عبيد الطوياوي
15-11-2018, 08:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الْمُنْتَظَرُ بَعْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ
الْحَمْدُ للهِ الْقَائِلِ : }وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ { . نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، حَمْدًا يَلِيقُ بِكَرِيمِ وَجْهِهِ ، وَبِعَظِيمِ سُلْطَانِهِ ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْقَائِلُ : (( أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا )) ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيِهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ، الذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِينَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ ، وَجَمَعَنَا بِهِمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ :
وَصِيَّتِي ، وَصِيَّةُ اللَّهِ لَكُمْ ، وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ؛ تَقْوَى اللَّهِ U ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ : }وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- جَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ :
إِنْزَالُ الْمَطَرِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ ، مِنْ أَعْظَمِ وَأَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ U ، وَلِذَلِكَ أَشَادَ بِهَا فِي كِتَابِهِ ، وَذَكَرَهَا فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ عَلَى عِبَادِهِ ، يَقُولُ U: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ { . فَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ ؛ يَأْمُرُ U خَلْقَهُ بِأَنْ يَعْبُدُوهُ ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَدَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَهُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا كَالْفِرَاشِ ، وَجَعَلَ لَهُمُ السَّمَاءَ بِنَاءً ، ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَةَ إِنْزَالِ الْمَطَرِ فَقَالَ : }وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً {. فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ ، وَكَيْفَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ ؛ وَاللهُ U سَمَّاهَا بِالْغَيْثِ : }وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا { ؟! ، وَكَيْفَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ ، وَهِيَ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ ؛ }وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ { ؟!.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ:
فَالْمَطَرُ - وَاللهِ- نِعْمَةٌ ، وَلَا أَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ الَّتِي ذَكَرَهَا U فِي كِتَابِهِ ، فَأَحْيَانًا يَصِفُ الْمَطَرَ بِالْبَرَكَةِ ، وَأَحْيَانًا يَصِفُهُ بِالطُّهْرِ ، وَأَحْيَانًا بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَيَاةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ إِلَّا بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ : }وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ { ؛ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُبَارَكٌ!
وَيَقُولُ } : U وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا{ ؛ وَصَفَهُ بِالطُّهْرِ !
وَيَقُولُ } : Uوَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ{.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّنَا -وَاللهِ- بِحَاجَةٍ ، لِشُكْرِ اللهِ U فِي كُلِّ وَقْتٍ وَفِي كُلِّ حِينٍ ، وَعَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ يُنْعِمُ بِهَا U ، وَخَاصَّةً فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، فَمِنْ وَاجِبِ اللهِ عَلَيْنَا : أَنْ نَشْكُرَهُ ، فَقَدْ سَقَى الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ ، وَأَنْزَلَ هَذَا الْمَاءَ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبَ حَيَاتِنَا ، فَمِنْهُ نَشْرَبُ ، وَمِنْهُ نَسْقِي حَرْثَنَا وَأَشْجَارَنَا ، مِنْهُ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- وَبِسَبَبِهِ يَنْمُو الزَّرْعُ وَيَدُرُّ الضَّرْعُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى .
فَوَاجِبُنَا شُكْرُ اللهِ U ، وَإِذَا لَمْ نَشْكُرْهُ فَإِنَّنَا لَنْ نَنْتَفِعَ بِهَذَا الْمَطَرِ ، وَاللهِ لَوْ صَبَّتِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَلَمْ تَجِدْ شُكْرًا ، فَإِنَّهُ لَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ ، اسْمَعُوهَا صَرِيحَةً : إِنَّنَا إِذَا لَمْ نَشْكُرِ اللهَ U عَلَى نِعْمَةِ الْمَطَرِ ، فَإِنَّنَا لَنْ نَنْتَفِعَ مِنْهُ ، بَلْ سَوْفَ يَجْعَلُهُ اللهُ U أُجَاجًا غَيْرَ صَالِحٍ لِلْاسْتِعْمَالِ ، يَقُولُ U: }أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ { ، أُجَاجًا : أَيْ مَالِحًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ .
اللَّهُ U - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَهُ أُجَاجًا ، قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَهُ مَالِحًا ، لَا يُنْبِتُ زَرْعًا ، وَلَا يَسْقِي إِنْسَانًا ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ حَيَوَانٌ وَلَا غَيْرُهُ .
بَلْ يَسْتَطِيعُ اللَّهُ U ؛ أَنْ يَحْرِمَ النَّاسَ الِانْتِفَاعَ بِهِ لِبُعْدِهِ ، يَجْعَلُهُ بَعِيدًا لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ : }قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ { هَذَا كَلَامُ اللهِ ، فَلَنَشْكُرْهُ يَا عِبَادَ اللَّهِ ، نَشْكُرُهُ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي عَمَّنَا بِهَا ، وَأَنْزَلَهَا رَحْمَةً بِنَا . وَلْيَكُنْ شُكْرُنَا شُكْرًا حَقِيقِيًّا ، نَشْكُرُهُ بِأَلْسِنَتِنَا ، نَشْكُرُهُ بِأَعْمَالِنَا ، نَعْمَلُ شُكْرًا لَهُ سُبْحَانَهُ ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلُ : }اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ {. وَلْنَحْذَرْ مِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ ، فَإِنَّ النِّعَمَ إِذَا شُكِرَتْ زَادَتْ وَدَامَتْ وَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا ، وَأَمَّا إِذَا كُفِرَتْ فَإِنَّهَا تَزُولُ وَتَنْتَهِي ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ .
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشِّيطَانِ الرَّجِيمِ :
} وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {، بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ :
يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : } وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ، وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا { ، يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى :} وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا{، أَيْ : أَمْطَرْنَا هَذِهِ الْأَرْضَ دُونَ هَذِهِ ، وَسُقْنَا السَّحَابَ يَمُرُّ عَلَى الْأَرْضِ وَيَتَعَدَّاهَا وَيَتَجَاوَزُهَا إِلَى الْأَرْضِ الْأُخْرَى فَيُمْطِرُهَا وَيَكْفِيهَا وَيَجْعَلُهَا غَدَقًا ، وَالَّتِي وَرَاءَهَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهَا قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ، وَالْحِكْمَةُ الْقَاطِعَةُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -: لَيْسَ عَامٌ بِأَكْثَرَ مَطَرًا مِنْ عَامٍ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : } وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا { ، أَيْ : لِيَذَّكَّرُوا بِإِحْيَاءِ اللَّهِ الْأَرْضَ الْمَيِّتَةَ ؛ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ ، وَالْعِظَامِ الرُّفَاتِ . أَوْ : لِيَذَّكَّرَ مَنْ مُنِعَ الْقَطْرَ : أَنَّمَا أَصَابَهُ ذَلِكَ بِذَنْبٍ أَصَابَهُ ، فَيُقْلِعُ عَمَّا هُوَ فِيهِ .
فَالذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي هِيَ سَبَبُ كُلِّ شَرٍّ ، وَهِيَ طَرِيقُ كُلِّ بَلَاءٍ . فَاللَّـهَ .. اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ ، لِنَحْذَرِ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِي . أسْأَلُ اللهَ لِي وَلَكُمْ عِلْمًا نَافِعًا ، وَعَمَلًا خَالِصًا وَسَلَامَةً دَائِمَةً . أَلَا وَصَلُّوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمًا : } إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، يَقُولُ e: )) مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا )) ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَجُودِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ نَصْرَ الْإِسْلَامِ وَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَانْصُرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ ، وَاجْعَلْ بَلَدَنَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ . اللَّهُمَّ احْفَظْ لَنَا أَمْنَنَا ، وَوُلَاةَ أَمْرِنَا ، وَعُلَمَاءَنَا وَدُعَاتَنَا ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . }رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {.
عِبَادَ اللهِ :
}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {.فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .
الْمُنْتَظَرُ بَعْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ
الْحَمْدُ للهِ الْقَائِلِ : }وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ { . نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، حَمْدًا يَلِيقُ بِكَرِيمِ وَجْهِهِ ، وَبِعَظِيمِ سُلْطَانِهِ ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْقَائِلُ : (( أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا )) ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيِهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ، الذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِينَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ ، وَجَمَعَنَا بِهِمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ :
وَصِيَّتِي ، وَصِيَّةُ اللَّهِ لَكُمْ ، وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ؛ تَقْوَى اللَّهِ U ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ : }وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- جَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ :
إِنْزَالُ الْمَطَرِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ ، مِنْ أَعْظَمِ وَأَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ U ، وَلِذَلِكَ أَشَادَ بِهَا فِي كِتَابِهِ ، وَذَكَرَهَا فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ عَلَى عِبَادِهِ ، يَقُولُ U: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ { . فَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ ؛ يَأْمُرُ U خَلْقَهُ بِأَنْ يَعْبُدُوهُ ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَدَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَهُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا كَالْفِرَاشِ ، وَجَعَلَ لَهُمُ السَّمَاءَ بِنَاءً ، ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَةَ إِنْزَالِ الْمَطَرِ فَقَالَ : }وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً {. فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ ، وَكَيْفَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ ؛ وَاللهُ U سَمَّاهَا بِالْغَيْثِ : }وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا { ؟! ، وَكَيْفَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ ، وَهِيَ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ ؛ }وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ { ؟!.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ:
فَالْمَطَرُ - وَاللهِ- نِعْمَةٌ ، وَلَا أَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ الَّتِي ذَكَرَهَا U فِي كِتَابِهِ ، فَأَحْيَانًا يَصِفُ الْمَطَرَ بِالْبَرَكَةِ ، وَأَحْيَانًا يَصِفُهُ بِالطُّهْرِ ، وَأَحْيَانًا بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَيَاةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ إِلَّا بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ : }وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ { ؛ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُبَارَكٌ!
وَيَقُولُ } : U وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا{ ؛ وَصَفَهُ بِالطُّهْرِ !
وَيَقُولُ } : Uوَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ{.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّنَا -وَاللهِ- بِحَاجَةٍ ، لِشُكْرِ اللهِ U فِي كُلِّ وَقْتٍ وَفِي كُلِّ حِينٍ ، وَعَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ يُنْعِمُ بِهَا U ، وَخَاصَّةً فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، فَمِنْ وَاجِبِ اللهِ عَلَيْنَا : أَنْ نَشْكُرَهُ ، فَقَدْ سَقَى الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ ، وَأَنْزَلَ هَذَا الْمَاءَ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبَ حَيَاتِنَا ، فَمِنْهُ نَشْرَبُ ، وَمِنْهُ نَسْقِي حَرْثَنَا وَأَشْجَارَنَا ، مِنْهُ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- وَبِسَبَبِهِ يَنْمُو الزَّرْعُ وَيَدُرُّ الضَّرْعُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى .
فَوَاجِبُنَا شُكْرُ اللهِ U ، وَإِذَا لَمْ نَشْكُرْهُ فَإِنَّنَا لَنْ نَنْتَفِعَ بِهَذَا الْمَطَرِ ، وَاللهِ لَوْ صَبَّتِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، وَلَمْ تَجِدْ شُكْرًا ، فَإِنَّهُ لَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ ، اسْمَعُوهَا صَرِيحَةً : إِنَّنَا إِذَا لَمْ نَشْكُرِ اللهَ U عَلَى نِعْمَةِ الْمَطَرِ ، فَإِنَّنَا لَنْ نَنْتَفِعَ مِنْهُ ، بَلْ سَوْفَ يَجْعَلُهُ اللهُ U أُجَاجًا غَيْرَ صَالِحٍ لِلْاسْتِعْمَالِ ، يَقُولُ U: }أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ { ، أُجَاجًا : أَيْ مَالِحًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ .
اللَّهُ U - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَهُ أُجَاجًا ، قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَهُ مَالِحًا ، لَا يُنْبِتُ زَرْعًا ، وَلَا يَسْقِي إِنْسَانًا ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ حَيَوَانٌ وَلَا غَيْرُهُ .
بَلْ يَسْتَطِيعُ اللَّهُ U ؛ أَنْ يَحْرِمَ النَّاسَ الِانْتِفَاعَ بِهِ لِبُعْدِهِ ، يَجْعَلُهُ بَعِيدًا لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ : }قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ { هَذَا كَلَامُ اللهِ ، فَلَنَشْكُرْهُ يَا عِبَادَ اللَّهِ ، نَشْكُرُهُ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي عَمَّنَا بِهَا ، وَأَنْزَلَهَا رَحْمَةً بِنَا . وَلْيَكُنْ شُكْرُنَا شُكْرًا حَقِيقِيًّا ، نَشْكُرُهُ بِأَلْسِنَتِنَا ، نَشْكُرُهُ بِأَعْمَالِنَا ، نَعْمَلُ شُكْرًا لَهُ سُبْحَانَهُ ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلُ : }اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ {. وَلْنَحْذَرْ مِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ ، فَإِنَّ النِّعَمَ إِذَا شُكِرَتْ زَادَتْ وَدَامَتْ وَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا ، وَأَمَّا إِذَا كُفِرَتْ فَإِنَّهَا تَزُولُ وَتَنْتَهِي ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ .
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشِّيطَانِ الرَّجِيمِ :
} وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {، بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ :
يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : } وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ، وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا { ، يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى :} وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا{، أَيْ : أَمْطَرْنَا هَذِهِ الْأَرْضَ دُونَ هَذِهِ ، وَسُقْنَا السَّحَابَ يَمُرُّ عَلَى الْأَرْضِ وَيَتَعَدَّاهَا وَيَتَجَاوَزُهَا إِلَى الْأَرْضِ الْأُخْرَى فَيُمْطِرُهَا وَيَكْفِيهَا وَيَجْعَلُهَا غَدَقًا ، وَالَّتِي وَرَاءَهَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهَا قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ، وَالْحِكْمَةُ الْقَاطِعَةُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -: لَيْسَ عَامٌ بِأَكْثَرَ مَطَرًا مِنْ عَامٍ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : } وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا { ، أَيْ : لِيَذَّكَّرُوا بِإِحْيَاءِ اللَّهِ الْأَرْضَ الْمَيِّتَةَ ؛ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ ، وَالْعِظَامِ الرُّفَاتِ . أَوْ : لِيَذَّكَّرَ مَنْ مُنِعَ الْقَطْرَ : أَنَّمَا أَصَابَهُ ذَلِكَ بِذَنْبٍ أَصَابَهُ ، فَيُقْلِعُ عَمَّا هُوَ فِيهِ .
فَالذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي هِيَ سَبَبُ كُلِّ شَرٍّ ، وَهِيَ طَرِيقُ كُلِّ بَلَاءٍ . فَاللَّـهَ .. اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ ، لِنَحْذَرِ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِي . أسْأَلُ اللهَ لِي وَلَكُمْ عِلْمًا نَافِعًا ، وَعَمَلًا خَالِصًا وَسَلَامَةً دَائِمَةً . أَلَا وَصَلُّوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمًا : } إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، يَقُولُ e: )) مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا )) ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَجُودِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ نَصْرَ الْإِسْلَامِ وَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَانْصُرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ ، وَاجْعَلْ بَلَدَنَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ . اللَّهُمَّ احْفَظْ لَنَا أَمْنَنَا ، وَوُلَاةَ أَمْرِنَا ، وَعُلَمَاءَنَا وَدُعَاتَنَا ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . }رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {.
عِبَادَ اللهِ :
}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {.فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .