عبيد الطوياوي
25-10-2020, 02:05 PM
https://www.youtube.com/watch?v=yTDtzcb9Hqw
لِلْوَرَى نِعْمَةُ الْعُلَمَاءِ والشُّورَى
} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ { ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِكَرِيمِ وَجْهِهِ ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ : } يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ { . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، } لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ { . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، الْبَشِيرُ النَّذِيرُ ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، } يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ { .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ :
تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا ــ رَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ ــ بِأَنَّ التَّحَدُّثَ بِنِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرْعًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : }وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ{ ، وَهُوَ مِنْ شُكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِعَمِهِ ، يَقُولُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ : النِّعْمَةُ شُكْرُهَا يَكُونُ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ : الِاعْتِرَافُ بِهَا بَاطِنًا ، وَأَنَّهَا مِنَ اللهِ ، وَمِنْ فَضْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالتَّحَدُّثُ بِهَا ظَاهِرًا بِلِسَانِهِ ، وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ : صَرْفُهَا فِي مَرْضَاةِ الْمُنْعِمِ بِهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا. اِنْتَهَىْ كَلَاْمُهُ رَحِمَهُ اَلله .
وَمِنَ النِّعَمِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - الَّتِي نُرِيدُ التَّحَدُّثَ عَنْهَا : نِعْمَةُ وُجُودِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ ، الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى تَوْحِيدِهِ ، وَتَعْلِيمِ النَّاسِ مَا يَنَالُونَ بِهِ مَحَبَّتَهُ ، وَمَا يُحَقِّقُونَ مِنْ خِلَالِهِ طَاعَتَهُ ، وَمَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : }وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا {، يَقُولُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللهُ : الْمُرَادُ بِــــــ } الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ { الْعُلَمَاءُ .
فَوُجُودُ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ ، كَيْفَ لَا وَهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَنْصَارُ الدِّينِ ، وَمَنْ رَفَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْرَهُمْ ، وَأَعْلَى شَأْنَهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : }يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ {وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا ؛ سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنّةَ ، وَالْمَلَائِكَةُ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَالْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَأَوْرَثُوا الْعِلْمِ ، فَمَنْ أَخَذَهُ ؛ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ )) . فَشَأْنُ الْعُلَمَاءِ شَأْنٌ عَظِيمٌ ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ )) وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ لَا يَأْتِي إِلَّا عَنْ طَرِيقِ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَنْ يَنَالَهُ مِنْ زَهَدَ فِيهِمْ ، وَلَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ مَجَالِسِهِمْ ، وَمَنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ اللهُ خَيْرًا فَإِنَّهُ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ .
فَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ هَذِهِ بَعْضُ صِفَاتِهِمْ ، وُجُودُهُمْ نِعْمَةٌ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ ، وَلَكِنْ لَا يُدْرِكُ ذَلِكَ إِلَّا الْعُقَلَاءُ ، وَلِذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ــ رَحِمَهُ اللهُ ــ يَحْمَدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَقُولُ : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى ، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى ، يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللهِ الْمَوْتَى ، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللهِ أَهْلَ الْعَمَى ، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ ! وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهٍ هَدَوْهُ ! فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ وَأَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ ! يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ . اِنْتَهَىْ كَلَاْمُهُ رَحِمَهُ اَلله .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّ لِلْعُلَمَاءِ الْمُلْتَزِمِينَ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ــ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ مَكَانَةً كَبِيرَةً فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، وَلَكِنْ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : } شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {، فَاَللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَرَنَ شَهَادَةَ مَلَائِكَتِهِ وَأُولِي الْعِلْمِ بِشَهَادَتِهِ ، وَهَذَاْ يَدُلُّ عَلَىْ اَلْمَكَاْنَةِ اَلْكَبِيْرَةِ لِلْعُلَمَاْءِ . وَمِنْهَا أَيْضًا ؛ أَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ أَهْلُ خَشْيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحَقِيقِيِّينَ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : }إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء { ، بَلْ يَكْفِي لِلْعُقَلَاءِ فِي فَضْلِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ صِمَامُ أَمَانٍ لِلْأُمَّةِ ؛ فَإِذَا غَابَ الْعُلَمَاءُ عَنِ الْأُمَّةِ ضَلَّتْ فِي دِينِهَا ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا ، فَسُئِلُوا ، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا )) ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى ، وَمِنْهَا نِعْمَةُ وُجُودِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ ، الَّذِينَ أَمَرَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ ، وَأَمَرَنَا وَلِيُّ أَمْرِنَا بِالْعَمَلِ بِفَتْوَاهُمْ وَتَوْجِيهَاتِهِمْ ، أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاهُمْ لِهُدَاهُ ، وَيَجْعَلَ عَمَلَنَا فِي رِضَاهُ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ . أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :
وَمِنْ نِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْضًا : وُجُودُ مَجْلِسٍ لِلشُّورَى ؛ لِأَنَّ الشُّورَى مِنَ الدِّينِ ، وَأَمْرٌ حَثَّ عَلَيْهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ فِي مُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : } وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ { ، وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ آمِرًا نَبِيَّهُ ــ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ بِالشُّورَى : }فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ { ، يَقُولُ ابْنُ سِعْدِيٍّ فِي تَفْسِيرِهِ : فَإِذَا كَانَ اللهُ يَقُولُ لِرَسُولِهِ ــ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ وَهُوَ أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا وَأَغْزَرُهُمْ عِلْمًا، وَأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا : }وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ { فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ ؟! . فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ ، وَمِنْهَا وُجُودُ هَيْئَةٍ لِكِبَارِ الْعُلَمَاءِ ، وَمَجْلِسٍ لِلشُّورَى ، بِاخْتِيَارٍ مِمَّنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ ، وَجَعَلَ بَيْعَتَهُ فِي أَعْنَاقِكُمْ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : }يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا { .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
تَعْلَمُوْنَ ــ رَحِمَنِيْ اَللهُ وَإِيَّاْكُمْ ــ بِأَنَّ حِفْظَ اَلْنَّفْسِ وَصَيَاْنَتَهَاْ مِنْ أَهَمِّ مَقَاْصِدِ اَلْدِّيْنِ ، وَاَلْأَدِلَّةُ عَلَىْ ذَلِكَ كَثِيْرَةٌ وَلِكَنْ مِنْهَاْ قَوْلُهُ تَعَاْلَىْ : }وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا{ ، وَمِنْ حِفْظِ اَلْنَّفْسِ وَصِيَاْنِتِهَاْ ؛ اِتِّخَاْذُ اَلْأَسْبَاْبِ اَلْمُشْرُوْعَةِ لِحِمَاْيَتِهَاْ مِنْ اَلْأَمْرَاْضِ وَاَلْأَوْبِئَةِ وَاَلْأَسْقَاْمِ ، وَمِنْهَاْ اَلْتَّطْعِيْمُ ضِدَّ اَلْاِنْفِلُوَنْزَاْ اَلْمَوْسِمِيَّةِ ، فَاَحْرِصُوْا عَلَىْ ذَلِكَ يَاْ عِبَاْدَ اَللهِ ، أَسْأَلُ اللهَ لِي وَلَكُمْ عِلْمًا نَافِعًا ، وَعَمَلًا لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَسَلَامَةً دَائِمَةً ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ ، وَأَمِتْنَا شُهَدَاءَ ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ وَفِّقْ عُلَمَاءَنَا وَمَنْ وَلَّيْتَهُ أَمْرَنَا إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ عَلَى مَسْؤُولِيَّاتِهِمْ ، وَتَأْدِيَةِ وَاجِبَاتِهِمْ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِمَا فِيهِ خَيْرٌ لِلْبِلَادِ وَالْعِبَادِ ، اللَّهُمَّ انْصُرْ بِهِمْ دِينَكَ وَكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ــ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ وَعِبَاْدَكَ اَلْصَّاْلِحِيْن . } رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .
لِلْوَرَى نِعْمَةُ الْعُلَمَاءِ والشُّورَى
} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ { ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِكَرِيمِ وَجْهِهِ ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ : } يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ { . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، } لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ { . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، الْبَشِيرُ النَّذِيرُ ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، } يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ { .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ :
تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا ــ رَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ ــ بِأَنَّ التَّحَدُّثَ بِنِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرْعًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : }وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ{ ، وَهُوَ مِنْ شُكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِعَمِهِ ، يَقُولُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ : النِّعْمَةُ شُكْرُهَا يَكُونُ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ : الِاعْتِرَافُ بِهَا بَاطِنًا ، وَأَنَّهَا مِنَ اللهِ ، وَمِنْ فَضْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالتَّحَدُّثُ بِهَا ظَاهِرًا بِلِسَانِهِ ، وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ : صَرْفُهَا فِي مَرْضَاةِ الْمُنْعِمِ بِهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا. اِنْتَهَىْ كَلَاْمُهُ رَحِمَهُ اَلله .
وَمِنَ النِّعَمِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - الَّتِي نُرِيدُ التَّحَدُّثَ عَنْهَا : نِعْمَةُ وُجُودِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ ، الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى تَوْحِيدِهِ ، وَتَعْلِيمِ النَّاسِ مَا يَنَالُونَ بِهِ مَحَبَّتَهُ ، وَمَا يُحَقِّقُونَ مِنْ خِلَالِهِ طَاعَتَهُ ، وَمَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : }وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا {، يَقُولُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللهُ : الْمُرَادُ بِــــــ } الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ { الْعُلَمَاءُ .
فَوُجُودُ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ ، كَيْفَ لَا وَهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَنْصَارُ الدِّينِ ، وَمَنْ رَفَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْرَهُمْ ، وَأَعْلَى شَأْنَهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : }يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ {وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا ؛ سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنّةَ ، وَالْمَلَائِكَةُ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، وَالْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَأَوْرَثُوا الْعِلْمِ ، فَمَنْ أَخَذَهُ ؛ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ )) . فَشَأْنُ الْعُلَمَاءِ شَأْنٌ عَظِيمٌ ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ )) وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ لَا يَأْتِي إِلَّا عَنْ طَرِيقِ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَنْ يَنَالَهُ مِنْ زَهَدَ فِيهِمْ ، وَلَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ مَجَالِسِهِمْ ، وَمَنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ اللهُ خَيْرًا فَإِنَّهُ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ .
فَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ هَذِهِ بَعْضُ صِفَاتِهِمْ ، وُجُودُهُمْ نِعْمَةٌ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ ، وَلَكِنْ لَا يُدْرِكُ ذَلِكَ إِلَّا الْعُقَلَاءُ ، وَلِذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ــ رَحِمَهُ اللهُ ــ يَحْمَدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَقُولُ : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى ، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى ، يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللهِ الْمَوْتَى ، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللهِ أَهْلَ الْعَمَى ، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ ! وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهٍ هَدَوْهُ ! فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ وَأَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ ! يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ . اِنْتَهَىْ كَلَاْمُهُ رَحِمَهُ اَلله .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِنَّ لِلْعُلَمَاءِ الْمُلْتَزِمِينَ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ــ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ مَكَانَةً كَبِيرَةً فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، وَلَكِنْ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : } شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {، فَاَللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَرَنَ شَهَادَةَ مَلَائِكَتِهِ وَأُولِي الْعِلْمِ بِشَهَادَتِهِ ، وَهَذَاْ يَدُلُّ عَلَىْ اَلْمَكَاْنَةِ اَلْكَبِيْرَةِ لِلْعُلَمَاْءِ . وَمِنْهَا أَيْضًا ؛ أَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ أَهْلُ خَشْيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحَقِيقِيِّينَ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : }إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء { ، بَلْ يَكْفِي لِلْعُقَلَاءِ فِي فَضْلِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ صِمَامُ أَمَانٍ لِلْأُمَّةِ ؛ فَإِذَا غَابَ الْعُلَمَاءُ عَنِ الْأُمَّةِ ضَلَّتْ فِي دِينِهَا ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا ، فَسُئِلُوا ، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا )) ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى ، وَمِنْهَا نِعْمَةُ وُجُودِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ ، الَّذِينَ أَمَرَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ ، وَأَمَرَنَا وَلِيُّ أَمْرِنَا بِالْعَمَلِ بِفَتْوَاهُمْ وَتَوْجِيهَاتِهِمْ ، أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاهُمْ لِهُدَاهُ ، وَيَجْعَلَ عَمَلَنَا فِي رِضَاهُ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ . أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :
وَمِنْ نِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْضًا : وُجُودُ مَجْلِسٍ لِلشُّورَى ؛ لِأَنَّ الشُّورَى مِنَ الدِّينِ ، وَأَمْرٌ حَثَّ عَلَيْهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ فِي مُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : } وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ { ، وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ آمِرًا نَبِيَّهُ ــ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ بِالشُّورَى : }فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ { ، يَقُولُ ابْنُ سِعْدِيٍّ فِي تَفْسِيرِهِ : فَإِذَا كَانَ اللهُ يَقُولُ لِرَسُولِهِ ــ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ وَهُوَ أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا وَأَغْزَرُهُمْ عِلْمًا، وَأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا : }وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ { فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ ؟! . فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ ، وَمِنْهَا وُجُودُ هَيْئَةٍ لِكِبَارِ الْعُلَمَاءِ ، وَمَجْلِسٍ لِلشُّورَى ، بِاخْتِيَارٍ مِمَّنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ ، وَجَعَلَ بَيْعَتَهُ فِي أَعْنَاقِكُمْ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : }يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا { .
أَيُّهَاْ اَلْإِخْوَةُ :
تَعْلَمُوْنَ ــ رَحِمَنِيْ اَللهُ وَإِيَّاْكُمْ ــ بِأَنَّ حِفْظَ اَلْنَّفْسِ وَصَيَاْنَتَهَاْ مِنْ أَهَمِّ مَقَاْصِدِ اَلْدِّيْنِ ، وَاَلْأَدِلَّةُ عَلَىْ ذَلِكَ كَثِيْرَةٌ وَلِكَنْ مِنْهَاْ قَوْلُهُ تَعَاْلَىْ : }وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا{ ، وَمِنْ حِفْظِ اَلْنَّفْسِ وَصِيَاْنِتِهَاْ ؛ اِتِّخَاْذُ اَلْأَسْبَاْبِ اَلْمُشْرُوْعَةِ لِحِمَاْيَتِهَاْ مِنْ اَلْأَمْرَاْضِ وَاَلْأَوْبِئَةِ وَاَلْأَسْقَاْمِ ، وَمِنْهَاْ اَلْتَّطْعِيْمُ ضِدَّ اَلْاِنْفِلُوَنْزَاْ اَلْمَوْسِمِيَّةِ ، فَاَحْرِصُوْا عَلَىْ ذَلِكَ يَاْ عِبَاْدَ اَللهِ ، أَسْأَلُ اللهَ لِي وَلَكُمْ عِلْمًا نَافِعًا ، وَعَمَلًا لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَسَلَامَةً دَائِمَةً ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ ، وَأَمِتْنَا شُهَدَاءَ ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ . اللَّهُمَّ وَفِّقْ عُلَمَاءَنَا وَمَنْ وَلَّيْتَهُ أَمْرَنَا إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ عَلَى مَسْؤُولِيَّاتِهِمْ ، وَتَأْدِيَةِ وَاجِبَاتِهِمْ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِمَا فِيهِ خَيْرٌ لِلْبِلَادِ وَالْعِبَادِ ، اللَّهُمَّ انْصُرْ بِهِمْ دِينَكَ وَكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ــ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ وَعِبَاْدَكَ اَلْصَّاْلِحِيْن . } رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .