ ؟
يَقُوْلُ : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ، وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ ، وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ، وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ .
بِيَاْنٌ وَاْضِحٌ لِحَقَاْرَةِ اَلْدُّنْيَاْ وَمَهَاْنَتِهَاْ ، وَصَدَقَ اَللهُ ، فَمَاْ مِقْدَاْرُ وَمَاْ حَقِيْقَةُ اَلْلَّعِبِ وَاَلْلَّهْوُ ، وَاَلْزِّيْنَةِ وَاَلْتَّفَاْخُرِ ، وَاَلْتَّكَاْثُرِ بِحُطَاْمٍ فَاْنٍ ، إِنَّمَاْ هَذِهِ كَمَثَلِ غَيْثٍ ، أَيْ كَمَطَرٍ نَزَلَ فَأَنْبَتَ حَتَّىْ اِكْتَمَلَ نَبَاْتُهُ ، فَنَاْلَ إِعْجَاْبَ اَلْنَّاْسِ ، وَمَاْ هِيَ إِلَّاْ أَيَّاْم ، وَإِذَاْ بِهِ : يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ، ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً فَلَمْ تَبْقَ لَهُ نَضَاْرَةٌ ، وَلَمْ تَسْتَمِرْ لَهُ خُضْرَةٌ ، إِنَّمَاْ صَاْرَ يَاْبِسَاً مُتَحَطِّمَاً ! وَهَكَذَاْ هِيَ اَلْدُّنْيَاْ ، يُعْجَبُ بِهَاْ مَنْ جَهَلَ حَقِيْقَتَهَاْ ، وَمَنْ خُدِعَ بِزَخَاْرِفِهَاْ ، فَمَاْ هِيَ إِلَّاْ فَتْرَةٌ مِنَ اَلْزَّمَنِ ، فَإِذَاْ بِهَاْ لَاْ وُجُوْدَ لَهَاْ .
وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ، أَيْ لَيْسَ فِيْ اَلْآخِرَةِ اَلْآتِيَةِ اَلْقَرِيْبَةِ ، إِلَّاْ إِمَّاْ هَذَاْ وَإِمَّاْ هَذَاْ . إِمَّاْ عَذَاْبٌ شَدِيْدٌ ، وَإِمَّاْ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللهِ وَرُضْوَاْن . وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
فِيْ حَدِيْثٍ حَسَنٍ صَحِيْحٍ ، عَنْ اِبْنِ مَسْعُوْدٍ : أنَّ رسولَ اللَّهِ ، نامَ عَلَىْ حَصِيْرٍ ، فَقَاْمَ وَقَدْ أَثَّرَ فِيْ جَسَدِهِ ، فَقَاْلَ اِبْنُ مَسْعُوْدٍ : يَاْ رَسُوْلَ اَللَّهِ ، لَوْ أَمَرْتَنَاْ أَنْ نَبْسُطَ لَكَ وَنَعْمَلَ ، فَقَاْلَ : (( مَاْلِيْ وَلِلْدُّنْيَاْ ، وَمَاْ أَنَاْ وَاَلْدُّنْيَاْ إلّاْ كَرَاْكِبٍ اِسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاْحَ وَتَرَكَهَاْ )) . هَذِهِ حَقِيْقَةُ اَلْدُّنْيَاْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ وَلَكِنَّ أَكْثَرُنَاْ يَجْهَلُهَاْ ، وَلَاْ يُدْرِكُ مِقْدَاْرَهَاْ اَلْحَقِيْقِي ، وَلِذَلِكَ وَجَدَتْ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهَاْ ، وَيَجْعَلُهَاْ كُلَّ شَيْءٍ فِيْ حَيَاْتِهِ ، وَهِيَ لَاْشَيْء ، شَبَّهَهَاْ اَلْنَّبِيُ بِمَاْ لَاْ قِيْمَةَ وَلَاْ وَزْنَ لَهُ ، كَمَاْ فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّهُ مَرَّ بِالسُّوقِ ، دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ : (( أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ )) . فَقَالُوا : مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ : (( أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ ؟ )) ، قَالُوا : وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ ، لِأَنَّهُ أَسَكُّ ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ ؟ فَقَالَ : (( فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا ، أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ )) .
فَلْنَحْذَرْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مِنْ هَذِهِ اَلْدُّنْيَاْ ، وَمِنَ اَلْتَّنَعُّمِ بِهَاْ ، وَخَاْصَةً إِذَاْ كَاْنَ ذَلِكَ عَلَىْ حِسَاْبِ اَلْآخِرَةِ . فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : (( يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ، هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ . وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ ؟ وَهَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ )) . فَاَلْلَّهُمَّ لَاْ تَجْعَلِ اَلْدُّنْيَاْ أَكْبَرَ هَمِّنَاْ ، وَلَاْ مَبْلَغَ عِلْمِنَاْ ، بَرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَاَسْتَغْفِرُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ .
الخطبة الثانية
اَلْحَمْدُ لِلهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَاَلْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَاَمْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ اَلْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
هَذِهِ هِيَ اَلْدُّنْيَاْ ، وَتَلْكَ حَقِيْقَتِهَاْ ، وَلَكِنَّهَاْ مُزَيَّنَةً كَمَاْ قَاْلَ : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ، وَالْبَنِينَ ، وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ، وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ، ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ . وَلِذَلِكَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ حَذَّرَ اَللهُ مِنَ اَلْاِغْتِرَاْرِ بِهَاْ ، وَاَلْاِنْخِدَاْعِ بِزَخَاْرِفِهَاْ وَمَلَذَّاْتِهَاْ ، يَقُوْلُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
إِنَّ اَلْحَيَاْةَ اَلْدُّنْيَاْ ، وَاَلْتَّعَلُّقَ بِهَاْ ، وَاَلْعَمَلَ مِنْ أَجْلِهَاْ ، أَمْرٌ خَطِيْرٌ ، بَيَّنَ اَللهُ سُوْءَ عَوَاْقِبِهِ ، وَشَرَّ نَتَاْئِجِهِ ، وَحَذَّرَ مِنْهُ ، وَحَثَّ عَلَىْ اَلْإِعْرَاْضِ عَنْهُ ، وَاَلْإِقْبَاْلِ عَلَىْ اَلْآخِرَةِ ، اَلَّتِيْ لَاْ تُقَاْرَنُ اَلْدُّنْيَاْ بِهَاْ ، يَقُوْلُ : وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، أَيْ أَنَّ اَلْدَّاْرَ اَلْآخِرَةَ هِيَ اَلْحَيَاْةُ اَلْحَقِيْقِيَّةُ ، اَلْحَيَاْةُ اَلْبَاْقِيَةُ ، اَلْحَيَاْةُ اَلْهَاْنِئَةُ اَلَّتِيْ لَاْ زَوَاْلَ لَهَاْ وَلَاْ اِنْقِضَاْءَ . يَقُوْلُ فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ : (( مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ ، إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ )) . وَاَلْيَمُّ يَعْنِيْ اَلْبَحْر .
أَلَاْ وَصَلُّوْا عَلَىْ اَلْبَشِيْرِ اَلْنَّذِيْرِ ، وَاَلْسِّرَاْجِ اَلْمُنِيْرِ ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اَلْلَّطِيْفُ اَلْخَبِيْرُ ، فَقَاْلَ جَلَّ مِنْ قَاْئِلٍ عَلِيْمَاً : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، يَقُوْلُ : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا )) فَاَلْلَّهُمَّ صَلِيْ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَاْرَكْ عَلَىْ نَبِيِّنَاْ مُحَمَّدٍ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ أَجْمَعِيْنَ ، وَاَرْضِ اَلْلَّهُمَّ عَنِ اَلْتَّاْبِعِيْنَ وَتَاْبِعِيْ اَلْتَّاْبِعِيْنَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَاْنٍ إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ ، وَعَنَّاْ مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَجُوْدِكَ وَرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْن . اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ نَصْرَ اَلْإِسْلَاْمِ وَعِزَّ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ أَعِزَّ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَنْصُرَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَاَحْمِيْ حَوْزَةَ اَلْدِّيْنَ ، وَاَجْعَلْ بَلَدَنَاْ آمِنَاً مُطْمَئِنَاً وَسَاْئِرَ بِلَاْدِ اَلْمُسْلِمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ فِيْ هَذَاْ اَلْيَوْمِ اَلْعَظِيْمِ ، نَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ دَاْئِرَةَ اَلْسَّوْءِ عَلَىْ اَلْصَّفَوُيِّيْنَ اَلْحَاْقِدِيْنَ ، وَكُلِّ مَنْ نَصَبَ اَلْعِدَاْءَ لِعِبَاْدِكَ اَلْصَّاْلِحِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ عَلِيْكَ بِمَنْ يَكِيْدُ لِبِلَاْدِنَاْ ، وَيَعْمَلُ عَلَىْ تَفْرِيْقِ كَلِمَتِنَاْ ، وَتَمْزِيْقِ وُحْدَتِنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ مِنْ أَرَاْدَنَاْ بِسُوْءٍ ، فَاَلْلَّهُمَّ أَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَاَجْعَلْ كَيْدَهُ فِيْ نَحْرِهِ ، وَتَدْبِيْرَهُ سَبَبَاً لِتَدْمِيْرِهِ يَاْقَوُيَ يَاْ عَزِيْزَ . اللّهُمّ أَنْتَ اللّهُ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ ، تَفْعَلُ مَاْ تَشَاْءُ وَمَاْ تُرِيدُ ، وَأَنْتَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيْدُ ، وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاءُ وَاَلْعَبِيْدُ ، اَلْلّهُمّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَلَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْقَاْنِطِيْنَ ،اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيعًا طَبَقًا غَدَقًا غَيْرَ رَائِثٍ ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ ، اللّهُمّ أَغِثْنَاْ . رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .
عِبَاْدَ اَللهِ :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .