عبيد الطوياوي
30-10-2020, 09:19 PM
https://www.youtube.com/watch?v=HIu3EYw-I2I
اَلْمُطْلُوْبُ لِنُصْرَةِ اَلْنَّبِيِّ اَلْمُحْبُوْبِ
صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيمِ الْبَصِيرِ ، الْقَوِيِّ الْقَدِيرِ ، اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ ، مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ ، } فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ { .
أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِكَرِيمِ وَجْهِهِ ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ ،} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ {.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، تَعَالَى عَنِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الضِّدِّ وَالظَّهِيرِ ، } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ { .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، الْهَادِي الْبَشِيرُ ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا - رَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ - بِأَنَّ تَطَاوُلَ بَعْضِ الْكَافِرِينَ عَلَى مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرٌ شَغَلَ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، وَلَا شَكَّ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - أَنَّ عَدَاوَةَ أَعْدَاءِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامِ الْمُرْسَلِينَ ، أَخْبَرَنَا بِهَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ مِئَاتِ السِّنِينَ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : } لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا { ، فَعَدَاوَةُ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَبِيِّهِمْ ، مُثْبَتَةٌ وَبَاقِيَةٌ مَا بَقِيَ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ ، وَإِنْ كَانَ الْكُفَّارُ الَّذِينَ عَاشُوا فِي عَهْدِهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ ، وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ ، أَمْثَالُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَحَمْزَةَ وَالزُّبَيْرِ ، أُولَئِكَ الْأَبْطَالُ ، الَّذِينَ لَا يُوقَفُ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمْ ، إِنْ كَانَ الْكُفَّارُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَقْطَعُونَ عُهُودًا وَوُعُودًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنْ يُعَادُوهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَامُوا أَحْيَاءً ، فَكَيْفَ بِعَدَاوَتِهِمْ لَهُ الْيَوْمَ ؟
كَيْفَ بِعَدَاوَتِهِمْ لَهُ الْيَوْمَ ؛ وَأُمَّتُهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ؟
كَيْفَ لَا يَتَطَاوَلُ الْكُفَّارُ عَلَى مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ ، وَهُمْ يَجِدُونَ مَنْ يَتَطَاوَلُ عَلَيْهِ وَيَسْتَهْزِئُ بِهِ وَيَسْخَرُ مِنْهُ ؛ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسِهِمْ ، كَبَنِي عِلْمَانٍ ، وَأَحْفَادِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ ، مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، بَلْ كَيْفَ بِهِمْ ، وَهُمْ يَجِدُونَ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَيَسْتَهْزِئُ لَيْسَ بِالنَّبِيِّ فَقَطْ ، بَلْ يَسْتَهْزِئُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ ! .
فَالتَّطَاوُلُ عَلَى مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِ هَؤُلَاءِ وَأَذْنَابِهِمْ ، وَالْمُعْجَبِينَ بِهِمْ ؛ أَمْرٌ لَا يُسْتَغْرَبُ ، بَلْ هُوَ طَبْعٌ قَدِيمٌ لِلْكَافِرِينَ ، وُلِدَ مُنْذُ بَعْثَتِهِ وَلَنْ يَضِيرَهُ ذَلِكَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، وَمَنِ اسْتَهْزَأَ بِهِ فَإِنَّهُ سَوْفَ يَجِدُ جَزَاءَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :}إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ{، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : } فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين { أَيِ: انْشُرْ دِينَ اللهِ ، وَلَا تَنْشَغِلْ بِالْمُشْرِكِينَ وَاسْتِهْزَائِهِمْ ، فَسَوْفَ نَكْفِيكَ إِيَّاهُمْ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
وَلَا شَكَّ أَنَّ نُصْرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ ، وَأَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ ، وَلَا خَيْرَ فِي أُمَّةٍ خَذَلَتْ نَبِيَّهَا ، وَكَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : } إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ { ، وَكَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : } فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {. فَنُصْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبَةٌ ، وَلَكِنَّهَا لَا تَكُونُ بِالْمُظَاهَرَاتِ ، وَلَا بِاقْتِحَامِ السِّفَارَاتِ ، وَلَا بِمُقَاطَعَةِ مُنْتَجَاتٍ ، وَلَا بِالتَّخْرِيبِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْأَبْرِيَاءِ !! نَعَمْ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - نَقُولُهَا وَبِكُلِّ صَرَاحَةٍ ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ ، مَنْ يَدَّعِي نُصْرَةَ النَّبِيِّ ، وَيُظْهِرُ غَيْرَتَهُ عَلَى شَخْصِيَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ النُّصْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَاللهِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - عِنْدَمَا نَرَى بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ ، وَشِدَّةَ حَمَاسِهِمْ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ ، وَنَرَى فِي الْمُقَابِلِ بُعْدَهُمْ وَتَرْكَهُمْ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللهِ إِنَّنَا لَنَشُكُّ بِأَنَّ نُصْرَتَهُمْ لَهُ ، وَاهْتِمَامَهُ بِقَضِيَّتِهِ ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ الْهِوَايَةِ وَالْمَيْلِ مَعَ الشَّهْوَةِ وَالْهَوَى ، أَوْ مِنْ بَابِ دَسِّ السُّمِّ بِالْعَسَلِ .
تَأَمَّلُوا - أَيُّهَا الإِخْوَةُ - قَوْلَ اللهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : } وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ { يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : } الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { .
فَنُصْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكُونُ بِمَحَبَّتِهِ وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ ، وَالسَّيْرِ عَلَى طَرِيقَتِهِ . نُصْرَتُهُ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - بِاتِّبَاعِهِ فِي مَا أَمَرَ ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ ، وَتَصْدِيقِهِ فِي مَا أَخْبَرَ . فَلْنَتَّقِ اللهَ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - وَلَا نَنْقَادُ خَلْفَ كُلِّ نَاعِقٍ ، تُحَرِّكُهُ عَوَاطِفُهُ الْمُفْعَمَةُ بِجَهْلِهِ ، وَالْمُسْتَمَدَّةُ مِنْ حَاجَةٍ ، بَلْ حَاجَاتٍ فِي نَفْسِهِ .
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - قَبْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا كَانَ حَيًّا ، وَهُنَاكَ مَنْ يَسُبُّهُ وَيَشْتُمُهُ ، بَلْ وَيَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ ، فَلَمْ يَعْتَدِ عَلَى بَرِيءٍ ، وَلَمْ يَقُدْ مُظَاهَرَةً ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِمَسِيرَةٍ وَلَمْ يُقَاطِعْ مُنْتَجًا ، بَلْ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ مِنَ الْيَهُودِ ، كَانَ يَكْفِيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ وَيَدْعُوَ رَبَّهُ ، فَيَخْسِفَ بِمَنِ اسْتَهْزَأَ بِهِ ، وَبِمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ ، وَلَكِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ اللهَ لَهُمُ الْهِدَايَةَ ، وَأَنْ يَنْصُرَ بِهِمْ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الدِّينَ ، وَكَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : (( إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ )) . أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَهْدِيَ ضَالَّ الْمُسْلِمِينَ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : }وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا{، فَرَدُّ الْأُمُورِ إِلَى أَهْلِهَا ، وَعَدَمُ التَّصَرُّفِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمَّةِ بِالْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْعَوَاطِفِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرْعًا ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ سَمَاحَةُ الشَّيْخِ صَالِح الْفَوْزَان - حَفِظَهُ اللهُ - فِي حَادِثَةٍ مُمَاثِلَةٍ : الْإِنْكَارُ لَا يَكُونُ بِالْمُظَاهَرَاتِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْأَبْرِيَاءِ وَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يَجُوزُ شَرْعًا ، وَقَالَ : الْوَاجِبُ أَنْ يَتَوَلَّى هَذِهِ الْقَضِيَّةَ الْعُلَمَاءُ ، لَا عَامَّةُ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ يَتَصَرَّفُونَ بَعْضَ التَّصَرُّفَاتِ لِإِثَارَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالتَّشْوِيشِ عَلَيْهِمْ ، وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ وَالْقَتْلِ بَيْنَهُمْ . إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ حَفِظَهُ اللهُ .
فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - ، وَانْصُرُوا نَبِيَّكُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ ، وَالِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ ، وَالْحِرْصِ عَلَى مَا حَثَّ عَلَيْهِ ، أَطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَ ، وَصَدِّقُوهُ فِيمَا أَخْبَرَ ، وَاجْتَنِبُوا مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ ، وَاعْبُدُوا اللهَ بِمَا شَرَعَ ، أَمَّا مُقَاطَعَةُ الْمُنْتَجَاتِ ، وَرَسَائِلُ الْجَوَّالَاتِ ، وَعَمَلُ مَا يَعْمَلُهُ الْإِمَّعَاتُ ، وَتَرْكُ سُنَّتِهِ وَمُخَالَفَةُ أَوَامِرِهِ وَارْتِكَابُ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ نُصْرَتِهِ .
أَسْأَلُ اللهَ لِي وَلَكُمْ عِلْمًا نَافِعًا ، وَرِزْقًا وَاسِعًا ، وَسَلَامَةً دَائِمَةً ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ ، وَتَوَفَّنَا شُهَدَاءَ ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلِ أَوْ عَمَلٍ ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا أَمْنَنَا ، وَاحْفَظْ لَنَا وُلَاةَ أَمْرِنَا ، وَوَفِّقْ عُلَمَاءَنَا وَدُعَاتَنَا ، وَاجْعَلْنَا جَمِيعًا هُدَاةً مُهْتَدِينَ ، لَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ وَأَبْرِمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِكَ وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى فِيهِ عَنِ الْمُنْكَرِ . اللَّهُمَّ رَحْمَةً اهْدِ بِهَا قُلُوبَنَا ، وَاجْمَعْ بِهَا شَمْلَنَا وَلُمَّ بِهَا شَعْثَنَا وَرُدَّ بِهَا الْفِتَنَ عَنَّا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .
اَلْمُطْلُوْبُ لِنُصْرَةِ اَلْنَّبِيِّ اَلْمُحْبُوْبِ
صَلَّىْ اَللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيمِ الْبَصِيرِ ، الْقَوِيِّ الْقَدِيرِ ، اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ ، مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ ، } فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ { .
أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِكَرِيمِ وَجْهِهِ ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ ،} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ {.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، تَعَالَى عَنِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الضِّدِّ وَالظَّهِيرِ ، } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ { .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، الْهَادِي الْبَشِيرُ ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا - رَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ - بِأَنَّ تَطَاوُلَ بَعْضِ الْكَافِرِينَ عَلَى مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرٌ شَغَلَ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، وَلَا شَكَّ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - أَنَّ عَدَاوَةَ أَعْدَاءِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامِ الْمُرْسَلِينَ ، أَخْبَرَنَا بِهَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ مِئَاتِ السِّنِينَ ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : } لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا { ، فَعَدَاوَةُ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَبِيِّهِمْ ، مُثْبَتَةٌ وَبَاقِيَةٌ مَا بَقِيَ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ ، وَإِنْ كَانَ الْكُفَّارُ الَّذِينَ عَاشُوا فِي عَهْدِهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ ، وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ ، أَمْثَالُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَحَمْزَةَ وَالزُّبَيْرِ ، أُولَئِكَ الْأَبْطَالُ ، الَّذِينَ لَا يُوقَفُ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمْ ، إِنْ كَانَ الْكُفَّارُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَقْطَعُونَ عُهُودًا وَوُعُودًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنْ يُعَادُوهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَامُوا أَحْيَاءً ، فَكَيْفَ بِعَدَاوَتِهِمْ لَهُ الْيَوْمَ ؟
كَيْفَ بِعَدَاوَتِهِمْ لَهُ الْيَوْمَ ؛ وَأُمَّتُهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ؟
كَيْفَ لَا يَتَطَاوَلُ الْكُفَّارُ عَلَى مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ ، وَهُمْ يَجِدُونَ مَنْ يَتَطَاوَلُ عَلَيْهِ وَيَسْتَهْزِئُ بِهِ وَيَسْخَرُ مِنْهُ ؛ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسِهِمْ ، كَبَنِي عِلْمَانٍ ، وَأَحْفَادِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ ، مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، بَلْ كَيْفَ بِهِمْ ، وَهُمْ يَجِدُونَ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَيَسْتَهْزِئُ لَيْسَ بِالنَّبِيِّ فَقَطْ ، بَلْ يَسْتَهْزِئُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ ! .
فَالتَّطَاوُلُ عَلَى مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِ هَؤُلَاءِ وَأَذْنَابِهِمْ ، وَالْمُعْجَبِينَ بِهِمْ ؛ أَمْرٌ لَا يُسْتَغْرَبُ ، بَلْ هُوَ طَبْعٌ قَدِيمٌ لِلْكَافِرِينَ ، وُلِدَ مُنْذُ بَعْثَتِهِ وَلَنْ يَضِيرَهُ ذَلِكَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، وَمَنِ اسْتَهْزَأَ بِهِ فَإِنَّهُ سَوْفَ يَجِدُ جَزَاءَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :}إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ{، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : } فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين { أَيِ: انْشُرْ دِينَ اللهِ ، وَلَا تَنْشَغِلْ بِالْمُشْرِكِينَ وَاسْتِهْزَائِهِمْ ، فَسَوْفَ نَكْفِيكَ إِيَّاهُمْ .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
وَلَا شَكَّ أَنَّ نُصْرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ ، وَأَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ ، وَلَا خَيْرَ فِي أُمَّةٍ خَذَلَتْ نَبِيَّهَا ، وَكَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : } إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ { ، وَكَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : } فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {. فَنُصْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبَةٌ ، وَلَكِنَّهَا لَا تَكُونُ بِالْمُظَاهَرَاتِ ، وَلَا بِاقْتِحَامِ السِّفَارَاتِ ، وَلَا بِمُقَاطَعَةِ مُنْتَجَاتٍ ، وَلَا بِالتَّخْرِيبِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْأَبْرِيَاءِ !! نَعَمْ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - نَقُولُهَا وَبِكُلِّ صَرَاحَةٍ ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ ، مَنْ يَدَّعِي نُصْرَةَ النَّبِيِّ ، وَيُظْهِرُ غَيْرَتَهُ عَلَى شَخْصِيَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ النُّصْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَاللهِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - عِنْدَمَا نَرَى بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ ، وَشِدَّةَ حَمَاسِهِمْ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ ، وَنَرَى فِي الْمُقَابِلِ بُعْدَهُمْ وَتَرْكَهُمْ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاللهِ إِنَّنَا لَنَشُكُّ بِأَنَّ نُصْرَتَهُمْ لَهُ ، وَاهْتِمَامَهُ بِقَضِيَّتِهِ ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ الْهِوَايَةِ وَالْمَيْلِ مَعَ الشَّهْوَةِ وَالْهَوَى ، أَوْ مِنْ بَابِ دَسِّ السُّمِّ بِالْعَسَلِ .
تَأَمَّلُوا - أَيُّهَا الإِخْوَةُ - قَوْلَ اللهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : } وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ { يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : } الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { .
فَنُصْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكُونُ بِمَحَبَّتِهِ وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ ، وَالسَّيْرِ عَلَى طَرِيقَتِهِ . نُصْرَتُهُ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - بِاتِّبَاعِهِ فِي مَا أَمَرَ ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ ، وَتَصْدِيقِهِ فِي مَا أَخْبَرَ . فَلْنَتَّقِ اللهَ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - وَلَا نَنْقَادُ خَلْفَ كُلِّ نَاعِقٍ ، تُحَرِّكُهُ عَوَاطِفُهُ الْمُفْعَمَةُ بِجَهْلِهِ ، وَالْمُسْتَمَدَّةُ مِنْ حَاجَةٍ ، بَلْ حَاجَاتٍ فِي نَفْسِهِ .
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - قَبْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا كَانَ حَيًّا ، وَهُنَاكَ مَنْ يَسُبُّهُ وَيَشْتُمُهُ ، بَلْ وَيَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ ، فَلَمْ يَعْتَدِ عَلَى بَرِيءٍ ، وَلَمْ يَقُدْ مُظَاهَرَةً ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِمَسِيرَةٍ وَلَمْ يُقَاطِعْ مُنْتَجًا ، بَلْ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ مِنَ الْيَهُودِ ، كَانَ يَكْفِيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ وَيَدْعُوَ رَبَّهُ ، فَيَخْسِفَ بِمَنِ اسْتَهْزَأَ بِهِ ، وَبِمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ ، وَلَكِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ اللهَ لَهُمُ الْهِدَايَةَ ، وَأَنْ يَنْصُرَ بِهِمْ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الدِّينَ ، وَكَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : (( إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ )) . أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَهْدِيَ ضَالَّ الْمُسْلِمِينَ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : }وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا{، فَرَدُّ الْأُمُورِ إِلَى أَهْلِهَا ، وَعَدَمُ التَّصَرُّفِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمَّةِ بِالْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْعَوَاطِفِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرْعًا ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ سَمَاحَةُ الشَّيْخِ صَالِح الْفَوْزَان - حَفِظَهُ اللهُ - فِي حَادِثَةٍ مُمَاثِلَةٍ : الْإِنْكَارُ لَا يَكُونُ بِالْمُظَاهَرَاتِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْأَبْرِيَاءِ وَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يَجُوزُ شَرْعًا ، وَقَالَ : الْوَاجِبُ أَنْ يَتَوَلَّى هَذِهِ الْقَضِيَّةَ الْعُلَمَاءُ ، لَا عَامَّةُ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ يَتَصَرَّفُونَ بَعْضَ التَّصَرُّفَاتِ لِإِثَارَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالتَّشْوِيشِ عَلَيْهِمْ ، وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ وَالْقَتْلِ بَيْنَهُمْ . إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ حَفِظَهُ اللهُ .
فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - ، وَانْصُرُوا نَبِيَّكُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ ، وَالِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ ، وَالْحِرْصِ عَلَى مَا حَثَّ عَلَيْهِ ، أَطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَ ، وَصَدِّقُوهُ فِيمَا أَخْبَرَ ، وَاجْتَنِبُوا مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ ، وَاعْبُدُوا اللهَ بِمَا شَرَعَ ، أَمَّا مُقَاطَعَةُ الْمُنْتَجَاتِ ، وَرَسَائِلُ الْجَوَّالَاتِ ، وَعَمَلُ مَا يَعْمَلُهُ الْإِمَّعَاتُ ، وَتَرْكُ سُنَّتِهِ وَمُخَالَفَةُ أَوَامِرِهِ وَارْتِكَابُ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ نُصْرَتِهِ .
أَسْأَلُ اللهَ لِي وَلَكُمْ عِلْمًا نَافِعًا ، وَرِزْقًا وَاسِعًا ، وَسَلَامَةً دَائِمَةً ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ ، وَتَوَفَّنَا شُهَدَاءَ ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلِ أَوْ عَمَلٍ ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا أَمْنَنَا ، وَاحْفَظْ لَنَا وُلَاةَ أَمْرِنَا ، وَوَفِّقْ عُلَمَاءَنَا وَدُعَاتَنَا ، وَاجْعَلْنَا جَمِيعًا هُدَاةً مُهْتَدِينَ ، لَا ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ وَأَبْرِمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِكَ وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى فِيهِ عَنِ الْمُنْكَرِ . اللَّهُمَّ رَحْمَةً اهْدِ بِهَا قُلُوبَنَا ، وَاجْمَعْ بِهَا شَمْلَنَا وَلُمَّ بِهَا شَعْثَنَا وَرُدَّ بِهَا الْفِتَنَ عَنَّا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ { .
عِبَادَ اللهِ :
} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .