عبيد الطوياوي
11-12-2020, 07:26 PM
https://www.youtube.com/watch?v=1DK8vKPeP5I سَعْيُ الْبِلَادِ لِمُكَافَحَةِ الْفَسَادِ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ، وَقَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - بِأَنَّ النَّزَاهَةَ وَالْأَمَانَةَ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ عَظِيمٌ ، وَضَرُورَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ مُهِمَّةٌ ، فَلَنْ تُؤَدَّى الْحُقُوقُ ، وَلَنْ يُقَامَ بِالْوَاجِبَاتِ إِلَّا بِوُجُودِ النَّزَاهَةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَبِدُونِهِمَا - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - تُؤْكَلُ الْأَمْوَالُ بِالْبَاطِلِ ، وَيُوجَدُ الظُّلْمُ ، وَتَنْتَشِرُ الْمُنْكَرَاتُ ؛ كَالرِّشْوَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالْغُلُولِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : } إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا {، يَقُولُ ابْنُ سِعْدِيٍّ فِي تَفْسِيرِهِ : الْأَمَانَاتُ : كُلُّ مَا ائْتُمِنَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَأُمِرَ بِالْقِيَامِ بِهِ . فَأَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِأَدَائِهَا ؛ أَيْ : كَامِلَةً مُوَفَّرَةً ، لَا مَنْقُوصَةً وَلَا مَبْخُوسَةً، وَلَا مَمْطُولًا بِهَا.
فَالنَّزَاهَةُ وَالْأَمَانَةُ مِمَّا جَاءَ بِهِ الدِّينُ ، وَأَمَرَ بِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَحَثَّ عَلَيْهِ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الْمُرْسَلِينَ ، فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: مَا خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا قَالَ : (( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ )) ، وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَيْضًا ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهما - ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا : صِدْقُ الْحَدِيثِ ، وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ، وَعِفَّةُ مَطْعَمٍ )) .
فَالدِّينُ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - يَأْمُرُ وَيُوجِبُ وَيَحُثُّ عَلَى النَّزَاهَةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَيُحَرِّمُ كُلَّ أَمْرٍ يُنَافِيهِمَا ، وَعَلَى رَأْسِ ذَلِكَ : الْفَسَادُ ؛ فَلَا يُضَيِّعُ الْأَمَانَةَ ، وَلَا يَفْقِدُ النَّزَاهَةَ إِلَّا مُجْرِمٌ فَاسِدٌ ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (( إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ )) قَالَ : كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : (( إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ )) ، فَإِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ضَاعَتِ الْأَمَانَةُ ، وَفُقِدَتِ النَّزَاهَةُ ، وَكَثُرَ الْفَسَادُ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَا يُحِبُّ أَهْلَهُ ، وَلَا الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِيهِ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : } وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ { وَيَقُولُ أَيْضًا : } وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ {، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ : }فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {، وَمِنَ الْفَسَادِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - : اسْتِغْلَالُ الْمَنَاصِبِ لِلْمَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ ، وَالْمَنَافِعِ الذَّاتِيَّةِ ، وَجَعْلُ الْأَمَانَاتِ لِتَحْقِيقِ الْغَايَاتِ ، وَأَكْلُ الْحُقُوقِ وَمَنْعُ الْوَاجِبَاتِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا الْفَسَادِ غَايَةَ التَّحْذِيرِ ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : (( لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، يَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ ، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ ، يَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ ، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ ، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ - أَيْ : ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ - فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ )) .
فَالْأَمْرُ خَطِيرٌ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَالِاعْتِدَاءُ عَلَى مَالِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ حَرَامٌ ، فَكَيْفَ بِحُرْمَةِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ ؛ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ ، قَالَ : وَمَا لَكَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُكَ تَقُولُ : كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ ، فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى )) .
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ :
}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا{. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ، قَالَ : (( اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ ، يُقَالُ لَهُ : ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا لِي ، أُهْدِيَ لِي ، قَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ ، فَيَقُولُ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي ، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ ، حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ ، هَلْ بَلَّغْتُ ؟ مَرَّتَيْنِ )) .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِذَا كَانَتِ الْهَدِيَّةُ مِنْ أَجْلِ الْعَمَلِ ، الَّتِي تُهْدَى إِلَيْكَ لَا مِنْ أَجْلِ سَوَادِ عَيْنَيْكَ ، إِنَّمَا مِنْ أَجْلِ مَنْصِبِكَ ، تَأْتِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَكَيْفَ - بِاللهِ عَلَيْكُمْ - بِالسَّرِقَةِ وَالْغُلُولِ وَالْغِشِّ وَالتَّزْوِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؟
وَلِذَلِكَ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - قَدْ سَعَتِ الدَّوْلَةُ - وَفَّقَهَا اللهُ - لِإِنْشَاءِ هَيْئَةٍ لِمُكَافَحَةِ الْفَسَادِ ، وَقَدْ أَدَّتْ ثِمَارَهَا وَللهِ الْحَمْدُ ، فَيَجِبُ التَّعَاوُنُ مَعَهَا ، وَالتَّبْلِيغُ عَنْ أَيِّ شُبْهَةِ فَسَادٍ فِي الْمُجْتَمَعِ ، وَذَلِكَ مِنَ الدِّينِ ،وَمِمَّا يَأْمُرُ بِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، }وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ{.
أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوَفِّقَنَا جَمِيعًا لِهُدَاهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَا فِي رِضَاهُ ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَنَسْأَلُهُ السَّلَامَةَ فِي أَبْدَانِنَا وَأَرْوَاحِنَا وَنِسَائِنَا وَأَطْفَالِنَا ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَأَهْلِنَا وَمَالِنَا ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا ، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا ، اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا ، وَمِنْ خَلْفِنَا ، وَعَنْ أَيْمَانِنَا ، وَعَنْ شَمَائِلِنَا ، وَمِنْ فَوْقِنَا ، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ وَأَمِتْنَا شُهَدَاءَ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ وَأَنْتَ فِي عَلْيَائِكَ ، وَأَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيعًا ، سَحًّا غَدَقًا ، مُجَلَّلًا عَامًّا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، اللَّهُمَّ غَيْثًا تُحِيي بِهِ الْبِلَادَ وَتَرْحَمُ بِهِ الْعِبَادَ وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالْبَادِ . }رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{ .
عِبَادَ اللهِ:
}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ، وَقَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ، وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - بِأَنَّ النَّزَاهَةَ وَالْأَمَانَةَ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ عَظِيمٌ ، وَضَرُورَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ مُهِمَّةٌ ، فَلَنْ تُؤَدَّى الْحُقُوقُ ، وَلَنْ يُقَامَ بِالْوَاجِبَاتِ إِلَّا بِوُجُودِ النَّزَاهَةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَبِدُونِهِمَا - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - تُؤْكَلُ الْأَمْوَالُ بِالْبَاطِلِ ، وَيُوجَدُ الظُّلْمُ ، وَتَنْتَشِرُ الْمُنْكَرَاتُ ؛ كَالرِّشْوَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالْغُلُولِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : } إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا {، يَقُولُ ابْنُ سِعْدِيٍّ فِي تَفْسِيرِهِ : الْأَمَانَاتُ : كُلُّ مَا ائْتُمِنَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَأُمِرَ بِالْقِيَامِ بِهِ . فَأَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِأَدَائِهَا ؛ أَيْ : كَامِلَةً مُوَفَّرَةً ، لَا مَنْقُوصَةً وَلَا مَبْخُوسَةً، وَلَا مَمْطُولًا بِهَا.
فَالنَّزَاهَةُ وَالْأَمَانَةُ مِمَّا جَاءَ بِهِ الدِّينُ ، وَأَمَرَ بِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَحَثَّ عَلَيْهِ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الْمُرْسَلِينَ ، فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: مَا خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا قَالَ : (( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ )) ، وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَيْضًا ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهما - ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا : صِدْقُ الْحَدِيثِ ، وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ، وَعِفَّةُ مَطْعَمٍ )) .
فَالدِّينُ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - يَأْمُرُ وَيُوجِبُ وَيَحُثُّ عَلَى النَّزَاهَةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَيُحَرِّمُ كُلَّ أَمْرٍ يُنَافِيهِمَا ، وَعَلَى رَأْسِ ذَلِكَ : الْفَسَادُ ؛ فَلَا يُضَيِّعُ الْأَمَانَةَ ، وَلَا يَفْقِدُ النَّزَاهَةَ إِلَّا مُجْرِمٌ فَاسِدٌ ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (( إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ )) قَالَ : كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : (( إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ )) ، فَإِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ضَاعَتِ الْأَمَانَةُ ، وَفُقِدَتِ النَّزَاهَةُ ، وَكَثُرَ الْفَسَادُ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَا يُحِبُّ أَهْلَهُ ، وَلَا الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِيهِ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : } وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ { وَيَقُولُ أَيْضًا : } وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ {، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ : }فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {، وَمِنَ الْفَسَادِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - : اسْتِغْلَالُ الْمَنَاصِبِ لِلْمَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ ، وَالْمَنَافِعِ الذَّاتِيَّةِ ، وَجَعْلُ الْأَمَانَاتِ لِتَحْقِيقِ الْغَايَاتِ ، وَأَكْلُ الْحُقُوقِ وَمَنْعُ الْوَاجِبَاتِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا الْفَسَادِ غَايَةَ التَّحْذِيرِ ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : (( لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، يَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ ، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ ، يَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ ، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ ، فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ - أَيْ : ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ - فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ : لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ )) .
فَالْأَمْرُ خَطِيرٌ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَالِاعْتِدَاءُ عَلَى مَالِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ حَرَامٌ ، فَكَيْفَ بِحُرْمَةِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ ؛ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ ، قَالَ : وَمَا لَكَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُكَ تَقُولُ : كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ ، فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى )) .
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ :
}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا{. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ، قَالَ : (( اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ ، يُقَالُ لَهُ : ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا لِي ، أُهْدِيَ لِي ، قَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ ، فَيَقُولُ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي ، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ ، حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ ، هَلْ بَلَّغْتُ ؟ مَرَّتَيْنِ )) .
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ :
إِذَا كَانَتِ الْهَدِيَّةُ مِنْ أَجْلِ الْعَمَلِ ، الَّتِي تُهْدَى إِلَيْكَ لَا مِنْ أَجْلِ سَوَادِ عَيْنَيْكَ ، إِنَّمَا مِنْ أَجْلِ مَنْصِبِكَ ، تَأْتِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَكَيْفَ - بِاللهِ عَلَيْكُمْ - بِالسَّرِقَةِ وَالْغُلُولِ وَالْغِشِّ وَالتَّزْوِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؟
وَلِذَلِكَ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - قَدْ سَعَتِ الدَّوْلَةُ - وَفَّقَهَا اللهُ - لِإِنْشَاءِ هَيْئَةٍ لِمُكَافَحَةِ الْفَسَادِ ، وَقَدْ أَدَّتْ ثِمَارَهَا وَللهِ الْحَمْدُ ، فَيَجِبُ التَّعَاوُنُ مَعَهَا ، وَالتَّبْلِيغُ عَنْ أَيِّ شُبْهَةِ فَسَادٍ فِي الْمُجْتَمَعِ ، وَذَلِكَ مِنَ الدِّينِ ،وَمِمَّا يَأْمُرُ بِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، }وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ{.
أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوَفِّقَنَا جَمِيعًا لِهُدَاهُ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَا فِي رِضَاهُ ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَنَسْأَلُهُ السَّلَامَةَ فِي أَبْدَانِنَا وَأَرْوَاحِنَا وَنِسَائِنَا وَأَطْفَالِنَا ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَأَهْلِنَا وَمَالِنَا ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا ، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا ، اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا ، وَمِنْ خَلْفِنَا ، وَعَنْ أَيْمَانِنَا ، وَعَنْ شَمَائِلِنَا ، وَمِنْ فَوْقِنَا ، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ وَأَمِتْنَا شُهَدَاءَ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْأَتْقِيَاءِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ وَأَنْتَ فِي عَلْيَائِكَ ، وَأَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيعًا ، سَحًّا غَدَقًا ، مُجَلَّلًا عَامًّا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، اللَّهُمَّ غَيْثًا تُحِيي بِهِ الْبِلَادَ وَتَرْحَمُ بِهِ الْعِبَادَ وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالْبَادِ . }رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{ .
عِبَادَ اللهِ:
}إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .