عبيد الطوياوي
26-08-2017, 11:06 AM
https://www.youtube.com/watch?v=NkH_zQ2ElaE&feature=youtu.be
عَظِيْمُ اَلْأَجْرِ فِيْ اِسْتِغْلَاْلِ اَلْعَشْرِ
اَلْحَمْدُ للهِ اَلْمَلِكِ اَلْقُدُوْسِ اَلْسَّلَاْمِ ، أَنْزَلَ اَلْقُرَّآنَ يَهْدِيْ بِهِ } مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ { . أَحْمَدُهُ حَمْدَاً يَلِيْقُ بِكَرِيْمِ وَجْهِهِ ، وَعَظِيْمِ سُلْطَاْنِهِ ، } وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ { . وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ ، } وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، بَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعَاْلَمِيْنَ ، وَقِدْوَةً لِلْسَّاْلِكِيْنَ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ أَجْمَعِيْنَ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْن .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
تَقْوَىْ اَللهِ U ، وَصِيَّتُهُ لِعِبَاْدِهِ ، فَهُوَ اَلْقَاْئِلُ فِيْ كِتَاْبِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { فَلْنَتَّقِ اَللهَ ـ أَحِبَتِيْ فِيْ اَللهِ ـ جَعَلَنِيْ اَللهُ وَإِيَّاْكُمْ مِنْ عِبَاْدِهِ اَلْمُتَّقِيْنَ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ اَلْمُؤْمِنُوْنَ :
اَلْيَوْمُ هُوَ ثَاْلِثُ يَوْمٍ مِنْ اَلْأَيَّاْمِ ، اَلَّتِيْ هِيَ أَفْضَلُ أَيَّاْمِ اَلْدُّنْيَاْ ، بِشَهَاْدَةِ اَلْنَّبِيِّ e ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ يَقُوْلُ e : (( إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ )) ، أَيْ عَشْرَ ذِيْ اَلْحِجَّةِ ، فَهَذِهِ اَلْأَيَّاْمُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَيَّاْمٌ فَاْضِلَةٌ ، لَهَاْ مَكَاْنَةٌ سَاْمِيَةٌ ، وَمَنْزِلَةٌ رَفِيْعَةٌ عَاْلِيَةٌ ، وَلَاْ أَدَلُّ عَلَىْ ذَلِكَ مِنْ إِقْسَاْمِ اَللهِ U بِهَاْ ، فَاَلْعَظِيْمُ لَاْ يُقْسِمُ إِلَّاْ بِعَظِيْمٍ ، يَقُوْلُ U } : وَالْفَجْرِ ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ { ، يَقُوْلُ اِبْنُ كَثِيْرٍ فِيْ تَفْسِيْرِهِ : وَاللَّيَالِي الْعَشْرُ : الْمُرَادُ بِهَا عَشَرُ ذِي الْحِجَّةِ . كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : (( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ )) - يَعْنِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ -قَالُوا : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ : (( وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )) .
تَخَيَّلْ ـ أَخِي الْمُسْلِمِ ـ مِقْدَارَ مَحَبَّةِ اللَّهِ U لَكَ ، عِنْدَمَا تَخْرُجُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِهِ U بِنَفْسِكَ ، وَمَعَكَ كُلُّ مَا تَمْلِكُ مِنْ مَالِكٍ ، فَتُقْتَلُ شَهِيدًا ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَىْ أَهْلِكَ إِلَّاْ خَبَرُكَ ! اَلْعَمَلُ الصَّالِحُ ، يُحِبُّهُ اللَّهُ U مِنْكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، مَحَبَّةً لَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهَا عِنْدَهُ وَلَا أَحَب ، إِلَّا ذَلِكَ الَّذِي أَنْفَقَ مَالَهُ وَنَفْسَهُ فِي سَبِيلِهِ تَعَالَى ، وَفِيْ هَذَاْ دَلِيْلٌ عَلَىْ أَهَمِّيَةِ اَلْأَعْمَاْلِ اَلْصَّاْلِحَةِ فِيْ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ .
فَاَلْأَعْمَاْلُ اَلْصَّاْلِحَةُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مِمَّاْ يُحِبُّهُ اَللهُ U ، وَعَلَىْ رَأْسِ ذَلِكَ : فَرِيْضَةُ اَلْحَجِّ ، اَلْحَقُّ اَلْوَاْجِبُ للهِ U عَلَىْ مَنْ اِسْتَطَاْعَ مِنْ عِبَاْدِهِ ، كَمَاْ قَاْلَ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ : } وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ { ، وَيَقُوْلُ e فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ : (( بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) . فَلَنْ يَكْمُلَ إِسْلَاْمُ اَلْمَرْءِ ، إِلَّاْ بِهَذَاْ اَلْرُّكْنِ اَلْعَظِيْمِ ،وَلِذَلِكَ قَاْلَ U : } وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ { .
فَاَلْحَجُّ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَاْنِ اَلْإِسْلَاْمِ ، وَحُكْمُهُ : اَلْوُجُوْبُ مَرَّةً وَاْحِدَةً فِيْ اَلْعُمُرِ ؛ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَاْلِغٍ عَاْقِلٍ مُسْتَطِيْعٍ ، وَهُوَ أَمْرٌ يَجِبُ اَلْاِهْتِمَاْمُ بِهِ ، وَبَذْلُ مَاْ يُسْتَطَاْعُ مَنْ أَجْلِهِ ، وَيَنْبَغِيْ لِمَنْ وَفَّقَهُ اَللهُ U لِتَأْدِيَتِهِ ، أَنْ يَحْرِصَ أَنْ يَكُوْنَ حَجُّهُ مَبْرُوْرَاً كَمَاْ يُرِيْدُ مَنْ أَمَرَهُ بِهِ ، وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ اَللهُ سُبْحَاْنَهُ ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ صَحِيْحِ اَلْإِسْنَاْدِ ، يَقُوْلُ e : (( اَلْحَجُّ اَلْمَبْرُوْرُ لَيْسَ لَهُ جَزَاْءٌ إِلَّاْ اَلْجَنَّةُ )) ، وَاَلْحَجُّ اَلْمَبْرُوْرُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ لَهُ شُرُوْطٌ فِيْ جُمْلَتِهَاْ تَدُلُّ عَلَىْ طَاْعَةِ اَللهِ U وَطَاْعَةِ رَسُوْلِهِ e ، وَاَلْحُرْصِ عَلَىْ مَاْ يُرْضِيْ اَللهُ U ، وَمَاْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّهِ e ، وَلِهَذَاْ يَجِبُ عَلَىْ اَلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ فِيْهِ مُخَاْلَفَةٌ لِذَلِكَ ، فَلَاْ يَحِجُّ وَعَلِيْهِ دَيْنٌ ، تَكْلِفَةُ حَجِّهِ تُسَدِّدُهُ ، وَاَلْمَرْأَةُ لَاْ تُحِجُّ إِلَّاْ مَعَ مَحْرَمٍ لَهَاْ ، يَحْفَظُهَاْ فِيْ سَفَرِهَاْ ، وَلَاْ يَحِجُّ اَلْمُسْلِمُ عَنْ غَيْرِهِ وَقَصْدُهُ مَبْلَغَاٍ مِنْ اَلْمَاْلِ يَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ ، وَلَاْ يَسْتَغِلُّ اَلْحَجَّ لِحَاْجَةٍ فِيْ نَفْسِهِ ، كَمَاْ يَفْعُلُ بَعْضُهُمْ ، لِتَرْوُيْجِ مَنْهَجِ جَمَاْعَةٍ ، أَوْ لِلْقَاْءِ دُعَاْةِ فِتْنَةٍ . وَكَذَلِكَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ طَاْعَةُ وَلِيِّ اَلْأَمْرِ ، مِنْ اَلْأُمُوْرِ اَلْوَاْجِبَةِ فِيْ اَلْحَجِّ وَغَيْرِهِ ، وَخَاْصَةً إِذَاْ كَاْنَ اَلْحَجُّ نَاْفِلَةً ، يَقُوْلُ سَمَاْحَةُ اَلْشَّيْخُ عَبْدُاَلْعَزِيْزِ بِنُ بَاْزٍ - رَحِمَهُ اَللهُ - : لَاْ شَكَّ أنَّ تَكْرَاْرَ اَلْحَجِّ فِيْهِ فَضْلٌ عَظِيْمٌ لِلْرِّجَاْلِ وَاَلْنِّسَاْءِ ، وَلَكِنْ بِاَلْنَّظَرِ إِلَىْ اَلْزِّحَاْمِ اَلْكَثِيْرِ فِيْ هَذِهِ اَلْسِّنِيْنَ اَلْأَخِيْرَةِ ؛ بِسَبَبِ تَيْسِيْرِ اَلْمُوَاْصَلَاْتِ ، وَاِتِّسَاْعِ اَلْدُّنْيَاْ عَلَىْ اَلْنَّاْسِ ، وَتَوَفُّرِ اَلْأَمْنِ ، وَاَخْتِلَاْطِ اَلْرِّجَاْلِ بِاَلْنِّسَاْءِ فِيْ اَلْطَّوَاْفِ وَأَمَاْكِنِ اَلْعِبَاْدَةِ ، وَعَدَمِ تَحَرُّزِ اَلْكَثِيْرِ مِنْهُنَّ عَنْ أَسْبَاْبِ اَلْفِتْنَةِ ، نَرَىْ أَنَّ عَدَمَ تَكْرَاْرِهُنَّ اَلْحَجَّ أَفْضَلُ لَهُنَّ ، وَأَسْلَمُ لِدِيْنِهِنَّ ، وَأَبْعَدُ عَنْ اَلْمَضَرَّةِ عَلَىْ اَلْمُجْتَمَعِ اَلَّذِيْ قَدْ يُفْتَنُ بِبِعْضِهِنَّ ، وَهَكَذَاْ اَلْرِّجَاْلُ إِذَاْ أَمْكَنَ تَرْكُ اَلْاِسْتِكْثَاْرِ مِنْ اَلْحَجِّ ؛ لِقَصْدِ اَلْتَّوْسِعَةِ عَلَىْ اَلْحُجَّاْجِ ، وَتَخْفِيْفِ اَلْزِّحِاَمْ عَنْهُمْ ، فَنَرْجُوْ أَنْ يَكُوْنَ أَجْرُهُ فِيْ اَلْتَّرْكِ أَعْظَمَ مِنْ أَجْرِهِ فِيْ اَلْحَجِّ إِذَاْ كَاْنَ تَرْكُهُ لَهُ ؛ بِسَبَبِ هَذَاْ اَلْقَصْدِ اَلْطَّيِّبِ .... إِلَىْ أَخِرِ كَلَاْمِهِ رَحِمَهُ اَللهُ .اَسْأَلُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ عِلْمَاً نَاْفِعَاً ، وَعَمَلَاً خَاْلِصَاً إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ ، أَقَوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَأَسْتَغْفِرُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْم .
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَالْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُون :
وَمِنْ اَلْأَعْمَاْلِ اَلْصَّاْلِحَةِ فِيْ مِثْلِ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ ؛ اَلْصِّيَاْمُ ، فَمَنْ صَاْمَ يَوْمَاً فِيْ سَبِيْلِ اَللهِ بَاْعَدَ اَللهُ بِذَلِكَ اَلْيَوْمِ اَلْنَّاْرَ عَنْهُ سَبْعِيْنَ خَرِيْفَاً ، وَلِلْمُسْلِمِ فِيْ رَسُوْلِ اَللهِ e أُسْوَة ، فَقَدْ كَاْنَ يَصُوْمُ اَلْاِثْنَيْنَ وَاَلْخَمِيْسَ وَلَمَّاْ سُئِلَ قَاْلَ e : (( إِنَّ اَلْأَعْمَاْلَ تُعْرَضُ عَلَىْ اَللهِ كُلَّ اِثْنَيْنِ وَخَمِيْس فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِيْ وَأَنَاْ صَاْئِمٌ )) وَمَنْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ عَلَىْ اَلْصِّيَاْمِ ، فَفَرَّطَ فِيْ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ ، فَعَلِيْهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَىْ صِيَاْمِ اَلْيَوْمِ اَلْتَّاْسِعِ ، يَوْمَ عَرَفَه ، فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ اَلْأَيَّاْمِ وَهُوَ مِنْ مُكَفِّرَاْتِ اَلْذُّنُوْبِ وَاَلْآثَاْمِ ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ عَنْ جَاْبِرٍ أَنَّ اَلْنَّبِيَّ e قَاْلَ : (( أَفْضَلُ اَلْأَيَّاْمِ يَوْمُ عَرَفَه )) وَأَمَّاْ تَكْفِيْرُهُ لِلْذُّنُوْبِ ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ يَقُوْلُ e : ((صِيَاْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ إِنِّيْ أَحْتَسِبُ عَلَىْ اَللهِ أَنْ يُكَفِّرَ اَلْسَّنَةَ اَلَّتِيْ قَبْلَهُ وَاَلْسَّنَةَ اَلَّتِيْ بَعْدَه )) وَاَلْحَدِيْثُ رَوَاْهُ مُسْلِمٌ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
وَمِنْ اَلْأَعْمَاْلِ اَلْصَّاْلِحَةِ ، اَلَّتِيْ يَنْبَغِيْ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَفْطَنَ لَهَاْ ، وَأَنْ لَاْ يَفُوْتُ عَلَيْهِ أَجْرُهَاْ فِيْ مِثْلِ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ ، وَخَاْصَةً اَلَّذِيْنَ مَنَّ اَللهُ عَلَيْهِمْ وَوَسَّعَ أَرْزَاْقَهُمْ ؛ اَلْإِنْفَاْقُ وَاَلْصَّدَقَةُ ، لَاْ سِيَّمَاْ اَلْكِسْوَةُ ، كِسْوَةُ اَلْفُقَرَاْءِ وَاَلْمَسَاْكِيْنِ ، يَقُوْلُ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ : } فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ { ، وَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلَّذِيْ رَوَاْهُ أَبُوْ دَاْوُدَ ، عَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ اَلْخُدَرِيْ t ، عَنْ اَلْنَّبِيِّ e قَاْلَ : (( أَيُّمَاْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً على ظَمَإٍ ، سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ )) ، اَلْجَزَاْءُ مِنْ جِنْسِ اَلْعَمَلِ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ
وَمِنْ اَلْأَعْمَاْلِ اَلَّتِيْ يُحِبُّهَاْ اَللهُ U ، وَخَاْصَةً فِيْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّاْمِ اَلْعَشْرِ ، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّاْمِ اَلْعِيْدِ : اَلْأُضْحِيَةُ ، اَلَّتِيْ هِيَ شَعْيِرَةٌ مِنْ أَهَمِّ شَعَاْئِرِ اَلْدِّيْنِ ، وَمَشْرُوْعَةٌ بِاِتِّفَاْقِ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، فَعَلَهَاْ اَلْنَّبِيُّ e وَحَثَّ أُمَّتَهُ عَلَىْ فِعْلِهَاْ ، وَهِيَ مَطْلُوْبَةٌ فِيْ وَقْتِهَاْ مِنْ اَلْحَيِّ عَنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَهُ أَنْ يُشْرِكَ فِيْ ثَوَاْبِهَاْ مَنْ شَاْءَ مِنْ اَلْأَحْيَاْءِ وَاَلْأَمْوَاْتِ .
فَاَتَّقُوْا اَللهَ ـ عِبَاْدَ اَللهِ ـ وَاِحْرِصُوْا عَلَىْ اَلْتَّقَرُّبِ إِلَىْ اَللهِ فِيْ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ اَلْعَشْرِ اَلْفَاْضِلَةِ ، اَسْأَلُهُ سُبْحَاْنَهُ أَنْ يُوَفِّقَنِيْ وَإِيَّاْكُمْ لِهُدَاْهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَاْ فِيْ رِضَاْهُ ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ . اَلْلَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا . اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا ، وَخَيْرَ أَعْمَارِنَا آخِرَهَا ، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ أَنْ نَلْقَاكَ ، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلاَمِنَا مِنَ الدُّنْيَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله .اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ نَصْرَ اَلْإِسْلَاْمِ وَعِزَّ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ أَعِزَّ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَنْصُرَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَاَحْمِيْ حَوْزَةَ اَلْدِّيْنَ ، وَاَجْعَلْ بَلَدَنَاْ آمِنَاً مُطْمَئِنَاً وَسَاْئِرَ بِلَاْدِ اَلْمُسْلِمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ اَحْفَظْ لَنَاْ أَمْنَنَاْ ، وَوُلَاْةَ أَمْرِنَاْ ، وَعُلَمَاْءَنَاْ وَدُعَاْتَنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ جَنِّبْنَاْ اَلْفِتَنَ ، مَاْ ظَهَرَ مِنْهَاْ وَمَاْ بَطَنَ ، بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .
عَظِيْمُ اَلْأَجْرِ فِيْ اِسْتِغْلَاْلِ اَلْعَشْرِ
اَلْحَمْدُ للهِ اَلْمَلِكِ اَلْقُدُوْسِ اَلْسَّلَاْمِ ، أَنْزَلَ اَلْقُرَّآنَ يَهْدِيْ بِهِ } مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ { . أَحْمَدُهُ حَمْدَاً يَلِيْقُ بِكَرِيْمِ وَجْهِهِ ، وَعَظِيْمِ سُلْطَاْنِهِ ، } وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ { . وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اَللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ ، } وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ { . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، بَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعَاْلَمِيْنَ ، وَقِدْوَةً لِلْسَّاْلِكِيْنَ ، صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ أَجْمَعِيْنَ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً إِلَىْ يَوْمِ اَلْدِّيْن .
أَمَّاْ بَعْدُ ، فَيَاْ عِبَاْدَ اَللهِ :
تَقْوَىْ اَللهِ U ، وَصِيَّتُهُ لِعِبَاْدِهِ ، فَهُوَ اَلْقَاْئِلُ فِيْ كِتَاْبِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { فَلْنَتَّقِ اَللهَ ـ أَحِبَتِيْ فِيْ اَللهِ ـ جَعَلَنِيْ اَللهُ وَإِيَّاْكُمْ مِنْ عِبَاْدِهِ اَلْمُتَّقِيْنَ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ اَلْمُؤْمِنُوْنَ :
اَلْيَوْمُ هُوَ ثَاْلِثُ يَوْمٍ مِنْ اَلْأَيَّاْمِ ، اَلَّتِيْ هِيَ أَفْضَلُ أَيَّاْمِ اَلْدُّنْيَاْ ، بِشَهَاْدَةِ اَلْنَّبِيِّ e ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ يَقُوْلُ e : (( إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ )) ، أَيْ عَشْرَ ذِيْ اَلْحِجَّةِ ، فَهَذِهِ اَلْأَيَّاْمُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ أَيَّاْمٌ فَاْضِلَةٌ ، لَهَاْ مَكَاْنَةٌ سَاْمِيَةٌ ، وَمَنْزِلَةٌ رَفِيْعَةٌ عَاْلِيَةٌ ، وَلَاْ أَدَلُّ عَلَىْ ذَلِكَ مِنْ إِقْسَاْمِ اَللهِ U بِهَاْ ، فَاَلْعَظِيْمُ لَاْ يُقْسِمُ إِلَّاْ بِعَظِيْمٍ ، يَقُوْلُ U } : وَالْفَجْرِ ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ { ، يَقُوْلُ اِبْنُ كَثِيْرٍ فِيْ تَفْسِيْرِهِ : وَاللَّيَالِي الْعَشْرُ : الْمُرَادُ بِهَا عَشَرُ ذِي الْحِجَّةِ . كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : (( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ )) - يَعْنِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ -قَالُوا : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ : (( وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )) .
تَخَيَّلْ ـ أَخِي الْمُسْلِمِ ـ مِقْدَارَ مَحَبَّةِ اللَّهِ U لَكَ ، عِنْدَمَا تَخْرُجُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِهِ U بِنَفْسِكَ ، وَمَعَكَ كُلُّ مَا تَمْلِكُ مِنْ مَالِكٍ ، فَتُقْتَلُ شَهِيدًا ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَىْ أَهْلِكَ إِلَّاْ خَبَرُكَ ! اَلْعَمَلُ الصَّالِحُ ، يُحِبُّهُ اللَّهُ U مِنْكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، مَحَبَّةً لَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهَا عِنْدَهُ وَلَا أَحَب ، إِلَّا ذَلِكَ الَّذِي أَنْفَقَ مَالَهُ وَنَفْسَهُ فِي سَبِيلِهِ تَعَالَى ، وَفِيْ هَذَاْ دَلِيْلٌ عَلَىْ أَهَمِّيَةِ اَلْأَعْمَاْلِ اَلْصَّاْلِحَةِ فِيْ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ .
فَاَلْأَعْمَاْلُ اَلْصَّاْلِحَةُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ مِمَّاْ يُحِبُّهُ اَللهُ U ، وَعَلَىْ رَأْسِ ذَلِكَ : فَرِيْضَةُ اَلْحَجِّ ، اَلْحَقُّ اَلْوَاْجِبُ للهِ U عَلَىْ مَنْ اِسْتَطَاْعَ مِنْ عِبَاْدِهِ ، كَمَاْ قَاْلَ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ : } وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ { ، وَيَقُوْلُ e فِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلْصَّحِيْحِ : (( بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) . فَلَنْ يَكْمُلَ إِسْلَاْمُ اَلْمَرْءِ ، إِلَّاْ بِهَذَاْ اَلْرُّكْنِ اَلْعَظِيْمِ ،وَلِذَلِكَ قَاْلَ U : } وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ { .
فَاَلْحَجُّ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَاْنِ اَلْإِسْلَاْمِ ، وَحُكْمُهُ : اَلْوُجُوْبُ مَرَّةً وَاْحِدَةً فِيْ اَلْعُمُرِ ؛ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَاْلِغٍ عَاْقِلٍ مُسْتَطِيْعٍ ، وَهُوَ أَمْرٌ يَجِبُ اَلْاِهْتِمَاْمُ بِهِ ، وَبَذْلُ مَاْ يُسْتَطَاْعُ مَنْ أَجْلِهِ ، وَيَنْبَغِيْ لِمَنْ وَفَّقَهُ اَللهُ U لِتَأْدِيَتِهِ ، أَنْ يَحْرِصَ أَنْ يَكُوْنَ حَجُّهُ مَبْرُوْرَاً كَمَاْ يُرِيْدُ مَنْ أَمَرَهُ بِهِ ، وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ اَللهُ سُبْحَاْنَهُ ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ صَحِيْحِ اَلْإِسْنَاْدِ ، يَقُوْلُ e : (( اَلْحَجُّ اَلْمَبْرُوْرُ لَيْسَ لَهُ جَزَاْءٌ إِلَّاْ اَلْجَنَّةُ )) ، وَاَلْحَجُّ اَلْمَبْرُوْرُ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ لَهُ شُرُوْطٌ فِيْ جُمْلَتِهَاْ تَدُلُّ عَلَىْ طَاْعَةِ اَللهِ U وَطَاْعَةِ رَسُوْلِهِ e ، وَاَلْحُرْصِ عَلَىْ مَاْ يُرْضِيْ اَللهُ U ، وَمَاْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّهِ e ، وَلِهَذَاْ يَجِبُ عَلَىْ اَلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ فِيْهِ مُخَاْلَفَةٌ لِذَلِكَ ، فَلَاْ يَحِجُّ وَعَلِيْهِ دَيْنٌ ، تَكْلِفَةُ حَجِّهِ تُسَدِّدُهُ ، وَاَلْمَرْأَةُ لَاْ تُحِجُّ إِلَّاْ مَعَ مَحْرَمٍ لَهَاْ ، يَحْفَظُهَاْ فِيْ سَفَرِهَاْ ، وَلَاْ يَحِجُّ اَلْمُسْلِمُ عَنْ غَيْرِهِ وَقَصْدُهُ مَبْلَغَاٍ مِنْ اَلْمَاْلِ يَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ ، وَلَاْ يَسْتَغِلُّ اَلْحَجَّ لِحَاْجَةٍ فِيْ نَفْسِهِ ، كَمَاْ يَفْعُلُ بَعْضُهُمْ ، لِتَرْوُيْجِ مَنْهَجِ جَمَاْعَةٍ ، أَوْ لِلْقَاْءِ دُعَاْةِ فِتْنَةٍ . وَكَذَلِكَ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ طَاْعَةُ وَلِيِّ اَلْأَمْرِ ، مِنْ اَلْأُمُوْرِ اَلْوَاْجِبَةِ فِيْ اَلْحَجِّ وَغَيْرِهِ ، وَخَاْصَةً إِذَاْ كَاْنَ اَلْحَجُّ نَاْفِلَةً ، يَقُوْلُ سَمَاْحَةُ اَلْشَّيْخُ عَبْدُاَلْعَزِيْزِ بِنُ بَاْزٍ - رَحِمَهُ اَللهُ - : لَاْ شَكَّ أنَّ تَكْرَاْرَ اَلْحَجِّ فِيْهِ فَضْلٌ عَظِيْمٌ لِلْرِّجَاْلِ وَاَلْنِّسَاْءِ ، وَلَكِنْ بِاَلْنَّظَرِ إِلَىْ اَلْزِّحَاْمِ اَلْكَثِيْرِ فِيْ هَذِهِ اَلْسِّنِيْنَ اَلْأَخِيْرَةِ ؛ بِسَبَبِ تَيْسِيْرِ اَلْمُوَاْصَلَاْتِ ، وَاِتِّسَاْعِ اَلْدُّنْيَاْ عَلَىْ اَلْنَّاْسِ ، وَتَوَفُّرِ اَلْأَمْنِ ، وَاَخْتِلَاْطِ اَلْرِّجَاْلِ بِاَلْنِّسَاْءِ فِيْ اَلْطَّوَاْفِ وَأَمَاْكِنِ اَلْعِبَاْدَةِ ، وَعَدَمِ تَحَرُّزِ اَلْكَثِيْرِ مِنْهُنَّ عَنْ أَسْبَاْبِ اَلْفِتْنَةِ ، نَرَىْ أَنَّ عَدَمَ تَكْرَاْرِهُنَّ اَلْحَجَّ أَفْضَلُ لَهُنَّ ، وَأَسْلَمُ لِدِيْنِهِنَّ ، وَأَبْعَدُ عَنْ اَلْمَضَرَّةِ عَلَىْ اَلْمُجْتَمَعِ اَلَّذِيْ قَدْ يُفْتَنُ بِبِعْضِهِنَّ ، وَهَكَذَاْ اَلْرِّجَاْلُ إِذَاْ أَمْكَنَ تَرْكُ اَلْاِسْتِكْثَاْرِ مِنْ اَلْحَجِّ ؛ لِقَصْدِ اَلْتَّوْسِعَةِ عَلَىْ اَلْحُجَّاْجِ ، وَتَخْفِيْفِ اَلْزِّحِاَمْ عَنْهُمْ ، فَنَرْجُوْ أَنْ يَكُوْنَ أَجْرُهُ فِيْ اَلْتَّرْكِ أَعْظَمَ مِنْ أَجْرِهِ فِيْ اَلْحَجِّ إِذَاْ كَاْنَ تَرْكُهُ لَهُ ؛ بِسَبَبِ هَذَاْ اَلْقَصْدِ اَلْطَّيِّبِ .... إِلَىْ أَخِرِ كَلَاْمِهِ رَحِمَهُ اَللهُ .اَسْأَلُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ عِلْمَاً نَاْفِعَاً ، وَعَمَلَاً خَاْلِصَاً إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ ، أَقَوْلُ قَوْلِيْ هَذَاْ وَأَسْتَغْفِرُ اَللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُوْرُ اَلْرَّحِيْم .
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَىْ إِحْسَاْنِهِ ، وَالْشُّكْرُ لَهُ عَلَىْ تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَاْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ ، وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ تَعْظِيْمَاً لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الْدَّاْعِيْ إِلَىْ رِضْوَاْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَعَلَىْ آلِهِ وَأَصْحَاْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً .
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤمِنُون :
وَمِنْ اَلْأَعْمَاْلِ اَلْصَّاْلِحَةِ فِيْ مِثْلِ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ ؛ اَلْصِّيَاْمُ ، فَمَنْ صَاْمَ يَوْمَاً فِيْ سَبِيْلِ اَللهِ بَاْعَدَ اَللهُ بِذَلِكَ اَلْيَوْمِ اَلْنَّاْرَ عَنْهُ سَبْعِيْنَ خَرِيْفَاً ، وَلِلْمُسْلِمِ فِيْ رَسُوْلِ اَللهِ e أُسْوَة ، فَقَدْ كَاْنَ يَصُوْمُ اَلْاِثْنَيْنَ وَاَلْخَمِيْسَ وَلَمَّاْ سُئِلَ قَاْلَ e : (( إِنَّ اَلْأَعْمَاْلَ تُعْرَضُ عَلَىْ اَللهِ كُلَّ اِثْنَيْنِ وَخَمِيْس فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِيْ وَأَنَاْ صَاْئِمٌ )) وَمَنْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ عَلَىْ اَلْصِّيَاْمِ ، فَفَرَّطَ فِيْ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ ، فَعَلِيْهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَىْ صِيَاْمِ اَلْيَوْمِ اَلْتَّاْسِعِ ، يَوْمَ عَرَفَه ، فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ اَلْأَيَّاْمِ وَهُوَ مِنْ مُكَفِّرَاْتِ اَلْذُّنُوْبِ وَاَلْآثَاْمِ ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ عَنْ جَاْبِرٍ أَنَّ اَلْنَّبِيَّ e قَاْلَ : (( أَفْضَلُ اَلْأَيَّاْمِ يَوْمُ عَرَفَه )) وَأَمَّاْ تَكْفِيْرُهُ لِلْذُّنُوْبِ ، فَفِيْ اَلْحَدِيْثِ يَقُوْلُ e : ((صِيَاْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ إِنِّيْ أَحْتَسِبُ عَلَىْ اَللهِ أَنْ يُكَفِّرَ اَلْسَّنَةَ اَلَّتِيْ قَبْلَهُ وَاَلْسَّنَةَ اَلَّتِيْ بَعْدَه )) وَاَلْحَدِيْثُ رَوَاْهُ مُسْلِمٌ .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
وَمِنْ اَلْأَعْمَاْلِ اَلْصَّاْلِحَةِ ، اَلَّتِيْ يَنْبَغِيْ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَفْطَنَ لَهَاْ ، وَأَنْ لَاْ يَفُوْتُ عَلَيْهِ أَجْرُهَاْ فِيْ مِثْلِ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ ، وَخَاْصَةً اَلَّذِيْنَ مَنَّ اَللهُ عَلَيْهِمْ وَوَسَّعَ أَرْزَاْقَهُمْ ؛ اَلْإِنْفَاْقُ وَاَلْصَّدَقَةُ ، لَاْ سِيَّمَاْ اَلْكِسْوَةُ ، كِسْوَةُ اَلْفُقَرَاْءِ وَاَلْمَسَاْكِيْنِ ، يَقُوْلُ تَبَاْرَكَ وَتَعَاْلَىْ : } فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ { ، وَفِيْ اَلْحَدِيْثِ اَلَّذِيْ رَوَاْهُ أَبُوْ دَاْوُدَ ، عَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ اَلْخُدَرِيْ t ، عَنْ اَلْنَّبِيِّ e قَاْلَ : (( أَيُّمَاْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً على ظَمَإٍ ، سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ )) ، اَلْجَزَاْءُ مِنْ جِنْسِ اَلْعَمَلِ ـ أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ ـ
وَمِنْ اَلْأَعْمَاْلِ اَلَّتِيْ يُحِبُّهَاْ اَللهُ U ، وَخَاْصَةً فِيْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّاْمِ اَلْعَشْرِ ، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّاْمِ اَلْعِيْدِ : اَلْأُضْحِيَةُ ، اَلَّتِيْ هِيَ شَعْيِرَةٌ مِنْ أَهَمِّ شَعَاْئِرِ اَلْدِّيْنِ ، وَمَشْرُوْعَةٌ بِاِتِّفَاْقِ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، فَعَلَهَاْ اَلْنَّبِيُّ e وَحَثَّ أُمَّتَهُ عَلَىْ فِعْلِهَاْ ، وَهِيَ مَطْلُوْبَةٌ فِيْ وَقْتِهَاْ مِنْ اَلْحَيِّ عَنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَهُ أَنْ يُشْرِكَ فِيْ ثَوَاْبِهَاْ مَنْ شَاْءَ مِنْ اَلْأَحْيَاْءِ وَاَلْأَمْوَاْتِ .
فَاَتَّقُوْا اَللهَ ـ عِبَاْدَ اَللهِ ـ وَاِحْرِصُوْا عَلَىْ اَلْتَّقَرُّبِ إِلَىْ اَللهِ فِيْ هَذِهِ اَلْأَيَّاْمِ اَلْعَشْرِ اَلْفَاْضِلَةِ ، اَسْأَلُهُ سُبْحَاْنَهُ أَنْ يُوَفِّقَنِيْ وَإِيَّاْكُمْ لِهُدَاْهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَاْ فِيْ رِضَاْهُ ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ . اَلْلَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا . اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمَهَا ، وَخَيْرَ أَعْمَارِنَا آخِرَهَا ، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ أَنْ نَلْقَاكَ ، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلاَمِنَا مِنَ الدُّنْيَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله .اَلْلَّهُمَّ إِنَّاْ نَسْأَلُكَ نَصْرَ اَلْإِسْلَاْمِ وَعِزَّ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، اَلْلَّهُمَّ أَعِزَّ اَلْإِسْلَاْمَ وَاَنْصُرَ اَلْمُسْلِمِيْنَ ، وَاَحْمِيْ حَوْزَةَ اَلْدِّيْنَ ، وَاَجْعَلْ بَلَدَنَاْ آمِنَاً مُطْمَئِنَاً وَسَاْئِرَ بِلَاْدِ اَلْمُسْلِمِيْنَ . اَلْلَّهُمَّ اَحْفَظْ لَنَاْ أَمْنَنَاْ ، وَوُلَاْةَ أَمْرِنَاْ ، وَعُلَمَاْءَنَاْ وَدُعَاْتَنَاْ ، اَلْلَّهُمَّ جَنِّبْنَاْ اَلْفِتَنَ ، مَاْ ظَهَرَ مِنْهَاْ وَمَاْ بَطَنَ ، بِرَحْمَتِكَ يَاْ أَرْحَمَ اَلْرَّاْحِمِيْنَ
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .