عبيد الطوياوي
17-01-2014, 12:49 AM
F
الإرشاد لفتنة الأموال والأولاد
الحمد لله السميع البصير ، والعليم القدير ، والحكيم الخبير ،
} يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ،
} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ { .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، ولا ند ولا ضد ولا ظهير ،
} لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ { .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، البشير النذير ،
والسراج المنير ، صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد ، فيا عباد الله :
تقوى الله U ، وصية الله لعباده ، الأولين والآخرين . يقول ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ {
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ جعلني وإياكم من عباده المتقين .
أيها الأخوة المؤمنون :
كان حديثنا في الجمعة الماضية ، عن وجود الفتن وكثرتها في آخر الزمان ، ووجوب الحذر منها ،
وهناك ـ أيها الأخوة ـ فتن يغفل عنها كثير من الناس ، وغفلتهم تكون على مقدار قربهم وبعدهم عن شرع ربهم ،
وفقههم في الأدلة التي جاء بها دينهم ، وكما جاء في الحديث الصحيح :
(( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ )) .
ومن هذه الفتن ـ أيها الأخوة ـ فتنة المال والأولاد ، فكثير هم الذين يقعون في هذه الفتنة ،
وتأثر في حياتهم ، وتدمر مستقبلهم الحقيقي وهم لا يعلمون ، ولذلك قال U :
} وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ {
يقول ابن سعدي في تفسيره : أخبر اللّه تعالى أن الأموال والأولاد فتنة ، يبتلي اللّه بهما عباده ، وأنها عارية ستؤدى لمن أعطاها ،
وترد لمن استودعها ، } وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ { .
فالأموال والأولاد ـ أيها الأخوة ـ من الفتن التي يجب الحذر منها ، ويتأكد توقي خطرها ، لأنها قد تكون وسيلة ،
لضلال الإنسان ، وسببا من أسباب شقائه وعذابه ، ولذلك قال الله U ، محذرا من هذه الفتنة :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ، وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا ،
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ { .
فكونهم عدوا وفتنة ـ أيها الأخوة ـ ليس لذواتهم ، إنما عداوتهم وفتنتهم ، تكون بسبب أفعالهم ، وما تنتجه محبة المرء لهم ،
ولا يوجد فعل أقبح وأخطر وأضر ، من الحيلولة بين العبد وطاعة ربه ، ومنعه من عمله بأوامر دينه .
إبراهيم ـ عليه السلام ـ عندما جاء إلى مكة ، ليتفقد ابنه إسماعيل ، ولم يجده ولكنه وجد زوجته ،
سألها كما جاء في الحديث الصحيح :
(( عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ ، فَقَالَتْ : نَحْنُ بِشَرٍّ ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ ؛ وَشَكَتْ إِلَيْهِ ))
فشعر أن عندها ميلا إلى الدنيا ، وأنها غير مقتنعة في معيشتها مع زوجها ، وغير راضية بما كتب الله U لها ،
فقال ـ عليه السلام ـ كما جاء في الحديث ـ : (( فَإذَا جَاءَ زَوْجُكِ اقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ ))
أي يطلقها ، كما قال عليه السلام : (( ذَلِكَ أَبِي ، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ ، فَطَلَّقَهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى )) .
طلَّقها لأنها عدو يجب التخلص منه .
أيها الأخوة :
فالمال والأولاد ، لاشك أنهما نعمة عظيمة ، ولكن إذا كانا يحولان بين المرء وطاعة ربه U ،
ويثبطانه عن عمل ما يثقل موازينه يوم القيامة ، فلا شك أنهما نقمة من أعظم النقم ،
وفتنة من أخطر الفتن ، تأملوا ـ أيها الأخوة ـ قول الله U :
} قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ ، وَأَبْنَاؤُكُمْ ، وَإِخْوَانُكُمْ ، وَأَزْوَاجُكُمْ ، وَعَشِيرَتُكُمْ ، وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا ،
وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ ،
فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ { .
بل ـ أيها الأخوة ـ جاء التحذير صريحا واضحا بينا ، بأن المال فتنة من فتن هذه الأمة ، يقول النبي r
في الحديث الصحيح : (( لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ ، وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ )) ففتنة المال فتنة خطيرة ،
وأخطر منها إذا اجتمعت معها فتنة الأولاد ، وأكثر المنشغلين عن طاعة الله U ، البعيدين عن أمر الآخرة ،
المقبلين على أمر الدنيا ، المقصرين المفتونين في حياتهم ، سبب ذلك كله : المال والأولاد ،
ولذلك النبي r ، كما في الحديث الصحيح ، عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ :
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَخْطُبُنَا ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ ، يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ ،
فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ الْمِنْبَرِ ، فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ :
(( صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ :} إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ {نَظَرْت إلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ ، يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ ،
فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْت حَدِيثِي فَرَفَعْتهمَا )) .
فيجب علينا ـ أيها الأخوة ـ أن نحذر كل الحذر ، تأثير أموالنا وأولادنا في حياتنا ،
ولا تعمي بصائرنا وأبصارنا محبتنا لهم ، وليكن رضى الله U ، خطا أحمرا ، عند تحقيق طلباتهم ،
وتلبية رغباتهم ، وفي ذلك الخير كل الخير لنا ولهم .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا
مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ،
أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ،
وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
يجهل بعض الناس ، ماهي فتنة الأموال والأولاد ، ولذلك يقع أكثر هؤلاء بهذه الفتنة وهم لا يعلمون ،
ولعلنا ـ أيها الأخوة ـ نذكر بعض الأقوال التي تعرف هذه الفتنة ، فقد قال بعضهم : كلمة فتنة تحتمل معنيين:
الأول : أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد ، بمعني يختبركم ، فانتبهوالهذا ، وحاذروا وكونوا أبداً يقظين لتنجحوا في الابتلاء وتخلصوا وتتجردوا لله . U
والثاني ـ أيها الأخوة ـ : أن هذه الأموال والأولاد ، فتنة لكم، توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية ، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عنالله . U
أيها الأخوة المؤمنون :
وفي باب فتنة الأموال والأولاد ، روى البخاري في صحيحه ، أن حُذَيْفَةَ t ،
قَالَ : قَالَ عُمَرُ t ، مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ r فِي الفِتْنَةِ ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ : أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ :
(( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ )) إلى آخر الحديث .
فعلى هذا ـ أيها الأخوة ـ من وجد في نفسه ، تقصيرا أو إهمالا أو تكاسلا عن طاعة من الطاعات ،
أو قربة من القربات ، بسبب أهل أو مال أو جار ، وكلنا ـ والله ـ كذلك ، فعليه الإكثار من الصلاة والصيام والصدقة ،
لعل الله U أن يغفر له تقصيره ، و يتجاوز عن إهماله وكسله ، يقول U :
} إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا { .
اسأل الله U أن يهدي ضال المسلمين ، وأن يفقهنا في هذا الدين ، وأن يجعلنا هداة مهتدين ، لا ضالين ولا مضلين ،
إنه سميع مجيب . اللهم إنا نسألك الهدى ، والتقى ، والعفاف والغنى ، اللهم أحينا سعداء ، وتوفنا شهداء ،
واحشرنا في زمرة الأتقياء ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، اللهم اعصمنا من الفتن ، وأحينا مسلمين ، وتوفنا مؤمنين ،
غير خزايا ولا مفتونين برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم إنا نسألك وأنت في عليائك ، وأنت الغني ونحن الفقراء إليك ، أن تغيث قلوبنا بالإيمان ،
وبلادنا بالأمطار ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا . اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، هنيئا مريئا ، سحا غدقا ،
عاجلا غير آجل ، غيثا تغيث به البلاد والعباد ، وتعم به وببركته الحاضر والباد ،
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {.
عباد الله :} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .
الإرشاد لفتنة الأموال والأولاد
الحمد لله السميع البصير ، والعليم القدير ، والحكيم الخبير ،
} يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ { .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وعظيم سلطانه ،
} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ { .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، ولا ند ولا ضد ولا ظهير ،
} لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ { .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، البشير النذير ،
والسراج المنير ، صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد ، فيا عباد الله :
تقوى الله U ، وصية الله لعباده ، الأولين والآخرين . يقول ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه :
} وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ {
فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ جعلني وإياكم من عباده المتقين .
أيها الأخوة المؤمنون :
كان حديثنا في الجمعة الماضية ، عن وجود الفتن وكثرتها في آخر الزمان ، ووجوب الحذر منها ،
وهناك ـ أيها الأخوة ـ فتن يغفل عنها كثير من الناس ، وغفلتهم تكون على مقدار قربهم وبعدهم عن شرع ربهم ،
وفقههم في الأدلة التي جاء بها دينهم ، وكما جاء في الحديث الصحيح :
(( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ )) .
ومن هذه الفتن ـ أيها الأخوة ـ فتنة المال والأولاد ، فكثير هم الذين يقعون في هذه الفتنة ،
وتأثر في حياتهم ، وتدمر مستقبلهم الحقيقي وهم لا يعلمون ، ولذلك قال U :
} وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ {
يقول ابن سعدي في تفسيره : أخبر اللّه تعالى أن الأموال والأولاد فتنة ، يبتلي اللّه بهما عباده ، وأنها عارية ستؤدى لمن أعطاها ،
وترد لمن استودعها ، } وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ { .
فالأموال والأولاد ـ أيها الأخوة ـ من الفتن التي يجب الحذر منها ، ويتأكد توقي خطرها ، لأنها قد تكون وسيلة ،
لضلال الإنسان ، وسببا من أسباب شقائه وعذابه ، ولذلك قال الله U ، محذرا من هذه الفتنة :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ، وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا ،
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ { .
فكونهم عدوا وفتنة ـ أيها الأخوة ـ ليس لذواتهم ، إنما عداوتهم وفتنتهم ، تكون بسبب أفعالهم ، وما تنتجه محبة المرء لهم ،
ولا يوجد فعل أقبح وأخطر وأضر ، من الحيلولة بين العبد وطاعة ربه ، ومنعه من عمله بأوامر دينه .
إبراهيم ـ عليه السلام ـ عندما جاء إلى مكة ، ليتفقد ابنه إسماعيل ، ولم يجده ولكنه وجد زوجته ،
سألها كما جاء في الحديث الصحيح :
(( عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ ، فَقَالَتْ : نَحْنُ بِشَرٍّ ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ ؛ وَشَكَتْ إِلَيْهِ ))
فشعر أن عندها ميلا إلى الدنيا ، وأنها غير مقتنعة في معيشتها مع زوجها ، وغير راضية بما كتب الله U لها ،
فقال ـ عليه السلام ـ كما جاء في الحديث ـ : (( فَإذَا جَاءَ زَوْجُكِ اقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ ))
أي يطلقها ، كما قال عليه السلام : (( ذَلِكَ أَبِي ، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ ، فَطَلَّقَهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى )) .
طلَّقها لأنها عدو يجب التخلص منه .
أيها الأخوة :
فالمال والأولاد ، لاشك أنهما نعمة عظيمة ، ولكن إذا كانا يحولان بين المرء وطاعة ربه U ،
ويثبطانه عن عمل ما يثقل موازينه يوم القيامة ، فلا شك أنهما نقمة من أعظم النقم ،
وفتنة من أخطر الفتن ، تأملوا ـ أيها الأخوة ـ قول الله U :
} قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ ، وَأَبْنَاؤُكُمْ ، وَإِخْوَانُكُمْ ، وَأَزْوَاجُكُمْ ، وَعَشِيرَتُكُمْ ، وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا ،
وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ ،
فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ { .
بل ـ أيها الأخوة ـ جاء التحذير صريحا واضحا بينا ، بأن المال فتنة من فتن هذه الأمة ، يقول النبي r
في الحديث الصحيح : (( لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ ، وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ )) ففتنة المال فتنة خطيرة ،
وأخطر منها إذا اجتمعت معها فتنة الأولاد ، وأكثر المنشغلين عن طاعة الله U ، البعيدين عن أمر الآخرة ،
المقبلين على أمر الدنيا ، المقصرين المفتونين في حياتهم ، سبب ذلك كله : المال والأولاد ،
ولذلك النبي r ، كما في الحديث الصحيح ، عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ :
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَخْطُبُنَا ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ ، يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ ،
فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ الْمِنْبَرِ ، فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ :
(( صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ :} إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ {نَظَرْت إلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ ، يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ ،
فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْت حَدِيثِي فَرَفَعْتهمَا )) .
فيجب علينا ـ أيها الأخوة ـ أن نحذر كل الحذر ، تأثير أموالنا وأولادنا في حياتنا ،
ولا تعمي بصائرنا وأبصارنا محبتنا لهم ، وليكن رضى الله U ، خطا أحمرا ، عند تحقيق طلباتهم ،
وتلبية رغباتهم ، وفي ذلك الخير كل الخير لنا ولهم .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا
مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ،
أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب ، فإنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلى إحسَانِهِ ، والشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وامتِنَانِهِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيماً لِشَأنِهِ ،
وأشهدُ أنَّ مُحمَداً عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى رضوانِهِ صَلى اللهُ عَليهِ وَعَلى آلهِ وأصحابِهِ وسلّمَ تَسليماً كثيرا .
أيها الأخوة المؤمنون :
يجهل بعض الناس ، ماهي فتنة الأموال والأولاد ، ولذلك يقع أكثر هؤلاء بهذه الفتنة وهم لا يعلمون ،
ولعلنا ـ أيها الأخوة ـ نذكر بعض الأقوال التي تعرف هذه الفتنة ، فقد قال بعضهم : كلمة فتنة تحتمل معنيين:
الأول : أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد ، بمعني يختبركم ، فانتبهوالهذا ، وحاذروا وكونوا أبداً يقظين لتنجحوا في الابتلاء وتخلصوا وتتجردوا لله . U
والثاني ـ أيها الأخوة ـ : أن هذه الأموال والأولاد ، فتنة لكم، توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية ، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عنالله . U
أيها الأخوة المؤمنون :
وفي باب فتنة الأموال والأولاد ، روى البخاري في صحيحه ، أن حُذَيْفَةَ t ،
قَالَ : قَالَ عُمَرُ t ، مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ r فِي الفِتْنَةِ ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ : أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ :
(( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ )) إلى آخر الحديث .
فعلى هذا ـ أيها الأخوة ـ من وجد في نفسه ، تقصيرا أو إهمالا أو تكاسلا عن طاعة من الطاعات ،
أو قربة من القربات ، بسبب أهل أو مال أو جار ، وكلنا ـ والله ـ كذلك ، فعليه الإكثار من الصلاة والصيام والصدقة ،
لعل الله U أن يغفر له تقصيره ، و يتجاوز عن إهماله وكسله ، يقول U :
} إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا { .
اسأل الله U أن يهدي ضال المسلمين ، وأن يفقهنا في هذا الدين ، وأن يجعلنا هداة مهتدين ، لا ضالين ولا مضلين ،
إنه سميع مجيب . اللهم إنا نسألك الهدى ، والتقى ، والعفاف والغنى ، اللهم أحينا سعداء ، وتوفنا شهداء ،
واحشرنا في زمرة الأتقياء ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، اللهم اعصمنا من الفتن ، وأحينا مسلمين ، وتوفنا مؤمنين ،
غير خزايا ولا مفتونين برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم إنا نسألك وأنت في عليائك ، وأنت الغني ونحن الفقراء إليك ، أن تغيث قلوبنا بالإيمان ،
وبلادنا بالأمطار ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا . اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، هنيئا مريئا ، سحا غدقا ،
عاجلا غير آجل ، غيثا تغيث به البلاد والعباد ، وتعم به وببركته الحاضر والباد ،
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين .
} رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {.
عباد الله :} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {
فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .