![]() |
سِـــــرُّ بَقــــا ءِ الْـمُـلْــكِ في الأرْضِ ( خطبة جمعة )
اَلْخُطْبَةُ الْأُولَى
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَوِىِّ الْعَزِيزِ ، نَصْرَ عَبْدَهُ ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ ، وَهَزْمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ ، وَأَذْكُرُهُ وَلَا أَكْفُرُهُ ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ ،وَصَحِبَهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا النَّاسُ / أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فَمِنْ اتَّقَ اللَّهَ وَقَاهُ ، وَحَفِظَهُ وَرَعَاهُ ، وَأَسْعَدَهُ ، وَسَدَّدَ خُطَاهُ ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ )) عِبَادَ اللَّهِ / اَلْمُلْكُ مِنَّةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يَمُنُّ بِهِ مِنْ يَخْتَارُ مِنْ عِبَادِهِ لِحِكْمَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )) فَاللَّهُ تَعَالَى الْمَلِكُ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْمَمَالِكِ ، وَالْكَوْنُ كُلُّهُ لَهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ ، وَيُدَبِّرُهُ كَيْفَ يَشَاءُ ؛ يُؤْتِي الْمُلْكَ مِنْ يَشَاءُ بِمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ سُبْحَانَهُ . قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَسْبَابًا مُرْتَبِطَةً بِبَقَاءِ الْمُلْكِ لِصَاحِبِهِ أَوْ زَوَالِهِ ، فَاللَّهُ أَعْطَى لِنَبِيهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُلْكًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَالَمَيْنِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِهَذَا الْمُلْكِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِ ((قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ )) فَأَكْرَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدَهُ وَنَبِيَّهُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنِعَمِ كَثِيرَةٍ ، وَخَصَّهُ بِمَزَايَا رَائِعَةٍ كَانَتْ عُنْوَانًا لِلْعَظَمَةِ وَالْمَجْدِ ، وَمَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرَ الْمُلْكِ الْعَظِيمِ وَالْجَاهِ الْكَرِيمِ ، وَالدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَقَدَ فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ ، وَعَلّمَهُ اللَّهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَلُغَتِهِ ، وَسَائِرَ لُغَاتِ الْحَيَوَانَاتِ ؛ فَكَانَ يَفْهَمُ عَنْهَا مَا لَا يَفْهَمُهُ سَائِرُ النَّاسِ ، وَكَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا أَحْيَانًا كَمَا كَانَ حَدِيثُهُ مَعَ الْهُدْهُدِ وَالنَّمْلَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ)) سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّيحَ فَكَانَتْ تَنْقُلُهُ إِلَى أَيِّ أَطْرَافِ الدُّنْيَا شَاءَ ثَمَّ تَعُودُ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالشَّامِ ، وَسَخَّرَ لَهُ الشَّيَاطِينَ وَالْجِنَّ تَصْنَعُ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ أَعْمَالٍ يَعْجِزُ عَنْهَا الْبَشَرُ ، كَبِنَاءِ الصُّرُوحِ الضَّخْمَةِ ، وَالْقُصُورِ الْعَالِيَةِ ، وَالْقُدُورِ الْكَبِيرَةِ والْجِفَانِ،وَهِيَ الْأَحْوَاضُ الْعَظِيمَةُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى (( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ )) أَيُّ أَنَّ الرِّيحَ تَقْطَعُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَبَعْدَ الظُّهْرِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ((وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ )) أَيَّ النُّحَاسُ الْمُذَابُ فَكَانَ النُّحَاسُ يَتَدَفَّقُ رَقْرَاقًا مُذَابًا لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامَ كَتَدَفُّقِ الْمَاءِ الْعَذْبِ ، فَيَصْنَعُ مِنْهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ نَارٍ (( وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )) وَمِنْ نَعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ جُنْدَهُ كَانَ مُؤَلَّفًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ ، قَدْ نَظَّمَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَرَتَّبَ لَهُمْ شُئُونَهُمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ وَنَبِيهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي كَانَ عَبْدًا مُطِيعًا أَوَّابًا دَاعِيًا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الشَّاكِرَيْنِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ((وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ *حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ* فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)) اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الطَّائِعِينَ الشَّاكِرِينَ يَارَبَّ الْعَالَمَيْنِ أقولُ ما تَسْمَعُونَ، وأسْتغفِرُ اللهَ لِي ولكُم ولِجميعِ الْمُسلميِنَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فاسْتَغْفِروهُ إنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيم. اَلْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، والشّكْرُ له على توفيقه وامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَانَهُ ، وأشهدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ ، صَلّى الله عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وأعْوانِهِ وسَلّم تَسْلِيماً كثيراً .. أمّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ : اِتَّقُوْا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى ، وَاحْرِصُوا عَلَى إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَهِيَ السِّرُّ فِي التَّمْكِينِ فِي أَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ الْمُبِينِ ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) فَعِنْدَمَا تَفَقَّدَ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جُنُودَهُ وَحَاشِيَتَهُ ، وَافْتَقَدَ الْهُدْهُدَ الَّذِي كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ ، وَالَّذِي أَتَاهُ مُخْبِرًا بِعُذْرِهِ فِي مَغِيبِهِ عَنْهُ بِخَبَرِ مَلِكَةِ سَبَأَ الَّتِي أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ عَاجِلِ الدُّنْيَا ، وَلَكِنَّهَا وَقَوْمَهَا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَدَّدَهُمْ بِجُنُودٍ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى دَفْعِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادِ عِبَادَةُ رَبِّ الْعِبَادِ ، وَهَذَا السِّرُّ فِي بَقَاءِ الْمُلْكِ وَلَوْ كَثُرَ الْأَعْدَاءُ عَدَداً وَعُدَّةً فَاللَّهُ نَاصَرَهُمْ ، وَأَنْتَ إِذَا اسْتَقْرَأَتَ الدُّوَلَ الْإِسْلَامِيَّةَ وَجَدَتَ السَّبَبَ الْأَعْظَمَ فِي زَوَالِ مُلْكِهَا الْإِخْلَالُ فِي عَقِدَتِهَا ، وَتَرَكُ دِيْنِهَا ، وَالتَّفَرُّقُ فِيهِ الَّذِي أَطْمَعُ فِيهِمْ الْأَعْدَاءُ ، وَجَعَلَ بِأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ ، وَاحْرِصُوا عَلَى التَّمَسُّكِ بِدِينِكِمْ بِتَحْقِيقِ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَإِخْلَاصِ الْمُتَابَعَةِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ هذا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا على مَنْ أَمَرَ اللهُ باِلصّلاةِ والسّلامِ عَلَيْهِ ، فَقَال ((إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا)) |
جزاك الله خير اخي على الخطبه اللهم اجز الشيخ عنا خير الجزاء |
جزاك الله خير اخي على الخطبه اللهم اجز الشيخ عنا خير الجزاء |
شيخنا الفاضل محمد المهوس
الله يجزاك خير على الخطبة النافعه جعلها الله في ميزان حسناتك كل التقدير |
الف شكر على طرحك الراقي المميز
تحيه وتقدير لك |
الله يعافيك على الطرح الراقي ,, كل الشكر لك تحياتي |
سلمت الأنامل على الأيراد الجميل *ودي لك.. .أخوك جدعان العنزي |
شيخنا الجليل جزاك الله خير وكتب اجرك
يعطيك العافيه وتسلم الايادي طرح رائع وانتقاء اروع لاهنت ننتظر مزيداِ من جديد المميز دمت بحفظ الله ورعايته أميرة الورد كانت هنا @ |
شكراً من الأعماق
على الموضوع الطيّب والمفيد* تسلم الأيادي |
الله يجزاك خير على الموضوع النافع
كل الشكر والتقدير |
| الساعة الآن 01:06 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Coupotech
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010