عبيد الطوياوي
23-02-2017, 11:47 PM
الظن بالله عز وجل
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ { ، } يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا { ، } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا { . أَمَّاْ بَعْدُ ؛ فَإِنَّ خَيْرَ اَلْكَلَاْمِ كَلَاْمُ اَللهِ ، وَخَيْرَ اَلْهَدِيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ e ، وَشَرَّ اَلْأُمُوْرِ مُحْدَثَاْتُهَاْ ، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَاْلَةٍ ، وَكُلُّ ضَلَاْلَةٍ فِيْ اَلْنَّاْرِ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ اَلْمُؤْمِنُوْنَ :
مِنْ اَلْقَصَصِ اَلْعَجِيْبَةِ اَلْمُفِيْدَةِ ، اَلَّتِيْ ذَكَرَ اَللهُ U فِيْ كِتَاْبِهِ لِلْمَوْعِظَةِ وَاَلْعِبْرَةِ ، قِصَّةُ اَلْرَّجُلِ اَلَّذِيْ مَرَّ عَلَىْ اَلْقَرْيَةِ ، يَقُوْلُ U فِيْ سُوْرَةِ اَلْبَقَرَةِ : } أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا { ، رَجُلٌ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ يَمْشِيْ فِيْ طَرِيْقٍ لَهُ ، فَمَرَّ عَلَىْ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ ، اَلَّتِيْ وَصَفَهَاْ اَللهُ U بِأَنَّهَاْ : } خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا { ، أَيْ : قَدْ بَاْدَ أَهْلُهَاْ ، وَفَنِيَ سُكَّاْنُهَاْ ، وَسَقَطَتْ جُدْرَاْنُهَاْ ، وَصَاْرَتْ خَرَاْبَاً مُوْحِشَةً لَاْ حَيَاْةَ فِيْهَاْ .
فَاَلْرَّجُلُ وَقَفَ مُتَعَجِّبَاً وَ } قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا { أَيْ كَيْفَ تَعُوْدُ كَمَاْ كَاْنَتْ ، } فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ { ، قَبَضَ اَللهُ U رُوْحَهُ فَمَاْتَ ، وَبَقِيَ مَيِّتَاً مِائَةَ سَنَةٍ كَاْمِلَةٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ، أَيْ أَعَاْدَهُ كَمَاْ كَاْنَ ، وَسَأَلَهُ U } كَمْ لَبِثْتَ { ، كَمْ مَضَىْ عَلَيْكَ بَعْدَ سُؤَاْلِكَ ؟ فَاَسْتَقَلَّ اَلْرَّجُلُ اَلْمُدَّةَ ، لِكَوْنِهِ عَلَىْ عَهْدِهِ بِنَفْسِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، } قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ { ، تَوَقَّعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَجَاْوَزْ اَلْيَوْمَ : } قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ { ، لَيْسَتْ يَوْمَاً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، إِنَّمَاْ هِيَ مَاْئِةُ سَنَةٍ ، وَأَمَرَهُ U أَنْ يَنْظُرَ إِلَىْ اَلْطَّعَاْمِ وَاَلْشَّرَاْبِ اَلْلَّذَيْنِ كَاْنَاْ مَعَهُ ، لَمْ يَتَغَيَّرَاْ ، إِنَّمَاْ بَقِيَاْ عَلَىْ حَاْلِهِمَاْ ، لَمْ تُؤَثِّرْ فِيْهِمَاْ عَشَرَاْتُ اَلْسِّنِيْن ، عِلْمَاً بِأَنَّ اَلْطَّعَاْمَ وَاَلْشَّرَاْبَ مِنْ أَسْرَعِ اَلْأَشْيَاْءِ فَسَاْدَاً ، يَقُوْلُ اِبْنُ كَثِيْرٍ فِيْ تَفْسِيْرِهِ : كَانَ مَعَهُ فِيمَا ذُكِرَ عِنَبٌ وَتِينٌ وَعَصِيرٌ ، فَوَجَدَهُ كَمَا فَقَدَهُ ، لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ ، لَا الْعَصِيرُ اسْتَحَالَ ، وَلَا التِّينُ حَمِضَ وَلَا أَنْتَنَ ، وَلَا الْعِنَبُ تَعَفَّنَ . } فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ { لَمْ يَتَغَيَّرْ ، } وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ { كَيْفَ يُحْيِيهِ اللَّهُ U وَقَدْ تَمَزَّقَ لَحْمُهُ وَجِلْدُهُ وَاَنْتَثَرَتْ عِظَاْمُهُ ، وَتَفَرَّقَتْ أَوْصَاْلُهُ ، } وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا { ، يَقُوْلُ اِبْنُ كَثِيْرٍ فِيْ تَفْسِيْرِهِ : قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ : تَفَرَّقَتْ عِظَامُ حِمَارِهِ حَوْلَهُ يَمِينًا وَيَسَارًا ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ تَلُوحُ مِنْ بَيَاضِهَا ، فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا فَجَمَعَتْهَا مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ تِلْكَ الْمَحِلَّةِ ، ثُمَّ رَكِبَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ ، حَتَّى صَارَ حِمَارًا قَائِمًا مِنْ عِظَامٍ لَا لَحْمَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ كَسَاهَا اللَّهُ لَحْمًا وَعَصَبًا وَعُرُوقًا وَجِلْدًا ، وَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَنَفَخَ فِي مَنْخَرَيِ الْحِمَارِ فَنَهَقَ . قَاْمَ اَلْحِمَاْرُ كَمَاْ كَاْنَ قَبْلَ مَاْئَةَ سَنَّةٍ ، وذلك كُلُّهُ بِإِذْنِ اللَّهِ U ، وَكُلُّهُ بِمَرْأَى مِنَ اَلْرَّجُلِ ، } قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
نَسْتَفِيْدُ مِنْ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ ، أَهَمِّيَةُ مُرَاْجَعَةِ اَلْمُسْلِمِ لِظَنَّهِ بِاَللهِ U ، فَقَدْ يَكُوْنُ ـ وَاَلْعَيَاْذُ بِاَللهِ ـ ظَنَّاً لَاْ يَلِيْقُ بِهِ سُبْحَاْنَهُ ، كَظَنِّ اَلَّذِيْنَ ذَكَرَ اَللهُ U بِقَوْلِهِ : } يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ { ، وَظَنُّ اَلْجَاْهِلِيَّةِ ، هُوَ اَلْظَّنُّ اَلَّذِيْ يَقَعُ فِيْهِ اَلْمُنَاْفِقُوْنَ ، وَيَجِبُ عَلَىْ مَنْ أَرَاْدَ اَلْفَوْزَ بِاَلْجَنَّةِ ، وَاَلْسَّلَاْمَةَ مِنْ اَلْنَّاْرِ أَنْ يَحْذَرَهُ ، يقول U : } وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ ، وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ ، الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا { ، يَقُوْلُ اِبْنُ سِعْدِيٍ فِيْ تَفْسِيْرِهِ : وَظَنُّوْا بِاَللهِ اَلْظَّنَّ اَلْسَّوْء ، أَنَّهُ لَاْ يَنْصِرُ دِيْنَهُ ، وَلَاْ يُعْلِيْ كَلِمَتَهُ ، وَأَنَّ أَهْلَ اَلْبَاْطِلِ ، سَتَكُوْنُ لَهُمْ اَلْدَّاْئِرَةُ عَلَىْ أَهْلِ اَلْحَقِّ .
كَثِيْرٌ هُمْ ـ أَيَّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ اَلَّذِيْنَ يَظُنُّوْنَ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْسَّوْءِ ، فَكَمْ مِنْ مَرِيْضٍ يَظِنُّ أَنْ لَاْ يُشْفَىْ ، وَكَمْ مِنْ فَقِيْرٍ يَظِنُّ أَنْ لَاْ يَغْتَنِيْ ، وَمَكْرُوْبٍ أَنْ لَاْ يُنَفَّسَ كَرْبَهُ ، وَمَهْمُوْمٍ لَاْ يُزَاْلَ هَمَّهُ ، وَمَغْمُوْمٍ لَاْ يُكْشَفَ غَمَّهُ . كَمْ مِنْ صَحِيْحٍ يَعْتَقِدُ أَنْ لَاْ يَفْقِدَ صِحَّتَهُ ، وَذِيْ ثَرْوَةٍ يَجْزِمُ بِبَقَاْءِ وَدَوَاْمِ ثَرْوَتِهِ ، وَحَيٍّ يَسْتَبْعِدُ قُدْرَةَ اَللهِ عَلَىْ قَبْضِ رُوْحِهِ ، وَاَنْتِهَاْءِ حَيَاْتِهِ . كَمْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مَنْ يَرَىْ بِأَنَّهُ فِيْ وَضْعٍ لَاْ يَسْتَحِقُّهُ ، وَفِيْ حَاْلٍ يَرَىْ أَنَّهَاْ لَاْ تَلِيْقُ بِهِ . يَقُوْلُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اَللهُ ـ : وَأَكْثَرُ اَلْنَّاْسِ ، يَظُنُّوْنَ بِاَللهِ ظَنَّ اَلْسَّوْءِ فِيْمَاْ يَخْتَصُّ بِهِمْ ، وَفِيْ مَاْ يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ ، وَلَاْ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّاْ مَنْ عَرَفَ اَللهَ وَأَسْمَاْءَهُ وَصِفَاْتَهُ ، وَعَرَفَ مُوْجِبَ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ . فَمَنْ قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ , وَأَيِّسَ مِنْ رَوْحِهِ , فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ اَلْسَّوْءِ . اَسْأَلُ اَللهَ U حُسْنَ اَلْظَّنَّ بِهِ ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكَمَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ .
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَالْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ :
وَلِأَهَمِّيَّةِ اَلْظَّنِّ بِاَللهِ ، أَمَرَ اَللهُ U ، أَنْ لَاْ يَكُوْنُ ظَنَّ عِبَاْدِهُ بِهِ إِلَّاْ حَسَنَاً ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْقُدْسِيِّ ، قَاْلَ تَعَاْلَىْ : (( أَنَاْ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِيْ بِيْ ، فَلَاْ يَظُنُّ بِيْ إِلاَّ خَيْرًا )) ، فَيَجِبُ عَلَىْ اَلْمُسْلِمِ ، دَاْئِمَاً وَأَبَدَاً أَنْ يُحْسِنَ ظَنَّهُ بِاَللهِ U ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، يَقُوْلُ e : (( لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى )) ، وَيَقُوْلُ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : وَالَّذِي لاَ إِلهَ غَيْرُهُ لاَ يُحْسِنُ عَبْدٌ باللهِ الظَّنَّ إِلاَّ أَعْطَاهُ ظَنّهُ ، وَذَلِكَ بِأَنَّ الْخَيْرَ في يَدِهِ . فَاَللهَ اَللهَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَحْسِنُوْا ظَنَّكُمْ بِرَبِّكُمْ ، تَفُوْزُوْا بِسَعَاْدَةِ اَلْدُّنْيَاْ وَاَلْآخِرَةِ ، يَقُوْلُ e فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلَّذِيْ رَوَاْهُ اَلْبَيْهَقِيُّ : (( أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدٍ إِلَى النَّارِ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى شَفَتِهَا الْتَفَتَ فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ إِنْ كَانَ ظَنِّي بِكَ لَحَسَنٌ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : رُدُّوهُ ، فَأَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ )) . أَلَاْ وَصَلُّوْا عَلَىْ اَلْبَشِيْرِ اَلْنَّذِيْرِ ، وَاَلْسِّرَاْجِ اَلْمُنِيْرِ ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اَلْلَّطِيْفُ اَلْخَبِيْرُ ، فَقَاْلَ جَلَّ مِنْ قَاْئِلٍ عَلِيْمَاً : } إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا { وَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، يَقُوْلُ e : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا )) ، فَاَلْلَّهُمَّ صَلِيْ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَاْرَكْ عَلَىْ نَبِيِّنَاْ مُحَمَّدٍ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ أَجْمَعِيْنَ ، وَاَرْضِ اَلْلَّهُمَّ عَنِ اَلْتَّاْبِعِيْنَ وَتَاْبِعِيْ اَلْتَّاْبِعِيْنَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَاْنٍ إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ ، وَعَنَّاْ مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَجُوْدِكَ وَرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْن . اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ نَصْرَ اَلْإِسْلَاْمِ وَعِزَّ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ أَعِزَّ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَنْصُرَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَاَحْمِيْ حَوْزَةَ اَلْدِّيْنَ ، وَاَجْعَلْ بَلَدَنَاْ آمِنَاً مُطْمَئِنَاً وَسَاْئِرَ بِلَاْدِ اَلْمُسْلِمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ اَحْفَظْ لَنَاْ أَمْنَنَاْ ، وَوُلَاْةَ أَمْرِنَاْ ، وَعُلَمَاْءَنَاْ وَدُعَاْتَنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ جَنِّبْنَاْ اَلْفِتَنَ ، مَاْ ظَهَرَ مِنْهَاْ وَمَاْ بَطَنَ ، بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ .
اَلْلَّهُمَّ مَنْ أَرَاْدَنَاْ أَوْ أَرَاْدَ بِلَاْدَنَاْ أَوْ شَبَاْبَنَاْ أَوْ نِسَاْءَنَاْ بِسُوْءٍ ، اَلْلَّهُمَّ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَاَجْعَلْ كَيْدَهُ فِيْ نَحْرِهِ ، وَاَجْعَلْ تَدْبِيْرَهُ سَبَبَاً لِتَدْمِيْرِهِ يَاْقَوُيَّ يَاْ عَزِيْز .
اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ وَأَنْتَ فِيْ عَلْيَاْئِكَ ، وَأَنْتَ اَلْغَنِيُّ وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاْءُ إِلَيْكَ ، أَنْ تُغِيْثَ قُلُوْبَنَاْ بِاَلْإِيْمَاْنِ ، وَبِلَاْدَنَاْ بِاَلْأَمْطَاْرِ ، اَلْلَّهُمَّ أَغِثْنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ أَغِثْنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ أَغِثْنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ أَسْقِنَاْ اَلْغَيْثَ وَلَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْقَاْنِطِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ اَسْقِنَاْ غَيْثَاً مُغِيْثَاً هَنِيْئَاً مَرِيْعَاً سَحَّاً غَدَقَاً مُجَلِّلَاً نَاْفِعَاً غَيْرَ ضَاْرٍ ، عَاْجِلَاً غَيْرَ آجِلٍ ، غَيْثَاً تُغِيْثُ بِهِ اَلْبِلَاْدَ وَاَلْعِبَاْدَ ، اَلْلَّهُمَّ اَسْقِ بِلَاْدَكَ وَعِبَاْدَكَ وَبَهَاْئِمَكَ ، بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {
عِبَاْدَ اَللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { .
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ { ، } يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا { ، } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا { . أَمَّاْ بَعْدُ ؛ فَإِنَّ خَيْرَ اَلْكَلَاْمِ كَلَاْمُ اَللهِ ، وَخَيْرَ اَلْهَدِيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ e ، وَشَرَّ اَلْأُمُوْرِ مُحْدَثَاْتُهَاْ ، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَاْلَةٍ ، وَكُلُّ ضَلَاْلَةٍ فِيْ اَلْنَّاْرِ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ اَلْمُؤْمِنُوْنَ :
مِنْ اَلْقَصَصِ اَلْعَجِيْبَةِ اَلْمُفِيْدَةِ ، اَلَّتِيْ ذَكَرَ اَللهُ U فِيْ كِتَاْبِهِ لِلْمَوْعِظَةِ وَاَلْعِبْرَةِ ، قِصَّةُ اَلْرَّجُلِ اَلَّذِيْ مَرَّ عَلَىْ اَلْقَرْيَةِ ، يَقُوْلُ U فِيْ سُوْرَةِ اَلْبَقَرَةِ : } أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا { ، رَجُلٌ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ يَمْشِيْ فِيْ طَرِيْقٍ لَهُ ، فَمَرَّ عَلَىْ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ ، اَلَّتِيْ وَصَفَهَاْ اَللهُ U بِأَنَّهَاْ : } خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا { ، أَيْ : قَدْ بَاْدَ أَهْلُهَاْ ، وَفَنِيَ سُكَّاْنُهَاْ ، وَسَقَطَتْ جُدْرَاْنُهَاْ ، وَصَاْرَتْ خَرَاْبَاً مُوْحِشَةً لَاْ حَيَاْةَ فِيْهَاْ .
فَاَلْرَّجُلُ وَقَفَ مُتَعَجِّبَاً وَ } قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا { أَيْ كَيْفَ تَعُوْدُ كَمَاْ كَاْنَتْ ، } فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ { ، قَبَضَ اَللهُ U رُوْحَهُ فَمَاْتَ ، وَبَقِيَ مَيِّتَاً مِائَةَ سَنَةٍ كَاْمِلَةٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ، أَيْ أَعَاْدَهُ كَمَاْ كَاْنَ ، وَسَأَلَهُ U } كَمْ لَبِثْتَ { ، كَمْ مَضَىْ عَلَيْكَ بَعْدَ سُؤَاْلِكَ ؟ فَاَسْتَقَلَّ اَلْرَّجُلُ اَلْمُدَّةَ ، لِكَوْنِهِ عَلَىْ عَهْدِهِ بِنَفْسِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، } قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ { ، تَوَقَّعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَجَاْوَزْ اَلْيَوْمَ : } قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ { ، لَيْسَتْ يَوْمَاً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، إِنَّمَاْ هِيَ مَاْئِةُ سَنَةٍ ، وَأَمَرَهُ U أَنْ يَنْظُرَ إِلَىْ اَلْطَّعَاْمِ وَاَلْشَّرَاْبِ اَلْلَّذَيْنِ كَاْنَاْ مَعَهُ ، لَمْ يَتَغَيَّرَاْ ، إِنَّمَاْ بَقِيَاْ عَلَىْ حَاْلِهِمَاْ ، لَمْ تُؤَثِّرْ فِيْهِمَاْ عَشَرَاْتُ اَلْسِّنِيْن ، عِلْمَاً بِأَنَّ اَلْطَّعَاْمَ وَاَلْشَّرَاْبَ مِنْ أَسْرَعِ اَلْأَشْيَاْءِ فَسَاْدَاً ، يَقُوْلُ اِبْنُ كَثِيْرٍ فِيْ تَفْسِيْرِهِ : كَانَ مَعَهُ فِيمَا ذُكِرَ عِنَبٌ وَتِينٌ وَعَصِيرٌ ، فَوَجَدَهُ كَمَا فَقَدَهُ ، لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ ، لَا الْعَصِيرُ اسْتَحَالَ ، وَلَا التِّينُ حَمِضَ وَلَا أَنْتَنَ ، وَلَا الْعِنَبُ تَعَفَّنَ . } فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ { لَمْ يَتَغَيَّرْ ، } وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ { كَيْفَ يُحْيِيهِ اللَّهُ U وَقَدْ تَمَزَّقَ لَحْمُهُ وَجِلْدُهُ وَاَنْتَثَرَتْ عِظَاْمُهُ ، وَتَفَرَّقَتْ أَوْصَاْلُهُ ، } وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا { ، يَقُوْلُ اِبْنُ كَثِيْرٍ فِيْ تَفْسِيْرِهِ : قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ : تَفَرَّقَتْ عِظَامُ حِمَارِهِ حَوْلَهُ يَمِينًا وَيَسَارًا ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ تَلُوحُ مِنْ بَيَاضِهَا ، فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا فَجَمَعَتْهَا مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ تِلْكَ الْمَحِلَّةِ ، ثُمَّ رَكِبَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ ، حَتَّى صَارَ حِمَارًا قَائِمًا مِنْ عِظَامٍ لَا لَحْمَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ كَسَاهَا اللَّهُ لَحْمًا وَعَصَبًا وَعُرُوقًا وَجِلْدًا ، وَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَنَفَخَ فِي مَنْخَرَيِ الْحِمَارِ فَنَهَقَ . قَاْمَ اَلْحِمَاْرُ كَمَاْ كَاْنَ قَبْلَ مَاْئَةَ سَنَّةٍ ، وذلك كُلُّهُ بِإِذْنِ اللَّهِ U ، وَكُلُّهُ بِمَرْأَى مِنَ اَلْرَّجُلِ ، } قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
نَسْتَفِيْدُ مِنْ هَذِهِ اَلْقِصَّةِ ، أَهَمِّيَةُ مُرَاْجَعَةِ اَلْمُسْلِمِ لِظَنَّهِ بِاَللهِ U ، فَقَدْ يَكُوْنُ ـ وَاَلْعَيَاْذُ بِاَللهِ ـ ظَنَّاً لَاْ يَلِيْقُ بِهِ سُبْحَاْنَهُ ، كَظَنِّ اَلَّذِيْنَ ذَكَرَ اَللهُ U بِقَوْلِهِ : } يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ { ، وَظَنُّ اَلْجَاْهِلِيَّةِ ، هُوَ اَلْظَّنُّ اَلَّذِيْ يَقَعُ فِيْهِ اَلْمُنَاْفِقُوْنَ ، وَيَجِبُ عَلَىْ مَنْ أَرَاْدَ اَلْفَوْزَ بِاَلْجَنَّةِ ، وَاَلْسَّلَاْمَةَ مِنْ اَلْنَّاْرِ أَنْ يَحْذَرَهُ ، يقول U : } وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ ، وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ ، الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا { ، يَقُوْلُ اِبْنُ سِعْدِيٍ فِيْ تَفْسِيْرِهِ : وَظَنُّوْا بِاَللهِ اَلْظَّنَّ اَلْسَّوْء ، أَنَّهُ لَاْ يَنْصِرُ دِيْنَهُ ، وَلَاْ يُعْلِيْ كَلِمَتَهُ ، وَأَنَّ أَهْلَ اَلْبَاْطِلِ ، سَتَكُوْنُ لَهُمْ اَلْدَّاْئِرَةُ عَلَىْ أَهْلِ اَلْحَقِّ .
كَثِيْرٌ هُمْ ـ أَيَّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ اَلَّذِيْنَ يَظُنُّوْنَ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْسَّوْءِ ، فَكَمْ مِنْ مَرِيْضٍ يَظِنُّ أَنْ لَاْ يُشْفَىْ ، وَكَمْ مِنْ فَقِيْرٍ يَظِنُّ أَنْ لَاْ يَغْتَنِيْ ، وَمَكْرُوْبٍ أَنْ لَاْ يُنَفَّسَ كَرْبَهُ ، وَمَهْمُوْمٍ لَاْ يُزَاْلَ هَمَّهُ ، وَمَغْمُوْمٍ لَاْ يُكْشَفَ غَمَّهُ . كَمْ مِنْ صَحِيْحٍ يَعْتَقِدُ أَنْ لَاْ يَفْقِدَ صِحَّتَهُ ، وَذِيْ ثَرْوَةٍ يَجْزِمُ بِبَقَاْءِ وَدَوَاْمِ ثَرْوَتِهِ ، وَحَيٍّ يَسْتَبْعِدُ قُدْرَةَ اَللهِ عَلَىْ قَبْضِ رُوْحِهِ ، وَاَنْتِهَاْءِ حَيَاْتِهِ . كَمْ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مَنْ يَرَىْ بِأَنَّهُ فِيْ وَضْعٍ لَاْ يَسْتَحِقُّهُ ، وَفِيْ حَاْلٍ يَرَىْ أَنَّهَاْ لَاْ تَلِيْقُ بِهِ . يَقُوْلُ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اَللهُ ـ : وَأَكْثَرُ اَلْنَّاْسِ ، يَظُنُّوْنَ بِاَللهِ ظَنَّ اَلْسَّوْءِ فِيْمَاْ يَخْتَصُّ بِهِمْ ، وَفِيْ مَاْ يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ ، وَلَاْ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّاْ مَنْ عَرَفَ اَللهَ وَأَسْمَاْءَهُ وَصِفَاْتَهُ ، وَعَرَفَ مُوْجِبَ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ . فَمَنْ قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ , وَأَيِّسَ مِنْ رَوْحِهِ , فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ اَلْسَّوْءِ . اَسْأَلُ اَللهَ U حُسْنَ اَلْظَّنَّ بِهِ ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكَمَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمِ .
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَالْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ :
وَلِأَهَمِّيَّةِ اَلْظَّنِّ بِاَللهِ ، أَمَرَ اَللهُ U ، أَنْ لَاْ يَكُوْنُ ظَنَّ عِبَاْدِهُ بِهِ إِلَّاْ حَسَنَاً ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْقُدْسِيِّ ، قَاْلَ تَعَاْلَىْ : (( أَنَاْ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِيْ بِيْ ، فَلَاْ يَظُنُّ بِيْ إِلاَّ خَيْرًا )) ، فَيَجِبُ عَلَىْ اَلْمُسْلِمِ ، دَاْئِمَاً وَأَبَدَاً أَنْ يُحْسِنَ ظَنَّهُ بِاَللهِ U ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، يَقُوْلُ e : (( لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى )) ، وَيَقُوْلُ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : وَالَّذِي لاَ إِلهَ غَيْرُهُ لاَ يُحْسِنُ عَبْدٌ باللهِ الظَّنَّ إِلاَّ أَعْطَاهُ ظَنّهُ ، وَذَلِكَ بِأَنَّ الْخَيْرَ في يَدِهِ . فَاَللهَ اَللهَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَحْسِنُوْا ظَنَّكُمْ بِرَبِّكُمْ ، تَفُوْزُوْا بِسَعَاْدَةِ اَلْدُّنْيَاْ وَاَلْآخِرَةِ ، يَقُوْلُ e فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلَّذِيْ رَوَاْهُ اَلْبَيْهَقِيُّ : (( أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدٍ إِلَى النَّارِ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى شَفَتِهَا الْتَفَتَ فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ إِنْ كَانَ ظَنِّي بِكَ لَحَسَنٌ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : رُدُّوهُ ، فَأَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ )) . أَلَاْ وَصَلُّوْا عَلَىْ اَلْبَشِيْرِ اَلْنَّذِيْرِ ، وَاَلْسِّرَاْجِ اَلْمُنِيْرِ ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اَلْلَّطِيْفُ اَلْخَبِيْرُ ، فَقَاْلَ جَلَّ مِنْ قَاْئِلٍ عَلِيْمَاً : } إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا { وَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ ، يَقُوْلُ e : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا )) ، فَاَلْلَّهُمَّ صَلِيْ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَاْرَكْ عَلَىْ نَبِيِّنَاْ مُحَمَّدٍ ، وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ أَجْمَعِيْنَ ، وَاَرْضِ اَلْلَّهُمَّ عَنِ اَلْتَّاْبِعِيْنَ وَتَاْبِعِيْ اَلْتَّاْبِعِيْنَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَاْنٍ إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْنِ ، وَعَنَّاْ مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَجُوْدِكَ وَرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْن . اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ نَصْرَ اَلْإِسْلَاْمِ وَعِزَّ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ أَعِزَّ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَنْصُرَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَاَحْمِيْ حَوْزَةَ اَلْدِّيْنَ ، وَاَجْعَلْ بَلَدَنَاْ آمِنَاً مُطْمَئِنَاً وَسَاْئِرَ بِلَاْدِ اَلْمُسْلِمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ اَحْفَظْ لَنَاْ أَمْنَنَاْ ، وَوُلَاْةَ أَمْرِنَاْ ، وَعُلَمَاْءَنَاْ وَدُعَاْتَنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ جَنِّبْنَاْ اَلْفِتَنَ ، مَاْ ظَهَرَ مِنْهَاْ وَمَاْ بَطَنَ ، بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ .
اَلْلَّهُمَّ مَنْ أَرَاْدَنَاْ أَوْ أَرَاْدَ بِلَاْدَنَاْ أَوْ شَبَاْبَنَاْ أَوْ نِسَاْءَنَاْ بِسُوْءٍ ، اَلْلَّهُمَّ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَاَجْعَلْ كَيْدَهُ فِيْ نَحْرِهِ ، وَاَجْعَلْ تَدْبِيْرَهُ سَبَبَاً لِتَدْمِيْرِهِ يَاْقَوُيَّ يَاْ عَزِيْز .
اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ وَأَنْتَ فِيْ عَلْيَاْئِكَ ، وَأَنْتَ اَلْغَنِيُّ وَنَحْنُ اَلْفُقَرَاْءُ إِلَيْكَ ، أَنْ تُغِيْثَ قُلُوْبَنَاْ بِاَلْإِيْمَاْنِ ، وَبِلَاْدَنَاْ بِاَلْأَمْطَاْرِ ، اَلْلَّهُمَّ أَغِثْنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ أَغِثْنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ أَغِثْنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ أَسْقِنَاْ اَلْغَيْثَ وَلَاْ تَجْعَلْنَاْ مِنْ اَلْقَاْنِطِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ اَسْقِنَاْ غَيْثَاً مُغِيْثَاً هَنِيْئَاً مَرِيْعَاً سَحَّاً غَدَقَاً مُجَلِّلَاً نَاْفِعَاً غَيْرَ ضَاْرٍ ، عَاْجِلَاً غَيْرَ آجِلٍ ، غَيْثَاً تُغِيْثُ بِهِ اَلْبِلَاْدَ وَاَلْعِبَاْدَ ، اَلْلَّهُمَّ اَسْقِ بِلَاْدَكَ وَعِبَاْدَكَ وَبَهَاْئِمَكَ ، بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {
عِبَاْدَ اَللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { .
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .