عبيد الطوياوي
02-08-2018, 10:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِخْوَةِ لِلْأَخَوَاتِ
الْحَمْدُ للهِ ، الَّذِي } يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ { . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، } لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ { . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
تَقْوَى اللهِ U ، وَصِيَّتُهُ لِعِبَادِهِ ، يَقُولُ U فِي كِتَابِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ :
ذُكِرَ فِي كُتُبِ السِّيرَةِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ يَومَ هَوَازِنَ : (( إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ فَلَا يُفْلِتَنَّكُمْ )) ، وَبِجَادٌ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ -الَّذِينَ مِنْهُمْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ ، مُرْضِعَةُ النَّبِيِّ e - وَكَانَ بِجَادٌ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا ، ذُكِرَ أَنَّهُ أَتَاهُ مُسْلِمٌ فَقَطَّعَهُ عُضْوًا عُضْوًا ، ثُمَّ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ ـــ (( إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ فَلَا يُفْلِتَنَّكُمْ )) ـــ فَلَمَّا ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ سَاقُوهُ وَأَهْلَهُ ، وَسَاقُوا مَعَهُ الشَّيْمَاءَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، أُخْتَ رَسُولِ اللَّهِ e مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَعَنُفُوا عَلَيْهَا فِي السِّيَاقِ ، فَقَالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ : تَعْلَمُوا وَاللَّهِ ، أَنِّي لَأُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَتَوْا بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ e ، فَلَمَّا انْتُهِيَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ e قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُخْتُكَ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، قَالَ e : وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ : عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ -أَيْ: حَامِلَتُكَ عَلَى وَرْكِي- قَالَ : فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ e الْعَلَامَةَ ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ ، فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ ، وخيَّرها ، وَقَالَ : (( إنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُحَبَّةٌ مُكْرَمَةٌ ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ وَتَرْجِعِي إلَى قَوْمِكِ فَعَلْتُ )) ، فَقَالَتْ : بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إلَى قَومِي . فَمَتَّعَهَا رَسُولُ اللَّهِ e ــ أَيْ أَعْطَاْهَاْ مَاْ تُرِيْدُ ــ وَرَدَّهَا إلَى قَومِهَا ، وَأَعْطَاهَا غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ وَجَارِيَةً .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
هَكَذَا اهْتَمَّ النَّبِيُّ e ، بِأُخْتِهِ الَّتِي رَضَعَ مَعَهَا وَرَضَعَتْ مَعَهُ فَقَط ، لَمْ يَأْتِيَا مِنْ صُلْبٍ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَخْرُجَا مِنْ رَحِمٍ وَاحِدٍ أَيْضًا ، إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ رَضَاعٍ ، (( وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ )) كَمَا قَالَ e فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . فَأَيُّ وَفَاءٍ وَأَيُّ أَخْلَاقٍ وَأَيُّ صِلَةٍ ، كَوَفَاءِ وَأَخْلَاقِ وَصِلَةِ النَّبِيِّ e ؟!
عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ ، قَالَ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فَقُلْتُ : أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ e ، فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ، أَمَا تَقْرَأُ : } وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ { .ــــ كَاْنَ خُلُقُهُ اَلْقُرْآنَ ـــــ .
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ
شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالا
إِيْ وَاللهِ هَذَهِ الْمَكَارِمُ ، يَقُومُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَأَكْثَرَ لِأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَيُوجَدُ مَنْ أَضَاعُوا حَقَّ أَخَوَاتِهِمْ مِنَ النَّسَبِ ، وَاللهِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- اتَّصَلَتْ بِي إِحْدَاهُنَّ تَشْتَكِي أَخَاهَا ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ حَقَّهَا مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهَا ، تَقُولُ : لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْتَكِيَهُ ، وَلَا أَسْتَطِيعُ حَتَّىْ أَنْ أَدْعِيَ عَلَيْهِ ، فَمَاذَا أَفْعَلُ ؟
وَهِذِهِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- نَتِيجَةٌ مِنْ نَتَائِجِ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَالْبُعْدِ عَنِ الدِّينِ ، يَنْسَى بَعْضُهُمْ أَخَوَاتِهِ ، وَاللهِ لَو لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَخِ وَأُخْتِهِ مِنْ رِبَاطٍ ، إِلَّا أنَّهُمَا مِنْ صِلْبٍ وَاحِدٍ ، وَاحْتَوَاهُمَا رَحِمٌ وَاحِدٌ ، وَرَضَعَا مِنْ ثَدْيٍ وَاحِدٍ ، لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا بِحِفْظِ حَقِّهَا ، وَمَوَدَّتِهَا وَمَحَبَّتِهَا ، وَبَذْلِ الْغَالِي وَالنَّفِيسِ مِنْ أَجْلِ سَعَادَتِهَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا اَلْقَصِيْرَةِ اَلْفَاْنِيَةِ . فَكِيْفَ إِذَا اجْتَمَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، وَمَعَهُ الْعَيْشُ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ ، وَالْأَكْلُ مِنْ طَعَامٍ وَاحِدٍ ، وَالشُّرْبُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَتَقَاسُمٌ لِلْأَفْرَاحِ وَالْأَتْرَاحِ . نَعُوذُ بِاللهِ مِن الْخِذْلَانِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- أُخْتُكَ الَّتِي تُحِبُّكَ وَتَعْتَزُّ بِكَ ، وَتُحِسُّ بِالْأَمْنِ بِقُرْبِكَ وَمَعَكَ ، وَتَرْفَعُ رَأْسَهَا بِكَ ، تَقُولُ : أَنَا أُخْتُ فُلَانٍ ، تَفْتَخِرُ بِكَ بَيْنَ النَّاسِ ، تَفْرَحُ لِفَرَحِكَ ، وَتَحْزَنُ لِمُصَابِكَ وَتَبْكِي لِفِرَاقِكَ ، أَتَسْتَحِقُّ أَنْ تَهْجُرَهَا ، أَو تَأْكُلَ أَمْوَالَهَا أَو تَسْتَهِينَ بِهَا ، تَتَكَفَّفُ النَّاسَ ، وَتَبْحَثُ عَنِ الْمُسَاعَدَاتِ وَالْإِعَانَاتِ وَالصَّدَقَاتِ ، وَحَقُّهَا وَمَا جَعَلَ اللهُ لَهَا تَصْرِفُهُ عَلَى زَوجَتِكَ ، وَعَلَى شَهَوَاتِكَ وَمَلَذَّاتِكَ ، أَيُّ ظُلْمٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الظُّلْمِ ؟! } إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَونَ سَعِيرًا { .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّ اهْتِمَامَ الْأَخِ بِأُخْتِهِ أَو أَخَوَاتِهِ ، هُوَ وَاللهِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، يَقُولُ النَّبِيُّ e فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمِامُ أَحْمَدُ : (( لَا يَكُونُ لِأَحْدٍ ثَلَاثُ بَنَاتٍ ، أَو ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ ، أَو ابْنَتَانِ أَو أُخْتَانِ ، فَيَتَّقِي اللهَ فِيهِنَّ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ فِي أَخَوَاتِهِ ، وَأَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِنَّ ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَتِ الْأَخَوَاتُ أَوِ الْأُخْتُ تَحْتَ وِلَايَتِهِ ، لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ الْأَبِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ إِلَى أَخَوَاتِهِ ، وَأَنْ يَتَفَانَى فِي خِدْمَتِهِنَّ ، وَيُوَفِّرَ لَهُنَّ احْتِيَاجَهُنَّ ، وَيَحْرِصَ عَلَى مَصَالِحِهِنَّ ، وَخَاصَّةً الزَّوَاجَ ، فَبَعْضُهُمْ يَعْضُلُ أَخَوَاتِهِ ، وَلَا يَسْتَشِيرُهُنَّ بِمَنْ يَتَقَدَّمُ لِخِطْبَتِهِنَّ ، يَرُدُّ الْخُطَّابَ وَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَيَتَزَوَّجُهُمْ ، تُعَنَّسُ أَخَوَاتُهُ بِسَبَبِ جَهْلِهِ وَطَيْشِهِ وَسَفَهِهِ ، وَبَعْضُهُمْ يُضَحِّي بِأَخَوَاتِهِ مِنْ أَجْلِ زَوْجَتِهِ ، وَاللهِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- أَحَدُهُمْ يَقُولُ : خَيَّرَتْنِي زَوْجَتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخَوَاتِي ! قَالَتْ : اخْتَرْ فِي هَذَا الْبَيْتِ يَا أَنَا يَا أَخَوَاتِكَ ! يَقُولُ : فَقُلْتُ لَهَا : أَنْتِ لَكِ إِخْوَةٌ تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَعِيشِي بَيْنَهُمْ وَمَعَهُمْ ، وَلَكِنْ أَخَوَاتِي لَيْسَ لَهُنَّ إِخْوَةٌ غَيْرِي ، فَقَدِ اخْتَرْتُ أَخَوَاتِي . يَقُولُ : فَبُهِتَتْ وَخَسِئَتْ وَخَرِسَتْ ، حَتَّى أَعَزَّ اللهُ أَخَوَاتِي عَنْهَا وَعَنْ مِنَّتِهَا ، فَيَنْبَغِي لِلْأَخِ أَنْ يَكُونَ أَبًا بَعْدَ أَبِيهِ لِأَخَوَاتِهِ ، كَمَا فَعَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- مَعَ أَخَوَاتِهِ ، لَمَّا اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ فِي أُحُدٍ وَخَلَّفَهُنَّ ، وَكُنَّ سِتَّ أَخَوَاتٍ ، فَتَزَوَّجَ جَابِرٌ t اِمْرَأْةً ثَيِّبَاً كَبِيْرَةً ، تَزَوَّجَهَاْ لِكَيْ تَقُومَ عَلَيْهِنَّ ، وَضَحَّى بِرَغْبَتِهِ لِأَجْلِهِنَّ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ e : « تَزَوَّجْتَ؟ » قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : (( بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ )) ، قَالَ جَابِرٌ : بَلْ ثَيِّبًا ، قَالَ e : (( أَفَلَا جَارِيَةً ، تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ )) ، قَالَ جَابِرٌ : إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ . وَفِيِ رِوَايَةٍ : إِنَّ لِيِ أَخَواتٍ ، فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِيِ وَبَيْنَهُنَّ ؛ فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ e عَلَى مَا فَعَلَ لِأَجْلِ أَخَوَاتِهِ . فَلْنَتَّقِ اللهَ -أَحِبَّتِي فِي اللهِ- وَمَنْ أَنْعَمَ اللهُ U عَلَيْهِ مِنَّا بِوُجُودِ أَخَواتٍ أَو أُخْتٍ فَلْيَصِلْهَا ، وَلْيُحْسِنْ إِلَيْهَا وَلْيَتَفَقَّدْهَا ، وَخَاصَةً إِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً فِي السِّنِّ ، فَقَدْ قَالُوا : الْأُخْتُ الْكَبِيرَةُ هِيَ الْأُمُّ الثَّانِيَةُ .
أَقُولُ قَولِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّ الْأَخَوَاتِ أَضْعَفُ مِنَ الْإِخْوَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّكَرَ أَقْوَى مِنَ الْأُنْثَى ، فَكَانَ لَهُنَّ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى إِخْوَانِهِنَّ مَا يُقَوِّي ضَعْفَهُنَّ ، وَيُزِيلُ عَجْزَهُنَّ ، وَيُوَفِّرُ الرِّعَايَةَ وَالْحِمَايَةَ لَهُنَّ ؛ سَوَاءً كُنَّ أَخَوَاتٍ شَقِيقَاتٍ ، أَمْ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ ، أَمْ أَخَوَاتٍ لِأُمٍّ ، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حُقُوقٌ عَلَى أَخِيهَا . وَمِنْ إِحْسَانِ الرَّجُلِ إِلَى أَخَوَاتِهِ : حِفْظُ حَقِّهِنَّ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ ، فَلَا يَحْتَالُ لِأَخْذِهِ ، وَلَا يُفَرِّطُ فِي صَرْفِهِ ، وَمَنْعُهُنَّ حَقَّهُنَّ فِي الْمِيرَاثِ هُوَ مِنْ أَفْحَشِ الظُّلْمِ ، وَأَعْظَمِ الْجُرْمِ ؛ لِضَعْفِهِنَّ عَنْ أَخْذِ حَقِّهِنَّ ، وَلِثِقَتِهِنَّ بِأَخِيهِنَّ ، وَلِحَاجَتِهِنَّ لِمِيرَاثِ أَبِيهِنَّ .
وَمِنْ حَقِّ الْأُخْتِ عَلَى أَخِيهَا إِذَا كَانَ وَلِيًّا لَهَا : أَنْ لَا يَعْضُلَهَا ، وَلَا يَحُولَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوَاجِ ؛ طَمَعًا فِي مَالِهَا ، أَو عَدَمَ مُبَالَاةٍ بِحَاجَتِهَا .
وَمِنْ حَقِّهَا -أَيْضًا- إِذَا طُلِّقَتْ بَعْدَ زَوَاجِهَا، وَانْتَهَتْ عِدَّتُهَا ، وَعَادَ طَلِيقُهَا يُرِيدُهَا وَهِيَ تُرِيدُهُ ، فَلَا يَقِفُ حَجَرَ عَثْرَةٍ فِي سَبِيلِ رَغْبَتِهَا ؛ لِمَا رَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ t أَنَّ آيَةَ } فَلا تَعْضُلُوهُنَّ { نَزَلَتْ فِيْهِ ، قَالَ t : زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا ، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا ، فَقُلْتُ لَهُ : زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ ، فَطَلَّقْتَهَا ، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا! لَا وَاللهِ ، لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا . وَكَانَ رَجُلَاً لَا بَأْسَ بِهِ ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ U هَذِهِ الْآيَةَ : } فَلا تَعْضُلُوهُنَّ { ، فَقُلْتُ : الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ ، فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
فَاتَّقُوا اللهَ -أَحِبَّتِي فِي اللهِ- أَخَوَاتِكُمْ أَخَوَاتِكُمْ ، فَكَمْ مِنْ أَخٍ أَحْسَنَ إِلَى أَخَوَاتِهِ ، فَرَفَعَ اللهُ U ذِكْرَهُ ، وَأَعْلَى شَأْنَهُ ، وَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ أَغْنَاهُ اللهُ U بِسَبَبِ قِيَامِهِ عَلَى أَخَوَاتِهِ بَعْدَ أَبِيهِنَّ ، وَإِعَالَتِهِ لَهُنَّ ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِنَّ .
أسْأَلُ اللهَ U أَنْ يُعِينَنَا عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَنَا إِخْوَتَنَا وَأَخَوَاتِنَا ، وَأَنْ يَرْحَمَنَا وَإِيَّاهُمْ جَمِيعًا بِرَحْمَتِهِ ، وَكَمَا جَمَعَنَا بِهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ، أَنْ يَجْمَعَنَا بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ فِي أَعْلَى مَنَازِلِ جَنَّتِهِ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .
أَلَا وَصَلُّوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمٍ : } إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا { وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، يَقُولُ e : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا )) ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَجُودِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ نَصْرَ الْإِسْلَامِ وَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَانْصُرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ ، وَاجْعَلْ بَلَدَنَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ . اللَّهُمَّ احْفَظْ لَنَا أَمْنَنَا ، وَوُلَاةَ أَمْرِنَا ، وَعُلَمَاءَنَا وَدُعَاتَنَا ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفِتَنَ ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { .
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون
مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِخْوَةِ لِلْأَخَوَاتِ
الْحَمْدُ للهِ ، الَّذِي } يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ { . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، } لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ { . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
تَقْوَى اللهِ U ، وَصِيَّتُهُ لِعِبَادِهِ ، يَقُولُ U فِي كِتَابِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ :
ذُكِرَ فِي كُتُبِ السِّيرَةِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ يَومَ هَوَازِنَ : (( إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ فَلَا يُفْلِتَنَّكُمْ )) ، وَبِجَادٌ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ -الَّذِينَ مِنْهُمْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ ، مُرْضِعَةُ النَّبِيِّ e - وَكَانَ بِجَادٌ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا ، ذُكِرَ أَنَّهُ أَتَاهُ مُسْلِمٌ فَقَطَّعَهُ عُضْوًا عُضْوًا ، ثُمَّ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ ـــ (( إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ فَلَا يُفْلِتَنَّكُمْ )) ـــ فَلَمَّا ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ سَاقُوهُ وَأَهْلَهُ ، وَسَاقُوا مَعَهُ الشَّيْمَاءَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، أُخْتَ رَسُولِ اللَّهِ e مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَعَنُفُوا عَلَيْهَا فِي السِّيَاقِ ، فَقَالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ : تَعْلَمُوا وَاللَّهِ ، أَنِّي لَأُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَتَوْا بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ e ، فَلَمَّا انْتُهِيَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ e قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُخْتُكَ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، قَالَ e : وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ : عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ -أَيْ: حَامِلَتُكَ عَلَى وَرْكِي- قَالَ : فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ e الْعَلَامَةَ ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ ، فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ ، وخيَّرها ، وَقَالَ : (( إنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُحَبَّةٌ مُكْرَمَةٌ ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ وَتَرْجِعِي إلَى قَوْمِكِ فَعَلْتُ )) ، فَقَالَتْ : بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إلَى قَومِي . فَمَتَّعَهَا رَسُولُ اللَّهِ e ــ أَيْ أَعْطَاْهَاْ مَاْ تُرِيْدُ ــ وَرَدَّهَا إلَى قَومِهَا ، وَأَعْطَاهَا غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ وَجَارِيَةً .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
هَكَذَا اهْتَمَّ النَّبِيُّ e ، بِأُخْتِهِ الَّتِي رَضَعَ مَعَهَا وَرَضَعَتْ مَعَهُ فَقَط ، لَمْ يَأْتِيَا مِنْ صُلْبٍ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَخْرُجَا مِنْ رَحِمٍ وَاحِدٍ أَيْضًا ، إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ رَضَاعٍ ، (( وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ )) كَمَا قَالَ e فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . فَأَيُّ وَفَاءٍ وَأَيُّ أَخْلَاقٍ وَأَيُّ صِلَةٍ ، كَوَفَاءِ وَأَخْلَاقِ وَصِلَةِ النَّبِيِّ e ؟!
عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ ، قَالَ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فَقُلْتُ : أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ e ، فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ، أَمَا تَقْرَأُ : } وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ { .ــــ كَاْنَ خُلُقُهُ اَلْقُرْآنَ ـــــ .
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ
شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالا
إِيْ وَاللهِ هَذَهِ الْمَكَارِمُ ، يَقُومُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَأَكْثَرَ لِأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَيُوجَدُ مَنْ أَضَاعُوا حَقَّ أَخَوَاتِهِمْ مِنَ النَّسَبِ ، وَاللهِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- اتَّصَلَتْ بِي إِحْدَاهُنَّ تَشْتَكِي أَخَاهَا ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ حَقَّهَا مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهَا ، تَقُولُ : لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْتَكِيَهُ ، وَلَا أَسْتَطِيعُ حَتَّىْ أَنْ أَدْعِيَ عَلَيْهِ ، فَمَاذَا أَفْعَلُ ؟
وَهِذِهِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- نَتِيجَةٌ مِنْ نَتَائِجِ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَالْبُعْدِ عَنِ الدِّينِ ، يَنْسَى بَعْضُهُمْ أَخَوَاتِهِ ، وَاللهِ لَو لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَخِ وَأُخْتِهِ مِنْ رِبَاطٍ ، إِلَّا أنَّهُمَا مِنْ صِلْبٍ وَاحِدٍ ، وَاحْتَوَاهُمَا رَحِمٌ وَاحِدٌ ، وَرَضَعَا مِنْ ثَدْيٍ وَاحِدٍ ، لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا بِحِفْظِ حَقِّهَا ، وَمَوَدَّتِهَا وَمَحَبَّتِهَا ، وَبَذْلِ الْغَالِي وَالنَّفِيسِ مِنْ أَجْلِ سَعَادَتِهَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا اَلْقَصِيْرَةِ اَلْفَاْنِيَةِ . فَكِيْفَ إِذَا اجْتَمَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، وَمَعَهُ الْعَيْشُ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ ، وَالْأَكْلُ مِنْ طَعَامٍ وَاحِدٍ ، وَالشُّرْبُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَتَقَاسُمٌ لِلْأَفْرَاحِ وَالْأَتْرَاحِ . نَعُوذُ بِاللهِ مِن الْخِذْلَانِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- أُخْتُكَ الَّتِي تُحِبُّكَ وَتَعْتَزُّ بِكَ ، وَتُحِسُّ بِالْأَمْنِ بِقُرْبِكَ وَمَعَكَ ، وَتَرْفَعُ رَأْسَهَا بِكَ ، تَقُولُ : أَنَا أُخْتُ فُلَانٍ ، تَفْتَخِرُ بِكَ بَيْنَ النَّاسِ ، تَفْرَحُ لِفَرَحِكَ ، وَتَحْزَنُ لِمُصَابِكَ وَتَبْكِي لِفِرَاقِكَ ، أَتَسْتَحِقُّ أَنْ تَهْجُرَهَا ، أَو تَأْكُلَ أَمْوَالَهَا أَو تَسْتَهِينَ بِهَا ، تَتَكَفَّفُ النَّاسَ ، وَتَبْحَثُ عَنِ الْمُسَاعَدَاتِ وَالْإِعَانَاتِ وَالصَّدَقَاتِ ، وَحَقُّهَا وَمَا جَعَلَ اللهُ لَهَا تَصْرِفُهُ عَلَى زَوجَتِكَ ، وَعَلَى شَهَوَاتِكَ وَمَلَذَّاتِكَ ، أَيُّ ظُلْمٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الظُّلْمِ ؟! } إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَونَ سَعِيرًا { .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّ اهْتِمَامَ الْأَخِ بِأُخْتِهِ أَو أَخَوَاتِهِ ، هُوَ وَاللهِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، يَقُولُ النَّبِيُّ e فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمِامُ أَحْمَدُ : (( لَا يَكُونُ لِأَحْدٍ ثَلَاثُ بَنَاتٍ ، أَو ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ ، أَو ابْنَتَانِ أَو أُخْتَانِ ، فَيَتَّقِي اللهَ فِيهِنَّ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ فِي أَخَوَاتِهِ ، وَأَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِنَّ ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَتِ الْأَخَوَاتُ أَوِ الْأُخْتُ تَحْتَ وِلَايَتِهِ ، لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ الْأَبِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ إِلَى أَخَوَاتِهِ ، وَأَنْ يَتَفَانَى فِي خِدْمَتِهِنَّ ، وَيُوَفِّرَ لَهُنَّ احْتِيَاجَهُنَّ ، وَيَحْرِصَ عَلَى مَصَالِحِهِنَّ ، وَخَاصَّةً الزَّوَاجَ ، فَبَعْضُهُمْ يَعْضُلُ أَخَوَاتِهِ ، وَلَا يَسْتَشِيرُهُنَّ بِمَنْ يَتَقَدَّمُ لِخِطْبَتِهِنَّ ، يَرُدُّ الْخُطَّابَ وَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَيَتَزَوَّجُهُمْ ، تُعَنَّسُ أَخَوَاتُهُ بِسَبَبِ جَهْلِهِ وَطَيْشِهِ وَسَفَهِهِ ، وَبَعْضُهُمْ يُضَحِّي بِأَخَوَاتِهِ مِنْ أَجْلِ زَوْجَتِهِ ، وَاللهِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- أَحَدُهُمْ يَقُولُ : خَيَّرَتْنِي زَوْجَتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخَوَاتِي ! قَالَتْ : اخْتَرْ فِي هَذَا الْبَيْتِ يَا أَنَا يَا أَخَوَاتِكَ ! يَقُولُ : فَقُلْتُ لَهَا : أَنْتِ لَكِ إِخْوَةٌ تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَعِيشِي بَيْنَهُمْ وَمَعَهُمْ ، وَلَكِنْ أَخَوَاتِي لَيْسَ لَهُنَّ إِخْوَةٌ غَيْرِي ، فَقَدِ اخْتَرْتُ أَخَوَاتِي . يَقُولُ : فَبُهِتَتْ وَخَسِئَتْ وَخَرِسَتْ ، حَتَّى أَعَزَّ اللهُ أَخَوَاتِي عَنْهَا وَعَنْ مِنَّتِهَا ، فَيَنْبَغِي لِلْأَخِ أَنْ يَكُونَ أَبًا بَعْدَ أَبِيهِ لِأَخَوَاتِهِ ، كَمَا فَعَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- مَعَ أَخَوَاتِهِ ، لَمَّا اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ فِي أُحُدٍ وَخَلَّفَهُنَّ ، وَكُنَّ سِتَّ أَخَوَاتٍ ، فَتَزَوَّجَ جَابِرٌ t اِمْرَأْةً ثَيِّبَاً كَبِيْرَةً ، تَزَوَّجَهَاْ لِكَيْ تَقُومَ عَلَيْهِنَّ ، وَضَحَّى بِرَغْبَتِهِ لِأَجْلِهِنَّ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ e : « تَزَوَّجْتَ؟ » قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : (( بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ )) ، قَالَ جَابِرٌ : بَلْ ثَيِّبًا ، قَالَ e : (( أَفَلَا جَارِيَةً ، تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ )) ، قَالَ جَابِرٌ : إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ . وَفِيِ رِوَايَةٍ : إِنَّ لِيِ أَخَواتٍ ، فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِيِ وَبَيْنَهُنَّ ؛ فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ e عَلَى مَا فَعَلَ لِأَجْلِ أَخَوَاتِهِ . فَلْنَتَّقِ اللهَ -أَحِبَّتِي فِي اللهِ- وَمَنْ أَنْعَمَ اللهُ U عَلَيْهِ مِنَّا بِوُجُودِ أَخَواتٍ أَو أُخْتٍ فَلْيَصِلْهَا ، وَلْيُحْسِنْ إِلَيْهَا وَلْيَتَفَقَّدْهَا ، وَخَاصَةً إِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً فِي السِّنِّ ، فَقَدْ قَالُوا : الْأُخْتُ الْكَبِيرَةُ هِيَ الْأُمُّ الثَّانِيَةُ .
أَقُولُ قَولِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّ الْأَخَوَاتِ أَضْعَفُ مِنَ الْإِخْوَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّكَرَ أَقْوَى مِنَ الْأُنْثَى ، فَكَانَ لَهُنَّ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى إِخْوَانِهِنَّ مَا يُقَوِّي ضَعْفَهُنَّ ، وَيُزِيلُ عَجْزَهُنَّ ، وَيُوَفِّرُ الرِّعَايَةَ وَالْحِمَايَةَ لَهُنَّ ؛ سَوَاءً كُنَّ أَخَوَاتٍ شَقِيقَاتٍ ، أَمْ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ ، أَمْ أَخَوَاتٍ لِأُمٍّ ، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حُقُوقٌ عَلَى أَخِيهَا . وَمِنْ إِحْسَانِ الرَّجُلِ إِلَى أَخَوَاتِهِ : حِفْظُ حَقِّهِنَّ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ ، فَلَا يَحْتَالُ لِأَخْذِهِ ، وَلَا يُفَرِّطُ فِي صَرْفِهِ ، وَمَنْعُهُنَّ حَقَّهُنَّ فِي الْمِيرَاثِ هُوَ مِنْ أَفْحَشِ الظُّلْمِ ، وَأَعْظَمِ الْجُرْمِ ؛ لِضَعْفِهِنَّ عَنْ أَخْذِ حَقِّهِنَّ ، وَلِثِقَتِهِنَّ بِأَخِيهِنَّ ، وَلِحَاجَتِهِنَّ لِمِيرَاثِ أَبِيهِنَّ .
وَمِنْ حَقِّ الْأُخْتِ عَلَى أَخِيهَا إِذَا كَانَ وَلِيًّا لَهَا : أَنْ لَا يَعْضُلَهَا ، وَلَا يَحُولَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوَاجِ ؛ طَمَعًا فِي مَالِهَا ، أَو عَدَمَ مُبَالَاةٍ بِحَاجَتِهَا .
وَمِنْ حَقِّهَا -أَيْضًا- إِذَا طُلِّقَتْ بَعْدَ زَوَاجِهَا، وَانْتَهَتْ عِدَّتُهَا ، وَعَادَ طَلِيقُهَا يُرِيدُهَا وَهِيَ تُرِيدُهُ ، فَلَا يَقِفُ حَجَرَ عَثْرَةٍ فِي سَبِيلِ رَغْبَتِهَا ؛ لِمَا رَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ t أَنَّ آيَةَ } فَلا تَعْضُلُوهُنَّ { نَزَلَتْ فِيْهِ ، قَالَ t : زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا ، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا ، فَقُلْتُ لَهُ : زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ ، فَطَلَّقْتَهَا ، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا! لَا وَاللهِ ، لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا . وَكَانَ رَجُلَاً لَا بَأْسَ بِهِ ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ U هَذِهِ الْآيَةَ : } فَلا تَعْضُلُوهُنَّ { ، فَقُلْتُ : الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ ، فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
فَاتَّقُوا اللهَ -أَحِبَّتِي فِي اللهِ- أَخَوَاتِكُمْ أَخَوَاتِكُمْ ، فَكَمْ مِنْ أَخٍ أَحْسَنَ إِلَى أَخَوَاتِهِ ، فَرَفَعَ اللهُ U ذِكْرَهُ ، وَأَعْلَى شَأْنَهُ ، وَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ أَغْنَاهُ اللهُ U بِسَبَبِ قِيَامِهِ عَلَى أَخَوَاتِهِ بَعْدَ أَبِيهِنَّ ، وَإِعَالَتِهِ لَهُنَّ ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِنَّ .
أسْأَلُ اللهَ U أَنْ يُعِينَنَا عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَنَا إِخْوَتَنَا وَأَخَوَاتِنَا ، وَأَنْ يَرْحَمَنَا وَإِيَّاهُمْ جَمِيعًا بِرَحْمَتِهِ ، وَكَمَا جَمَعَنَا بِهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ، أَنْ يَجْمَعَنَا بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ فِي أَعْلَى مَنَازِلِ جَنَّتِهِ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .
أَلَا وَصَلُّوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمٍ : } إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا { وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، يَقُولُ e : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا )) ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَجُودِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ نَصْرَ الْإِسْلَامِ وَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَانْصُرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ ، وَاجْعَلْ بَلَدَنَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ . اللَّهُمَّ احْفَظْ لَنَا أَمْنَنَا ، وَوُلَاةَ أَمْرِنَا ، وَعُلَمَاءَنَا وَدُعَاتَنَا ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفِتَنَ ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { .
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون