قباء.. أول مساجد الإسلام
حدد معالم الطريق وجسد روح الفريق
بناه النبي مع صحابته، يوم وصوله إلى دار هجرته، قام بتحديد قبلته وشارك في رفع ووضع حجارته. ورد ذكره في كتاب الله العظيم،
وسنة نبيه الكريم، وغير ذلك من مظاهر الإجلال والتكريم.امتدت سيرته بين الأنام، عبر الأيام والأعوام، كأول مسجد بني في الإسلام،
بدأت منه رحلة الإخاء الكبرى بين المهاجرين والأنصار، التي أسفرت عن نشر دعوة الإسلام في عدد كبير من الأقطار والأمصار.
ورد ذكر مسجد قباء في القرآن الكريم بأنه المسجد الذي أسس على التقوى، قال الله تعالى: “لمَسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق
أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين” (التوبة: 108). وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
“قباء مسجد يحبه رسول الله”، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقصده راكبا وماشيا، ليصلي فيه.
وعن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: “من تطهر في بيته وأتى مسجد قباء يصلي فيه صلاة فله أجر عمرة”، وقال عليه الصلاة والسلام:
“من خرج حتى يأتي هذا المسجد (قباء) فصلى فيه كان كعدل عمرة”.
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: “كان رسول الله صلى الله علية وسلم يأتي مسجد قباء راكبا أو ماشيا ويصلي فيه ركعتين”.
بناء المسجد
يقع المسجد بقرية قباء، جنوب غرب المدينة المنورة، وهو أول مسجد أسس في الإسلام، بناه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته عند وصوله
إلى المدينة مهاجرا، وحدد قبلته، ووضع أول حجر فيه، ومن بعده وضع أبو بكر الصديق حجرا آخر، ووضع عمر بن الخطاب الحجر الثالث،
وتوالى العمل في المسجد، في جو تظلله روح الأخوة والإخلاص والتعاون.
بدأ العمل في بناء مسجد قباء يوم الاثنين (8) ربيع الأول من السنة الأولى الهجرية، ويبعد عن المسجد النبوي بالمدينة المنورة حوالي خمسة كيلومترات.
كان في أول الأمر عبارة عن قطعة أرض مربعة، تحيط بها أربعة جدران وكان نصفه الأمامي مسقوفاً بالسعف، وأعمدته من جذوع النخيل،
لحماية المصلين من حرارة الشمس، وقد شُيّد من الحجارة البازلتية الموجودة بمنطقة قباء، وتم بناء المساجد الجامعة الأولى على غراره.
اهتم المسلمون على مدار العصور بعمارة وتجديد وتوسعة مسجد قباء فقد جدده الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وكذلك الخليفة الأموي
الوليد بن عبد الملك، واهتم عمر بن عبد العزيز بتوسعته وعمارته وزخرفته، وجعل له صحنا وأروقة، وبنى له مئذنة.
وفي سنة 534ه جدده أبو يعلي الحسيني، وفي سنة 555ه جدده جمال الدين الأصفهاني وزير السلطان بن زنكي، كما جدده بعض الأعيان
وأهل البر والإحسان 671ه، 733ه، 840ه، 881ه، وسقطت منارته الوحيدة سنة 878ه وتم تجديدها 881ه.
كما جدد عمارته السلطان المملوكي الناصر بن قلاوون، والسلطان الأشرف بريسباي.
وأجريت له خلال العصر العثماني عدة عمارات آخرها في عهد السلطان عبد المجيد.
مساحة مضاعفة
وفي عهد الدولة السعودية تم تجديد جدرانه الخارجية من الجهة الشمالية 1338ه 1967م، و في سنة 1405ه 1986 أعيد بناؤه في
عهد خادم الحرمين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، وتضاعفت مساحته عدة مرات مع المحافظة على معالمه الأثرية، وخصائصه المعمارية،
وملامحه التراثية.
تم هدم المبنى القديم، وأضيفت إليه مساحات جديدة من جميع الجهات، وأعيد البناء على الطراز القديم، وشُيّدت له أربع مآذن بدلاً من مئذنته
الوحيدة، ويبلغ ارتفاع كل منها (47) متراً. تتوسط المسجد ساحة مكشوفة، تغطيها مِظلة آلية، قماشها مصنوع من الألياف الزجاجية،
توفر الضوء وتحجب الحر. تحيط بالساحة أروقة الصلاة، وتبلغ مساحتها (5035) متراً مربعاً وتبلغ المساحة الإجمالية للمسجد
(13500) متر مربع، وكانت من قبل (1600) متر مربع.
تعلو المسجد (62) قبة، منها (6) قباب كبيرة، و(56) قبة صغيرة، قطر الكبيرة (12) متراً، وقطر الصغيرة (6) أمتار، وتتركز القباب الكبيرة
في الجزء الأمامي أعلى إيوان القبلة، وتقوم القباب على أقواس تحملها أعمدة ضخمة. ومن أشهر معالم مسجد قباء منبره الرخامي، الذي يرجع
تاريخه إلى العصر المملوكي حيث أرسله السلطان قايتباي 888ه إلي المسجد النبوي، وفي سنة 998ه أرسل الوالي العثماني مراد باشا منبراً
آخر إلى المسجد النبوي، فنقل منبر قايتباي إلى مسجد قباء.
يتوسط المحراب جدار القبلة، ويحمل أشكالاً زخرفية نباتية وهندسية وآيات قرآنية، وعلى جانبيه عمودان من الرخام يربطهما قوس،
وبجواره المنبر الأثري. ومآذن المسجد مربعة في الجزء السفلي، يعلوه جزء ثماني الأضلاع، يليه جزء أسطواني مخروطي يرتفع عليه الهلال.
يقع الباب الرئيسي لمسجد قباء بالناحية الغربية، ويرتفع المسجد عن الشارع مقدار خمس درجات. وكسيت أرضية المسجد بالرخام العاكس للحرارة،
وبالمسجد مكتبة إسلامية، ومنطقة تجارية، لخدمة الزوار، بالإضافة إلى المرافق الأخرى مثل دورة المياه، وتحيط به الأشجار والنخيل في مشهد مهيب جميل.
لقد جسد مسجد قباء الهجرة وروح الفريق، والتعاون، والإخلاص في العمل، كما بدأت من مسجد قباء فنون العمارة الإسلامية، وتحولت بمرور
الأيام والأعوام إلى شجرة وارفة الظلال شهد العالم بتفردها وعبقريتها.
المدينة المنورة
تقع المدينة المنورة في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية على بعد 250 كيلو متراً من مكة المكرمة، تحيط بها الجبال من كل الجهات
وأشهرها جبل أحد، وتقوم على هضبة جبلية عند التقاء ثلاثة أودية ذات مناطق خضراء وترتفع عن سطح البحر 620 متراً.
والمدينة المنورة هي دار الإسلام، وعاصمة دولته، قام أهلها بدور كبير في نشر دعوته، ورفع رايته، شاركوا في فتح مكة بعد 8 سنوات من الهجرة.
كان اسمها يثرب، وبعد الهجرة النبوية حملت اسم المدينة المنورة، أو مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هاجر النبي إليها بعد (13) عاماً قضاها بمكة (622م 1ه) و قيل إن النبي غير اسمها لأن الثرب يعني الفساد، وقيل إن أول من أقام بها
هو يثرب بن عييل الذي ينتسب إلى سام بن نوح عليه السلام، ومن الأوصاف التي أطلقت على المدينة بعد الهجرة: الطيبة، وطابة، وطيبة،
والعذراء، والجابرة، والمجبورة، والحبيبة، و المحبة، والمباركة، والناجية.
ومن مساجد المدينة الشهيرة بعد المسجد النبوي الشريف ومسجد قباء ومسجد القبلتين، يقع شمال غرب المدينة المنورة، سمي بذلك لأن القبلة
تحولت من المسجد الأقصى بالقدس إلى الكعبة المشرفة بمكة المكرمة أثناء صلاة الظهر بهذا المسجد، صلى المسلمون نصف الصلاة ناحية
المسجد الأقصى، والنصف الأخر تجاه الكعبة.
قال تعالى: “قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولِ وجهك شطر المسجد الحرام”. (البقرة: 144).