عبيد الطوياوي
30-03-2016, 12:13 AM
https://www.youtube.com/watch?v=ixrvZ8WnRy4
لِلْعِبَاْدِ ، أَدَوَاْتُ اَلْرَّشَاْدِ
اَلْحَمْدُ للهِ ، عَاْلِمِ اَلْظَّاْهِرِ وَاَلْمَكْنُوْنِ ، اَلْمُحِيْطِ بِاَلْحَرَكَاْتِ وَاَلْسُّكُوْنِ ، اَلْمُنَزَّهِ عَنِ اَلْتَّكْيِّيْفِ ، وَاَلْمُقَدَّسِ عَنْ خَوَاْطِرِ اَلْظُّنُوْنِ ، سُبْحَاْنَهُ مِنْ إِلَهٍ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيْلُهُ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ يُبْعَثُوْنَ .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
تَقْوَىْ اَللهِ ، وَصِيَتُهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَاْنَ قَبْلَكُمْ ، يَقُوْلُ مِنْ قَاْئِلٍ : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ . فَاَتَّقُوْا اَللهَ عِبَاْدَ اَللهِ ، جَعَلَنِيْ اَللهُ وَإِيَّاْكُمْ مِنْ عِبَاْدِهِ اَلْمُتَّقِيْن .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ اَلْمُؤْمِنُوْنَ :
مِنْ نِعَمِ اَللهِ ، اَلَّتِيْ لَاْ تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ ، وَلَاْ تُعُوِّضُ بِزَمَنٍ ، أَنْ يَجْعَلَ ، لِلْإِنْسَاْنِ وَسَاْئِلَ يَتعْلَمُ بِهَاْ مَاْ يَنْفَعُهُ فِيْ دُنْيَاْهُ وَآخِرَتِهِ ، وَيُدْرِكُ مِنْ خَلَاْلِهَاْ مَاْ يُصْلِحُ بِهِ شُؤُوْنَ حَيَاْتِهِ . إِيْ وَاَللهِ اَلْعَظِيْمِ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ إِنَّهَاْ لَنِعْمَةٌ عَظِيْمَةٌ ، أَنْ يَكُوْنَ لِلْإِنْسَاْنِ سَمْعٌ يُدْرِكُ بِهِ اَلْأَصْوَاْتَ مِنْ حَوْلِهِ ، وَبَصَرٌ يَرَىْ بِهِ مَاْ يَحْتَاْجُهُ فِيْ حَيَاْتِهِ ، وَأَنْ يَكُوْنَ لَهُ قَلْبٌ يُمَيِّزُ وَيَفْقَهُ مِنْ خَلَاْلِهِ ، يَقُوْلُ مُذَكِّرَاً بِهَذِهِ اَلْنِّعْمَة : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ، لَاْ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ ، وَالْأَبْصَارَ ، وَالْأَفْئِدَةَ ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، فَهِيَ نِعْمَةٌ إِلَاْهِيَّةٌ عَظِيْمَةٌ ، وَمِنَّةٌ رَبَّاْنِيَّةٌ كَرِيْمَةٌ ، أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ لَاْ تَعْلَمُ شَيْئَاً ، لَاْ تُدْرِكُ مَاْ حَوْلَكَ ، وَلَاْ تَشْعُرُ بِمَاْ يَدُوْرُ فِيْ مُحِيْطِكَ ، ثُمَّ يَرْزُقُكَ سَمْعَاً تُدْرِكُ بِهِ اَلْأَصْوَاْتَ ، وَبَصَرَاً تُحِسُّ بِهِ اَلْمَرْئِيَاْتِ ، وَعَقْلَاً تُمَيِّزُ مِنْ خَلَاْلِهِ اَلْحَاْجَاْتِ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
فَاَلْسَّمْعُ وَاَلْبَصَرُ وَاَلْفُؤَاْدُ ، نِعَمُ عَظِيْمَةٌ ، لَاْ يُدْرِكُ فَضْلَهَاْ ، وَمِقْدَاْرَ أَهَمِّيَتِهَاْ ، إِلَّاْ مَنْ نَوَّرَ اَللهُ قَلْبَهُ بِاَلْإِيْمَاْنِ ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ سُبْحَاْنَهُ بِاَلْخُضُوْعِ وَاَلْإِذْعَاْنِ لِلْرَّحْمَنِ ، مِنْ وَاْجِبِهَاْ شُكْرُ اَلْمُنْعِمِ بِهَاْ ، كَمَاْ قَاْلَ : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، فَمِنْ شُكْرِهَاْ : اِسْتِخْدَاْمُهَاْ فِيْ طَاْعَتِهِ ، وَاَسْتِعْمَاْلُهَاْ فِيْمَاْ يَكُوْنُ سَبَبَاً لِدُخُوْلِ جَنَّتِهِ . فَمَنْ اِسْتَعْمَلَهَاْ فِيْ غَيْرِ ذَلِكَ ، كَاْنَتْ حُجَّةً عَلَيْهِ ، وَدَلِيْلَاً وَاْضِحَاً ، عَلَىْ فِسْقِهِ وَمَعْصِيَتِهِ ، وَجُحُوْدِ نِعْمَةِ خَاْلِقِهِ .
إِذَاْ كَاْنَ اَلْإِنْسَاْنُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَعْقِلُ ، فَإِنَّ مَسْؤُلِيَتَهُ مَسْؤُوْلِيَّةٌ عَظِيْمَةٌ ، أَمَّاْ إِذَاْ فَقَدَ هَذِهِ اَلْأَدَوَاْتِ اَلْمُهِمَّةِ ، فَأَنَّهُ لَاْ مَسْؤُوْلِيَةَ عَلَيْهِ ، أَيْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، إِذَاْ كَاْنَ لَاْ يَسْمَعُ وَلَاْ يَعْقِلُ وَلَاْ يُبْصِرُ ، فَإِنَّهُ لَاْ تَكْلِيْفَ عَلَيْهِ ، مَهْمَاْ عَمِلَ فَإِنَّ اَللهَ يَتَجَاْوَزُ عَنْهُ ، وَلَاْ يُحَاْسِبُهُ ، أَمَّاْ إِذَاْ كَاْنَ ، يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَعْقِلُ ، فَإِنَّهُ كَمَاْ قَاْلَ تَعَاْلَىْ : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ، سَوْفَ يُحَاْسَبُ عَنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَفُؤَاْدِهِ . وَلِذَلِكَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَهْلُ اَلْإِيْمَاْنِ يَخْتَلِفُوْنَ عَنْ غَيْرِهِمْ ، يَخْتَلِفُوْنَ عَنْ أَهْلِ اَلْنَّاْرِ اَلْكُفَّاْرِ ، بِشُكْرِ اَللهِ عَلَىْ مَاْ أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، يَقُوْلُ : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ .
أَهْلُ اَلْإِيْمَاْنِ ، يُسَخِّرُوْنَ سَمْعَهُمْ وَأَبْصَاْرَهُمْ وَقُلُوْبَهُمْ ، لِكُلِّ مَاْ يُقَرِّبُهُمْ مِنْ خَاْلِقِهِمْ وَمُوْجِدِهِمْ وَرَاْزِقِهِمْ ، كَمَاْ قَاْلَ تَعَاْلَىْ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ وَكَمَاْ قَاْلَ : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ هَؤُلَاْءِ أَهْلِ اَلْإِيْمَاْنِ ، اَلَّذِيْنَ يُرِيْدُوْنَ وَجْهَ اَللهِ وَاَلْدَّاْرَ اَلْآخِرَةَ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَلَكِنْ تَأَمَّلْ حَاْلَ غَيْرِ اَلْمُؤْمِنِيْنَ فِيْ جَهَنَّمَ ، اَلَّذِيْنَ لَمْ يَسْتَعْمِلُوْا أَسْمَاْعَهُمْ وَعُقُوْلَهُمْ لِمَاْ خُلِقَتْ مِنْ أَجْلِهِ : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ يَلُوْمُوْنَ أَنْفَسَهُمْ ، وَيَأْكُلُوْنَ أَصَاْبِعَ اَلْنَّدَمِ عَلَىْ سُوْءِ مَآلِهِمْ ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ، يَقُوْلُ فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ : ((لَنْ يَهْلِكَ اَلْنَّاْسُ حَتَّىْ يُعْذِرُوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ )) ، أَيْ لَاْ يُهْلِكَهُمُ اَللهُ ، حَتَّىْ تَكْثُرَ ذُنُوْبُهُمْ وَعُيُوْبُهُمْ ، فَتَقُوْمَ اَلْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ، وَيَتَّضِحُ عُذْرُ مَنْ يُعَاْقِبَهُمْ . وَفِيْ حَدِيْثٍ آخَرٍ يَقُوْلُ ، صَلَوَاْتُ رَبِيْ وَسَلَاْمُهُ عَلَيْهِ : (( لَاْ يَدُخُلُ أَحْدٌ اَلْنَّاْرَ ، إِلَّاْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ اَلْنَّاْرَ أَوْلَىْ بِهِ مِنَ اَلْجَنَّةِ )) .
أَخِيْ اَلْمُسْلِم ، عَبْدَ اَلله ، إِذَاْ سَلِمَ لَكَ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَقَلْبُكَ ، فَقَدْ قَاْمَتْ عَلَيْكَ اَلْحُجَةُ ، فَلْتَشْكُرِ اَللهَ ، اَلَّذِيْ بِاَسْتِطَاْعَتِهِ أَنْ يَسْلُبَكَ هَذِهِ اَلْنِّعْمَةِ أَوْ يَجْعَلُكَ ـ بَسَبِبِ ذُنُوْبِكَ وَمَعَاْصِيْكَ ـ مِنَ اَلَّذِيْنَ يَلُوْمُوْنَ أَنْفَسَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَاْمَةِ ، وَيَعْتَرِفُوْنَ بِتَقْصِيْرِهِمْ وَذُنُوْبِهِمْ .
اِسْتَخْدِمْ هَذِهِ اَلْجَوَاْرِحِ بِمَاْ يُقَرِّبُكَ مِنْ خَاْلِقِكَ وَمَوْلَاْكَ ، اَلَّذِيْ أَنْعَمَ بِهَاْ عَلَيْكَ ، وَاَحْذَرْ أَنْ يَكُوْنَ فَيْكَ شَبَهٌ مِنَ اَلَّذِيْنَ ذَكَرَهُمُ بِقَوْلِهِ : مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ .
بَاْرَكَ اَللهُ لِيْ وَلَكُمْ بِاَلْقُرَّآْنِ اَلْعَظِيْمِ ، وَنَفَعَنِيْ وَإِيَّاْكُمْ بِمَاْ فَيْهِ مِنَ اَلْآيَاْتِ وَاَلْذِّكْرِ اَلْحَكِيْمِ ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَاَسْتَغْفِرُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ .
الخطبة الثانية
اَلْحَمْدُ لِلهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَاَلْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَاَمْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ اَلْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
إِنَّنَاْ وَاَللهِ بِحَاْجَةٍ ، إِلَىْ أَنْ نُسَخِّرَ وَنَسْتَعْمِلَ أَسْمَاْعَنَاْ وَأَبْصَاْرَنَاْ وَعُقُوْلَنَاْ لِمَاْ يُقَرِّبُنَاْ إِلَىْ اَللهِ ، وَهِيَ كَذَلِكَ عَنْدَمَاْ تُسْتَعْمَلُ وُفْقَ مَاْ يُرِيْدُ اَلْمُنْعِمُ بِهَاْ ، وَهُوَ اَللهُ سُبْحَاُنَهُ ، وَإِلَيْكُمْ ـ أَيّهَاْ اَلْأخْوَةُ ـ حَاْدِثَةٌ عَجِيْبَةٌ حَدَثَتْ فِيْ عَهْدِ اَلْنَّبِيْ ، تَدُلُّ عَلَىْ أَهَمِيَّةِ مَاْ أَرَدْنَاْ اَلْحَدِيْثَ عَنْهُ .
قَدِمَ اَلْطُّفَيْلُ بِنُ عَمْرُو اَلْدَّوْسِي مَكَةَ ، وَرَسُوْلُ اَللهِ بِهَاْ ، فَجَاْءَهُ رِجَاْلٌ مِنْ كُفَّاْرِ قُرَيْشٍ ، وَحَذَّرُوْهُ مِنَ اَلْنَّبِيِ ، وَطَلَبُوْا مِنْهُ عَدَمَ اَلْاِسْتِمَاْعِ لِمَاْ يَقُوْلُهُ ، يَقُوْلُ اَلْطُّفَيْلُ : مَاْ زَاْلُوْا بِيْ ـ أَيْ كُفَّاْرُ قُرْيْشٍ ـ حَتَّىْ أَجْمَعْتُ عَلَىْ أَلَّاْ أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئَاً ، وَلَاْ أُكَلِّمُهُ ، حَتَّىْ حَشَوْتُ فِيْ أُذُنَيَ حَيْنَ غَدَوْتُ إِلَىْ اَلْمَسْجِدِ كُرْسُفَاً ـ يَعْنِيْ قُطْنَاً ـ فَرَقَاً مِنْ أَنْ يَبْلَغُنِيْ شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ ، وَأَنَاْ لَاْ أُرِيْدُ أَنْ اَسْمَعَهُ . فَأَبَىْ اَللهُ إِلَّاْ أَنْ يُسْمِعَنِيْ ، فَسَمِعْتُ كَلَاْمَاً حَسَنَاً ، فَقُلْتُ فِيْ نَفْسِيْ : وَاْثَكْلَ أَمِّيْ ، وَاَللهِ إِنَّيْ لَرَجُلٍ لَبِيْبٍ شَاْعِرٍ ، مَاْ يَخْفَىْ عَلَيَّ اَلْحَسَنُ مِنَ اَلْقَبِيْحِ ، فَمَاْ يَمْنَعُنِيْ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَاْ اَلْرُّجُلِ مَاْ يَقُوْلُ ؟ فَإِنْ كَاْنَ اَلَّذِيْ يَأْتِيْ بِهِ حَسَنَاً قَبِلْتُهُ ، وَإِنْ كَاْنَ قَبِيْحَاً تَرَكْتُهُ ؟ ! فَمَكَثْتُ حَتَّىْ اِنْصَرَفَ إِلَىْ بَيْتِهِ ، ثُمَّ اِتَّبَعْتُهُ حَتَّىْ إِذَاْ دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ مَعَهُ ، فَقُلْتُ : يَاْ مُحَمَّدَ !! إِنَّ قَوْمَكَ قَاْلُوْا كَذَاْ وَكَذَاْ ـ اَلَّذِيْ قَاْلُوْا لِيْ ـ فَوَاللهِ مَاْ تَرَكُوْنِيْ ، يُخَوِّفُوْنِيْ أَمْرَكَ ، حَتَّىْ سَدَدْتُ أُذُنَيَ بِكُرْسُفٍ لِئَلَاْ أَسْمَعَ قَوْلَكَ ، ثُمَّ إِنْ اَللهَ أَبَىْ إِلَّاْ أَنْ يُسْمِعَنِيْه ، فَسَمِعْتُ قَوْلَاً حَسَنَاً !! فَاَعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكْ !! ؟ فَلَمَّاْ عَرَضَ عَلَيْهِ اَلْنَّبِيُ اَلْإِسْلَاْمَ وَتَلَىْ عَلَيْهِ اَلْقُرَّآنَ أَسْلَمَ رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاْهُ . فَاَتَّقُوْا اَللهَ يَاْ عِبَاْدَ اَللهِ ، وَاَحْذَرُوْا مَاْ يَصُدَّكُمْ عَنْ اِمْتِثَاْلِ أَمْرِ اَللهِ ، وَمَاْ يُبْعِدُكُمْ عَنِ اِتِّبَاْعِ سُنَّةِ رَسُوْلِ اَللهِ . اَسْأَلُ اَللهَ أَنْ يَهْدِيْ ضَاْلَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ اِهْدِيْ ضَاْلَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَاَرْزِقْنَاْ جَمِيْعَاً اَلْفِقْهَ فِيْ اَلْدِّيْنِ وَاَجْعَلْنَاْ مِنْ عِبَاْدِكَ اَلْصَّاْلِحِيْنَ اَلْمُخْلَصِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ أَعِزَّ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَأَذِلَّ اَلْشِّرْكَ وَاَلْمُشْرِكِيْنَ ، وَاَحْمِيْ حَوْزَةَ اَلْدِّيْنِ وَاَجْعَلْ بَلَدَنَاْ هَذَاْ آمِنَاً مُطْمَئِنَاً وَسَاْئِرَ بِلَاْدِ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ آمِنَّاْ فِيْ أَوْطَاْنِنَاْ وَاَسْتَعْمِلْ عَلَيْنَاْ خِيَاْرَنَاْ وَاَجْعَلِ اَلْلَّهُمَّ وَلَاْيَتَنَاْ فِيْ عَهْدِ مَنْ خَاْفَكَ وَاَتَّقَاْكَ وَاَتَّبَعَ رِضَاْكَ بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ اَلْثَّبَاْتَ فِيْ اَلْأَمْرِ ، وَاَلْعَزِيْمَةَ عَلَىْ اَلْرُّشْدِ ، وَنَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ ، وَحُسْنَ عِبَاْدَتِكَ ، وَنَسْأَلُكَ قُلُوْبَاً سَلِيْمَةً ، وَأَلْسِنَةً صَاْدِقَةً . اَلْلَّهُمَّ اِجْعَلْنَاْ لَكَ شُكَّاْرَاً ، لَكَ ذُكَّاْرَاً ، لَكَ رُهَّاْبَاً ، لَكَ مُطِيْعِيْنَ إِلَيْكَ مُخْبِتِيْنَ إِلَيْكَ أَوَّاْهِيْنَ مُنِيْبِيْنَ .
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .
عِبَاْدَ اَللهِ :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .
لِلْعِبَاْدِ ، أَدَوَاْتُ اَلْرَّشَاْدِ
اَلْحَمْدُ للهِ ، عَاْلِمِ اَلْظَّاْهِرِ وَاَلْمَكْنُوْنِ ، اَلْمُحِيْطِ بِاَلْحَرَكَاْتِ وَاَلْسُّكُوْنِ ، اَلْمُنَزَّهِ عَنِ اَلْتَّكْيِّيْفِ ، وَاَلْمُقَدَّسِ عَنْ خَوَاْطِرِ اَلْظُّنُوْنِ ، سُبْحَاْنَهُ مِنْ إِلَهٍ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيْلُهُ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ يُبْعَثُوْنَ .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
تَقْوَىْ اَللهِ ، وَصِيَتُهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَاْنَ قَبْلَكُمْ ، يَقُوْلُ مِنْ قَاْئِلٍ : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ . فَاَتَّقُوْا اَللهَ عِبَاْدَ اَللهِ ، جَعَلَنِيْ اَللهُ وَإِيَّاْكُمْ مِنْ عِبَاْدِهِ اَلْمُتَّقِيْن .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ اَلْمُؤْمِنُوْنَ :
مِنْ نِعَمِ اَللهِ ، اَلَّتِيْ لَاْ تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ ، وَلَاْ تُعُوِّضُ بِزَمَنٍ ، أَنْ يَجْعَلَ ، لِلْإِنْسَاْنِ وَسَاْئِلَ يَتعْلَمُ بِهَاْ مَاْ يَنْفَعُهُ فِيْ دُنْيَاْهُ وَآخِرَتِهِ ، وَيُدْرِكُ مِنْ خَلَاْلِهَاْ مَاْ يُصْلِحُ بِهِ شُؤُوْنَ حَيَاْتِهِ . إِيْ وَاَللهِ اَلْعَظِيْمِ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ إِنَّهَاْ لَنِعْمَةٌ عَظِيْمَةٌ ، أَنْ يَكُوْنَ لِلْإِنْسَاْنِ سَمْعٌ يُدْرِكُ بِهِ اَلْأَصْوَاْتَ مِنْ حَوْلِهِ ، وَبَصَرٌ يَرَىْ بِهِ مَاْ يَحْتَاْجُهُ فِيْ حَيَاْتِهِ ، وَأَنْ يَكُوْنَ لَهُ قَلْبٌ يُمَيِّزُ وَيَفْقَهُ مِنْ خَلَاْلِهِ ، يَقُوْلُ مُذَكِّرَاً بِهَذِهِ اَلْنِّعْمَة : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ، لَاْ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ ، وَالْأَبْصَارَ ، وَالْأَفْئِدَةَ ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، فَهِيَ نِعْمَةٌ إِلَاْهِيَّةٌ عَظِيْمَةٌ ، وَمِنَّةٌ رَبَّاْنِيَّةٌ كَرِيْمَةٌ ، أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ لَاْ تَعْلَمُ شَيْئَاً ، لَاْ تُدْرِكُ مَاْ حَوْلَكَ ، وَلَاْ تَشْعُرُ بِمَاْ يَدُوْرُ فِيْ مُحِيْطِكَ ، ثُمَّ يَرْزُقُكَ سَمْعَاً تُدْرِكُ بِهِ اَلْأَصْوَاْتَ ، وَبَصَرَاً تُحِسُّ بِهِ اَلْمَرْئِيَاْتِ ، وَعَقْلَاً تُمَيِّزُ مِنْ خَلَاْلِهِ اَلْحَاْجَاْتِ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
فَاَلْسَّمْعُ وَاَلْبَصَرُ وَاَلْفُؤَاْدُ ، نِعَمُ عَظِيْمَةٌ ، لَاْ يُدْرِكُ فَضْلَهَاْ ، وَمِقْدَاْرَ أَهَمِّيَتِهَاْ ، إِلَّاْ مَنْ نَوَّرَ اَللهُ قَلْبَهُ بِاَلْإِيْمَاْنِ ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ سُبْحَاْنَهُ بِاَلْخُضُوْعِ وَاَلْإِذْعَاْنِ لِلْرَّحْمَنِ ، مِنْ وَاْجِبِهَاْ شُكْرُ اَلْمُنْعِمِ بِهَاْ ، كَمَاْ قَاْلَ : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، فَمِنْ شُكْرِهَاْ : اِسْتِخْدَاْمُهَاْ فِيْ طَاْعَتِهِ ، وَاَسْتِعْمَاْلُهَاْ فِيْمَاْ يَكُوْنُ سَبَبَاً لِدُخُوْلِ جَنَّتِهِ . فَمَنْ اِسْتَعْمَلَهَاْ فِيْ غَيْرِ ذَلِكَ ، كَاْنَتْ حُجَّةً عَلَيْهِ ، وَدَلِيْلَاً وَاْضِحَاً ، عَلَىْ فِسْقِهِ وَمَعْصِيَتِهِ ، وَجُحُوْدِ نِعْمَةِ خَاْلِقِهِ .
إِذَاْ كَاْنَ اَلْإِنْسَاْنُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَعْقِلُ ، فَإِنَّ مَسْؤُلِيَتَهُ مَسْؤُوْلِيَّةٌ عَظِيْمَةٌ ، أَمَّاْ إِذَاْ فَقَدَ هَذِهِ اَلْأَدَوَاْتِ اَلْمُهِمَّةِ ، فَأَنَّهُ لَاْ مَسْؤُوْلِيَةَ عَلَيْهِ ، أَيْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، إِذَاْ كَاْنَ لَاْ يَسْمَعُ وَلَاْ يَعْقِلُ وَلَاْ يُبْصِرُ ، فَإِنَّهُ لَاْ تَكْلِيْفَ عَلَيْهِ ، مَهْمَاْ عَمِلَ فَإِنَّ اَللهَ يَتَجَاْوَزُ عَنْهُ ، وَلَاْ يُحَاْسِبُهُ ، أَمَّاْ إِذَاْ كَاْنَ ، يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَعْقِلُ ، فَإِنَّهُ كَمَاْ قَاْلَ تَعَاْلَىْ : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ، سَوْفَ يُحَاْسَبُ عَنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَفُؤَاْدِهِ . وَلِذَلِكَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَهْلُ اَلْإِيْمَاْنِ يَخْتَلِفُوْنَ عَنْ غَيْرِهِمْ ، يَخْتَلِفُوْنَ عَنْ أَهْلِ اَلْنَّاْرِ اَلْكُفَّاْرِ ، بِشُكْرِ اَللهِ عَلَىْ مَاْ أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، يَقُوْلُ : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ .
أَهْلُ اَلْإِيْمَاْنِ ، يُسَخِّرُوْنَ سَمْعَهُمْ وَأَبْصَاْرَهُمْ وَقُلُوْبَهُمْ ، لِكُلِّ مَاْ يُقَرِّبُهُمْ مِنْ خَاْلِقِهِمْ وَمُوْجِدِهِمْ وَرَاْزِقِهِمْ ، كَمَاْ قَاْلَ تَعَاْلَىْ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ وَكَمَاْ قَاْلَ : فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ هَؤُلَاْءِ أَهْلِ اَلْإِيْمَاْنِ ، اَلَّذِيْنَ يُرِيْدُوْنَ وَجْهَ اَللهِ وَاَلْدَّاْرَ اَلْآخِرَةَ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَلَكِنْ تَأَمَّلْ حَاْلَ غَيْرِ اَلْمُؤْمِنِيْنَ فِيْ جَهَنَّمَ ، اَلَّذِيْنَ لَمْ يَسْتَعْمِلُوْا أَسْمَاْعَهُمْ وَعُقُوْلَهُمْ لِمَاْ خُلِقَتْ مِنْ أَجْلِهِ : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ يَلُوْمُوْنَ أَنْفَسَهُمْ ، وَيَأْكُلُوْنَ أَصَاْبِعَ اَلْنَّدَمِ عَلَىْ سُوْءِ مَآلِهِمْ ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ، يَقُوْلُ فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ : ((لَنْ يَهْلِكَ اَلْنَّاْسُ حَتَّىْ يُعْذِرُوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ )) ، أَيْ لَاْ يُهْلِكَهُمُ اَللهُ ، حَتَّىْ تَكْثُرَ ذُنُوْبُهُمْ وَعُيُوْبُهُمْ ، فَتَقُوْمَ اَلْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ، وَيَتَّضِحُ عُذْرُ مَنْ يُعَاْقِبَهُمْ . وَفِيْ حَدِيْثٍ آخَرٍ يَقُوْلُ ، صَلَوَاْتُ رَبِيْ وَسَلَاْمُهُ عَلَيْهِ : (( لَاْ يَدُخُلُ أَحْدٌ اَلْنَّاْرَ ، إِلَّاْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ اَلْنَّاْرَ أَوْلَىْ بِهِ مِنَ اَلْجَنَّةِ )) .
أَخِيْ اَلْمُسْلِم ، عَبْدَ اَلله ، إِذَاْ سَلِمَ لَكَ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَقَلْبُكَ ، فَقَدْ قَاْمَتْ عَلَيْكَ اَلْحُجَةُ ، فَلْتَشْكُرِ اَللهَ ، اَلَّذِيْ بِاَسْتِطَاْعَتِهِ أَنْ يَسْلُبَكَ هَذِهِ اَلْنِّعْمَةِ أَوْ يَجْعَلُكَ ـ بَسَبِبِ ذُنُوْبِكَ وَمَعَاْصِيْكَ ـ مِنَ اَلَّذِيْنَ يَلُوْمُوْنَ أَنْفَسَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَاْمَةِ ، وَيَعْتَرِفُوْنَ بِتَقْصِيْرِهِمْ وَذُنُوْبِهِمْ .
اِسْتَخْدِمْ هَذِهِ اَلْجَوَاْرِحِ بِمَاْ يُقَرِّبُكَ مِنْ خَاْلِقِكَ وَمَوْلَاْكَ ، اَلَّذِيْ أَنْعَمَ بِهَاْ عَلَيْكَ ، وَاَحْذَرْ أَنْ يَكُوْنَ فَيْكَ شَبَهٌ مِنَ اَلَّذِيْنَ ذَكَرَهُمُ بِقَوْلِهِ : مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ .
بَاْرَكَ اَللهُ لِيْ وَلَكُمْ بِاَلْقُرَّآْنِ اَلْعَظِيْمِ ، وَنَفَعَنِيْ وَإِيَّاْكُمْ بِمَاْ فَيْهِ مِنَ اَلْآيَاْتِ وَاَلْذِّكْرِ اَلْحَكِيْمِ ، أَقُوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَاَسْتَغْفِرُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْمُ .
الخطبة الثانية
اَلْحَمْدُ لِلهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَاَلْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَاَمْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ اَلْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلِيْهِ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
إِنَّنَاْ وَاَللهِ بِحَاْجَةٍ ، إِلَىْ أَنْ نُسَخِّرَ وَنَسْتَعْمِلَ أَسْمَاْعَنَاْ وَأَبْصَاْرَنَاْ وَعُقُوْلَنَاْ لِمَاْ يُقَرِّبُنَاْ إِلَىْ اَللهِ ، وَهِيَ كَذَلِكَ عَنْدَمَاْ تُسْتَعْمَلُ وُفْقَ مَاْ يُرِيْدُ اَلْمُنْعِمُ بِهَاْ ، وَهُوَ اَللهُ سُبْحَاُنَهُ ، وَإِلَيْكُمْ ـ أَيّهَاْ اَلْأخْوَةُ ـ حَاْدِثَةٌ عَجِيْبَةٌ حَدَثَتْ فِيْ عَهْدِ اَلْنَّبِيْ ، تَدُلُّ عَلَىْ أَهَمِيَّةِ مَاْ أَرَدْنَاْ اَلْحَدِيْثَ عَنْهُ .
قَدِمَ اَلْطُّفَيْلُ بِنُ عَمْرُو اَلْدَّوْسِي مَكَةَ ، وَرَسُوْلُ اَللهِ بِهَاْ ، فَجَاْءَهُ رِجَاْلٌ مِنْ كُفَّاْرِ قُرَيْشٍ ، وَحَذَّرُوْهُ مِنَ اَلْنَّبِيِ ، وَطَلَبُوْا مِنْهُ عَدَمَ اَلْاِسْتِمَاْعِ لِمَاْ يَقُوْلُهُ ، يَقُوْلُ اَلْطُّفَيْلُ : مَاْ زَاْلُوْا بِيْ ـ أَيْ كُفَّاْرُ قُرْيْشٍ ـ حَتَّىْ أَجْمَعْتُ عَلَىْ أَلَّاْ أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئَاً ، وَلَاْ أُكَلِّمُهُ ، حَتَّىْ حَشَوْتُ فِيْ أُذُنَيَ حَيْنَ غَدَوْتُ إِلَىْ اَلْمَسْجِدِ كُرْسُفَاً ـ يَعْنِيْ قُطْنَاً ـ فَرَقَاً مِنْ أَنْ يَبْلَغُنِيْ شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ ، وَأَنَاْ لَاْ أُرِيْدُ أَنْ اَسْمَعَهُ . فَأَبَىْ اَللهُ إِلَّاْ أَنْ يُسْمِعَنِيْ ، فَسَمِعْتُ كَلَاْمَاً حَسَنَاً ، فَقُلْتُ فِيْ نَفْسِيْ : وَاْثَكْلَ أَمِّيْ ، وَاَللهِ إِنَّيْ لَرَجُلٍ لَبِيْبٍ شَاْعِرٍ ، مَاْ يَخْفَىْ عَلَيَّ اَلْحَسَنُ مِنَ اَلْقَبِيْحِ ، فَمَاْ يَمْنَعُنِيْ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَاْ اَلْرُّجُلِ مَاْ يَقُوْلُ ؟ فَإِنْ كَاْنَ اَلَّذِيْ يَأْتِيْ بِهِ حَسَنَاً قَبِلْتُهُ ، وَإِنْ كَاْنَ قَبِيْحَاً تَرَكْتُهُ ؟ ! فَمَكَثْتُ حَتَّىْ اِنْصَرَفَ إِلَىْ بَيْتِهِ ، ثُمَّ اِتَّبَعْتُهُ حَتَّىْ إِذَاْ دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ مَعَهُ ، فَقُلْتُ : يَاْ مُحَمَّدَ !! إِنَّ قَوْمَكَ قَاْلُوْا كَذَاْ وَكَذَاْ ـ اَلَّذِيْ قَاْلُوْا لِيْ ـ فَوَاللهِ مَاْ تَرَكُوْنِيْ ، يُخَوِّفُوْنِيْ أَمْرَكَ ، حَتَّىْ سَدَدْتُ أُذُنَيَ بِكُرْسُفٍ لِئَلَاْ أَسْمَعَ قَوْلَكَ ، ثُمَّ إِنْ اَللهَ أَبَىْ إِلَّاْ أَنْ يُسْمِعَنِيْه ، فَسَمِعْتُ قَوْلَاً حَسَنَاً !! فَاَعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكْ !! ؟ فَلَمَّاْ عَرَضَ عَلَيْهِ اَلْنَّبِيُ اَلْإِسْلَاْمَ وَتَلَىْ عَلَيْهِ اَلْقُرَّآنَ أَسْلَمَ رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاْهُ . فَاَتَّقُوْا اَللهَ يَاْ عِبَاْدَ اَللهِ ، وَاَحْذَرُوْا مَاْ يَصُدَّكُمْ عَنْ اِمْتِثَاْلِ أَمْرِ اَللهِ ، وَمَاْ يُبْعِدُكُمْ عَنِ اِتِّبَاْعِ سُنَّةِ رَسُوْلِ اَللهِ . اَسْأَلُ اَللهَ أَنْ يَهْدِيْ ضَاْلَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ اِهْدِيْ ضَاْلَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَاَرْزِقْنَاْ جَمِيْعَاً اَلْفِقْهَ فِيْ اَلْدِّيْنِ وَاَجْعَلْنَاْ مِنْ عِبَاْدِكَ اَلْصَّاْلِحِيْنَ اَلْمُخْلَصِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ أَعِزَّ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَأَذِلَّ اَلْشِّرْكَ وَاَلْمُشْرِكِيْنَ ، وَاَحْمِيْ حَوْزَةَ اَلْدِّيْنِ وَاَجْعَلْ بَلَدَنَاْ هَذَاْ آمِنَاً مُطْمَئِنَاً وَسَاْئِرَ بِلَاْدِ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ آمِنَّاْ فِيْ أَوْطَاْنِنَاْ وَاَسْتَعْمِلْ عَلَيْنَاْ خِيَاْرَنَاْ وَاَجْعَلِ اَلْلَّهُمَّ وَلَاْيَتَنَاْ فِيْ عَهْدِ مَنْ خَاْفَكَ وَاَتَّقَاْكَ وَاَتَّبَعَ رِضَاْكَ بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ اَلْثَّبَاْتَ فِيْ اَلْأَمْرِ ، وَاَلْعَزِيْمَةَ عَلَىْ اَلْرُّشْدِ ، وَنَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ ، وَحُسْنَ عِبَاْدَتِكَ ، وَنَسْأَلُكَ قُلُوْبَاً سَلِيْمَةً ، وَأَلْسِنَةً صَاْدِقَةً . اَلْلَّهُمَّ اِجْعَلْنَاْ لَكَ شُكَّاْرَاً ، لَكَ ذُكَّاْرَاً ، لَكَ رُهَّاْبَاً ، لَكَ مُطِيْعِيْنَ إِلَيْكَ مُخْبِتِيْنَ إِلَيْكَ أَوَّاْهِيْنَ مُنِيْبِيْنَ .
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .
عِبَاْدَ اَللهِ :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .