د. جون اسفاكيناكيس *
د. جون اسفاكيناكيس *
هذا هو الوقت المناسب لتبادر دول مجلس التعاون وتعمل كمجموعة موحدة على كافة الجبهات الاقتصادية بما في ذلك العملة الخليجية الموحدة. ويجب على دول المجلس الآن أن ترقى بمستوى أدائها إلى مرحلة النضج وتتخلى عن ممارسات تكرار المشاريع وأن تعمل بشكل يجسد التضامن والتكامل مع بعضها البعض. ليس هناك وقتاً أفضل من الآن للارتقاء بمستوى التعاون الإقليمي في وقت يمر فيه الاقتصاد العالمي بمرحلة من التغيرات الهيكلية وتحاول فيه الولايات المتحدة الأمريكية معالجة مشاكلها في وقت يبدو فيه الدولار يسير على طريق الضعف الدائم أو يحاول فيه استعادة أنفاسه. وكذلك في وقت يقف فيه العالم على شفير فقاعة جديدة في قطاعي الأصول والسلع. وبينما تتعامل دول المجلس مع قضايا مهمة مثل شفافية الشركات وتبعات الأزمة المالية العالمية ومشاكل ديون دبي، فإن على دول المجلس أن تؤكد قدرتها ليس على إدارة الأزمة وحسب، ولكن على التغلب على جميع هذه الأزمات أيضاً. فلم يعد كافياً بعد الآن أن يصرح صانعو السياسات أن المنطقة تتمتع بحماية من الاضطرابات المالية الإقليمية والعالمية. ومن واجب دول المجلس أن تعبر عن قدرتها على اتخاذ القرارات والتصميم على معالجة القضايا الاقتصادية بدلاً من إصدار بعض التصريحات التي تفتقر إلى الجانب العملي والآليات القادرة على التغلب على هذه الأزمات.
من واجبنا أن نقول صراحة إن دول المجلس تحتاج إلى تحديد مكامن قدراتها الحقيقية وأن تتخلص من متلازمة تكرار المشاريع التي ظهرت خلال السنوات الماضية مثل بناء الجزر الاصطناعية الصناعية والبنايات الشاهقة والمطارات العملاقة وشركات الطيران ذات الكلفة المنخفضة والمراكز المالية وبناء المزيد من مصانع صهر الألمونيوم والمتاحف وميادين سباق السيارات (الفورميلا ون). لقد علمنا التاريخ الاقتصادي أنه من المستحيل أن تنجح أية منطقة في إقامة العديد من المراكز المالية والعديد من شركات الطيران المربحة والمراكز السياحية إذا كانت تعتمد كلها على نفس مميزات الجذب. إن المنطقة بحاجة أكثر من أي وقت مضى أن تحدد مكامن قدرتها. وكفاءتها في كل دولة وأن تهيئ الوسائل الكفيلة بنجاحها وازدهارها. لا تستطيع دول المجلس أن تتحمل الكلفة التي تترتب على محاولة كل منها التغلب على الدول الأخرى لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى انهيارها. ولن يعود هذه النهج بالفائدة إلا على الشركات الأجنبية التي تعيش على آمال (وأحياناً على غرور بعضها). فليس هناك دولة من دول المجلس تتمتع بالقدرة الكافية لتحتل المرتبة الأولى في جميع الميادين.
ولكن من المؤكد أن دول المجلس تستطيع أن تؤكد قدرتها كتجمع اقتصادي وتظهر تضامنها في التعامل مع الأزمة. وتحتاج دول المنطقة كذلك التخلي عن غرورها وخلافاتها وتتفق على ضرورة إجراء المفاوضات. إن خسارة طرف في العملة الخليجية الموحدة يجب ألا ينظر إليه على أنه ربح لطرف آخر وعلى بعض دول المجلس أن تكون على استعداد لتقديم بعض التنازلات حتى تتمكن من تعزيز قدراتها وإمكانياتها في المستقبل.
لقد باتت الفجوة تتسع بين ما تتوقعه شعوب المنطقة من ناحية، وبين ما تقدمه الحكومات من ناحية أخرى على الجبهة الاقتصادية. كما أن هناك فجوة كبيرة في الآراء المتعلقة بمنافع العملة الخليجية الموحدة والوحدة الاقتصادية بين رجال الأعمال والمواطنين العاديين. لقد سبق لهذه الفجوة أن وجدت في الاتحاد الأوروبي قبل إصدار العملة الأوروبية الموحدة إلا أن خطوات ضرورية اتخذت لضمان التأييد لهذه الخطوة. فالقرارات المتعلقة بالجمارك والتجارة وانتقال رؤوس الأموال والعمال يجب أن تتخذ وبأسرع وقت ممكن. كما أن فجوة التفاهم بين دول مجلس التعاون كتجمع اقتصادي وبين العالم قد اتسعت أيضا. فالمستثمرون العالميون يرون فرصاً هائلة في المنطقة، إلا أنهم يلاحظون غياباً بالالتزام من قبل الدول الأعضاء في المجلس وخصوصاً فيما يتعلق بحسنات دول المجلس كتجمع اقتصادي والعملة الخليجية الموحدة. لقد أنجز الكثير حتى الآن لكن لا يزال أمامنا الكثير لإنجازه ولا سيما على صعيد تعزيز صلاحيات مؤسسات مجلس التعاون لتصبح قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها في تعزيز مسيرة المجلس وتعزيز مسيرة التضامن والتعاون بين جميع الدول الأعضاء.
تستطيع الأسواق العالمية أن ترفع أو تخفض من ترتيب منطقة ما من خلال الضغط مرات قليلة على فأرة الكمبيوتر، كما رأينا ذلك في أزمة ديون دبي خلال الشهر الماضي على دول المجلس أن تنهض إلى مستوى المسؤولية وتؤكد قدرتها مجدداً على تخطي الصعاب والعقبات قبل أن تبدأ الأسواق العالمية التشكيك بقدرة المنطقة على تسوية مشاكلها. فاقتراح قطر لإقامة بنك خليجي للتنمية على غرار البنك الأوروبي للأعمار والتنمية هو اقتراح جيد. ومن أحد الطرق لإقامة علاقات إقليمية جيدة هي أن تكون أبو ظبي مقراً لهذا البنك. ومن المهم أيضاً أن تقوم دول المجلس بإعادة فتح المفاوضات لإقناع دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان المشاركة في العملة الخليجية الموحدة. فلدى هاتين الدولتين الكثير ليقدماه، والعمل على توضيح أن التنازل عن قليل من السيادة ضروري لإقامة تجمع اقتصادي ووحدة نقدية. وأن دولة الإمارات وسلطنة عمان يجب أن تدركا أن المكاسب التي ستجنياها من خلال مشاركتهما في العملة الخليجية الموحدة ستكون أكبر بكثير مما سيحققانه لو عملت كل منها بشكل منفرد عن باقي دول المجلس هناك الكثير من الأمل من وراء هذه المفاوضات ولا سيما أن اللعبة تقوم أصلاً على تقديم التنازلات المتبادلة والقبول بالحلول الوسط. كما أن واجب المملكة العربية السعودية أن تبادر إلى استقطاب جيرانها نظراً لثقلها الاقتصادي ولأنها تمتلك الاقتصاد الأكبر بين دول المجلس. لطالما عرفت المنطقة بتجانسها الحضاري واللغوي، ولكن لا بد من تأكيد هذا التجانس على الجبهة الاقتصادية.
إن محاولات دول المجلس لتوحيد اقتصاداتها تحت مظلة واحدة، غالباً ما تدفع المحللين إلى إجراء مقارنات مع الاتحاد الأوروبي. وقد يكون من المناسب أكثر التطلع إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا كنموذج يصلح للمقارنة فمن بين الدوافع التي أدت إلى إقامة رابطة دول جنوب شرق آسيا كان تعزيز التنمية الاقتصادية وتخفيض الاعتماد على القوى الخارجية أو عدم ثقتها بهذه الدول والاعتماد على قدراتها الذاتية ومحاولة تقييد قيام دول إقليمية مهيمنة. فقد شاركت سنغافورة وماليزيا بنشاط وفاعلية في هذا المشروع لضمان الإجماع ومنع هيمنة أي من الدول الإقليمية. هناك من يفضلون عدم رؤية مجلس التعاون يعمل كتجمع اقتصادي. وعلى المنطقة العمل بجد لجسر الفجوة بين الآراء المختلفة ولإيجاد أرضية مشتركة تعزز القدرة الاقتصادية لدول مجلس التعاون.
* مدير عام المجموعة وكبير الاقتصاديين، البنك السعودي الفرنسي