عبيد الطوياوي
11-07-2020, 01:39 PM
https://www.youtube.com/watch?v=WBIRPWNWdN4
سُرْعَةُ الْأَيَّامِ وَعَجَلَةُ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ
الْحَمْدُ للهِ ، أَنْشَأَ الْكَوْنَ مِنْ عَدَمٍ ، وَعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ تِبْيَانًا لِطَرِيقِ النَّجَاةِ وَالْهُدَى ، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمٍ لَا حَصْرَ لَهَا وَلَا مُنْتَهَى ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ يُرْتَجَى ، وَلَا نِدَّ لَهُ يُبْتَغَى ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ، الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى وَالنَّبِيُّ الْمُجْتَبَى ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَمَنْ سَارَ عَلَى النَّهْجِ وَاقْتَفَى .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ ، وَخَيْرُ زَادٍ يَتَزَوَّدُ بِهِ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ لِمَعَادِهِ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، وَيَقُولُ أَيْضًا : } وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى { ، فَاتَّقُوا اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ بِأَنَّ سُرْعَةَ انْقِضَاءِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ ، ظَاهِرَةٌ لَا يُنْكِرُهَا عَاقِلٌ ، وَلَا يَجْحَدُهَا إِلَّا مُعَانِدٌ مُكَابِرٌ ، مَنْ مِنَّا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ مَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِسُرْعَةِ مُضِيِّ لَيَالِيهِ وَأَيَّامِهِ ، وَانْقِضَاءِ شُهُورِهِ وَأَعْوَامِهِ ، كُلُّنَا وَاللهِ نَشْعُرُ بِذَلِكَ ، وَنَعْتَرِفُ بِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْضُوعَ حَدِيثِنَا فِي مَجَالِسِنَا ، وَأَكْثَرُنَا مَنْ يَشْتَكِي مِنْهُ ، وَيَعَضُّ أَصَابِعَ النَّدَمِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَكِنْ لَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ فِي حَيَاةِ بَعْضِنَا ، وَالدَّلِيلُ ؛ الزَّمَنُ يَمْضِي ، وَالْوَقْتُ يَنْقَضِي ، وَتَجِدُ فِينَا مَنْ يَجْرِي فِي مَكَانِهِ ، يَتَقَدَّمُ مَرَاحِلَ فِي عُمُرِهِ ، وَهُوَ لَمْ يَسْتَثْمِرْهُ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ .
بَلْ يُوجَدُ مَنْ يَتَقَدَّمُ فِي عُمُرِهِ ، وَلَكِنَّهُ يَتَأَخَّرُ فِي دِينِهِ ، بَلْ بَعْضُهُمْ حَالُهُ كَحَالِ فَقِيرِ النَّصَارَى لَا دُنْيَا وَلَا دِينَ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ .
وَسُرْعَةُ الْأَيَّامِ وَعَجَلَةُ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ ؛ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ ، وَدَلِيلٌ عَلَى قُرْبِ انْتِهَاءِ الدُّنْيَا ، هَذَا مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، فَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَاْ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ )) ، وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ )) . يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- الْمُتَوَفَّى عَامَ ثَمَانِ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ لِلْهِجْرَةِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: (( فَالَّذِي تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ قَدْ وُجِدَ فِي زَمَاننَا هَذَا؛ فَإِنَّا نَجِد مِنْ سُرْعَة مَرِّ الْأَيَّام مَا لَمْ نَكُنْ نَجِدهُ فِي الْعَصْرِ الَّذِي قَبْلَ عَصْرِنَا هَذَا )) . فَمَاذَا عَسَى أَنْ يُقَالَ فِي زَمَانِنَا نَحْنُ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ؟!
لَا شَكَّ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - أَنَّ فِي تَقَارُبِ الزَّمَانِ ، وَعَجَلَةِ الْأَيَّامِ ، وَسُرْعَةِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ : حَثٌّ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ ، وَوَاعِظٌ لَهُ لِلْإِعْرَاضِ عَنِ الْفَانِيَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْبَاقِيَةِ ؛ لِأَنَّ عُمْرَ الْإِنْسَانِ مَا هُوَ إِلَّا سَاعَاتٌ وَأَيَّامٌ ، وَشُهُورٌ وَأَعْوَامٌ ، وَمَا يَمْضِي مِنْهُ لَا يَعُودُ ، وَمَا يَبْقَى مِنْهُ نِهَايَتُهُ الْقَبْرُ وَاللَّحْدُ وَالدُّودُ .
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: (( مَا مِنْ يَوْمٍ يَنْشَقُّ فَجْرُهُ إِلَّا وَيُنَادِي: يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ ، وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيدٌ ، فَتَزَوَّدْ مِنِّي فَإِنِّي إِذَا مَضَيْتُ لَا أَعُودُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )).
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ :
} وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا{ . بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّاْ بَعْدُ ، أَيُّهَا الْإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ :
يَقُولُ عَزَّ وَجَل : } كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ { يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ : } وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ { تَصْغِيرٌ لِشَأْنِ الدُّنْيَا وَتَحْقِيرٌ لِأَمْرِهَا، وَأَنَّهَا دَنِيئَةٌ فَانِيَةٌ قَلِيلَةٌ زَائِلَةٌ .
فَالْحَيَاةُ الدُّنْيَا - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - بِجُمْلَتِهَا صَغِيرَةٌ حَقِيرَةٌ دَنِيئَةٌ ، فَكَيْفَ بِجُزْءٍ بَسِيطٍ قَلِيلٍ مِنْهَا ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ : (( أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ )) .
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَتَدَارَكُوا مَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِكُمْ بِأَعْمَالِكُمُ الصَّالِحَةِ ، فَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَمْضِي عَلَيْكُمْ ؛ تَرْتَحِلُونَ مَرْحَلَةً إِلَى الْآخِرَةِ ، فَعُمْرُ الْإِنْسَانِ ــ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ــ أَيَّامٌ مَجْمُوعَةٌ ، كُلَّمَا مَضَى يَوْمٌ مَضَى بَعْضُهُ ، أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِهُدَاهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَا فِي رِضَاهُ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ ، وَتَوَفَّنَا شُهَدَاءَ ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رِضَاكَ وَالْجَنَّةَ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ سَخَطِكَ وَالنَّارِ، اللَّهُمَّ ارْفَعِ الْوَبَاءِ ، وَادْفَعْ عَنَّا الْبَلَا وَالْغَلَا وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَالزَّلَازِلَ وَالْمِحَنَ وَسُوءَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، عَنْ بَلَدِنَا هَذَا وَعَنْ سَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ .
}رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{ .
عِبَادَ اللهِ :}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{ فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .
سُرْعَةُ الْأَيَّامِ وَعَجَلَةُ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ
الْحَمْدُ للهِ ، أَنْشَأَ الْكَوْنَ مِنْ عَدَمٍ ، وَعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ تِبْيَانًا لِطَرِيقِ النَّجَاةِ وَالْهُدَى ، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمٍ لَا حَصْرَ لَهَا وَلَا مُنْتَهَى ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ يُرْتَجَى ، وَلَا نِدَّ لَهُ يُبْتَغَى ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ، الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى وَالنَّبِيُّ الْمُجْتَبَى ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَمَنْ سَارَ عَلَى النَّهْجِ وَاقْتَفَى .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ ، وَخَيْرُ زَادٍ يَتَزَوَّدُ بِهِ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ لِمَعَادِهِ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، وَيَقُولُ أَيْضًا : } وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى { ، فَاتَّقُوا اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ بِأَنَّ سُرْعَةَ انْقِضَاءِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ ، ظَاهِرَةٌ لَا يُنْكِرُهَا عَاقِلٌ ، وَلَا يَجْحَدُهَا إِلَّا مُعَانِدٌ مُكَابِرٌ ، مَنْ مِنَّا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ مَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِسُرْعَةِ مُضِيِّ لَيَالِيهِ وَأَيَّامِهِ ، وَانْقِضَاءِ شُهُورِهِ وَأَعْوَامِهِ ، كُلُّنَا وَاللهِ نَشْعُرُ بِذَلِكَ ، وَنَعْتَرِفُ بِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْضُوعَ حَدِيثِنَا فِي مَجَالِسِنَا ، وَأَكْثَرُنَا مَنْ يَشْتَكِي مِنْهُ ، وَيَعَضُّ أَصَابِعَ النَّدَمِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَكِنْ لَا تَأْثِيرَ لِذَلِكَ فِي حَيَاةِ بَعْضِنَا ، وَالدَّلِيلُ ؛ الزَّمَنُ يَمْضِي ، وَالْوَقْتُ يَنْقَضِي ، وَتَجِدُ فِينَا مَنْ يَجْرِي فِي مَكَانِهِ ، يَتَقَدَّمُ مَرَاحِلَ فِي عُمُرِهِ ، وَهُوَ لَمْ يَسْتَثْمِرْهُ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ .
بَلْ يُوجَدُ مَنْ يَتَقَدَّمُ فِي عُمُرِهِ ، وَلَكِنَّهُ يَتَأَخَّرُ فِي دِينِهِ ، بَلْ بَعْضُهُمْ حَالُهُ كَحَالِ فَقِيرِ النَّصَارَى لَا دُنْيَا وَلَا دِينَ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ .
وَسُرْعَةُ الْأَيَّامِ وَعَجَلَةُ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ ؛ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ ، وَدَلِيلٌ عَلَى قُرْبِ انْتِهَاءِ الدُّنْيَا ، هَذَا مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، فَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَاْ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ )) ، وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ )) . يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- الْمُتَوَفَّى عَامَ ثَمَانِ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ لِلْهِجْرَةِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: (( فَالَّذِي تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ قَدْ وُجِدَ فِي زَمَاننَا هَذَا؛ فَإِنَّا نَجِد مِنْ سُرْعَة مَرِّ الْأَيَّام مَا لَمْ نَكُنْ نَجِدهُ فِي الْعَصْرِ الَّذِي قَبْلَ عَصْرِنَا هَذَا )) . فَمَاذَا عَسَى أَنْ يُقَالَ فِي زَمَانِنَا نَحْنُ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ؟!
لَا شَكَّ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - أَنَّ فِي تَقَارُبِ الزَّمَانِ ، وَعَجَلَةِ الْأَيَّامِ ، وَسُرْعَةِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ : حَثٌّ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ ، وَوَاعِظٌ لَهُ لِلْإِعْرَاضِ عَنِ الْفَانِيَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْبَاقِيَةِ ؛ لِأَنَّ عُمْرَ الْإِنْسَانِ مَا هُوَ إِلَّا سَاعَاتٌ وَأَيَّامٌ ، وَشُهُورٌ وَأَعْوَامٌ ، وَمَا يَمْضِي مِنْهُ لَا يَعُودُ ، وَمَا يَبْقَى مِنْهُ نِهَايَتُهُ الْقَبْرُ وَاللَّحْدُ وَالدُّودُ .
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: (( مَا مِنْ يَوْمٍ يَنْشَقُّ فَجْرُهُ إِلَّا وَيُنَادِي: يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ ، وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيدٌ ، فَتَزَوَّدْ مِنِّي فَإِنِّي إِذَا مَضَيْتُ لَا أَعُودُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )).
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ :
} وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا{ . بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّاْ بَعْدُ ، أَيُّهَا الْإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ :
يَقُولُ عَزَّ وَجَل : } كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ { يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ : } وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ { تَصْغِيرٌ لِشَأْنِ الدُّنْيَا وَتَحْقِيرٌ لِأَمْرِهَا، وَأَنَّهَا دَنِيئَةٌ فَانِيَةٌ قَلِيلَةٌ زَائِلَةٌ .
فَالْحَيَاةُ الدُّنْيَا - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - بِجُمْلَتِهَا صَغِيرَةٌ حَقِيرَةٌ دَنِيئَةٌ ، فَكَيْفَ بِجُزْءٍ بَسِيطٍ قَلِيلٍ مِنْهَا ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ : (( أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ )) .
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَتَدَارَكُوا مَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِكُمْ بِأَعْمَالِكُمُ الصَّالِحَةِ ، فَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَمْضِي عَلَيْكُمْ ؛ تَرْتَحِلُونَ مَرْحَلَةً إِلَى الْآخِرَةِ ، فَعُمْرُ الْإِنْسَانِ ــ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ــ أَيَّامٌ مَجْمُوعَةٌ ، كُلَّمَا مَضَى يَوْمٌ مَضَى بَعْضُهُ ، أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِهُدَاهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَا فِي رِضَاهُ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ ، وَتَوَفَّنَا شُهَدَاءَ ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رِضَاكَ وَالْجَنَّةَ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ سَخَطِكَ وَالنَّارِ، اللَّهُمَّ ارْفَعِ الْوَبَاءِ ، وَادْفَعْ عَنَّا الْبَلَا وَالْغَلَا وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَالزَّلَازِلَ وَالْمِحَنَ وَسُوءَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، عَنْ بَلَدِنَا هَذَا وَعَنْ سَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ .
}رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{ .
عِبَادَ اللهِ :}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{ فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .