النصر القادم
« النصر القادم »
محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام
8 / 10 / 1447
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ للهِ مُعِزِّ الإِسْلَامِ بِنَصْرِه، وَمُذِلِّ الشِّرْكِ بِقَهْرِه، وَمُصِّرِفِ الأُمُورِ بِأَمْرِه، الَّذِي جَعَلَ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ بِفَضْلِه، وَأَظْهَرَ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا وَقُدْوَتِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِه، وَمَنْ نَصَرَ دِينَهُ وَاهْتَدَى بِهَدْيهِ، أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا النَّاسُ :
اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى؛ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [ آل عمران : 160 ]
فَلَا نَاصِرَ وَلَا غَالِبَ إِلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّ النَّصْرَ مِنْهُ وَبِيَدِه، وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَمْلِكُ القُوَّةَ وَالقُدْرَةَ المُطْلَقَة، وَلَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر كُلُّهُ .
الأَرْضُ وَمَا عَلَيْهَا وَمَا فِيهَا، وَالسَّمَاوَاتُ وَمَا عَلَيْهَا وَمَا فِيهَا، كُلُّ هَذَا فِي قَبْضَتِهِ، وَطَوْعُ أَمْرِهِ، فَلَهُ جُنُودٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، يُرْسِلُ الرِّيحَ، وَيُعَذِّبُ بِالصَّيْحَةِ وَالْغَرَقِ، وَيُزَلْزِلُ الأَرْضَ، وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ، وَيَقْذِفُ الْحِجَارَةَ مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، وَيُعَذِّبُ بِالْخَسْفِ وَالْمَسْخِ وَالْأَوْبِئَةِ وَالطَّوَاعِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [ غافر : 82 ]
وَلَا يَمْلِكُ مَخْلُوقٌ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا، وَلَا لِغَيْرِهِ عِزًّا وَلاَ نَصْرًا، فَالمَنْصُورُ مَنْ نَصَرَهُ الله، وَالمَغْلُوبُ مَنْ خَذَلَهُ الله.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدِ اتَّخَذَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْدَادًا مِنْ دُونِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ، فَكَانَتْ بُيُوتُهُمْ أَوْهَى مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ﴾ [ يس : 74-75 ]
وَدَعَوْا أَمْوَاتًا فِي قُبُورِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَسْمَعُونَ فَيَسْتَجِيبُونَ، فَكَانَ الرَّدُّ مِنَ اللَّهِ الْقَائِلِ: ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر: 13، 14].
أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَعْتَقِدُونَ وَيُوقِنُونَ بِأَنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْقَائِلِ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ [ آل عمران : 126]
وَيَعْتَقِدُونَ وَيُوقِنُونَ بِأَنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبُ الْمَنَالِ، لَيْسَ شَيْئًا مُسْتَحِيلًا، وَلَا أَمْرًا مِنْ ضُرُوبِ الْخَيَالِ، بَلْ وَعْدٌ صَادِقٌ مُتَحَقِّقٌ مِنَ اللَّهِ الْقَائِلِ: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ﴾ [ البقرة : 214 ]
وَيَعْتَقِدُونَ وَيُوقِنُونَ أَنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ وَعِزَّتِهِ، مَتَى شَاءَ سُبْحَانَهُ، فَلَا يَعْجَلُ بِعَجَلَةِ عِبَادِهِ، وَلَرُبَّمَا أَخَّرَ النَّصْرَ لِحِكَمٍ بَاهِرَةٍ لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا هُوَ عَزَّ شَأْنُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾[ محمد : 4 ]
وَقَدْ يُؤَخِّرُ اللَّهُ النَّصْرَ حَتَّى تَتَحَقَّقَ أَسْبَابُهُ وَالَّتِي مِنْ أَهَمِّهَا وَأَعْظَمِهَا: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَتَوْحِيدُهُ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَصِدْقُ اللُّجُوءِ إِلَيْهِ، وَالتَّبَرُّؤُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِين ﴾ وَعَلَى قَدْرِ إِيمَانِ العَبْدِ يَكُونُ تَأْيِيدُ اللهِ لَهُ وَنَصْرُهُ وَمَدَدُهُ ، لِذَا لَا تَتَعَلَّقُ قُلُوبُ المُوَحِّدِينَ إِلَّا بِرَبِّ العَالَمِين، فَبِهِ يَسْتَغِيثُون، وَبِهِ يَسْتَنْصِرُون ؛ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [ الحج : 40-41 ]
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ سَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمُؤْمِنَ الصَّادِقَ الْفَطِنَ يَتَعَامَلُ مَعَ مُتَغَيِّرَاتِ الْأَيَّامِ وَحَوَادِثِ الْأَزْمَانِ بِالتَّعَامُلِ الشَّرْعِيِّ، فَلَا يَسْمَعُ لِإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَلَا يَغْتَرُّ بِمِثَالِيَّةِ الْمُتَعَجِّلِينَ، بَلْ يَتَأَنَّى وَلَا يَعْجَلُ، وَكُلُّهُ ثِقَةٌ فِي مَوْعُودِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَحَتْمًا سَيَنْتَصِرُ أَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالِاتِّبَاعِ، لا أَهْلَ الشِّرْكِ وَالِابْتِدَاعِ.
فَظَنُّوا خَيْرًا بِرَبِّكُمْ، وَاحْذَرُوا مِنْ ضَعْفِ اليَقِينِ بِمَوْلَاكُمْ؛ فَبَعْضُ النَّاسِ لِضَعْفِ يَقِينِهِمْ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ تَسَلُّطِ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَقُوَّةِ عُتَادِهِمْ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ الْكَلِمَةَ صَارَتْ أَبَدًا لِلْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْهَزِيمَةِ أَبَدَ الدَّهْرِ!
وَهَذَا سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ وَضَعْفُ يَقِينٍ بِهِ سُبْحَانَهُ؛ فَمَا أَهْوَنَ الْكُفَّارَ عَلَى اللَّهِ الْعَظِيمِ الْكَبِيرِ، إِنَّهُمْ فِي قَبْضَتِهِ، نَوَاصِيهِمْ بِيَدِهِ وَلَا يُعْجِزُونَهُ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلُ سُبْحَانَهُ : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾ [ الأنفال : 59 ]
أَلَمْ يَقْضِ اللهُ سُبْحَانَهُ بِالذِّلَّةِ وَالخِزْيِ وَالصَّغَارِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِ وَحَارَبَ دِينَه؟ فَقَالَ سُبْحَانَه: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الخِزْيَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [ الزمر : 26 ]
فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى – عِبَادَ اللَّهِ – وَاسْتَشْعِرُوا عَظَمَةَ دِينِكُمْ، وَمِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنْ جَعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ وَعَلَى عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾،وَقَالَ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-:«مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَمِّنْ حُدُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، وَجَمِيعَ وُلاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
|