عبيد الطوياوي
10-10-2020, 12:31 PM
https://www.youtube.com/watch?v=0OOhHuL-l4w
لِلْجُفَاةِ عِظَمُ شَأْنِ الصَّلَاةِ
الْحَمْدُ للهِ ، أَنْشَأَ الْكَوْنَ مِنْ عَدَمٍ وَعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ ؛ تِبْيَانًا لِطَرِيقِ النَّجَاةِ وَالْهُدَى ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ يُرْتَجَى ، وَلَا نِدَّ لَهُ يُبْتَغَى ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى وَالنَّبِيُّ الْمُجْتَبَى ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى النَّهْجِ وَاقْتَفَى .
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
اتَّقُوا اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ -، فَهِيَ أَمْرُ رَبِّكُمْ لَكُمْ :}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ {، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - بِأَنَّ الصَّلَاةَ أَهَمُّ شَعَائِرِ الدِّينِ ، وَأَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ فَإِذَا صَلَحَتْ ، صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ كُلُّ عَمَلِهِ ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ : صَلَاتُهُ ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ )) .
فَشَأْنُ الصَّلَاةِ شَأْنٌ عَظِيمٌ ، وَلِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ عِنْدَ تَوْدِيعِهِ لِلدُّنْيَا ، يُوصِي بِالصَّلَاةِ فَيَقُولُ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : (( الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ )) ، أَيْ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَاةِ ، أُوصِيكُمْ بِالصَّلَاةِ ، أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ، اهْتَمُّوا بِالصَّلَاةِ ، إِيَّاكُمْ وَالتَّكَاسُلَ عَنِ الصَّلَاةِ ، (( الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ )) .
أَخِي الْمُسْلِمُ :
مَاذَا عِنْدَكَ فِي هَذَا الزَّمَنِ ؟ وَمَاذَا يُطْلَبُ مِنْكَ غَيْرُ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، الَّتِي لَا تَسْتَغْرِقُ إِلَّا بِضْعَ دَقَائِقَ مِنْ وَقْتِكَ ؟! هَلْ طُلِبَ مِنْكَ الذَّهَابُ إِلَى جَبَهَاتِ الْقِتَالِ فِي الثُّغُورِ ؟!
هَلْ طُلِبَ مِنْكَ أَنْ تُسَافِرَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ ؟
هَلْ طُلِبَ مِنْكَ أَنْ تُنْفِقَ ثُلُثَ مَالِكَ ، كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي سَبِيلِ اللهِ ؟
هَلْ طُلِبَ مِنْكَ أَنْ تَقُومَ كُلَّ لَيْلَةٍ ثُلُثًا مِنَ اللَّيْلِ ؟
نَعَمْ ؛ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ . وَلَكِنْ ذَلِكَ بَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ عَلَى نَفْسِكَ ! إِذَا كَانَتْ نَفْسُكَ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ جَعَلَتْكَ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ أَوْ تَتَهَاوَنُ بِهَا ، فَكَيْفَ بِأَمْرٍ أَشَقَّ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ ؟
فَهَلَّا ضَغَطْتَ عَلَى نَفْسِكَ وَحَافَظْتَ عَلَى صَلَاتِكَ ؟ هَلَّا جَعَلْتَ لِلصَّلَاةِ نَصِيبًا مِنْ سَاعَاتِكَ الطِّوَالِ ، الَّتِي تَقْضِيهَا مِنْ أَجْلِ شَهَوَاتِكَ وَرَغَبَاتِكَ وَمَلَذَّاتِكَ ؟
إِنَّنَا نَجِدُكَ تَجْلِسُ فِي اسْتِرَاحَتِكَ السَّاعَاتِ الطِّوَالَ ، لِمُتَابَعَةِ مُبَارَاةٍ أَوْ مُشَاهَدَةِ فِلْمٍ أَوْ لَعِبِ وَرَقٍ ، وَلَكِنَّكَ تَبْخَلُ بِدَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ لِتُمْضِيَهَا لِتَأْدِيَةِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ ! تَعْجَزُ نَفْسُكَ لِتُصَلِّيَ خَمْسَ أَوْقَاتٍ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، بِهَا تُمْسَحُ سَيِّئَاتُكَ وَتُقَالُ عَثَرَاتُكَ وَتُرْفَعُ دَرَجَاتُكَ ، وَتُغْسَلُ أَدْرَانُكَ ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : (( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ؟ قَالُوا : لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ، قَالَ : فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا )) ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ : ((مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا ، وَبُرْهَانًا ، وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ ، وَلَا بُرْهَانٌ ، وَلَا نَجَاةٌ ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ ، وَفِرْعَوْنَ ، وَهَامَانَ ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ )) نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّ الدِّينَ فِي حَيَاةِ أَيِّ إِنْسَانِ يُمَثِّلُ جَوَانِبَ كَثِيرَةً ، هَذِهِ الْجَوَانِبُ ، كُلَّمَا ضَعُفَ الدِّينُ عِنْدَ هَذَا الْإِنْسَانِ ، فُقِدَتْ بَعْضُ تِلْكَ الْجَوَانِبِ ، وَلْيَكُنْ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنَ الْوُضُوحِ ، الدِّينُ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - يَتَلَاشَى مِنْ حَيَاةِ بَعْضِ النَّاسِ ، وَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ ؛ فَقَدْ تَجِدُ مُسْلِمًا بِلَا أَمَانَةٍ ، وَمُسْلِمًا بِلَا صِدْقٍ ، وَآخَرَ بِلَا إِخْلَاصٍ ، وَآخَرَ بِلَا حَيَاءٍ ، وَآخَرَ بِلَا وَفَاءٍ ، وَهُمْ مُسْلِمُونَ ، وَلَكِنْ قَلَّ دِينُهُمْ وَضَعُفَ فِي نُفُوسِهِمْ فَذَهَبَتْ مِنْ حَيَاتِهِمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ ، فُقِدَتْ ، وَآخِرُ مَا يُفْقَدُ مِنَ الْإِنْسَانِ ، هُوَ الصَّلَاةُ ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ : (( أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْأَمَانَةُ ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى مِنْ دِينِهِمُ الصَّلَاةُ ، وَرُبَّ مُصَلٍّ لَا خَلَاقَ لَهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى )) .
فَإِذَا رَأَيْتَ أَخِي مُسْلِمًا ( أَسْتَغْفِرُ اللهَ ) إِذَا رَأَيْتَ إِنْسَانًا لَا يُصَلِّي ، إِذَا رَأَيْتَهُ مُضَيِّعًا لِلصَّلَاةِ ، فَاعْلَمْ بِأَنَّهُ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ . إِيَّايَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَأْمَنَهُ عَلَى عِرْضٍ أَوْ عَلَى مَالٍ ! إِيَّايَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ بِهِ خَيْرًا أَبَدًا ؛ أَيْنَ الْخَيْرُ مِنْ تَارِكِ لِلصَّلَاةِ ؟ هَلْ يُرْتَجَى خَيْرٌ مِنْ كَافِرٍ ؟ كَلَّا ! يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ : تَرْكُ الصَّلَاةِ )) . وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ : الصَّلَاةُ ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ )) . فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - ، وَحَافِظُوا عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا وَأَمَاكِنِهَا وَفُرُوضِهَا وَوَاجِبَاتِهَا ، أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ ضَالَّ الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الْرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :
وَلِكَيْ نُدْرِكَ مَكَانَةَ الصَّلَاةِ ، وَنَسْتَشْعِرَ أَهَمِّيَّتَهَا ، نَتَأَمَّلُ فِي حَيَاةِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ ، كَيْفَ كَانُوا مَعَ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، إِلَى أَيِّ دَرَجَةٍ كَانُوا يَهْتَمُّونَ بِهَا ، مَاذَا كَانَتْ تُمَثِّلُ فِي حَيَاتِهِمْ ؟ هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي يُضَحِّي بِهَا بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ مُبَارَاةٍ أَوْ مُسَلْسَلٍ أَوْ مِنْ أَجْلِ ضَيْفٍ ثَقِيلٍ لَيْسَ عِنْدَهُ لِشَعَائِرِ الدِّينِ قِيمَةٌ ، كَيْفَ كَانَتْ فِي حَيَاةِ السَّابِقِينَ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِ ؟
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ يُوصِي بِالصَّلَاةِ . عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَهُوَ مَطْعُونٌ ، أَمْعَاؤُهُ فِي حِجْرِهِ ، يَسْأَلُ : هَلْ صَلَّى الْمُسْلِمُونَ ؟ . الْمَرِيضُ مِنْهُمْ الَّذِي أَقْعَدَهُ الْمَرَضُ ، لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ عَلَى رِجْلَيْهِ ، يُؤْتَى بِهَا يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ، لِيُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ .
سُئِلَ أَحَدُهُمْ : هَلْ تُفَكِّرُ فِي صَلَاتِكَ ؟ يَعْنِي : هَلْ تَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَّا فِي الصَّلَاةِ ، حَيْثُ صَارَتِ الصَّلَاةُ مُتَنَزَّهًا لِلْأَفْكَارِ ، حَتَّى يَخْرُجَ أَحَدُنَا مَا يَدْرِي مَاذَا قَالَ وَكَمْ صَلَّى ! فَسَأَلُوهُ : هَلْ تُفَكِّرُ فِي صَلَاتِكَ ؟ قَالَ : وَهَلْ عِنْدِي أَحَبُّ مِنَ الصَّلَاةِ لِأُفَكِّرَ فِيهِ ! اللهُ أَكْبَرُ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - مَا أَعْظَمَ هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي نُفُوسِ الصَّالِحِينَ !
أَحَدُهُمْ مَرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ عَامًا ، لَمْ تَفُتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ . أَرْبَعُونَ سَنَةً وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ؛ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي الظُّهْرِ وَمِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي الْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ وَفِي الْعِشَاءِ ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي الْفَجْرِ أَيْضًا.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
هِيَ دَعْوَةٌ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ ، الَّتِي أَسْأَلُ اللهَ أَنْ لَا تَمَسَّهَا النَّارُ ، لِنُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ ، وَلْنَهْتَمَّ بِهَا ، وَلْنَحْذَرْ مِنْ إِضَاعَتِهَا ، أَوِ التَّهَاوُنِ بِهَا ؛ فَقَدْ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : } فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا {أَتَدْرُونَ مَا هُوَ غِيٌّ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - ؟! وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، يَقُولُ عَنْهُ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ : بَعِيدُ الْقَعْرِ خَبِيثُ الطَّعْمِ . وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَوَعِّدًا الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا :} فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ { تَوَعَّدَهُمُ اللهُ بِوَيْلٍ ، وَاللهِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - لَوْ تَوَعَّدَ أَحَدَهُمْ مَسْئُولٌ مِنْ ذَوِي السُّلْطَةِ بِالسِّجْنِ ، لَحَافَظَ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَلَمَا تَأَخَّرَ عَنْهَا ، وَلَكِنَّ اللهَ يَتَوَعَّدُهُمْ بِوَيْلٍ ، وَلَا يُحَرِّكُ فِيهِمْ وَعِيدُ اللهِ سَاكِنًا ! وَوَيْلٌ لَيْسَ مَحْضَرًا يُكْتَبُ ، أَوْ دَفْتَرًا يُقْفَلُ ، أَوْ رَاتِبًا يُخْصَمُ ! هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا ، لَذَابَتْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ . وَقِيلَ : هُوَ شِدَّةُ الْعَذَابِ . لِمَنْ ؟ لِمَنْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَمْدًا عَنْ وَقْتِهَا !
أَسْأَلُ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لِي وَلَكُمْ عِلْمًا نَافِعًا ، وَعَمَلًا لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَسَلَامَةً دَائِمَةً ؛ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ، اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الْأَبْرَارِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجْأَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ،اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَمِّ ، وَعذَابِ الْقَبْرِ ، اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا . اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا . بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { . فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .
لِلْجُفَاةِ عِظَمُ شَأْنِ الصَّلَاةِ
الْحَمْدُ للهِ ، أَنْشَأَ الْكَوْنَ مِنْ عَدَمٍ وَعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ ؛ تِبْيَانًا لِطَرِيقِ النَّجَاةِ وَالْهُدَى ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ يُرْتَجَى ، وَلَا نِدَّ لَهُ يُبْتَغَى ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى وَالنَّبِيُّ الْمُجْتَبَى ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى النَّهْجِ وَاقْتَفَى .
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
اتَّقُوا اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ -، فَهِيَ أَمْرُ رَبِّكُمْ لَكُمْ :}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ {، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - بِأَنَّ الصَّلَاةَ أَهَمُّ شَعَائِرِ الدِّينِ ، وَأَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ فَإِذَا صَلَحَتْ ، صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ كُلُّ عَمَلِهِ ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ : صَلَاتُهُ ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ )) .
فَشَأْنُ الصَّلَاةِ شَأْنٌ عَظِيمٌ ، وَلِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ عِنْدَ تَوْدِيعِهِ لِلدُّنْيَا ، يُوصِي بِالصَّلَاةِ فَيَقُولُ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : (( الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ )) ، أَيْ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَاةِ ، أُوصِيكُمْ بِالصَّلَاةِ ، أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ، اهْتَمُّوا بِالصَّلَاةِ ، إِيَّاكُمْ وَالتَّكَاسُلَ عَنِ الصَّلَاةِ ، (( الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ )) .
أَخِي الْمُسْلِمُ :
مَاذَا عِنْدَكَ فِي هَذَا الزَّمَنِ ؟ وَمَاذَا يُطْلَبُ مِنْكَ غَيْرُ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، الَّتِي لَا تَسْتَغْرِقُ إِلَّا بِضْعَ دَقَائِقَ مِنْ وَقْتِكَ ؟! هَلْ طُلِبَ مِنْكَ الذَّهَابُ إِلَى جَبَهَاتِ الْقِتَالِ فِي الثُّغُورِ ؟!
هَلْ طُلِبَ مِنْكَ أَنْ تُسَافِرَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ ؟
هَلْ طُلِبَ مِنْكَ أَنْ تُنْفِقَ ثُلُثَ مَالِكَ ، كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي سَبِيلِ اللهِ ؟
هَلْ طُلِبَ مِنْكَ أَنْ تَقُومَ كُلَّ لَيْلَةٍ ثُلُثًا مِنَ اللَّيْلِ ؟
نَعَمْ ؛ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ . وَلَكِنْ ذَلِكَ بَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ عَلَى نَفْسِكَ ! إِذَا كَانَتْ نَفْسُكَ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ جَعَلَتْكَ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ أَوْ تَتَهَاوَنُ بِهَا ، فَكَيْفَ بِأَمْرٍ أَشَقَّ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ ؟
فَهَلَّا ضَغَطْتَ عَلَى نَفْسِكَ وَحَافَظْتَ عَلَى صَلَاتِكَ ؟ هَلَّا جَعَلْتَ لِلصَّلَاةِ نَصِيبًا مِنْ سَاعَاتِكَ الطِّوَالِ ، الَّتِي تَقْضِيهَا مِنْ أَجْلِ شَهَوَاتِكَ وَرَغَبَاتِكَ وَمَلَذَّاتِكَ ؟
إِنَّنَا نَجِدُكَ تَجْلِسُ فِي اسْتِرَاحَتِكَ السَّاعَاتِ الطِّوَالَ ، لِمُتَابَعَةِ مُبَارَاةٍ أَوْ مُشَاهَدَةِ فِلْمٍ أَوْ لَعِبِ وَرَقٍ ، وَلَكِنَّكَ تَبْخَلُ بِدَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ لِتُمْضِيَهَا لِتَأْدِيَةِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ ! تَعْجَزُ نَفْسُكَ لِتُصَلِّيَ خَمْسَ أَوْقَاتٍ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، بِهَا تُمْسَحُ سَيِّئَاتُكَ وَتُقَالُ عَثَرَاتُكَ وَتُرْفَعُ دَرَجَاتُكَ ، وَتُغْسَلُ أَدْرَانُكَ ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : (( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ؟ قَالُوا : لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ، قَالَ : فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا )) ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ : ((مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا ، وَبُرْهَانًا ، وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ ، وَلَا بُرْهَانٌ ، وَلَا نَجَاةٌ ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ ، وَفِرْعَوْنَ ، وَهَامَانَ ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ )) نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّ الدِّينَ فِي حَيَاةِ أَيِّ إِنْسَانِ يُمَثِّلُ جَوَانِبَ كَثِيرَةً ، هَذِهِ الْجَوَانِبُ ، كُلَّمَا ضَعُفَ الدِّينُ عِنْدَ هَذَا الْإِنْسَانِ ، فُقِدَتْ بَعْضُ تِلْكَ الْجَوَانِبِ ، وَلْيَكُنْ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنَ الْوُضُوحِ ، الدِّينُ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - يَتَلَاشَى مِنْ حَيَاةِ بَعْضِ النَّاسِ ، وَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ ؛ فَقَدْ تَجِدُ مُسْلِمًا بِلَا أَمَانَةٍ ، وَمُسْلِمًا بِلَا صِدْقٍ ، وَآخَرَ بِلَا إِخْلَاصٍ ، وَآخَرَ بِلَا حَيَاءٍ ، وَآخَرَ بِلَا وَفَاءٍ ، وَهُمْ مُسْلِمُونَ ، وَلَكِنْ قَلَّ دِينُهُمْ وَضَعُفَ فِي نُفُوسِهِمْ فَذَهَبَتْ مِنْ حَيَاتِهِمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ ، فُقِدَتْ ، وَآخِرُ مَا يُفْقَدُ مِنَ الْإِنْسَانِ ، هُوَ الصَّلَاةُ ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ : (( أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْأَمَانَةُ ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى مِنْ دِينِهِمُ الصَّلَاةُ ، وَرُبَّ مُصَلٍّ لَا خَلَاقَ لَهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى )) .
فَإِذَا رَأَيْتَ أَخِي مُسْلِمًا ( أَسْتَغْفِرُ اللهَ ) إِذَا رَأَيْتَ إِنْسَانًا لَا يُصَلِّي ، إِذَا رَأَيْتَهُ مُضَيِّعًا لِلصَّلَاةِ ، فَاعْلَمْ بِأَنَّهُ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ . إِيَّايَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَأْمَنَهُ عَلَى عِرْضٍ أَوْ عَلَى مَالٍ ! إِيَّايَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ بِهِ خَيْرًا أَبَدًا ؛ أَيْنَ الْخَيْرُ مِنْ تَارِكِ لِلصَّلَاةِ ؟ هَلْ يُرْتَجَى خَيْرٌ مِنْ كَافِرٍ ؟ كَلَّا ! يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ : تَرْكُ الصَّلَاةِ )) . وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ : الصَّلَاةُ ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ )) . فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - ، وَحَافِظُوا عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا وَأَمَاكِنِهَا وَفُرُوضِهَا وَوَاجِبَاتِهَا ، أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ ضَالَّ الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الْرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :
وَلِكَيْ نُدْرِكَ مَكَانَةَ الصَّلَاةِ ، وَنَسْتَشْعِرَ أَهَمِّيَّتَهَا ، نَتَأَمَّلُ فِي حَيَاةِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ ، كَيْفَ كَانُوا مَعَ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، إِلَى أَيِّ دَرَجَةٍ كَانُوا يَهْتَمُّونَ بِهَا ، مَاذَا كَانَتْ تُمَثِّلُ فِي حَيَاتِهِمْ ؟ هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي يُضَحِّي بِهَا بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ مُبَارَاةٍ أَوْ مُسَلْسَلٍ أَوْ مِنْ أَجْلِ ضَيْفٍ ثَقِيلٍ لَيْسَ عِنْدَهُ لِشَعَائِرِ الدِّينِ قِيمَةٌ ، كَيْفَ كَانَتْ فِي حَيَاةِ السَّابِقِينَ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِ ؟
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ يُوصِي بِالصَّلَاةِ . عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَهُوَ مَطْعُونٌ ، أَمْعَاؤُهُ فِي حِجْرِهِ ، يَسْأَلُ : هَلْ صَلَّى الْمُسْلِمُونَ ؟ . الْمَرِيضُ مِنْهُمْ الَّذِي أَقْعَدَهُ الْمَرَضُ ، لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ عَلَى رِجْلَيْهِ ، يُؤْتَى بِهَا يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ، لِيُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ .
سُئِلَ أَحَدُهُمْ : هَلْ تُفَكِّرُ فِي صَلَاتِكَ ؟ يَعْنِي : هَلْ تَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَّا فِي الصَّلَاةِ ، حَيْثُ صَارَتِ الصَّلَاةُ مُتَنَزَّهًا لِلْأَفْكَارِ ، حَتَّى يَخْرُجَ أَحَدُنَا مَا يَدْرِي مَاذَا قَالَ وَكَمْ صَلَّى ! فَسَأَلُوهُ : هَلْ تُفَكِّرُ فِي صَلَاتِكَ ؟ قَالَ : وَهَلْ عِنْدِي أَحَبُّ مِنَ الصَّلَاةِ لِأُفَكِّرَ فِيهِ ! اللهُ أَكْبَرُ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - مَا أَعْظَمَ هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي نُفُوسِ الصَّالِحِينَ !
أَحَدُهُمْ مَرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ عَامًا ، لَمْ تَفُتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ . أَرْبَعُونَ سَنَةً وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ؛ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي الظُّهْرِ وَمِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي الْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ وَفِي الْعِشَاءِ ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي الْفَجْرِ أَيْضًا.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
هِيَ دَعْوَةٌ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ ، الَّتِي أَسْأَلُ اللهَ أَنْ لَا تَمَسَّهَا النَّارُ ، لِنُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ ، وَلْنَهْتَمَّ بِهَا ، وَلْنَحْذَرْ مِنْ إِضَاعَتِهَا ، أَوِ التَّهَاوُنِ بِهَا ؛ فَقَدْ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : } فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا {أَتَدْرُونَ مَا هُوَ غِيٌّ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - ؟! وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، يَقُولُ عَنْهُ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ : بَعِيدُ الْقَعْرِ خَبِيثُ الطَّعْمِ . وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَوَعِّدًا الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا :} فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ { تَوَعَّدَهُمُ اللهُ بِوَيْلٍ ، وَاللهِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - لَوْ تَوَعَّدَ أَحَدَهُمْ مَسْئُولٌ مِنْ ذَوِي السُّلْطَةِ بِالسِّجْنِ ، لَحَافَظَ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَلَمَا تَأَخَّرَ عَنْهَا ، وَلَكِنَّ اللهَ يَتَوَعَّدُهُمْ بِوَيْلٍ ، وَلَا يُحَرِّكُ فِيهِمْ وَعِيدُ اللهِ سَاكِنًا ! وَوَيْلٌ لَيْسَ مَحْضَرًا يُكْتَبُ ، أَوْ دَفْتَرًا يُقْفَلُ ، أَوْ رَاتِبًا يُخْصَمُ ! هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا ، لَذَابَتْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ . وَقِيلَ : هُوَ شِدَّةُ الْعَذَابِ . لِمَنْ ؟ لِمَنْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَمْدًا عَنْ وَقْتِهَا !
أَسْأَلُ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لِي وَلَكُمْ عِلْمًا نَافِعًا ، وَعَمَلًا لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَسَلَامَةً دَائِمَةً ؛ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ، اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الْأَبْرَارِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجْأَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ،اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَمِّ ، وَعذَابِ الْقَبْرِ ، اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا . اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا . بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { . فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون .